Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelbaset Abouhmida
الكاتب الليبي عـبدالباسط أبوحميدة


عبدالباسط أبوحميدة

Thursday, 31 May, 2007

 

عـلى أعـتاب انعـقاد المؤتمر الوطني الثاني للمعـارضة الليبية
مطالب لم تـتـحقق بعـد!! (1)

عـبدالباسط أبوحميدة

إهداء: إلى العاملين في صمت

بعد جهود مضنية انعقد المؤتمر الوطني الأول للمعارضة الليبية صيف 2005 في مدينة لندن تحت شعار "من أجل انهاء الاستبداد وترسيخ شرعية دستورية ديمقراطية"، مطالبا بتنحي العقيد القذافي عن السلطة، ثم العودة بالبلد إلى كنف الشرعية الدستورية، عن طريق انتخابات حرة يرتب لها، بعد تشكيل حكومة انتقالية لمدة عام، ليقطع بذلك الطريق على مبدأ التوريث(1). مطلب التنحي هذا كان من الأسباب الرئيسة لانسحاب جماعة الإخوان المسلمين من ردهات المؤتمر، على اعتبار أن المطلب غير واقعي في تلك المرحلة(2).

قبل أن يجف الحبر الذي كتب به البيان الختامي للمؤتمر، بدأت سلسلة من الاستقالات تطفو على السطح تترا، ابتداءا من استقالة أحد أعضاء لجنة الإعداد للمؤتمر ـ الذي شارك في أغلب الجلسات التحضيرية(2) ـ معلنا على الملأ تبرأه من بعض ممن يقفون خلف المؤتمر، و مشككا في الذمة المالية له، وانتهاءا باستقالة نائب رئيس المؤتمر لأسباب لم تعلن بعد(4).

الإعلام العربي ـ المتابع للحالة الليبية ـ بدوره لعب دورا مهما في ازدياد وتيرة التفاعل مع فعاليات المؤتمر، بتركيزه على الشكوك التي حامت حول التمويل، وتنكيشه عن الأسباب التي حدت بانسحاب جماعة الإخوان المسلمين، طبعا مع التركيز أيضا على مطالب المؤتمرين وآليات تحقيق مطالبهم، و على رأسها جميعا مطلب التنحي.

النظام في ليبيا لم يستطع تجاهل الحدث الذي غاظه حتى النخاع، فقام باستجلاب الناس قسرا لتجديد وثائق العهد والمبايعة، مع إطلاق كيل من السباب والشتائم، والتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور لكل من وقف خلف المؤتمر ـ سواءا بالحضور أو التمويل أو حتى بالابتهاج لانعقاد هكذا فعالية ـ فتوعد بمطاردتهم في كل الأصقاع مذكرا بعشرية الثمانينات المظلمة. ومن أوضح ردات فعل النظام، المسيرة المليونية التي نظمت في سبتمبر من العام نفسه، لتجديد العهد والمبايعة للعقيد القذافي. كما أننا لا ننسى العهد الذي قطعته إحدى كبرى القبائل الليبية المقيمة في مصر، لتكون المخلب الذي يضرب به كل من يدعو للمساس بشخص القيادة التاريخية.

إنعقاد المؤتمر ـ في تصوري ـ كان و سيكون نقطه مهمة في التأريخ لتاريخ ليبيا الحديث، حيث أصبحت الأيام الثلاثة التي احتضنت فعاليات المؤتمر نقطة مفصلية في تاريخ الصراع بين النظام الليبي ومعارضيه. كما أن الأيام والشهور التي تلت إنعقاد المؤتمر، أفرزت نوعا من التجاذبات بين حاملي المشاريع المختلفة للتغيير داخل صفوف المعارضة الليبية، وأهمها ـ بالطبع ـ مشروع التنحي، ومشروع الإصلاح.

لم يبرز جليا التباين في مسارات التغيير لدى المعارضين للنظام الليبي إلا بعد انعقاد المؤتمر. فظهر واضحا إلى المراقب للحالة الليبية مثلا بأن الدعوة للإصلاح التي بدأت قبل تلك الفترة بكثير، تبدو وكأنها تمشي على استحياء. فلم يتم الجهر بها علنا، وأمام الملأ إلا بعيْد الإنتهاء من عقد المؤتمر، ومغادرة المؤتمرين قاعة الإجتماعات. وكما ألمحنا سابقا فإن الإعلام العربي الذي اهتم بالحدث في تلك الأيام، لعبا دورا محوريا في إبراز المسار المخالف للمؤتمر، والمتمثل هنا في المسار الإصلاحي.

