Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abou-Tharr Al-Libi
الكاتب الليبي أبوذرّ الليبي

Tuesday, 17 January, 2006

ليبيا ( الاسلام والقبيلة و اللادولة ) ...

تأملات في الحوار المذاع حول كتاب الاستاذ فرج نجم

أبوذرّ الليـبي

شاهدت ككثير من متابعي قناة الجزيرة إحتفاء القناة بكتاب (الاسلام والقبيلة والدولة) للأستاذ فرج نجم، وقد رأيت أن أساهم في ذلك الإحتفاء ببعض الملاحظات النقدية، ليس للكتاب ككل حيث أنني لم أحظى بشرف قرائته بعد ولكن من خلال ماسمعته من حديث الاستاذ مؤلف الكتاب والأخ المستضيف.
بداية في تقديري أن الأخ المضيف لم يوفق كثيرا في طرح النقاط الجديرة بالنقاش والتي يمكن أن نفهم أن الكتاب يركز عليها من خلال العنوان؛ وإن كنت أرد ذلك الى ضيق الوقت وضرورة المرور على أغلب عناصر الكتاب بالإضافة الى عدم إالمام المضيف بتاريخ القطر المتعارف على تسميته ليبيا.
بداية أشير الى البداية التي إستقاها المضيف من مقدمة الكتاب حول تمازج النسيج الليبي وتداخله مع المحيط المغربي والمتوسطي ، أخذا (السنوسي)، وعطاء (أبورقيبة)، حيث أن هذا لا يعتبر في ذلك الوقت أخذا ولا عطاء، وقد حدث ذلك حينما كانت المنطقة العربية في أفريقيا وبالأخص المغاربية إمتدادا واحدا لا وجود فيه للتصنيفات الموجودة حاليا، وقد كان الأحرى في نظري بالإخوة المتحاورين أن يشيروا الى أن ليبيا التاريخية ليست فقط هي مانراه اليوم من حدود إدارية بين مصر وتونس. وأن مصطلح ليبيا قد أعاد أطلاقه الطليان على المنطقة المتبقية بعد إحتلال الفرنسيين مايسمى بتونس والجزائر من الغرب وخضوع مصر من الشرق للنفوذ الانجليزي فلم يكن للطليان الا هذه المنطقة بعد إن كانت أطماعهم تتجه الى تونس. أما ليبيا التاريخية فهي تمتد لتشمل كل شمال أفريقيا حيث سكنت وسيطرت قبائل اللوبيون التي إشتق منها هذا الإسم. لذلك فإن النسيج الاجتماعي لا يتصنف في تكوينه وفقا للأسلاك الشائكة التي تنتصب اليوم بين قبائل برقة وسكان صحراء مصر الغربية أو بين قبائل جنوب مايسمى تونس أوشرق الجزائركما أن هذا ينسحب على قبائل الجنوب القاطنة فيما بين ليبيا من جهة وتشاد والنيجر من جهة أخرى.
أما فيما يخص سؤال المضيف عن عناصر العنوان فإنني أخالف الأخ الفيتوري في تقريره أن الإسلام قد أفرغ القبيلة من العدوانية والإستكبار وجعلها محضا إجتماعيا وتحولت بعدها القبيلة الى الأمة ثم الدولة، وأرى أن الواقع ليس كذلك إلا إذا كان يقصد أن الإسلام بشر بذلك نظريا؛ أما عمليا فقد ظهر واضحا صمود القبيلة في وجه الاسلام متمثلا في مانعي الزكاة من قبائل الجزيرة العربية، حيث أن رفضهم لم يكن موجها في أغلبه للإسلام كدين يدعو للاله الواحد أو غيره من مبادئ الاسلام بل الى سلطان القبيلة قريش بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ممثلة في أول الخلفاء أبي بكر، الذي نجح بدوره في إخضاع هذه القبائل الى سلطة الدولة الناشئة حديثا في المدينة كمرحلة أولى، ثم نجح خلفاؤه فيما بعد في توجيه قوى هذه القبائل نحو الفتح الخارجي. ويمكن البرهنة على ذلك بتعداد كم من الثورات التي حدثت على إمتداد الامبراطورية الإسلامية التي نشأت بعد ذلك. وقد إستمرت القبيلة في وجودها وصمدت طيلة كل هذه السنين وصولا الى الفسيفساء السياسية التي نراها اليوم والتي قامت عليها أغلب مايسمى بالدول العربية. اما ما قرره الأخ الفيتوري عن تفريغ الاسلام القبيلة من العداء والاستكبار وحديثه عن نشوء الأمة في التاريخ الاسلامي فهذا مالا أرى وجودا فعليا له الا في فترة مبكرة إنتهت بوفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث لم تنجح هذه الفترة القصيرة في صنع وعي أبناء الأمة بوحدة الفكر والتوجه والبعد الايماني، وله أن يرجع الى القتال المرير بين أبناء الأمة في صدر تأسيس الدولة ثم إستمرار هذه السلسلة من القتال حتى يومنا هذا ناهيك عن إستنجاد كثير من حكام هذه الأمة بأعدائها ضد حكام آخرين منها.
