Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed Bougrain
الكاتب الليبي أحمد بوقرين


أحمد بوقريـن

Sunday, 13 January, 2008

مشاعـر وخواطر عـائد.. من الحج

أحمد بوقرين

بين يدي شيخ الأقصى "رائد صلاح" ومفتي القدس "عكرمة صبري"...
سرور وحبور برفقة "الحاج منصور".. شعائر ومشاعر... الطفل البورمي "عمر عبد الغفار"..

لقد انتهى موسم الحج لهذا العام، انتهى كما ينتهي كل عام، وعاد كل حاج من حجاج بيت الله الحرام بحصيلة وافرة من الخواطر والذكريات والمشاعر التي عاشها وعايشها ورآها وسمعها في رحلته إلى البقاع الطاهرة والمشاعر المقدسة، وتمر على هذه الخواطر والذكريات والمواقف الأيام تلو الأيام، والشهور تلو الشهور، ثم السنين تلو السنين، إلا أن المذاق الرائع لهذه الخواطر والذكريات يبقى ملتصقاً بقلب وذاكرة الحاج طوال حياته، ويبقى مدى التصاق هذه المشاعر والخواطر والذكريات الرائعة بقلب الحاج بمدى المهابة والمكانة والحب الذي يكنه في صدره لهذه الأماكن الطاهرة.
تلك المشاعر والخواطر والذكريات الكثيرة، والمختلطة، والمتضاربة أحيانًا، هي بحق مشاعر إنسانية شتى تنتاب كل من يكتب له الله سلوك سبيل تلك الرحلة الإيمانية الفريدة، رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، وهنا بين يدي القارئ الكريم خواطر ومشاعر ومواقف وانطباعات عائد لتوه من رحلته النورانية لأداء هذه الفريضة، ورغم أن هذه الرحلة لم تكن هي الأولى من نوعها إلى بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة، إلا أنه كان لهذه الرحلة ما يميزها من مشاعر خاصة أبت إلا الإفصاح عن نفسها عبر كلمات أنثرها بين يدي القارئ متمنيا أن تكون هذه الكلمات صادقة، كي تقع موقعها الصحيح في قلب كل قارئ كريم، فهي على أي حال أخلاط من المشاعر والأحاسيس والخواطر والأفكار الإنسانية التي جالت بذاكرتي حول تلك الرحلة، سجّلتها كما هي، غبراء شعثاء، عليها وعثاء السفر، فعذرًا للقارئ الكريم من أي قصور قد يعتريها.... وأدعو الله أن يكون الحج وسيلة لتوحيد وتآلف المسلمين، وتقريب أرواحهم ومشاعرهم، وجمع كلمتهم وصفوفهم...


الحاج منصور الفيتوري

* رفقة الحج .. سرور وحبور برفقة الحاج منصور..

في كل رحلة لنا رفقاء، نقضي أوقاتنا معهم، نتعلم منهم ويتعلمون منا، نستفيد منهم ويستفيدون منا، كما أنه لكل رفقة طعم خاص بها، وجو عام يكتنفها، إلا أن رفقة الحج شيء مختلف تماماً، لا يعرفها إلا من عاشها وجربها وذاق طعمها، فبدون أي جهد يمكن أن يبذله الحاج تجاه رفقته سوف يجتمع قلبه بقلوبهم، ومشاعره بمشاعرهم، ويتآلف معهم رغماً عنه ولو فرقت بينه وبينهم سهول وجبال من اختلاف اللهجات والأفكار والخلفيات والقوميات، والعجيب أنها كثيرة هي المواد والمقالات والمحاضرات التي تتحدث عن مناسك الحج من حيث الآداب والأحكام والكيفية والجواز وعدم الجواز والحرمة، وغير ذلك من أمور التشريع التي وردت في باب الحج، إلا أنني لا أذكر أنني قرأت عن أهمية الرفقة في رحلة أداء مناسك الحج، ولا أدري فربما يعتبرها البعض أنها من الأمور البديهية ذات طابع التحصيل الحاصل، إلا أنني رأيت بعد هذه التجربة الرائعة أنه من كمال فضل الله وزيادة كرمه على الإنسان أن يسخر له رفقة طيبة يقضي معها أيام رحلته المباركة لبيت الله الحرام، رفقة إيمانية تكون ذكرا حسنا في الأرض وترحيبا من الملأ الأعلى في السماء، وأحسب أن الله تعالى قد أكرمني في رحلتي بهذه الرفقة الرائعة، متمثلة في أخ عزيز هو مثالا في الطهر والصدق والأخلاق والحب والإخاء والذكاء العاطفي، ذلكم هو الحاج منصور الفيتوري مساه الله بكل خير، فما أسعدها من حياة وأنت تجالس الحاج منصور في رحلتك الإيمانية إلى البقاع الطاهرة، وما أسعدها من لحظات ونحن نقضي مناسكنا سويا، نطوف بالبيت سويا، ونسعى بين الصفا والمروة سويا، ونرمي الجمار سويا، ونقف عرفات سويا، ونبيت منى أيام التشريق سويا، نترافق في سيرنا على الأقدام المسافات الطويلة، ثم بالحافلة الساعات الطوال بسبب كثرة الزحام، نذكر الله سويا ونتسامر سويا، ونتناقش سويا، يغلبه النعاس، ويغلبني أيضا فلا أصحو إلا وابتسامته المشرقة أول ما أنظر إليه، فسبحان من أنزل الرحمات، ليتراحم بها الأصحاب والأحباب والخلان، وسبحان من أوجد الغرائز القلبية النبيلة التي تتفجر عطفا وحنوا بين المتحابين من بني البشر..