ملفات زادت من حدة الصراع
مع مرور الأيام سريعا لعبت ملفات أخرى برزت ـ بين حين وآخر ـ لتزيد من توتير و تسميم العلاقة بين أصحاب المشروعين، لتصل إلى درجة الإتهام بالتخوين والعمالة. من أهم هذه الملفات ـ في رأي ـ ملف مشروع ليبيا الغد الذي أعلن عنه سيف القذافي خلال اغسطس 2006، وملف قضية أطفال الإيدز، وما حواه من جدل حول نزاهة القضاء الليبي من عدمه، ومن ثم المناداة بتدويل القضية.

ففي الوقت الذي بارك الإصلاحيون مبادرة مشروع ليبيا الغد بدون تحفظات تذكر(5)، سعى أعضاء المؤتمر الوطني إلى التشكيك في المبادرة على أساس ان صاحبها لا يملك اي مشروعية أو صلاحية في اطلاق هكذا مشروع. فـ سيف القذافي لا يملك إلا انه ابن العقيد، وهذا في تصورهم لا يعطيه الحجة أو المشروعية في إطلاق مشروع ضخم يتدخل في كل مفاصل الدولة. ثم إن مطالب سيف أعتبرت نسخ ولصق من مطالب المعارضة الليبية التي نادت بها عبر العقود المنصرمة، ومنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ مناداته بإنشاء دستور للبلد ينظم العلاقة بين مؤسسات الدولة المنهارة.

قضية أطفال الإيدز ـ أيضا ـ أثرت تأثيرا مباشرا في العلاقة بين المسارين. فقد حذرت جماعة الإخوان المسلمين ـ في بيان(6) صدر عنها ـ من مغبة الانزلاق في مستنقع التدويل، لما له من عواقب وخيمة في المساس بمصالح البلد العليا، وعلى رأسها مؤسسة القضاء، ليأكد البيان على أن "أي حديث عن تدويل القضية ووضعها أمام "لجنة تحقيق دولي" سوف يفتح الباب على مصراعيه أمام تدخلات أجنبية لا أول لها ولا آخر، ويرهِن الوطن ومقدراته لصالح قوى لم تكن ولن تكون يوما حريصة على مصلحة البلاد". كما أصر البيان على إعطاء فرصة للقضاء الليبي لقول كلمة الفصل دون الدفع بالقضية والزج بها في دهاليز السياسة.

وفي المقابل أصدرت هيئة المتابعة للمؤتمر الوطني بيانا(7) استنكرت فيه بشدة الممارسات التي تمارس على أهالي الضحايا لقبول تسوية يهرب في ثناياها المسؤول الحقيقي عن الجريمة. فشكك البيان في استقلالية القضاء الليبي باعتباره مخطوفا من قبل السلطة الحاكمة، مطالبا "بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة من قبل منظمة الصحة الدولية التابعة للأمم المتحدة، على ان تضم إلى عضويتها أطباء وحقوقيين ليبيين مستقلين، للتحقيق في وقائع القضية وكشف تفاصيلها، التي يحأول النظام الإجرامي طمسها بكل السبل". هذا وقد أشاد البيان ـ من حيث المبدأ ـ برجال القضاة الليبيين، كشخصيات اعتبارية نزيهة.

وبغض النظر عما دار ويدور بين الطرفين من تجاذبات بخصوص قضية الإيدز، لا يمكن لمتابع لمأساة الأطفال أن يغض الطرف عن تدخلات سيف القذافي من حين لآخر في القضية، حيث أدلى في أكثر من مناسبة برأيه ورأي مؤسسته التي يقودها. ومن أخطر التصريحات الرعناء التي أدلى بها، والتي زادت من الشقة بين المسارين، إعتباره أن الأحكام غير نزيهة، ومن ثمة إطلاقه وعودا إلى الغرب بأن الممرضات لن يعْدمْن!! مما أحرج رئيس جمعية أهالي الأطفال المصابين بالإيدز والمتحدث الرسمي باسمها، الذي كان دائما وأبدا يصر على تنفيذ القصاص العادل بمن تورطوا في ارتكاب الجرم المشهود في حق أولادنا المغدورين.

تدخلات سيف القذافي في مجرى القضية أحرج أيضا المنادين باستقلال القضاء الليبي، وأكد على الشكوك التي يؤكد عليها أعضاء المؤتمر بخصوص سيطرة المؤسسة الحاكمة على دواليب القضاء. كما تؤكد هذه التدخلات ـ في نفس الوقت ـ على هشاشة مؤسسات الدولة الرسمية، وفي مقدمتها المؤسسة الإعلامية التي وإلى الان لم يكن لها موقف واضح من القضية.