أما عن محور أصول الأمازيغ وطريقة تمازجهم فقد بدا واضحا إرتباك الأخ الفيتوري في إعتذاره عن الحديث في هذا الموضوع لأنه يمس نقطة حساسة هي علاقة الأمازيغ بالفتح العربي لمنطقة شمال أفريقيا عموما. وإالتزاما بالموضوعية والأمانة العلمية كان عليه أن يقر بأن نفس الصعوبات التي واجهت الفاتحين للجزيرة العربية عادت وظهرت بقوة في فتحهم للشمال الأفريقي ، كما أن حديث الأستاذ نجم عن أن التعريب حدث بالترغيب والإندماج الطوعي هو حديث مجانب للحقيقة التاريخية وهذا ليس عيبا في حد ذاته، بل أنه يعتبر من الأنماط المعتادة في أحداث التاريخ، كما أنه من الإنصاف أن نقول أن الفتح العربي لم ينجح في تعريب الشمال الأفريقي إلا بنفس الأسلوب السابق الذي حدث في الجزيرة وهو إستثمار سطوة أكبر قبائل الصعيد المصري، سليم وهلال، التي هي في الأساس عربية ورفضها سلطان الدولة، التي كانت فاطمية شيعية في ذلك الوقت، وتوجيهها نحو إستيطان الشمال الأفريقي الذي لم يزل أمازيغيا في أغلبه حتى ذلك الوقت. أما مافعله بنو سليم وبنو هلال من أخضاغ لقبائل البربر بالقوة والقتل والأسر والاستكبار (كما يسميه الأستاذ الفيتوري) وما يرويه المؤرخون من حرق للزرع وتدمير للممتلكات فهذا مالا يمكن إنكاره.
سؤال آخر إستغربته من الأخ المضيف وهو ذلك الذي كان عن اليهود والزنوج، وأبدي إعتراضي لإستعمال مصطلح الزنوج لسكان ليبيا من ذوى البشرة السمراء، ففيه من التفرقة ما يشير الى نزعة عنصرية تجاه قوم لا يختلفون عن غيرهم إلا في لون البشرة، أما عن اليهود فلا أدري كيف يسأل المضيف عن إنعزال اليهود، وكيف لم يستغرب الأخ نجم هذا السؤال والجميع يعلم بداهة أن اليهود لم يستطيعوا طيلة تاريخهم الإمتزاج مع أي مجتمع، بل أنهم في كثير من الأحيان يتنكرون لأصولهم الإجتماعية ويتمحورون حول عقيدتهم الدينية، وتمازجهم بالتالي يعني إنتهاء وجودهم كيهود. أما وجود اليهودية كدين في شمال أفريقيا فلا أدري ما إذاكان أشار الأخ نجم في كتابه إلى أن بعض قبائل الأمازيغ كانت تعتنق اليهودية منذ أيام الدعوة إاليها على يد الملك سليمان عليه السلام وأن بعض أولئك اليهود بقي على دينه وهم من نسميهم اليهود الليبيين الذين تواجدوا قبل وصول الإسلام وقد بقي بعضا منهم الى يومنا هذا في جزيرة جربة التي تتبع ليبيا التاريخية مكونين مايسمى بيهود جربة، الجزيرة التي لازالت تحوى أقدم معبد لليهود في العالم. ولعل المرجع الرئيسي في هذا هي التوراة نفسها التي تتحدث عن علاقات بنو إسرائيل أثناء وجود دولتهم مع غيرهم من شعوب المنطقة بما فيهم اللوبيون الذين خضعوا لنفوذ سليمان أيام ملكه وإنتهى بهم الأمرعلى يد شيشنق الى غزو أورشليم وإغتنام ثرواتها وأسر جنودها (دانيال 11:43، الملوك الأول 11:40، الملوك الثاني 12:2 الى 7 : 12 / 16:40). هذا طبعا دون أن ننسى يهود الأندلس والمغرب الذين فروا من إضهاد الإسبان الكاثوليك لهم تماما كماحدث للمسلمين.
