Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelbaset Abouhmida
الكاتب الليبي عـبدالباسط أبوحميدة


عبدالباسط أبوحميدة

الجمعة 25 يونيو 2010

خواطر من حقبة سوداء

عـبدالباسط أبوحميدة

(1)

عندما نسّبت إلى كلية الطب بنغازي عام 1985م، وبحكم البروتوكول المعروف، وهو اخضاع الطلبة الجدد إلى مقابلة شخصية، سألتني احدى المنتسبات لحركة اللجان الثورية ـ عضو لجنة المقابلة ـ عدة اسئلة، لتعرف بعدها بأنني لم انتسب لحركة اللجان الثورية قط، ولم اشارك في اي نشاط صيفي لما يسمى بمخيمات الفكر الثوري، ولم يكن لي اهتمام يذكر بأي يشئ يرتبط بمنظومة النظام، كحضور المؤتمرات الشعبية وغيرها. استغربت صاحبتنا هذه بشدة، خصوصا عندما علمت انني قادم من مدرسة شهداء يناير الثانوية، إذ اسهبت بعدها في تزكية المدرسة، واعتبارها قلعة من قلاع الثورة، وان تاريخها ناصع في القضاء على الرجعية المتعفنة، وغيرها من الاسطوانة المشروخة إياها. لذا بدت عليها علامات دهشة مصطنعة، ثم باغتتني بعدها بسؤال ادهشني لبرهة، قائلة لي: بما أنك من طلبة شهداء يناير، إذا فلماذا سميت مدرسة شهداء يناير بهذا الاسم؟ الحقيقة ارتبكت في الإجابة، بعد ان تزاحم في فكري: هل سميت المدرسة بهذا الاسم، لارتباطها بأحداث يناير 1964م، أم لارتباطها بأحداث يناير 1976م. الحقيقة الربكة التي غمرتني، اجزم بأنها لوحظت من قبل اعضاء لجنة المقابلة ـ المكونة من 3 اطباء + اختنا الثورية!!. بعد الزحمة الفكرية التي اصابتني ألهمت الجواب الصحيح، بقولي لها بأن المدرسة سميت بهذا الاسم لارتباطها باحداث يناير 1964م. لم اصدق نفسي حينها بكيفية الهامي الجواب الصائب، فأثناء تزاحم فكري قبل الاجابة، تذكرت وبسرعة، ان صاحب مطعم (مقصف) المدرسة، واسمه سي فهيم، قد التحق بمدرسة شهداء يناير (بنغازي الثانوية سابقا)، كصاحب للمطعم عام 1962، أي قبل عامين من احداث يناير، فأصبح بعدها احد معالم مدرسة شهداء يناير الثانوية، واستمر في مهنته هذه لأكثر من 3 عقود متواصلة، حيث تخرج على يدية العديد من الخبرات الليبية في مجالات مختلفه، إلى ان ابتليت ادارة المدرسة بأحد عتاة اللجان الثورية ـ في ذمة الله الآن ـ الذي لم يرتح له بال، ولم يهدأ له قرار، إلا بطرد سي فهيم من المدرسة أوائل التسعينات، ويطمس هذا المعْلم إلى يومنا هذا!!