وأشخاص كذلك زادوا من اللغط السياسي
على كل ليست قضية الإيدز ولا مشروع سيف الإصلاحي وحدهما من لعبا دورا هاما في ازدياد رذم التجاذبات بين أصحاب المشروعين، بل هناك شخصيات أخرى من الطرفين لعبت بدرجات مختلفة ومتفاوته أدوارا رئيسة في ازدياد درجة الإحتقان، لا يسعني المقام الآن التحدث عنها وتفصيل أدوارها في تشفير حدة الصراع. الصراع الذي في رأي لا يخدم القضية الوطنية بحال، مهما حسنت النوايا.

الملف الثقافي والوقوف في المنطقة الرمادية
نشطت بعض المواقع الليبية المتواجدة بالخارج، و المحسوبة على خط الإصلاح، في الإهتمام باستقطاب أكبر عدد ممكن من كتاب ومثقفي وأدباء الداخل للمشاركة على مواقعهم الإلكترونية، وذلك بتوفير هامش أكبر للحرية ـ مقارنة بصحف النظام ـ لتحفيزهم على المشاركة في نشر إنتاجهم وإبداعهم. الغرض في تصوري من هكذا توجه هو تمتين العلائق بين مثقفي الداخل والخارج لتحميل الجميع المسؤولية الكاملة في النهوض بالبلد قدما لما ارتكست فيه من فوضى وتيه.

إهتمت المواقع المذكورة أعلاه بالثقافة كمعطى أساسي على اعتبار أنها عامل رئيس في تغيير أذواق الناس، وتوسيع مداركهم، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم. فـ ثقافة المطالبة بالحقوق ـ مثلا ـ لا يمكن لها أن ترى النور ما لم يكن هناك هامش من حرية التعبير يتاح للناس جميعا وعلى رأسهم النخب الثقافية والسياسية للتعبير عما يجول في دواخيلهم. فـ حقوق الليبيين التي اختطفت منهم تحت ظلال الإستبداد، لا يمكن لها ان تسترجع ما لم يكن هناك تعريف بها، وترسيخ لها، وتجذير لها، و غرز لها في أذهان الناس، ومن ثمة تجريئهم على المطالبة بها.

لم يستسغ بعض المعارضين المتواجدين بالخارج المحسوبين على تيار التنحي، التعاطي مع الملف الثقافي الليبي في الداخل، فرفعوا علامات استفهام كبيرة في ساحة المعارضة الليبية في الخارج حول كل من تعامل مع هذا الملف، باعتبارهم أن التعاطي مع الملف الثقافي يعتبر أول خطوة على طريق التطبيع مع النظام القائم في ليبيا. فيرى الفريق المشكك في هذا التوجه بأن التعاطي مع الملف الثقافي فيه تمييع للقضية الليبية. ومنهم من سمح بنشر ثقافة المقاومة فقط، لا أي ثقافة أخرى. وبهذا أصبحنا نسمع عن بروز مصطلح الوقوف في المنطقة الرمادية، وهو وصف ينعت به كل من هو معارض للنظام الليبي، ولا يجد غضاضة في التواصل مع مثقفي الداخل و بدون تحفظات. و بدون تحفظات هنا تعني التواصل والتعامل حتى مع مثقفي السلطة.

العصيان هو الحل
باستثناء مطلب التنحي الذي كان سببا في مقاطعة جماعة الإخوان المسلمين لفعاليات المؤتمر الأول، لم أجد هناك خلافا كبيرا بين المشروعين حول آليات تغيير النظام القائم في ليبيا. فالمشروعان كلاهما اعتمدا النهج السلمي في التغيير، أي نبذا العنف كـ وسيلة تغييرية. المتابع للحالة الليبية قد يتبادر إلى ذهنه بأن نبذ العنف باعتماد النهج السلمي في التغيير قد يقرب الشقة بين المسارين، لكن في الحقيقة لم يلعب هذا التوجه أي دور يذكر في ترميم أو تمتين العلاقة بين أصحاب المسارين. بل على العكس من ذلك تماما، فقد وصل التجاذب إلى أوْجه ـ كما أسلفنا ـ ليصل درجة الإتهام بالتخوين والعمالة، أو الإتهام بمقايضة الوطن بالديمقراطية.

تنحي العقيد القذافي عن السلطة يوحي بأمرين لا ثالث لهما. إما أن يتنحى الرجل عن السلطة طوعا، وإما أن يرغم قسرا ليتنحى ويقصى عن السلطة. تنحي العقيد عن السلطة طوعا يعتبر ـ في رأي ـ من الأمور المستحيلة، لأنه ضد طبائع الأشياء، فـ "الملك يميل إلى الإنفراد" كما أشار ابن خلدون. ما الذي يجعل هذا الذي انفرد بالسلطة، وانفرد بالثروة، وانفرد بالكلمة، وانفرد بالثقافة، ما الذي يجعله يشرك غيره في ذلك، ويتنازل لغيره، كما أشار الشيخ الغنوشي واصفا الحالة التونسية(8)، والحالة الليبية من حيث المأساة أدهى وأمر. وفي المقابل لا يمكن أن يتنحى القذافي قسرا إلا بممارسة ضغوط شديدة عليه. ضغوط تؤدي إلى اختلال موازين القوى بينه وبين معارضيه، على أن تكون موازين القوى في كفة معارضيه.

