Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelbaset Abouhmida
الكاتب الليبي عـبدالباسط أبوحميدة


عبدالباسط أبوحميدة

Saturday, 23 June, 2007

 

عـلى أعـتاب انعـقاد المؤتمر الوطني الثاني للمعـارضة الليبية
مطالب لم تـتـحقق بعـد!! (2)

عـبدالباسط أبوحميدة

انسحاب صامت وتخوف ظهرت بوادره

كما أسلفنا في المقال السابق فإن المؤتمر الوطني الأول انقعد بعد ماراثون مضني من اللقاءات نصف الشهرية، استغرقت أكثر من عام تقريبا، تخللته "محطات صعبة من الشد والمد والحماس والفتور، لكن مصلحة ليبيا كانت دائما فوق كل اعتبار". هذا ما صرح به منسّق تلك اللقاءات في حوار صحفي أجري معه قبل شهر ونصف تقريبا من انعقاد المؤتمر(1) . بعد هذا اللقاء بيوم واحد، وتحديدا في الـ 8 من مايو 2005، أصدرت لجنة الإعداد للمؤتمر الوطني بيانا صحفيا أشادت فيه بارتياحها "إلى ردود الفعل المرحبة بإقامة المؤتمر من قبل شعبنا في الداخل، ومن قبل إخوتنا المناضلين في الخارج"(2). والملاحظ أن البيان الصحفي تزامن إطلاقه مع يوم ذكرى أحداث باب العزيزية. ربما وفاءا لكل من سقط شهيدا في تلك الملحمة الخالدة، وفي الملاحم الأخرى التي تلتها، أو ربما هكذا شاءت الأقدار.

الأيام التي سبقت وأعقبت إنعقاد المؤتمر، احتضنت سيلا من الكتابات والمقالات المتنوعة بخصوص المؤتمر، جلها ـ باستثناء كتابات أعوان النظام ـ تحدثت عن مطالب المؤتمر وآليات تحقيقها. كما خرجت 3 بيانات سريعة عن هيئة المتابعة للمؤتمر الوطني تحت عنوان "ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس.. أصداء سريعة عن المؤتمر الوطني للمعارضة"(3) لخصت فيه حالة الإرتباك التي عانى منها النظام الليبي عقب انتهاء انعقاد المؤتمر، من أهمها إفتقاد التنسيق للحملة الإعلامية المضادة التي شنتها صحف النظام، وبدت الحملة الإعلامية كما وصفها البيان الثاني بـ المهلهلة والفاقدة للصوابية.

من بين تلك الكتابات خرجت مقالات تبارك انعقاد المؤتمر، ولكن في نفس الوقت كانت مغلفة بوشاح من الخوف على ما بعده. فكثير من الليبيين فرحوا بانعقاد المؤتمر وباركوه، ومع هذا حذر بعضهم من أن تنتهي نشوة اللقاء والتنسيق لفصائل المعارضة بعد انقطاع طويل بانتهاء فعالية المؤتمر وغلق قاعة المحاضرات، ورجوع المؤتمرين إلى أماكن مأواهم. أي أن التخوف من أن لا ينبني عمل جاد بعد انتهاء المؤتمر يؤدي إلى تحقيق المطالب التي أعلنوها.

ما بين استقالة أحد أعضاء لجنة الإعداد للمؤتمر الأول واستقالة نائب رئيس هيئة المتابعة(4)، علقت بعض فصائل المعارضة ـ الممثل أفرادها في هيئة المتابعة ـ فيما بعد عضويتها أيضا من المؤتمر. إذالم يقتصر الإنسحاب من عضوية المؤتمر على أشخاص فرادى مهما كانت أدوارهم، بل طال الإنسحاب عضوية بعض الفصائل التي شاركت في المؤتمر الأول بفاعليه قصوى، لأسباب كذلك لم يعلن عنها. الإنسحاب الصامت لهذه التنظيمات أو تجميد عضويتها يطرح سؤالا جوهريا ألا و هو: هل مازال إرث الماضي ضاربا أطنابه في جذور العلاقة بين رجالات المعارضة وفصائلها المختلفة؟

لقد تخوف البعض من مغبة استجلاب إرث الماضي إلى اللحظة الراهنة، ونصح بردمه إلى غير رجعه، على اعتبار أننا الآن في مرحلة جديدة، والمأساة بمخالبها طالت الجميع. فهناك "تصميم علي تجاوز كل مشكلات ومرارات التجارب الماضية، والإنطلاق نحو المستقبل مع الإستفادة من دروس وعبر الماضي دون التوقف عند ذيول سلبياتها، ومن يتطلع الي النجاح لا يمكن أن يظل أسير الماضي وما حصل فيه من إخفاقات واختلافات" .

