Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abou-Tharr Al-Libi
الكاتب الليبي أبوذرّ الليبي

Wednesday, 22 March, 2006

         

نظرية التطور بين العـلم والدين (3)

أبوذر الليبي

ملاحظة : كنت قد عقدت العزم على إرسال هذه الحلقة للنشر الأسبوع القادم ، ولكن لتقنيات هذا العصر أحيانا ، إن لم يكن دائما ، أحكامها ، وقد رأيت أن أرسل هذه الحلقة قبل موعدها لإستدراك خطأين وقعا سهوا في الحلقة الماضية. الأول: كان أن القاموس المزود به جهازي لا يدعم بعض المصطلحات العلمية ولذلك أنزل المصحح التلقائي مصطلحspecialization بدلا منspeciation ، أما بخصوص العملية الحسابية التي أجريتها لإيضاح المقياس الزمني الذي قصدته حين تحدثت عن التطور فقد وردت سهوا كلمة القرن بدلا من الألف ، والصحيح هو (الألف الرابع قبل الميلاد) وبذلك يكون إجمالي عدد الأجيال منذ ستة الآف سنة مساويا مائتي جيل ، وعلى أية حال كان هذا مجرد مثالا للتوضيح لأن تاريخ ومكان إختراع الكتابة غير متفق عليه حتى الآن.

نشوء الحياة :

إن الإشكالية في التساؤلات المطروحة عن التطور هي لاتكمن في إستحالة ماقلناه سابقا عن تطور الكائنات الحية ، فهو ممكن القبول الى حد كبير ، ولكن المشكلة في السؤال الذي يطرح نفسه إثر كل محاولة لتقبل هذا الطرح: ماذا عن الخلية الأولى متى وجدت وكيف؟؟
للإجابة عن هذا السؤال نذكر بنتلك التجربة الشهيرة التي وفر فيها أحد الباحثين جميع العناصر الكيميائية المفترض وجودها في بيئة ماقبل الحياة Abiotic factors ، جمع خليطا من غازات الميثان والأمونيا وثاني أكسيد الكربون والكبريت والهيدروجين ، قام بتسخين الماء ليتحول الى بخار ويمر على هذه الغازات في جو مقفل مع إمرار شرارات كهربائية عالية الضغط شبيهة الى حد كبير بظاهرة البرق ثم جعل الأبخرة الناتجة تتجمع في جزء من أسفل الجهاز وقام بتحليلها وإذا بها تسفر لأول مرة في تاريخ العلم عن تصنيع معملي لمواد كان يعتقد أنها لا يمكن أن تصنع الا في الأجسام الحية ، كان من بين هذه المواد الأحماض اللأمينية ، وهي كما سبق أن ذكرنا الوحدة البنائية للبروتين ، والبروتين ليس الا سلاسل من الأحماضية الأمينية(Polymer of Amino acids) ، والبروتين هو المادة المسؤولة عن الأغلبية الساحقة من العمليات الحيوية في الخلية الحية... في تجارب أخرى مشابهة تم إجرائها على مواد مثل سيانايد الهيدروجين والفورمالدهيد والفوسفوروبالطبع الماء ، تم الحصول على عدة أنواع من جزيئات النيكليوتيدات Nucleotides وهي المكون الرئيسي في الحامض النووي ، والحامض النووي DNA (DEOXYRIBONUCLEIC ACID) أو(RIBONUCLEIC ACID) RNAليس الا سلاسل من النيكليوتيدات مع وجود عنصر الفسفور ونوع من السكريات خماسي شبيه بسكر الفاكهة(FRUCTOSE) يسمى رايبوزRIBOSE . بهذه التجارب تمت البرهنة على إمكانية تصنيع المواد الأساسية المكونة للحياة (بروتين + حامض نووي) بمجموعة من العناصر والظروف أمكن إالى حد كبير توفرها في البيئة البدائية للأرض والتي تشبه الى حد كبير مانراه اليوم متوفرا في بعض الكواكب ذات الشبه بالإرض كالمريخ والزهرة وبعض أقمار المشتري مع الفارق من حيث الظروق الناتجة عن القرب أو البعد عن الشمس. وينبغي ألا يفهم القارئ أننا نشير الى سهولة ذلك ولكننا نِؤكد إمكانيته مع وفرة الظروف الطبيعية والتي من أهمها الماء والعناصر الكيميائية وأشعة الشمس المِؤينة فوق البنفسجية أوالأشعة الكونية.

