Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelbaset Abouhmida
الكاتب الليبي عـبدالباسط أبوحميدة


عبدالباسط أبوحميدة

Saturday, 5 April, 2008

والله زمان يا دستور

عـبدالباسط أبوحميدة

بعد أن غيّب عنها لقرابة أربع عقود خلت، كثر الحديث هذه الأيام عن الاسراع بصياغة دستور، يحفظ البلاد من تيه مقبله عليه، إذا ما صحّ غياب القيادة التاريخيه عن مسرح الأحداث بطريقة فجائية، تصعب معها حالة التوريث السلمي للسّلطة، كما يروج البعض، عوضا عن التداول السلمي!!

بالرجوع إلى 40 سنة خلت من العهد الحالي، وقبلها 18 عام خلت من عهد المملكة، يصبح مرّ على ليبيا قرابة 6 عقود متوالية، لم يمارس فيها من أعمارهم الآن 60 سنة، فما تحت، ثقافة دستورية واحدة، ربما قد تعين يوما ما، في ممارسة دستورية مستقبلية هادفة.

الجيل الذي ولد مع ميلاد الدستور في دولة الاستقلال، نشأ وترعرع في ظلّه، إلا أنه لم يمارسه عمليا، لكونه جيلا قاصرا كرونولوجيا في ذلك الوقت، أي بمعنى، عمره تحت سن القانون. و في المقابل، فإن عمر دستور المملكة، بالمقارنة بأعمار الدساتير الأخرى، هو أيضا لا يزال يحبوا حينها، وهذا لا يعني مثلبة في حقه، بل هي خطوة على الطريق الصحيح، ليتكفل الزمن بانضاجه تباعا، إذا ما قدّر له استنشاق الهواء النقي مع أبناء جيله، ليصبح الآن عمره 60 عاما، وهي مدة كافية له، ليضع ليبيا في مقدمة الأوطان المزدهرة، التي لا تنتمي لدول العالم الثالث، إلا بحكم موقعها الجغرافي.

الدستور في معناه البنيوي هو العهد أو الميثاق، وفي معناه السلطوي هو ينبوع اللوائح والقوانين، التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبينهما معا، مع البعد الثالث "الوطن". فاختلال الدستور بنودا وصياغة، يتمنتج عنه بالضرورة، اختلال في العلاقة بين الأبعاد الثلاثة. الدستور ينضج وينمو ويتطور، إذا ما اتيح له الحضور والتفاعل في محيط أبعاده الثلاثة، وينزوي ويتلاشى، إذا ما حورب وغيّب قسْرا عن محيطه الطبيعي، وهذا ما ابتلي به دستور دولة الاستقلال.

مع غروب سنة 1969، وتحديدا في نوفمبر منها، غرب معها الدستور إلى غير رجعة، وغابت معه الثقافة الدستورية فكرا وممارسة إلى أجل غير مسمّى. غابت حتى المصطلحات المصاحبة للدستور من مثل: صناديق الاقتراع، انتخابات حرة، نزيهة، شفافة، لجان محلية، اقليمية، دولية، الاشراف على العملية الانتخابية، البرلمان، السلطة التشريعية، السلطة القضائية، مجلس الشيوخ، الأعيان، السلطة التنفيذية، حجب الثقة، تعزيز الثقة، تعديل الدستور، حل البرلمان، استفتاء، تلاعب، التفاف، مطالب، حقوق، مصلحة وطنية، والأدهى والأمر، غابت معه ليبيا كوطن وتاريخ وجغرافيا إلى خارج الزمن.

هذا على الصعيد المفاهيمي للدستور، أمّا على صعيد الأجيال الممارسة له، فلا بد لنا من وقفة قصيرة للتعرّف على التباين بين الجيلين. جيل ما قبل ولادة الدستور، وجيل ما بعد وأده، مع استصحاب فترة ما بين الولادة والدفن، والمقدرة بـ 18 عام فقط لا غير، وهي مدة غير كافية بالمرّة، للتناغم المطلق بين الدستور والأبعاد الثلاثة، التي صيغ من أجلها.