استمر الحوار بيني وبين هذه الثورية اللعوب في حضور صامت لاعضاء اللجنة الآخرين، لتسألني بتأني هل تشاهد التلفزيون؟ فاستغربت، وسألتها ماذا تعنين بسؤالك هذا، فقالت لي سؤالي واضح، هل تشاهد التلفاز؟، فأجبتها بنعم. فقالت لي هل شاهدت مذبحة صبرا و شاتيلا؟ قلت لها نعم، فهي مأساة تتفطر لها القلوب. قالت: ما هو السبب برأيك في حدوث مذبحة صبرا وشاتيلا؟ فقلت لها: بأن الصهاينة بالتواطئ مع فصيل من الفصائل اللبنانية هم من قاموا بذبح الفلسطنيين العزل من النساء والأطفال في مخيم صبرا وشاتيلا، وهذا هو ديدن بني صهيون. لم تمهلني طويلا، ففوجئت بعد اجابتي بأنها تقول لي: لا، السبب ليس ما قلت، ولكن السبب هو عدم انخراط المرأة العربية والفلسطينة بالذات في برامج التسليح الشعبي، أي بمعنى ان المرأة العربية، ومن ورائها المرأة الفلسطينية لم تعر لبرامج الشعب المسلح أي اهتمام، ولذلك، فقد تم ذبحها كـ المواشي والخراف. قلت: نعم، كلامك فيه شيئ من الصحة. بعدها سألتني سؤالا مباشرا لا مواربة فيه قائلة: إذا ما رأيك في تجييش المرأة في الجماهيرية؟ قلت لها، إذا ما هوجمت ليبيا من قبل اعدائها، ودخل الغازي باغيا، هنا لا بد من ان تشارك المرأة ـ دون تردد ـ في حماية الوطن، فتعمل بكل ما أوتيت من قوة، وبأي وسيلة في الذود عن حياض الوطن. في الحقيقة، هذه الإجابة الوافية الشافية لم ترق لها، فتبرمت بوجهها، ولاحظت ان اجابتي فيها نوع من المراوغة، باعتباري سلبي وبدرجة كبيرة، إن لم تصنفني في قرارة نفسها، بحسباني ليس من الموالين للنظام، إن لم أكن محسوبا على المعارضة الكامنة في الداخل. شعرت ان صبرها معي نفد، لذلك، قامت ووجهت لي سؤالا مباشرا لا مواربة فيه، لا يحتمل وجوها عدة من الإجابات. أي بمعنى سألتني سؤالا، الإجابة عليه، إما بنعم أو بـ لا، أي اجابتين لا ثالث لهما. سألتني بكل مكر ودهاء قائلة: هل توافق على التحاق اختك بكلية الشعب المسلح (الكلية العسكرية)، إذا ما تم تنسيبها إليها بعد حصولها على الشهادة الثانوية؟ هنا، اتركك اخي القارئ مع حدسك للتعرف على اجابتي، ثم رد فعلها وفعل لجنة المقابلة عليها!! ... اجابتي مرفقة اسفل المقالة (*).

(2)

قلت بأنني كنت احد طلبة مدرسة شهداء يناير الثانوية ببنغازي في الثلت الأول من الحقبة السوداء، أي اوائل عقد الثمانينات من القرن المنصرم، وتحديدا السنوات العجاف منها، وكنت ولله الحمد، من الطلبة المجتهدين. فكنت حريصا على حضور كل الدروس، وأدون كل ما في وسعي من المعلومات، ولم اتغيب عن أي درس إلا لضرورة. فقد كنت ممن يظل في الفصل الدراسي إلى نهاية الدوام دون كلل ولا ملل. فلم اكن مقتنعا بالدروس الخصوصية التي بدأت تنتشر في تلك الأيام، لأنها في ظني تجعل الطالب يعتمد على شرح المدرس، ولا يعتمد على نفسه في فهم المادة. ثم انني بطبيعة تكويني، كنت اعشق مادتي الرياضيات والفيزياء، وهما في الحقيقة اكثر ما يشغل هم الطالب في المرحلة الثانوية، لصعوبتهما بعض الشئ، وهما بطبيعة الحال من اكثر المواد التي تنتشر فيها الدروس الخصوصية. اجتهادي هذا قادني إلى أن احرص على اقتناء حقيبة (شنطة) سوداء، معروفة في تلك الفترة، عادة ما يستخدمها المدرسون ـ خصوصا استاذتنا الأفاضل من مصر الشقيقة ـ في حفظ أوراقهم ومستنداتهم. هذا النوع من الحقائب السوداء يفتح ويغلق بنظام السحّاب (السوستة)، بحيث تتقابل السوستين في نهاية طرف الحقيبة لاحكام غلقها. من مزايا تصميم تلك الحقائب هو ان الطالب يستطيع غلقها باحكام، وذلك باستخدام قفل. الحقيقة ان ظاهرة غلق الحقيبة بقفل لم يكن أسلوبا متبعا لدى الطلبة، إلا في عدد قليل منهم، أنا احدهم. فعادة ما احرص على غلق حقيبتي السوداء باستخدام قفل قوي يصعب معه فتح الحقيبة إلا باستخدام المفتاح المناسب لها. كنت احرص على غلقها بالقفل اثناء فترة الاستراحة، واثناء ذهابي إلى المدرسة وعودتي منها. طبعا انا هنا اتحدث على سنة اولى ثانوي.