نقطة أخرى إستوقفتني ورأيت أن أنوه إاليها وهي في نظري خروج عن السياق العلمي المفترض حين عرف الاستاذ نجم الإنكشارية أنهم قبيلة، وهم كما نعلم طبقة من الجند الأتراك أوغيرهم من الشعوب الخاضعة آنذاك للإستعمار التركي تزوجوا من نساء محليات وأصبحوا جزءا من النسيج الاجتماعي ولكن دون تكوين للقبيلة في مفهومها الآجتماعي أو السياسي فهم فقط فئة إجتماعية بقيت حليفة للسلطان التركي، بدليل أننا لا نرى لهم وجودا في الخريطة القبائلية منذ نشأتهم وحتى اليوم. ولعل الأخ نجم قد أصاب حين أفاد أن القبيلة بقيت دائما خارج المدينة ما يعني رفضا مستمر للسلطان أيا كان نوعه، وهذا ببساطة يخرج الكراغلة عن كونهم قبيلة حيث أنهم دائما ما تواجدوا في المدن خاصة طرابلس.
بقي موضوع المرابطين، والذي أختلف مع الأخ نجم في رأيه أنهم لا علاقة لهم بدولة المرابطين التي قامت فترة تقارب من القرن في المغرب الأقصى وأنهم أخلاط من الأعراق وأنهم ساهموا أو قاموا بصد الهجمات الأوروبية أو المسيحية على القطر الليبي.
أولا المرابط في لغة العامة من الليبيين هو مرادف للشيخ أو الولي الصالح وهذا معروف للجميع، وفي نظري أنه يمت بصلة مباشرة الى دولة المرابطين التي قامت في المغرب 1056م وإمتازت بالقوة والتأثير الروحي في منطقة المغرب الأقصي وصولا الى مملكة غانا التي تحولت الى الاسلام على يد المرابطين، وقد نجح يوسف بن تاشفين أهم ملوك هذه الدولة في صد الزحف الإسباني على الاندلس التي كانت قد دخلت في عهد الطوائف لكنها لازالت مزدهرة من حيث إنتشار مراكز التعليم والترجمة. في نفس هذا الوقت تقريبا أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر للميلاد كانت منطقة مايسمى اليوم بليبيا تدخل حقبة مظلمة من الفتن والمؤامرات والصراع على الحكم بدأت بالفاطميين الى الأيوبيين الى النورمانديين حكام صقلية الوافدين من أقصى الشمال الأوروبي كانت هذه بداية فترة مظلمة غير مستقرة لم يسجل التاريخ فيها شيئا عمن حكم هذه المنطقة حيث شهدت ليبيا في هذا العهد عشرات الثورات من قبل الأمازيغ وغيرهم من السكان وخضعت المدن الساحلية الى مايشبه الحكم العشائري أو العصابات وانتشر القتل لأتفه الأسباب كما جرى في هذا العهد تحويل السكان من المذهب المالكي والأباضي الى المذهب الشيعي من قبل الفاطميين. حدث في هذه الفترة إنحسار شديد للحالة العلمية وإنتشرت الأمية وإنعدام الأمن وترسخ الولاء القبلي بشكل أكثر حدة من ذي قبل. أما في الأندلس فقد بدأ نزوح الأندلسيين بعد سقوط دولة المرابطين 1147 وانتهاء بسقوط غرناطة 1491م تحت تأثير هجمات الأسبان على منطقة المغرب الأقصى وامتد حتى وصل الى إحتلالهم طرابلس سنة 1510، فكان من يأتي من حملة العلم الديني يحظى بإحترام واسع من سكان منطقة مايسمى بليبيا رافقه إطلاقهم إسم مرابط على كل من يأتي من جهة المغرب من الشيوخ والفقهاء الذين تولوا مهمة التعليم الديني وعقود الزواج والطلاق وحل المنازعات الخ. فكان أن ظهر هذا المصطلح وإستمر مختصا بفئة من السكان ذو الأصول الأندلسية والمراكشية ونسلهم من بعدهم ولعل جميعنا يعلم أن نسبة كبيرة من أهل هذا البلد هي من فئة المغاربة أي القادمين من المغرب والساقية الحمراء، وزاد ترسخ هذا المصطلح بعد مزيد من الجهل والأمية إبان حكم الأتراك الذين جاءوا مباشرة عقب تسليم الأسبان بلدنا الى فرسان القديس يوحنا وإمتد طيلة الأربعة قرون التالية.