ما قبل ولادة الدستور، كان قد مر على ليبيا سنوات عجاف، تمظهرت في سقوطها في مستنقع الإحتلال الأجنبي، ايطاليا كغزو، وبريطانيا كوصاية. في تلك الفترة امتاز الليبيون، بمقاومة المحتل حتى الرمق الاخير، وفي مقدمتهم شيخ الشهداء. من ايجابيات الغازي ـ إذا جاز التعبير ـ هو تقوية اللّحْمة الوطنية بين ابناء الجيل الواحد، التي تمثلت في عنصر مهم، وهو الوفاء بالعهود والمواثيق. فلا يتصوّر مثلا مقاومة المحتل من قبل جيل لا يفي بالعهود والمواثيق فيما بين ابناءه. فطبيعة العمل المقاومي يتجلّى في وجود قيادة وجنود، وهذا بالضرورة يعني، ان هناك اتفاق على غاية معينة ـ وفي هذه الحالة، دحر المحتل ـ ثم التعاهد والتبايع على تحقيقها، وقد تحقق لهم ما أرادوا.

مختصر القول ان جيل ما قبل الاستقلال تربّى على معاني الوفاء بالعهود والمواثيق، متضمنة ايضا ثقافة الهدنة، حتى مع العدو الغاصب، لتسيير دفة الحوار السياسي معه، فلمّا منّ الله عليهم بدولة الدستور، تماهوا معها إلى درجات عليا (تحصيل حاصل).

أمّا جيل ما بعد دفن الدستور، فقد نشأ وترعرع في غياب معاني الوفاء بالعهود والمواثيق. نشأ فيما يسمّى بالاناركية ـ الفوضوية، التي بدورها أفرزت جيلا مهزوما مسلوب الإرادة، كتجلّي طبيعي لسياسة تكميم الأفواه، التي مورست عليه باتقان. جيل لا يعير اهتماما واضحا لمعاني العقود و العهود. جيل وضع باقتدار في بؤرة الخضوع و التهميش.

جيل ظلم من قبل النظام الذي يحكمه. دولة لم تهتم بالوفاء مع ابناءها في ابسط صوره، فتأخر الرواتب مثلا لأكثر من 6 اشهر عن ابناء جيل الحقبة الجارية، يؤدي إلى شعور بالاحباط والانتكاسة لدى موظفي الدولة. قانون البيت لساكنه، اتاح فرصة غير مسبوقة لأعداد غفيرة من أناس ولدوا، وترعرعوا في بيوت مغصوبة من ملاكها، وحرّضوا على عدم دفع الايجار. والإيجار الشهري في معناه الأصيل، هو عهد أو ميثاق بين صاحب البيت والمستأجر. تنصل النظام من الاعتراف بجنوده الذين زجّ بهم في حروب وهمية أكلت الأخضر واليابس، صورة صارخة لهتك العهود.

الحديث يطول عن انتهاك معاني الوفاء بالعهود في الحقبة الجارية. عدم المبالاة في دفع فواتير الكهرباء والماء، والهاتف، أو الاستهتار واللا مبالاة في ارجاع الديون المقروضه من البنوك، وغيرها الكثير من الأمثلة التي لامسناها جميعا، هي في الحقيقة صور مصغرة لانتهاكات صارخة للمواثيق. جيل استقام عوده على هذه الخروقات الصارخة، بتحريض من السلطة الحاكمة، لا يمكن ان نتوقع له الاستقامة بمجرد السعي والمناداة لسن دستور، ينظم شؤون العلاقة بين الأبعاد الثلاثة.

مختصر القول، هو انه لابد من تحرير هذا الجيل من ربقة الاستبداد، واخضاعه لبرامج مكثفة للتحرّر من الخوف والجفول المصاب به. اخضاعه لبرامج مكثفة توعوية تعبوية تعيد إليه كرامته وحريته المختطفة، قبل الحديث عن دستور أو مسودة دستور. بمعنى ان الحديث عن دستور لمن أعمارهم تحت الستين الآن، هو ضرب من العبث الذي لا طائل منه، في وجود روزنامة الاستبداد.

عبدالباسط بواحميدة
توركو


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home