طبيعة تلك الحقبة السوداء انعكست سلبا على نظام الدراسة عموما، بحيث انتشرت في حينها حمى الشعب المسلح، وشعاراتها البائسة: الشعب المسلح غير قابل للهزيمة!! للحصار!! للتجويع!!. شعارات سقطت في هاوية وادي الدوم، ودفنت مع رفات الليبيين الذين جرجروا بالسلاسل قسرا، لخوض حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. قلت ان نظام الدراسة كان متوترا باعتماد مصطلح الثكنة بدلا عن المدرسة، فكانت المدرسة اشبه بمعسكرات الذل والهوان منها إلى مدارس التربية والتعليم. ومما كان يزيد من الطين بله في توتير وتسميم البيئة العلمية التربوية في تلك الحقبة، هو زيارات القذافي من حين إلى آخر لمدينة بنغازي، لترسيخ نظريته البائسة في عقول الطلبة والطالبات، وذلك بدعوتهم للالتقاء بهم في مدرجات جامعة قاريونس، والتنظير فيهم، والتدليس عليهم، ومن ثم بيعهم طواحين الهواء.

في صباح احد أيام الدراسة، وبدون انذار مسبق، وبعنجهية جلفة، وبأحذية عسكرية صلدة، تم مداهمة جميع الفصول الدراسية، مصحوبة باصوات مزعجة تنادي جميع الطلبة بالتجمع فورا في ساحة المدرسة، للاستعداد، وعلى وجه السرعة في حافلات معدة، للإنطلاق نحو شطر جامعة قاريونس لاجتماع هام. غلب الظن على الطلبة بأن الإجتماع الهام سوف لن يتعدى مقابلة القذافي، والاستماع إلى احاديثه الهابطة حول نظريته الثالثة العقيمة. في الحقيقة انزعجت كثيرا من هذا النداء البائس، وحرصت على الهروب من هذه الورطة، فخرجت متسللا نحو الساحة الخلفية للمدرسة، كي اخرج من خلال ثقوب في جدار المدرسة، وإذا بي اجد المدرسة محاطة بسيل من الجنود المدججين بالسلاح، لمنع تسلل الطلبة وهروبهم، مما أدى إلى محاصرة الطلبة، ورصهم في حافلات كالحيوانات الأليفة نحو حتفهم المحتوم. بعد مراوغة لم تدم طويلا، وجدت نفسي مرصوصا في حافلة مليئة بطلبة كالحة وجوههم، اغلبهم بدى متبرما من هذا المقلب، وهذه المسرحية ثقيلة الدم.

بعد مضى ساعة تقريبا، تم تفريغ حمولة الحافلات بالقرب من مدرجات كلية الاقتصاد، واستقبلنا طاقم من الغوغائيين الذين بدأوا في توجيهنا للسير نحو المدرجات لحضور الاجتماع الهام!!. إلى آخر لحظة كنت مصرا على عدم حضور هذا الاجتماع البائس، فتحدثت مع احد اصدقائي، وهو كعادته يبغض النظام، واتفقنا على عدم الحضور، وان نقضي الوقت في التجوال بحرم الجامعة، إلى ان ينتهي الاجتماع المزعوم، ونعود من حيث اتينا. قبل ان ننسحب بعيدا عن ساحة التجمع، استأذنني اكثر من صديق بأن اضع كتبهم المدرسية في حقيبتي السوداء، التي ترافقني ـ كما اسلفت ـ في حلي وترحالي، لكي يطمئنوا على سلامتها من التلف في الزحمة غير المسبوقة التي كانت تعج بها ساحات الجامعة، إذ تبين لي بأن الاجتماع لم يكن مقتصرا على طلبة شهداء يناير فقط، بل تعداه ليشمل جميع طلبة وطالبات المدارس الثانوية، وطلبة وطالبات الجامعة أيضا. أي بمعنى، ان الازدحام كان غاية في الكثرة، يعلوه الهرج والمرج، ومن هنا استطعنا الانسحاب صامتين من تلك الجلبة، أنا وصديقي، بعد ان غصت حقيبتي السوداء، بعدد لا بأس به من الكتب المدرسية لأصدقائي الطلبة، حتى انني وبصعوبة استطعت احكام اغلاقها بالقفل إياه.

تجولت انا زميلي بعيدا عن مدرجات الهرج لأكثر من ساعة تقريبا نتجاذب اطراف الحديث في مواضيع شتى، لنشعر بعدها بقلق يساورنا، لأن الجامعة بدت لنا خاوية على عروشها، فقد ايقنا بأن تجوالنا هذا قد يصبح مصدر خطر علينا، وان تجوالنا غير المبرر هذا، قد يجر علينا المشاكل التي لا قبل لنا بها، وندخل في سين و جيم، إذا ما تم رصدنا من قبل الغوغاء، عناصر اللجان الثورية. لذا تناقشت مع صديقي عن مصدر هذا الخطر، فاتفقنا على العودة فورا، ودخول قاعة المدرجات لحضور المحاضرة، لننغمس بين كتل الطلبة، كي نبعد شبة التطرف عن حضور محاضرة القذافي.