على كل، في اكتوبر 2006 أصدرت اللجنة السياسية المنبثقة عن هيئة المتابعة، تقريرا سياسيا عن ليبيا، تصدره تمهيد حول الدستور الليبي ودولة الاستقلال، ثم وصف حالة التدهور التي تعاني منها البلد منذ اعتلاء العسكر لسدة الحكم، مركزا على تدهور الحالة الإقتصادية. ثم تطرق التقرير لدوافع السياسة الخارجية الليبية، والسياسة الحالية للنظام في الداخل. ثم ـ بعد ذلك ـ ختم التقرير بـ 10 نقاط لخصت رؤية المعارضة للمستقبل، وبـ 7 نقاط لخصت استراتيجية المرحلة القادمة (6).

دون الدخول في دوامة منهجية إعداد التقرير من قبل أعضاء اللجنة السياسية و طريقة نشره للرأي العام، سبب محتوى التقرير نوعا من الجدل الحاد بين أعضاء المؤتمر الوطني أنفسهم، وصل معه الجدل إلى درجات عالية من التوتر. منطقة الإشتباك في التقرير تمظهرت في نقطتين أساسيتين هما: غياب بند التنحي من رؤية المعارضة الوطنية للمستقبل، واستراتيجيتها في المرحلة القادمة، والنقطة الأخرى تمركزت حول الإتفاق على وجود حراك سياسي داخل البلد من عدمه.

لم يشر التقرير بوضوح ـ لا من قريب ولا من بعيد ـ إلى أهم مطلب من مطالب المؤتمر الوطني المتمثل في تنحي العقيد القذافي عن السلطة. كما اختلف أعضاء المؤتمر حول البند الثالث من استراتيجيا المرحلة القادمة الذي اشار بجلاء إلى تشجيع وإكبار الحراك السياسي الذي بدأت إرهاصاته تتجلى داخل الوطن، والترحيب بأي انفراجات من شأنها التخفيف من معاناة الليبيين.

جدلية الحراك السياسي داخل الوطن من عدمه لعبت دورا رئيسا في إزدياد درجة الإحتقان بينهم. ففي الوقت الذي رحب التقرير بالحراك السياسي داخل الوطن، رفض بعض من أعضاء المؤتمر اعتبار أن هناك حراكا سياسيا أصلا. ففي رأي هذا البعض أن كل ما يتبادر من فعاليات ثقافية أو سياسية داخل الوطن تنتقد الوضع القائم، أو تحثه على الإسراع في إطلاق دستور ينظم شؤون البلاد، أو المناداة برفع المرتبات، أو أي مطالب اخرى، هذه المتغيرات الجديدة ـ في ساحة الداخل ـ لم يرها البعض إلا مطالب كرتونية مبرمجة من قبل السلطة الحاكمة ومصنوعة على عينها، والتعاطي معها أعتبر كمن يرمي بطوق نجاة لنظام مأزوم يغرق تدريجيا نحو قاع سحيق.

مع نهاية الشهر الجاري (يونيو 2007) يكون قد مر عامان على انعقاد المؤتمر الأول. في تصوري لا يمكن لنا المقارنة بين حمى الإعداد التي صاحبت المؤتمر الأول مع وتيرة التفاعل لإنقعاد المؤتمر الثاني. الفروق بين التفاعل لإعداد المؤتمريْن يمكن ملاحظتها من خلال الإطلاع على صيغة البيانيْن. ففي الوقت الذي أشاد فيه بيان لجنة الاعداد للمؤتمر الأول بردود الفعل المرحبة بإقامة المؤتمر ـ كما أشرنا أعلاه ـ نجد أن صيغة البيان الثاني تنم على تخوف وقلق قد يقرأ بين السطور، وتحديدا في عبارة "آملين أن يستجيب الجميع للدعوة إلى المؤتمر، وإلى المساهمة الإيجابية فيه، قياما بالواجب ووفاء للثوابت الوطنية"(7). فالأمل في استجابة الجميع للدعوة إلى حضور المؤتمر الثاني وفاءا للثوابت الوطنية، فيه استبطان لنوع من القلق للتخوف من ضعف الإستجابة المتوقعة من قبل أعضاء المؤتمر وفصائله المختلفه، قد تؤدي ـ لا قدّر الله ـ إلى تأجيل انعقاد المؤتمر الثاني إلى أجل غير منظور.

