Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abou-Tharr Al-Libi
الكاتب الليبي أبوذرّ الليبي

Saturday, 18 March, 2006

         

نظرية التطور بين العـلم والدين (2)

أبوذر الليبي

الإفتراضات والأدلة

في الأسبوع الماضي طالعنا ما أعلنته مؤسسة ساينس (علم) من إعتبار للعام 2005 كعام الكشوفات الكبيرة ذات العلاقة بالتطور ، وقد عنيت بترجمتي للمقال أن أشير الى خطأ الإحتجاج بأن العلم قد أثبت بطلان نظرية التطور ومحاولة منا لمزيد من التوضيح سنتحدث هذه المرة عما يقوله العلم عن تطور المخلوقات وماهي الأسس التي قامت عليها هذه النظرية. يتجه الكثيرون على إختلاف مستوياتهم أو تخصصاتهم العلمية عند الحديث عن التطور الى تشارلز داروين ، بإعتباره صاحب السبق في الإشارة الى التطور كأساس للعلاقة القائمة فيمابين الكائنات الحية ، ويبدو هذا طبيعيا عند الولوج الى الموضوع من ناحيته التاريخية ، إلا أنه من السذاجة وقلة الإطلاع والقصور في مواكبة التطور العلمي ونحن نقترب من نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين أن نبقي رأينا في هذه النظرية مقتصرا على موقف سلبي مما قاله داروين منذ أواخر القرن التاسع عشر، وفي تقديري أن نظريته ، التي قامت أساسا على المشاهدة ثم التحليل فالاستنتاج ، لم تواجه كل ذلك الرفض لأنها تعاني من أي خلل منهجي بل لأنها كانت تقلب مفاهيم الكنيسة رأسا على عقب فيما يتعلق بموضوع الخلق. ونختص الكنيسة هنا بالذكر لأن حال المسلمين في أواخر القرن التاسع عشر كانت لا تسمح بإتخاذ أي موقف من مثل هذه الأشياء.
وتأجيلا للحديث عن الناحية الدينية سنقصر حديثنا اليوم عن نظرية التطور من الناحية العلمية.
وكمدخل تاريخي للموضوع نبدأ من تشارلز داروين.
ولد الرجل سنة 1809 في مدينة شريزبوري الانجليزية لأبوين مسيحيين إنجليزيين ، أصبح عالما للتاريخ الطبيعي ، وساعده إنتمائه للإمبراطورية التي لاتغرب عنها الشمس في ذلك الوقت الى القيام بالعديد من الرحلات العلمية الى مناطق مختلفة من العالم ، أهمها رحلته الى أمريكا اللاتينية ونيوزيلاندا التي دامت من 1831 الى 1836 وجمع فيها الافا من العينات النباتية والحيوانية (والرسومات لما لم يستطع الاحتفاظ به) ، بالإضافة الى كثير من الأحافير (المتحجرات) عثر عليها في عدة جزرمنعزلة من المحيط الهادي. عكف بعد عودته الى وطنه على دراسة عيناته وملاحظاته التي جمعها ، وكان من أطرف ماشاهده وجود نوع من السلاحف منتشر في عدة جزر منعزلة عن بعضها في المحيط الهادي ، كانت السلاحف جميعها من نوع واحد إلا أنها لطول إنعزالها عن بعضها كانت قد إتخذت عدة صفات مختلفة قليلا كالقرون وسمك الدرقة وطول الرقبة أو الأرجل ..هذا إالى جانب العديد من اللأدلة على حدوث تغيرات ملحوظة على أفراد النوع الواحد ، وهكذا خرج بمجموعة من الاستنتاجات بنى عليها نظرياته عن التطور وهي: أن التطور قد حدث ، وأنه كان تدريجيا وإستغرق ملايينا من السنين ، وأنه قد حدث بحكم قانون سماه الانتخاب الطبيعي ، يعتمد هذا القانون على أن الكائنات التي بقيت حية هي تلك التي إستطاعت التأقلم وتطوير إمكانيات لمكافحة البيئة أوغيرها من الكائنات ، وأن الطفرات والتغيرات التي تحدث على الكائنات الحية قد تكون عامل ضعف فينتهى حاملها وقد تكون عامل قوة وتعطيه إمكانية أن يبقى ويثكاثر، ولذلك فإن التغير والتطور حدث في معظم الأحيان بسبب الظروف المحيطة من البيئة، والإستنتاج الأخير أن الكائنات الحية أنما تعود الى كائن أصلي واحد تفرع وتنوع عنه بضعة ملايين ممانراه اليوم من كائنات عبر عشرات الملايين من السنين في عملية سماها (Specialization) .
ورغم أن هذا الطرح كان متقدما جدا عن ذلك العصر الذي عاش فيه هذا الداروين إالا أننا اليوم وبعد مائة وسبعين من السنين نرى وسائل ومعارف وتقنيات مكنتنا من البرهنة على ماإعتبره داروين في عصره أحجية الاحجيات (كيفية التحول والتميزمن نوع الى نوع).
إن المميز في تقنيات وأساليب العلم الحديث هو أنها ليست فقط تمكننا من البرهنة على التطور بل إنها تمكننا من إعادته في نماذج معملية وإستعماله لصالح صحة البشر والحيوانات والمحافظة عليها وعلى النباتات وخاصة الأنواع المفيدة للإنسان وتلك التي توشك على الإنقراض.
إن ذلك يحدث وبشكل يومي في جميع معامل علم الأحياء الجزيئي (بالطبع ليست معامل دول العالم الثالث)، وأن كثيرا من الأبحاث التي تجرى على حيوانات أو نباتات التجارب إنما هي لإحداث تغييرات في المعلومات الوراثية لذلك الكائن بحيث يتم تجربة دواء معين عليها ، أو قدرتها على البقاء بدون جين معين ، أو بوجود جين ما غريب عنها تم إدخاله إصطناعيا. إنها محاكاة لماكان قد حدث طبيعيا ملايين المرات على الكائنات الحية عبر عشرات الملايين من الأجيال.