عند الباب الرئيسي لمجمع قاعات المحاضرات، لاحظنا اكوام هائلة من الكتب، والأدوات المدرسية المترامية بعشوائية عنده، فأيقنا على الفور منع دخول الادوات المدرسية إلى قاعات المحاضرات. قبل اقترابنا من الباب الرئيسي اخترت انا وصديقي زاوية معينة، وضعنا بها الحقيبة السوداء على امل ان تنتهي المحاضرة الهابطة بسرعة، كي نرجع لاقتناء حقيبتي السوداء المقفلة باحكام، وما تحمل من حمل بعير من كتب وأدوات مدرسية لي ولزملائي الطلبة. عند المدخل اخضعنا لتفتيش شخصي دقيق من قبل كتيبة الأمن، التي يعلو وجوه اصحابها مسحة من العنجهية والكبر.

دلفنا إلى احد المدرجات المرصوص بالطلبة، وجلسنا في آخره، لقدومنا متأخرا بعض الشئ. لاحظنا ان الطلبة لا يعيرون اهتماما لمحاضرة القذافي عبر شاشة كبيرة داخل المدرج، وذلك باطلاق اصوات صفير من افواههم علامة على تبرمهم من هذا الاجتماع، فأخذ اعضاء اللجان الثورية يطلقون النصائح احيانا، والتهديدات احيانا، لإرغامنا على الصمت والهدوء، والاستماع بتمعن لكلام سيدهم الذي علمهم السحر. ومن الشخصيات التي كانت حاضرة، ومجتهدة في توجيهنا لسماع المحاضرة، شخص يدعى على بوجازية، وهو احد عتاة اللجان الثورية المعروفين.

مجمع قاعات المحاضرات بجامعة قاريونس كان عبارة عن مجمع يحتوى تقريبا ـ لست متأكدا ـ على أربع أو خمس مدرجات كبيرة، تلتقي مداخلها جميعا في وسط مجمع دائري، يمكن عن طريقه الانتقال من مدرج إلى آخر. هذا تقريبا الوصف ان لم تخني الذاكرة. كان القذافي يحاضر مباشرة في احد تلك المدرجات، ويستمع الطلبة والطالبات في المدرجات الاخرى عبر شاشة كبيرة مثبته في جدار القاعة الامامي لكل مدرج. بعد انتهاء محاضرة القذافي اعقبها مداخلات المدح والتطبيل من قبل النفوس المريضة، كانت احداها لجاري عضو اللجان الثورية الذي امطر القذافي وابلا من القصيد الذي يغمره الزيف و الكذب.

بعد انقضاء 3 ساعات ثقيلة، ضاقت فيها صدورنا من الكذب، والتدليس، والنرجسية، رحل القذافي وجنوده بعيدا عنا، ثم سمح لنا بعدها بمغادرة المدرجات دون اهتمام بضبط النظام في خروج الطلبة، كما كانوا مجتهدين في ضبط دخولهم. قفلت راجعا انا وزميلي باحثين عن حقيبتي السوداء المركونة في احد الزاويا التي اخترناها لتكون المكان الآمن لها. عند وصولنا إلى تلك الزاوية فوجئنا باختفاء حقيبتي السوداء، ولم نعثر لها على اثر. عاودنا البحث مرارا تكرارا، علنا نجدها مرمية هنا أو هناك، حيث حالت عشوائية الخروج والازدحام منقطع النظير على ابواب مجمع المدرجات، بيننا وبين العثور على الحقيبة. هنا انتابني شعور من الحزن، وخيبة الأمل على ضياع حقيبتي السوداء، التي تحتوي على كتبي وكتب زملائي. قال لي زميلي: ربما احد الاصدقاء الذين وضع كتبه في الحقيبة معنا، ربما وجدها واخذها معه، حفاظا عليها من التلف والضياع. بعد ملاحظة زميلي شعرت بنوع من الارتياح، وقلت في نفسي ولم لا، ربما!!