بعد بحثي المتواصل عن الآليات السلمية التي اعتمدها المؤتمر الوطني الأول، لم أجد إلا وسيلة واحدة يمكن أن تندرج تحت مسمى التغيير السلمي، ألا وهي العصيان المدني. فالعصيان المدني ـ ثقافة وممارسة وأخلاقا ـ مشروعا ليس بالسهل وليس بالمستحيل. ومع هذا لم أجد إهتماما يرقى إلى مستويات معتبرة من قبل أصحاب مشروع التنحي للإعتماد على هكذا وسيلة، اللهم إلا بعض الكتابات التي تخرج بين الفينة والأخرى تجرأ الناس على الخروج في مظاهرات سلمية للمطالبة بحقوقهم المغتصبة(9).

الأحداث التي تلت الجمعة الدامية أو الجمعة الحزينة كما يحلو لأصحاب مشروع الإصلاح نعتها، أو انتفاضة فبراير كما يحلو لأصحاب مشروع التنحي نعتها، تم التعامل مع تفاعلاتها بطريقة مغايرة بين أصحاب المشروعين. ففي الوقت الذي تعامل التنحويوين مع الحدث على أنه القشة التي سوف تقسم ظهر البعير، وترغمه على التنحي أو الفرار خارج البلد، اعتبره الإصلاحيون عملا قد ينزلق بالبلد في مستنقع فوضى عارمة تأتي على الأخضر واليابس.

الملفت للنظر هنا ـ بغض النظر عن كيفية تعامل المعارضة مع الحدث ـ هو كيف تعامل النظام مع الحدث. فالنظام على الرغم من خبرته في انتاج وإخراج مسلسلات لقمع معارضيه منذ توليه السطلة، استطاع بحرفيه عالية امتصاص الأحداث وإخمادها!! وذلك بإسراعه في تعويض أسر الضحايا الذين سقطوا في يوم الجمعة الدامي واعتبار أبناءهم شهداء، والتعجيل بعلاج الجرحى، ثم التكتم الشديد على من قبض عليهم على خلفية الأحداث التي طالت بعض المستشفيات ومراكز الأمن والمصارف. ثم فوق هذا وذاك إقالة بعض المسؤولين ممن رآهم سببا في المأساة، ليعطي انطباعا بأنه لم يكن مسؤولا ولا راضيا عما حدث.

انسحاب صامت وتخوف ظهرت بوادره.
مطالب لم تتحقق بعد!!
هل إلى خروج من سبيل .


عناوين جانبية سوف أتطرق إليها في مقالة قادمة ـ بإذن الله تعالى ـ لإكمال ما بدأناه على أعتاب المؤتمر الثاني.

عـبدالباسط بواحميدة
توركو
buhmeida7@yahoo.com
________________________

(1) إعلان التوافق الوطني للمؤتمر الوطني الأول للمعارضة الليبية:
http://www.libya-watanona.com/news/n2005/june/n26jun5m.htm
(2) بيان انسحاب جماعة الإخوان المسلمين من المؤتمر الوطني:
http://www.libya-watanona.com/news/mblibya/mb25065a.htm
(3) استقالة احد أعضاء لجنة الإعداد للمؤتمر الوطني:
http://www.libya-watanona.com/news/flduk/fl27065a.htm
(4) استقالة نائب رئيس المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية:
http://www.libya-watanona.com/news/n2007/feb/n11feb7a.htm
(5) بيان جماعة الإخوان بخصوص مبادرة سيف القذافي:
http://www.libya-watanona.com/news/mblibya/mb23086a.htm
(6) بيان الإخوان حول قضية الأطفال المصابين بمرض الإيدز:
http://www.almukhtar.org/memos_display.cfm?ID=67
(7) بيان هيئة المتابعة لا للمساومات على دماء أطفالنا :
http://www.libya-watanona.com/news/nclo/nc26125a.htm
(8) حوار مع الشيخ راشد الغنوشي بخصوص الحالة التونسية:
http://www.libya-almostakbal.net/Interviews/May2007/algannooshi240507.htm
(9) مصطفى محمد البركي: العصيان المدني هو الحل:
http://www.libya-almostakbal.com/MinbarAlkottab/November2005/mmElbarky181105.htm


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home