الحلقات المفقودة :

إن مرحلة وجود الحامض النووي بشكل منفرد دون باقي مستلزمات النشاط الحيوي تتمثل اليوم في الفيروسات ، إن الفيروس لا يصنف اليوم على أنه كائن حي ، أنه مجرد حامض نووي DNA في بعض الأنواع و RNA في أنواع أخرى ، تجمع على بعضه في حالة متبللرة ومحاط بطبقة غير حية من البروتين ، ويبقى في الطبيعة ساكنا خامدا لا حياة فيه إلا إنه بمجرد لقائه بالخلية المناسبة له يتسرب هذا الحامض النووي ويتحد مع جينات الخلية المصابة ويبدأ نشاطه في توليد بروتينات معينة تتداخل مع البروتينات الأصلية للخلية ، أو يعطل إنتاج بروتينات معينة ضرورية لحياة الخلية ، وفي نفس الوقت يبداء في التناسخ داخل الخلية لأنتاج عددا كبيرا من النسخ تكون جاهزة للإنقضاض على باقي الخلايا بعد تحلل الخلية المصابة ، هذا الغزو يؤدي الى ظهور مانعرفه من الأمراض الفيروسية بداية من فيروس الزكام الشائع الى بعض أنواع من السرطان أو ذلك النوع الشهير الذي يتداخل مع وسائل إتصال الخلايا المناعية بين بعضها البعض ( الأيدز) ويوقفها ، وتوجد أنواع كثيرة جدا من الفيروسات في كل الأماكن في البيئة المحيطة ولكل أنواع الخلايا بما في ذلك البكتيريا والنباتات ، وقد تأكد العلماء من أن بعض الفيروسات قادرة على تغيير نفسها بإستمراربحيث تتحايل على الأنظمة المناعية التي تعتمد الى حد كبير على تسلسل الأحماض الأمينية للبروتين الخارجي للفيروسAntigenicity ويعتقد العلماء اليوم أن الفيروسات يمكن أن تتكون وتظهر منها أنواع كانت غير موجودة في السابق ، كما أنها تخضع لموضوع الطفرات الجينية ، ويعتقد الكثيرون أن الطفرات في الطبيعة نشأت بفعل دخول مثل هذه المواد الجينية الي جينات كائن ما وبقائها فيه وانتقالها الى الأجيال التالية. نقطة أخرى تشكل الكثير من التحدي للفكرة السائدة في معظم الثقافات وهي أصل الأنسان ، كيف خلق ، وهل ينطبق عليه ماينطبق على غيره من الكائنات الحية.
فيما بين بداية الحياة وظهور الإنسان فإننا نرى وبشكل طبيعي أن هناك الكثير من الكائنات التي تحتل مواقعا متوسطة في مخطط تطور الكائنات ، وتثبت أن هناك مراحل وسيطة مرت بها تلك المخلوقات وأن ظروفها البيئية الملائمة جعلتها تبقى في صورتها تلك حتى يومنا هذا ، وقد إطلق عليها ألاحافير الحية لأنها مجرد نماذج من حقب قديمة جدا ، وعادة مايكون أقارب هذه الأحافير الحية قد إنقرضوا بالكامل.
وقد تحدثنا عن الفيروسات والبكتيريا والخلايا المتطورة وإحتوائها على مايشبه الخلاتيا البكتيرية في داخلها ، وتزخر الطبيعة بملايين الكائنات عديدة الخلايا مما تعتبر مجرد تكرار لتلك الصورة البدائية ولكن بشكل أكثر تعقيدا ، وكثيرا مانطالع تساؤلات عن كيفية ، على سبيل المثال ، تحول الكائن الحي من الحياة في الماء الى اليابسة ؟ أو كيف تحول الزاحف الى طير ، أو الطير الى ثديي ، وكيف تحول الثدي البري الى مائي أو كيف تميزت الخلية الى نبات وحيوان...الخ لقد عثر الإنسان على أمثلة حية لكل هذه المراحل من التطور ، ولن تكفينا صفحة كهذه لتعدادها (1) ولكن نذكر منها مثلا السمك الرئويLUNGFISH الذي يقضي حياته اليوم سابحا في المياه العذبة في مختلف أنحاء العالم ، و بمجرد جفاف الماء يتحول الى إستعمال رئتين كاملتين يستطيع من خلالهما الحصول على حاجته من الأكسجين وقد وجدت أحافير لهذه الأسماك في طبقات يعود عمرها الى 350 مليون سنة.
أحفورة حية أخرى مذهلة هي ذلك الحيوان الثديي Duck-billed Platypus الذي عثر عليه يحضن بيضه على شواطيء أستراليا والمذهل أنه لايملك فكا مميزا ولاأسنان بل منقارا كمنقار البط وجسمه مغطى بالوبر ويرضع طفله من غدة الحليب في أسفل بطن الحيوان ، وله ذيل أشبه بذيل السمكة وينتمي هذا الحيوان الى طائفة وحيدات المسلك ، وهي نوع من الثديات له كما للطيور والزواحف فتحة واحدة لكل من القناة الهضمية والجهاز التناسلي ، ولذلك صنفت هذه الطائفة على أنها أكثر الثدييات بدائية ، وتتركز هذه الطائفة في قارة أستراليا ؛ هذه القارة تحوي كثيرا من الأصناف التي لا توجد إالا فيها مع أن أحافير تلك الأصناف عثر عليها في جميع أنحاء العالم؛ وذلك لأنها منعزلة عن باقي القارات ولا شك أن الجميع يعلم أنها موطن الكنغرو ذللك الثديي الذي يفتقر الى المشيمة ويمتلك بدلا منها جرابا في بطنه يحتضن فيه مولوده منذ الشهر الأول بعد تلقيح البويضة حيث يخرج الجنين دون إنغراس في الرحم وحجمه لا يتعدى السنتمترين مكعبين ليزحف ويدخل الى الجراب حيث يبدأ في إمتصاص حلمة أمه لمدة سبعة أشهر قبل إنفصاله عنها ، هذا النوع لمزيد من المعلومات ينقسم الى تسعين صنفا مختلفا تتراوح أحجامهم من حجم الجرذ الى النوع الأحمر(المرسوم على العلم الأسترالي كشعار) الذي يصل علوه الى المترين.