ودعت زميل الدراسة على باب المدرسة بعد ان رجعت بنا الحافلات إلى مدارسنا منهكين من عناء يوم كالح. وصلت البيت عند صلاة العصر تقريبا مهموما حزينا، فأخبرت اسرتي بما حدث لي في هذا اليوم العجيب الذي انتهى بضياع حقيبتي المدرسية. استغربوا بعض الشئ، ثم طمأنونني بأنني سوف اجد الحقيبة، ولن تضيع، بإذن الله.

بعد ان اخذت قسطا من الراحة داخل البيت، خرجت لمقابلة اصدقاء الشارع، حيث كنت على موعد مسبق معهم لاجراء مباراة في كرة القدم كالعادة. اثناء انتهاء المبارة قصصت على اصدقاء الشارع ما حدث لي من مغامرات في صباح ذلك اليوم، ومحاولاتي الجادة لتجنب حضور لقاء القذافي المشؤوم، الذي انتهى بضياع كتبي المدرسية، وكتب زملائي الطلبة كذلك. بعد ان فرغت من سرد القصة التي تابعها اصدقائي بتشوق وبتندر، تطوع احد اصدقاء الشارع الذي يملك سيارة بالرجوع بي مساء إلى حيث قاعة المدرجات، لنعاود البحث رويا بعد فراغ المكان وهدوءه من الازدحام. فعلا وصلنا مساء ذلك اليوم إلى ذلك المكان، وبحثنا بدقة منقطعة النظير، فلم نجد إلا خيبة الأمل. فرجعنا بخفي حنين.

في اليوم التالي بدأت بمقابلة زملاء الدراسة الذين وضعوا كتبهم في حقيبتي، أسألهم بلهف عما إذا ما تطوعوا واخذو الحقيبة معهم للحفاظ عليها، وعلى ما بداخلها. فجاءت اجاباتهم مخيبة للآمال، فلم يقر احدهم بما ظننته أنا ورفيقي بالأمس، بأنه ربما احدهم اخذ الحقيبة معه. بعد ان تلقيت اجابات النفي، زادت حسرتي، وضاق صدري، وشعرت بحزن شديد، لضياع مجهوداتي ومجهودات اصدقائي الطلبة بدون سبب مقنع. بعدها اعتذرت لاصدقائي عن ضياع كتبهم التي كانت معي للحفاظ عليها، وانها ضاعت مع كتبي دون قصد مني، فتفهم الجميع عذري، وتأسفوا لما حصل معي، ووجدوا لي العذر، ووعدتهم بأني سوف ارجع كتبهم، أو أعوضهم عليها، فرض الجميع التعويض، فاستوعبوا المأساة وتحمولها سويا، وكان من بين الاصدقاء الذين وضعوا كتبهم معي زميلي في الفصل الدراسي يدعى محمد مصعد، مصري الجنسية، يتصف بالسمنة المفرطة، وكنا غالبا ما نتندر على سمنته، وننعته بـ محمد مهبط بدلا من مصعد، قياسا على مادة الفيزياء الكهربية التي تكثر فيها مصطلحات مصعد و مهبط.

مرت الأيام تباعا، واجتهدت في اعادة كتابة المنهج الدراسي الذي فقدته في تلك الحادثة المأساة، وبدأت اعيد ما فقدته من مواد المنهج، واصبح ضياع الحقيبة السوداء من الماضي البئيس، إلى ان جاء يوم استدعت الادارة العسكرية للمدرسة زميلي المصري محمد مصعد، قائلين له: ان هناك استدعاء من الامن الداخلي يطلب حضورك إليهم على وجه السرعة، لأمر ما، لم يوضح في طلب الاستدعاء. ارتعدت فرائس محمد مصعد خوفا من الاستدعاء المجهول. ذهب زميلي محمد في الموعود المضروب له لمقابلة رجال الامن الداخلي، بمقرهم امام محكمة شمال بنغازي، واخضع لتحقيق عسير، بدأ من تاريخ ميلاده إلى وصوله إلى ليببيا، إلى التحاقه بمدرسة شهداء يناير، إنتهاء بحضوره لقاء القذافي في جامعة قاريونس، وازعاجه للسلطات الأمنية، وتعريض أمن البلد إلى الخطر!! استغرب مصعد من الاتهامات الموجهة إليه، ونفاها جملة وتفصيلا، قائلا: كيف لي بازعاج السلطات الامنية، وتعريض امن البلد للخطر. أصر على النفي والانكار لتعريضه البلد لهزة أمنية، إلى ان تم اخراج حقيبة سوداء من خزانة داخل غرفة التحقيق، وسؤاله عنها. هنا تذكر مصعد الحقيبة السوداء، وإلى من تؤول، وبدأت خيوط اختفاءها تتضح له. سارع على الفور بالدفاع عن نفسه، وشرح القصة لهم بالتفصيل، بأن هذه الحقيبة لاحد زملائه الطلبة المجتهدين، الذي يصر دائما على حفظ كتبه المدرسية بوضعها داخل الحقيبة السوداء، وغلقها باحكام كعادته. هنا استغرب رجال الامن، وقالوا له بأنهم وجدوها خارج مدرجات الجامعة اثناء زيارة القذافي لجامعة قاريونس، وانهم صادروها بعد ان اكتشفت من قبل جهازهم الامني، الذي قام بتفتيش دقيق لمحتويات الطلبة من كتب وادوات مدرسية مرمية خارج مدرج المحاضرات، علهم يجدون خيوط مؤامرة ما على سيدهم الصنم.