وأخلص هنا للتأكيد على أن عين المراقب ـ للحراك المعارضي في الخارج ـ لا تخطأها حالة من الركود تلف و تحيط أعضاء هيئة المتابعة للمؤتمر الوطني، تتمظهر تجلياتها في غيابهم عن الساحة وضعف اتصالهم بالجماهير.

مطالب لم تتحقق بعد!!

اشترط أعضاء المؤتمر الوطني، لإعادة بناء ليبيا الحديثة، تنحي العقيد القذافي عن كافة سلطاته وصلاحياته الثورية والسياسية والعسكرية والأمنية، ورفض مبدأ التوريث(8)، كما اشترط أصحاب مشروع الإصلاح توفر ـ الإرادة السياسية للتغيير ـ لدى النظام الحاكم كي ما يمكن لـ ليبيا أن تلحق بركب الأمم المتقدمة. إذا فالمشاريع المطروحة الآن في ساحة المعارضة الليبية هي مشاريع مطالبية بالأساس. فرهن بالتالي كل مشروع إمكانية نجاح أهدافه بتوفر تلك المطالب.

بمعنى آخر، دواليب هذه المشاريع مكبوحة الآن، وتنتظر في بدأ دورانها نحو مستقبل واعد يشارك في بناءه الجميع دون إقصاء أو تهميش. وتحركها لا يتم إلا بعد أن يتم إزاحة هذه الكوابح والعصي المحشورة فيها. والكوابح هنا هي العقيد القذافي كما يراها التنحويون، وتوفر الإرادة السياسية كما يراها الإصلاحيون.

لسوء حظ ليبيا وأهلها، أن هذه المطالب لا تملكها مؤسسات فاعلة ذات جدوى، يمكن لها ان تتفاعل مع هذه المطالب بجدية وهمة عالية، إنما في الحقيقة هذه المطالب مستحْوذ عليها من قبل جهة متقلبة المزاج، كل يوم هي في شأن. ولهذا نجد أن مشكل ليبيا عويص ومتشعب، نظرا لاستحواذ يد واحدة على هذه المطالب من جهة، و طول أمد المأساة الذي قارب على مشارف العقود الأربع من جهة أخرى.

فنرى ـ مثلا ـ من أصحاب المشروع الإصلاحي من شكك في مرور ليبيا عبر جسر العبور إلى ضفة المستقبل بدون إرادة العقيد القذافي، وألمح في مقالة طويلة ذات أجزاء ثلاثة(9)، إلى أن مركز ثقل التغيير في ليبيا هو القذافي نفسه، ولا يمكن لـ ليبيا ان تمر عبر جسر العبور إلى مستقبل أفضل إلا بمعيته هو. أي لا يمكن لدولاب الإصلاح أن يبدأ في الدوران، إلا إذا أداره العقيد القذافي، مؤكدا على أن "العقيد القذافي بدوره الجديد الحامي للعملية الديمقراطية دون التدخل فيها سينتقل إلى خانة مؤسس دولة ليبيا الحديثة، كما ستتمكن القوى السياسية المختلفة في جو الحرية الجديد من طرح رؤاها في كيفية بناء ليبيا المستقبل. كل ذلك لفائدة المواطن الليبي الذي سيبدأ الجميع، ولأول مرة في التاريخ في خطب وده"(10).

حتى لو سلّمنا جدلا بصحة هذه الفرضية، فهل يعقل أن تنهض ليبيا وشعبها بإرادة يملكها شخص واحد؟ وهذا في ـ تصوري ـ تكريس لروح الإنكسار والهزيمة. كما أن التاريخ لم يسجل أن دكتاتوريا واحدا تحول إلى ديمقراطي قط، وليبيا ليست استثناء. كما أن المشاريع المطالبية من العسير لها أن ترى النور في أجواء الإستبداد، وإذا رأت النور فسيكون وميضها لفترة وجيزة لا تقف على أرضية صلبة، لتنهض ـ هذه المشاريع ـ ببلد يعاني من تهتك وشلل طال جل مفاصل الدولة المختلفة، وطال التحطيم ـ من قبل ومن بعد ـ كرامة الناس وآدميتهم. لا بد من تفكيك منظومة الإستبداد حتى يتسنى للمشاريع المطالبية من أن ترى النور ومن ثم تزدهر.