نبدأ بداية أخرى

تبداء شجرة الحياة في أي كتاب لعلوم الحياة ومايتعلق بها صادر في العشرين سنة الأخيرة في القرن العشرين من الخلايا الصغيرة البسيطة التركيب والسلوك الحيوي المسماة بكتيريا.
وحيث أن عمر الأرض يقدر بحوالى 4.5 مليار سنة فقد وجدت أحافير لأنواع من الخلايا شديدة الشبه بالبكتيريا وقدرت أعمارها بفترات تصل الى 3.5 مليار سنة. مما يعني أنها أقدم شكل للحياة نعرفه حتى الآن. وأيا كان عمرها فهي من الناحية الحيوية تعتبر أبسط وأصغرأشكال الحياة على الإطلاق، ولذا فهي قادرة على البقاء في جميع الأماكن طالما كان هناك ماء (وسنتحدث لاحقا عما جعل الماء أهم مقومات أي نشاط حي) ، وقد وصل الأمر أن تعيش أنواع منها في مناطق حرارتها تقترب من الغليان أو مابين الفجوات المجهرية التي تتخلل ثلوج المناطق القطبية.
يصعب على العلماء حتى اليوم تصنيف هذه المخلوقات (البكتيريا) في عالم النبات أو الحيوان ، وذلك لأنها لا تملك أيا من المميزات لأي منهما ، غشاء الخلية رفيع ولاتملك نواة مميزة وأعضائها الداخلية بسيطة التركيب ، وقد تم تصنيفها ككائن سابق لعالم الحيوان والنبات.
أما النوع المتطور من الخلايا Eukaryotes فهو يتميز بأنه أكبر حجما من البكتيريا وبإمتلاكه عدة أنواع من الأعضاء الداخلية محاطة بغشاء الخلية تؤدي وظائف محددة ومختلفة للخلية (الميتوكوندريا، والليسوسوم والنواة الحقيقية المحاطة بغشاء خاص بها ...الخ ، و يحوي غشاء الخلية أيضا الكثير من الإنزيمات التي تقوم بوظائف حيوية عديدة للخلية. ينتمي لهذا النوع قائمة طويلة جدا من الكائنات وحيدة الخلية تعيش بشكل منفرد وتنقسم ثنائيا ، وتقابلها قائمة تسمى عديدة الخلايا من نبات وحيوان ومابينهما و لعل من أهمها بالنسبة لنا الخلايا المكونة لجسم الإنسان.
وتؤكد نتائج الإبحاث التي أجريت على هذا النوع من الخلايا طيلة النصف الأخير من القرن العشرين وحتى اليوم أنها تتبع أساليب متماثلة الى حد كبير في الإنقسام والتزاوج وأسلوب توليد الطاقة ومسار تخليق البروتين وطرق الآتصال فيمابين الخلايا وأسباب إنتحار الخلايا أو موتها أو فقدانها القدرة على الموت (التسرطن)، وتبقى مسالة التخصص (مع وجود كل المميزات السابقة) مقتصرة على الأنواع عديدة الخلايا التي تصل درجة التعقيد فيها لمستوى الكائنات الراقية وصولا إالى الإنسان والعائلة التي ينتمي اليها (الرئيسييات).
بتحليلنا لسلاسل الحامض النووي DNAللعديد من الجينات التي تتواجد في جميع أنواع الخلايا من الممكن أن نقوم بتصور مخطط يبين العلاقة بين كل هذه الأنواع من الخلايا ، ونظريا يعتبر الفرق في عدد الإختلافات في سلاسل الأحماض النووية مساويا للزمن الذي تم فيه إنفصال مجموعة ما من الكائنات عن الأخرى ، وبطريقة أخرى فإن الكائنات ذات السلاسل المتشابهة تملك تاريخا تطوريا مشتركا أطول من الكائنات ذات السلاسل المختلفة.
ومما يؤكد ذلك تأتي نتائج الأبحاث في مجال آخر (الجيولوجيا - Geology) متطابقة مع هذه النظريات، فقد بينت طبقات الصخور وخاصة الرسوبية أنها دائما تحوي كائنات متقاربة جدا في مراحل التطور وأن هناك الطبقة الأعمق المسماة Mesozoic وتمثل حوالى الستين مليون السنة السابقة لظهور أي نوع من التثدييات ، تظهر بعدهذه المرحلة بعض التثدييات التي لا توجد أمثالها على قيد الحياة اليوم ولكنها تتشابه في الصفات مع العديد من العائلات الموجودة حاليا، وبعد حوالى الستين مليون سنة أخرى تشهد الطبقات المترسبة وما فيها من أحافير تنوعا وإزدهار كبيرا للكائنات ذات المستوى المتطور بما فيهاالأنسان الموجود حاليا و إنسان النيندرتال (وسنتحدث عن هذا النوع من البشر في الحلقة القادمة).