إنسان النيندرتال(2) The Neanderthal (Homo neanderthalensis) :

إن أهم الأحافير التي عثر عليها وسببت في إنقلاب حقيقي عن تلك الفكرة العامة عن الإنسان هو ذلك المخلوق البشري الذي عثر العلماء على أول أحفورة له سنة 1909 وكانت محفوظة بشكل جيد ، حيث لحسن الحظ أن طبيعة سكنه في الكهوف جعلته بعيدا عن تأثير الطبيعة المدمر ونشاطات الإنسان وحفظت لنا عشرات المجموعات في حالة جيدة نسبيا بما في ذلك أدواتهم وطرق حياتهم. خضعت المكتشفات من هياكل هذا النوع لدراسات طويلة ، وساد الإعتقاد بأن هذا الكائن هو الحلقة المفقودة والنوع السالف للإنسان وذلك من خلال مقارنة عظامه وحجم وشكل جمجمته ، الى أن تمكن الباحثين سنة 2005 من إستخلاص DNA الخاص بالميتوكندريا حيث عثروا على بعض عظامه في حالة تسمح بإستخلاص الجينات الخاصة بالميتوكوندريا ، وقد بهر هؤلاء بما توصلوا إاليه من نتائج ، إن هذا المخلوق ليس سالفا للإنسان ، وترتيب الحامض النووي للميتوكوندريا يدل على أنه أبعد أكثر مما كان متوقعا عن لإنسان بل هو مرادف أو شبيه له ولكن أقل تطورا منه (Homologue)، أي بمعنى أنه في مرحلة تطورية متقاربة وكلاهما جاء من نفس السلف ، ويشترك معهم في ذلك الشمبانزي ، وقد دلت الأحافير على أنه عاش فترة طويلة مع الأنسان المعاصر إلا أن وجوده إقتصر على أوروبا وبعضا من آسيا ، كما دلت الدراسات على أنه لايمكن له أن يتناسل مع الأنسان المعاصر ، وقد تمت دراسة بعضا من برازه المتحجرالتي عثر عليه بجوار الكهوف التي حوت عشرات من الأحافيروتبين أن طعامه كان يقتصر على اللحوم ، كما أن أدواته التي كان يستعملها تقتصر على بعض الأدوات الحجرية مما يشير الى تدنى مستوى ذكاء هذا النوع ، وقد وجدت هياكل عظمية في حالة جيدة ولكنها تدل على أن هذا النوع من البشر كان يأكل لحوم بعضه البعض وذلك من خلال ماوجد من آثار للضرب وجماجم كأنها ضربت بمطارق وآثار للنيران على تلك العظام مما يدل على أنهم كانوا يطهون لحومهم قبل أكلها ، كما كانت الهياكل العظمية مجمعة بطريقة لاتدل على موت طبيعي بل على وجود صراعات وآثار للضرب مع أسلحة حجرية. المثير في الأمر هو إنقراض هذه النوعية وإختفائها في وقت واحد تقريبا وقد دلت الأحافير المكتشفة أن النيندرتال وجد في المدة مابين 230 الى 30 ألف سنة ولا توجد أية أحافير تدل أنه عاش بعد هذه الفترة ، وقد وصل بنهاية سنة 2005 أول الهياكل الكاملة من عظام هذا الإنسان الى المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بمدينة نيويورك.
ودون الدخول في تفاصيل أخرى عن أحافير لأشكال أخرى من البشرأو بمعنى أصح الرئيسييات(Primitives) أقدم من النيندرتال بملايين السنين وتختلف عنه في صفات كثيرة ، سوف نكتفي هنا بالنتيجة القائلة بأن هنالك العديد من السلالات البشرية عاشت في حقب مختلفة وتمتلك مستويات مختلفة من الذكاء والبنية الجسمية. وإذا إحتج أحد بأن هذه الفصيلة قد تكون نفس الإنسان الذي نعيشه اليوم فسوف نقبل جدلا بذلك إلا أن سؤالا كبيرا سنطرحه: فما شأن هذه الاختلافات الكبيرة في صفات الجسم وقياساته وأسنانه وعمره الذي لايتعدى الأربعين سنة ، ألا يعد هذا تطورا ؟ ثم ما شأن هذه الإختلافات التي تميز البشر عن بعضهم كاللون والبنية ؟ أليست هي آثار التأقلم مع البيئة مع إنعزال المجموعات البشرية عن بعضها؟ ألا يعد الشخص الشمال- أوروبي متطورا عن باقي البشرمن ناحية القوة البدنية ولا نبتعد عن الصواب إذا قلنا العقلية؟ ونحن هنا لا ننظــّــر للتفرقة العنصرية بقدر مانبرز تأثير البيئة والمحيط على جسم الإنسان.
مع كل هذه الدلائل والقرائن على علاقة الكائنات الحية ببعضها ، بداية من عالم ماقبل الحياة مرورا بالبكتيريا وعالم وحيدات الخلايا(Monocellular organisms) نهاية بالأنظمة متعددة الخلايا(Multicellular organisms) التي يتربع الإنسان المعاصر على قمتها ، أصل الى ماكنت قد قلته في البداية: إن التطور حقيقة علمية مبرهن عليها ولم تعد مجرد تخمينات أو نظريات فلسفية. ولا ينبغي أن نستمر في إنكارها. والحديث موجه هنا الى مهاجمي فكرة التطور من المتدينين ؛ عليهم أن يعيدوا قرائتهم لهذه النظرية من حيث أنها لم تعد نظرية داروين التي خرج بها على الناس سنة 1860. هذا ما كان من رأي العلم الحديث (2005) وليس علم القرن التاسع عشر، في المرة القادمة نطرح هذا الموضوع من ناحيته الدينية ، لماذا رفضه المتدينون (من الديانات السماوية الثلاث) ، وهل يمكن أن يستمر هذا الرفض في ظل البيانات المتراكمة عن الجينات والأساليب الحديثة في تصنيف الكائنات الحية مع الدلائل المادية التي حفظتها لنا الطبيعة منذ مئات الآلاف من السنين؟
أرجو أن أكون قد تمكنت من تبسيط بعض الأشياء للأخوة غير المتخصصين ، وقد إمتنعت عن وضع مراجع حتى لا يتحول المقال الى بحث علمي ،على أنني وضعت بعض المصطلحات العلمية لمن أن أراد أن يستعملها للبحث في شبكة المعلومات ومتابعة المزيد من التفاصيل.

والى لقائنا القادم أستودعكم الله.

أبو ذر الليبي
________________________________________________

(1) تزخر الكائنات المجهرية بالعشرات من الكائنات التي لايمكن تصنيفها على أنها حيوان أو نبات ، حيث توجد سلوكيات الكائنات الحيوانية من ناحية الحركة والتزاوج وطرق توليد الطاقة الكيميائة وفي نفس الوقت تجد أن الكائن يحتوي على الكلوربلاست الذي يقوم بوظيفة البناء الضوئي في النبات ، من ضمن هذه المخلوقات يوجد ميكروب وحيد الخلية يسمى Toxoplasma gondiiالمسبب لمرض خطير يهدد حياة الأجنة البشرية بالإجهاض ومصدر هذا الميكروب هو العائلة القططيةوأقاربها من الثدييات ، وهو مرض متوطن في ليبيا ، الغريب أن هذا الكائن يقضي عمره من أمعاء القطط الى أنسجة الحيوان أو الإنسان ومع ذلك فهو يملك كلوروبلاست.
(2) لمن يريد المزيد من المعلومات في العناوين التالية :
http://en.wikipedia.org/wiki/Neanderta
http://www.psu.edu/ur/NEWS/news/Neandertal.html
http://www.britannica.com/search?query=Neanderthal&ct=&searchSubmit.x=3&searchSubmit.y=12


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home