الأمر الذي أردت أن أختم به هذه الملاحظات هو أن الدولة لعبت دورا سلبيا في التأثير على النسيج الإجتماعي في هذا البلد وفي رأيي أن ورودها في عنوان الكتاب كان أكثر مطابقة للواقع لو إضيفت لا النافية الى كلمة الدولة (ليبيا، القبيلة والإسلام واللا دولة)؛ ذلك أن مشكلة النفور الذي يبدو واضحا اليوم بين المواطن الليبي والدولة على عكس كثير من دول المنطقة هو تلك الصورة السلبية التي حملها العقل الجماعي لسكان ما نسميه اليوم ليبيا عن السلطة الحاكمة في طرابلس طيلة قرون طويلة تمتد الى ماقبل الإسلام، فقد كانت دائما خاضعة لحكم من هو أجنبي أو وافد، وكان دائما الإخضاع بالقوة هو ديدن حكام ليبيا، وكانت القبائل دائما مصدر إزعاج للسلطة، وكثيرا، سواء أيام الرومان أو العرب المسلمين أو الأتراك، ماتخرج حملات عسكرية لتأديب هذه القبائل يقتل فيها الكثير وتنهب فيها الأرزاق والحيوانات والنساء كغنيمة حرب وضريبة للتمرد والشعور بالرغبة في الإستقلال، أدي هذا فيما بعد الى ما نراه اليوم من تناقض مستحكم بين ولاء المواطن لقييلته وولاءه للدولة التي لم نراها وطنية الا في أواسط القرن العشرين بمجئ الأمير إدريس السنوسي الى الحكم وذلك منذ آلاف السنين، هذا يعود في نظري بشكل أساسي الى الطبيعة الصحراوية التي تغلب على بلدنا والفضاء الفسيح الموغل في الصحراء والجبال المنعزلة الذي لايسمح بنشوء أكثر من النظام القبلي في الجزر المنتشرة على هيئة واحات صحرواية أو قمم الجبال الغربي والأخضر وتبقى مدن الساحل الليبي محطات بحرية منعزلة سواء في الشرق أو الغرب يراها الغزاة مفيدة للوقوف والراحة والتزود بالمؤن وليس للإستقرار وتأسيس الدول ونشوء الحضارة، وليس لساكنها موردا للرزق غير الإعتماد على الزراعة البسيطة الممكن وجودهاعلى الساحل أو الضرائب التي تفرض على الأهالى من قاطني المدن أو قبائل الصحراء أو التجارة والقرصنة في البحر الأبيض المتوسط. وما يؤكد هذا أن ليبيا كثيرا ماكانت منفى للمتمردين والمنبوذين من السلطان العثماني. وقد إنتهى هذا الواقع المنفر لهذا البلد وتحولت بإكتشاف النفط من منطقة طرد الى منطقة جذب بالثروة المكتشفة حديثا إضافة الى موقعها المتوسط لقارات العالم القديم. نرجو الله أن يصلح هذا البلد وأهله ومن يحكمه وأختم قولي بشكري لمؤلف الكتاب على مجهوده الطيب وأتمنى أن أتحصل على هذا الكتاب في القريب العاجل إنشاء الله.

أبوذر الليبي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home