المميز الآن أن لا تبدو هناك علاقة بين تلك الكائنات البدائية المسماة بكتيريا والتي تحدثنا عنها في البداية Prokaryotes والخلايا المتطورة Eukaryotesوالتي تبدأ من خلايا الخميرة وتنتهي بالأشجار والأنسان. شكل وحجم ومكونات وكيمياء مختلفة.
المفاجأة المثيرة كانت عندما تم تحليل مكونات الميتوكوندريا في الخلايا الحيوانية والنباتية ( مايمكن تسميته مولدات الطاقة) والكلوروبلاست المسؤول عن التركيب الضوئي في النبات. وجد إنها تحتوي على جينات مختلفة تماما عن الخلايا الموجودة فيها ، أن جيناتها مشابهة الى حد كبير لجينات البكتيريا ، ذلك النوع البدائي من الخلايا ، بل إنها تتبع طريقة لتخليق البروتين تشابه الى حد كبير الطريقة المتبعة في البكتيريا ، والملفت للنظر أن خروج محتويات هذه العضيات الى باقي جسم الخلية يعتبرحكما بالإعدام على هذه الخلية. لقد شكلت هذه الملاحظات إكتشافا لما يمكن تسميته بالحلقة المفقودة بين هاذين النوعين من الكائنات الحية.
إنها مثال حي لعملية تسمى البلعمة (Phagocytosis) . تحدث هذه العملية كل يوم بضعة الآف من المرات داخل جسم الإنسان ، إنها إبتلاع خلية لخلية ، الطريف أن هناك أنواع معروفة اليوم من البكتيريا لايمكن لها أن تعيش إلا في خلايا الإنسان أو الحيوان ومنها أنواع مسببة لمجموعة من أهم أمراض البكتيريا التي تصيب الحيوان والإنسان. إنها بكتيريا لا تعيش الا داخل الخلايا الحية من النوع المتطور.
إن التطور حدث في هذا النوع البدائي عندما بدأت الخلايا في الإنضمام الى بعضها البعض بواسطة الابتلاع ثم البقاء في مرحلة من المراحل الى الأبد ، أو بواسطة الالتصاق الى بعضها البعض ، ويوجد في بيئتنا كثير من هذا النوع الذي تعيش فيه عدة أنواع مختلفة من الكائنات في منظومة واحدة في نوع من التكافل بينها ، هذا النوع من التكافل شكل في النهاية أنواعا متخصصة من الخلايا كل يقوم بمهمته للإبقاء على الجميع. إن كل هذه التصورات والمراحل المقترحة قد تم التأكد عدة مرات من وجود أمثلة لها ، هذه الأمثلة هي كائنات حيوانية ونباتية موجودة تشير الى حدوث هذه التطورات التي حدثت للخلية الحية منذ بدايتها. ولا تزال هناك أنواع من الكائنات لم يمكن بعد تصنيفها بشكل نهائي فهي تجمع بين صفات كثيرة بين الحيوان والنبات مثلا.
وقد يصعب تصور المقياس الزمني الذي تحدث فيه التغيرات والتطورات ، ولتسهيل ذلك سنحاول أن نحسب كم من الأجيال بالمقياس البشري في ستين مليون سنة ؛ يقدر الجيل البشري بثلاثين سنة ، إذا الستين مليون سنة تساوي مليوني (إثنان من الملايين) من الأجيال البشرية ، فلنقارن ذلك بما نعلمه من أن البشر ومنذ إختراع الكتابة حتى الآن لم يكملوا مائتا جيل ( القرن الرابع قبل الميلاد)؛ فما بال الكائنات التي يبلغ الجيل فيها عدة دقائق أو ساعات وأيضا سنوات كأغلب الثدييات المتوسطة التي لايزيد الجيل فيها عن العشر سنوات.

أرجو ألا أكون قد أطلت. وللحديث بقية.
والسلام عليكم ورحمة الله.

أبو ذر الليبي


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home