حتى مشروع ليبيا الغد (مشروع سياسة الباب الدوّار) كما عرضه سيف القذافي ـ في تصوري ـ لن ينهض بـ ليبيا، لأنه اعتمد في أغلبه على إصلاح الشق الإقتصادي فقط، غاضا الطرف عن الشق الأهم، وهو الإصلاح السياسي، حتى وإن نادى المشروع بصياغة دستور ينظم شؤون البلاد. فالمشروع مازال يعوّل على المنظومة المعتمدة منذ 30 سنة، وهي منظومة المؤتمرات تقرر واللجان الشعبية تنفذ. وفوق هذا وذاك لم يعتمد المشروع على تنمية قدرات الفرد الليبي وتسليحه بالعلم والمعرفة. أبدا لم يلتفت المشروع إلى بناء جيل له إرادة حرة، وإعادة الثقة إليه بعد فقدانها لعقود طويلة. بل على العكس من ذلك تماما، فالمشروع أطلق حقيبة مليونية بداخلها مليون هاتف جوال، ومليون حاسوب، ومليون علفة!!

وعليه فطول الأمد وفشل محاولات تغيير النظام أدى ـ بالتالي ـ إلى إفراز أجيال محبطة مهزومة، استمرأت الذل والهوان. أمست ـ معه هذه الأجيال ـ طرق معبدة لأحذية الطغاة. فلم يعد في سلم أولوياتها رفض الظلم والأستبداد، والتطلع إلى الحرية والكرامة، واعتبارهما قيم حضارية لا يمكن أن تكتمل آدمية الإنسان إلا بهما. فـ بافتقاد الحريات العامة، أفتقد معها معرفة الحقوق والواجبات، وانزوت معه ثقافة حقوق الإنسان، ومن ثمة سلبت إرادة الناس إلى أجل غير مسمى.

هل إلى خروج من سبيل؟

هل إلى خروج ليبيا من مأساتها إلى سبيل؟ في الحقيقة سؤال يصعب الإجابة عليه. وهنا أتمنى ألا يضرب اليأس قلوب العاملين في صمت من أجل ليبيا. وأدعو أصحاب المشاريع المختلفة ـ بدون استثناء ـ إلى وحدة الصف، واعتماد الحوار كآلية لتقريب وجهات النظر فيما بينهم. كما أدعوهم جميعا إلى الإلتصاق والإلتحام بهموم الشارع الليبي والتمترس في خندقه، مع التضرع إلى الله عز وجل أن يجنب البلاد والعباد كل مكروه. هذا وبالله التوفيق.

عـبدالباسط بواحميدة
توركو
buhmeida7@yahoo.com
________________________

الروابط :
(1) حوار مع الاستاذ إبراهيم اقدوره:
http://www.libya-watanona.com/adab/tgzeeri/tg07055a.htm
(2) البيان الصحفي بخصوص الدعوة لعقد المؤتمر الوطني الأول:
http://www.libya-watanona.com/news/nclo/nc08055a.htm
(3) بيانات صحفية "ليبيا اليوم ليست ليبيا الأمس.. أصداء سريعة عن المؤتمر الوطني للمعارضة"
البيان الأول http://www.libya-watanona.com/news/n2005/june/n28jun5u.htm
البيان الثاني http://www.libya-watanona.com/news/n2005/june/n29jun5a.htm
البيان الثالث http://www.libya-watanona.com/news/n2005/june/n01jul5m.htm
(4) ملاحظة: لقد ورد خطأ في الجزء الأول القول باستقالة نائب رئيس المؤتمر، والصحيح هو استقالة نائب رئيس هيئة المتابعة للمؤتمر الوطني
(5) محمود محمد الناكوع: المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية.... المعركة المقبلة محورها حقوق الانسان. القدس العربي22 يونيو 2005
http://www.alquds.co.uk/archives/2005/06Jun/22JunWed/Quds18.pdf
(6) تقرير سياسي عـن ليبيا من إعـداد اللجنة السياسية لهيئة المتابعة للمؤتمر الوطني:
http://www.libya-watanona.com/news/nclo/nc23106a.htm
(7) بيـان صحفي لهيئة المتابعة للمؤتمر الوطني:
http://www.libya-watanona.com/news/nclo/nc30057a.htm
(8) توصيات المؤتمر المعتمدة:
http://www.libya-watanona.com/news/nclo/nc11075b.htm
(9) محمد صالح بويصير: هل ينجح العقيد القذافي في العبور بليبيا نحو العالم الجديد؟
http://www.libya-watanona.com/adab/buisier/mb08095a.htm
(10) نفس المصدر السابق:
http://www.libya-watanona.com/adab/buisier/mb29095a.htm
ـ إلى المخضرم: ردا على سؤالك في الجزء الأول: أحب ـ بعد شكركم ـ التأكيد على أن جل ما جاء في المقالة بجزئيها هو اجتهاد شخصي قد أخطئ فيه وأصيب. ولكم من الود باقة.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home