استغرق التحقيق مع الطالب سئ الحظ مصعد ساعات عدة مرت ثقيله عليه ثقل وزنه، انتهت بكتابة تعهد بعدم ازعاج السلطات الأمنية، وإلا سوف يجد ما لا يسره، وما لا تحمد عقباه من عقوبات واجراءات قد تطال اسرته برمتها!!، ثم حمّلوه رسالة إلى صاحب الحقيبة السوداء، مفادها بألاّ يستخدم هكذا نوع من الحقائب المزعجة، التي اقلقت أمن البلد وعرضته لخطر محدق!! خرج مصعد من غرف التحقيق خائفا يترقب، يلعن اليوم الذي قابل فيه صاحب الحقيبة السوداء.

في الحقيقة لم يكن احد من طلبة الفصل على علم باستدعاء الأمن الداخلي لزميلنا مصعد، فغيابه ذات يوم عن الحضور لم يكن مستغربا، لذلك لم يعر احدنا اهتماما لغيابه. في اليوم التالي لاستدعاءه، وأثناء تجمعنا الصباحي قبل دخولنا إلى الفصول، شاهدت من بعيد زميلنا مصعد ـ كتلة مترهلة ـ يبدو عليه الإرهاق والتعب والخوف، يسير باتجاهنا متثاقلا يحمل شيئا ما اسود اللون بين يديه، بدأت معالمه تتضح رويدا رويدا، كلما اقترب منا. ما ان اقترب اكثر، واصبح لصيقا بنا، حتى صاح الطلبة وبصوت واحد شنطتك السوداء يا بوحميدة، الحمد لله على سلامتها. هنا استغربت استغرابا شديدا، وقلت في نفسي ما علاقة حقيبتي السوداء بزميلي مصعد؟ ولماذا احضرها معه بعد غياب دام 3 اسابيع تقريبا من فقدانها؟ اسئلة لم اجد لها تفسيرا قبل ان يسلمني اياها مصعد متبرما، قائلا لي: لقد اوشكت حقيبتك السوداء هذه ان تضعني وراء الشمس، لكن الله سلم. قلت له: و ما علاقة حقيبتي هذه بوضعك وراء الشمس؟ بعدها قص علينا قصته مع غرف التحقيق، وكيف تعرض للإهانة والتوبيخ من قبل حماة النظام البائس، وتعرضه للتهديد الذي قد يطال حتى اسرته الآمنة. هنا اعتذرت له عما سببته له حقيبتي السوداء، وقلت له ضاحكا: انت من اتيت إلى الحقيبة السوداء، ولم تأت هي إليك، وهذه يا مصعد ضريبة كل من يريد ان يتعلم في مدارس الوطن السليب!!

طبعا هنا لن اتطرق إلى التعذيب الذي لحق بحقيبتي السوداء، فهو اكبر من يحيط به قلمي، لأنه هو أيضا كان مخطوفا معها.

تحياتي

عبدالباسط بوحميدة
Buhmeida7@yahoo.com
_________________________

(*) بعد ان سألتني اللعوب ذلك السؤال الخبيث، اجبتها بثقة: بأنه ليس عندي اختا، وهنا انفجر اعضاء اللجنة ضاحكين، وهي كذلك، حتى ان بعضهم ترك الكرسي من كثرة القهقهة، وشهدوا بذكائي الحاد. ثم دونت هي ملاحظة في كراستها تحت اسمي، احسبها عبارة "يخضع للمراقبة".


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home