* شعائر ومشاعر...

إن إقامة شعائر الحج عبادة مغايرة كل المغايرة لجميع العبادات الأخرى، عبادة، لا يمكن أن نؤديها في مكاننا شأن غيرها من العبادات، فلا بد أن نخرج إلى مكة المكرمة، تلك المدينة القديمة، حيث بيت الله المعظم الذي بناه إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام، وفي أثناء الرحلة ومع اقترابنا من تلك البقاع الطاهرة، بدأ الإعداد النفسي لتلك التجربة الفريدة، فدخلنا في حالة روحية، نفسية، اجتماعية، جسدية، مختلفة عن الحالة السابقة، إنها حالة الإحرام، حيث يتوجب علينا التخلص من أكبر قدر من العلائق الأرضية الجسدية، فاللباس أخف اللباس وأيسره، قطعتان ليس فيها تفصيل على هيئة الجسد، فقط لتستر الجسد بأدنى صور الستر، فلا مكان للتفاخر باللباس، ولا للتباهي بالزينة، ويمنع الاتصال الجنسي، بل وإجراء عقود النكاح، فلا وقت لمتعة الجسد في هذه الأيام، فلدى الحاج ما يشغله عن هذا كله، وحتى تكتمل تلك الإعدادات الروحية لابد من قيود أخرى على متعة الجسد، فيمنع التطيب، ويكف المحرم عن قص شعره وظفره، وحتى يتم له تمام الشعور بالخضوع والذل، يكشف رأسه، فلا يغطيه بشئ أبدا. هي في الحقيقة قيود عديدة، أسماها الفقهاء محظورات الإحرام. اتجهنا إلى تلك البقاع، بتلك الهيئة البسيطة المتجردة، رافعين أصواتنا بالتلبية، "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" يتحرك بها اللسان، فيهتز لها الكيان، متخلصين من أوحال التعبد لغير الله، مسلمين القلب، والروح، والحياة لله تعالى.
وصلنا إلى الأراضي المقدسة، لنجد أن جموعاً لا تُحصى قد أخرجها الذي أخرجنا، وحركها نفس الهدف، جاءت راغبة فرحة مسرورة رغم ما قد يكون قابلها من صعوبات ومشكلات، هوت تلك القلوب إلى تلك البقاع استجابة لدعوة أبينا إبراهيم ( رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ )، ثم بدأنا حجنا بعمرة، وهي حج أصغر، طواف بالبيت، وسعي بين الصفا والمروة، ثم حلق أو تقصير، ثم تحلل أصغر من الإحرام، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة، أعاد كل حاج من حجاج بيت الله الحرام الدخول في حالة الإحرام، لتبدأ أعمال الحج التي أولها شهود يوم عرفة، في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، وهو ركن الحج الأكبر، ذلك الحدث الرهيب، رهيب بكل ما تحمل الكلمة من معنى، مئات الآلاف من البشر، من كل حدب وصوب، (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) ثقافات متغايرة، بل حضارات متباينة، أبيض وأسود، متعلم وجاهل، غني وفقير، رئيس ومرؤوس، فلا موطن للتمايز، نجتمع جميعا على بقعة محدودة من الأرض، في مدة معينة، لا يصح حج أحدنا إذا لم يحضر هذه التظاهرة الضخمة الفريدة، وهذا اللقاء العالمي المتجدد، حيث ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا فيباهي ملائكته فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني؟ فلو كان للحاج مثل عدد النجوم والحصى والرمال من الذنوب، أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء غسلها الله عنه بفضله وكرمه وجوده، حقا إنه مشهد مهيب، يبعث على الفخر والاعتزاز بهذا الدين العظيم، الذي جمع الناس بهذه الطريقة الرائعة، دين هذه شعائره، لا شك أنه خير الأديان، ومع اقتراب لحظات الغروب، واقتراب انقضاء ذلك اليوم ـ أفضل الأيام ـ ألح كل حاج منا في الدعاء أكثر فأكثر، وتمنينا أن يستمر يوم عرفة دهورا ليبث فيها كل حاج جراحاته، ويرتل فيها أدعية حرى، تنبئ عن فجر جديد لحياته، فالقلب مشحون بأنواع الرضا، والحمد، والبكاء، والحب، والذل، والحنان، والرجاء، وقد رأيت في عرفات كيف دبت السكينة، وأحسست في عيون الحجاج فرحة غريبة، رأيتها وأحسستها وكأن القلوب تطهرت والذنوب تطايرت وتقاطرت مع تقاطر دموع الطهر على الوجنات الظمأى لحجاج بيت الله، وتحسست الوعد الرباني الحق بتجلي الله تجليا يليق بعظمته وهو يقول: (أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم)، حتى إذا ما غربت الشمس، بدأ التحرك الجماعي، أرتال من البشر، مشاة وركبانا، رافعين أصواتهم مرة أخرى بالتلبية، تضج بها الأرض والسماء، في مشهد مثير لجميع المشاعر، كأنما هو ما وصفه الله في كتابه من مشاهد يوم البعث.
اتجهنا جميعا بحركة واحدة إلى بقعة أخرى، إنها مزدلفة، حيث ليل ترقص بين أستاره شعاعات ضوء لا نهاية لها، والسماء تحمل قمرا ذاب بمنظر جموع الحجاج، في مزدلفة حيث يعيش الحاج في أحضان أبت إلا أن تكون غاية في الدفء والحنان، فتهفو المشاعر وتطمئن النفوس وتدمع العيون، في مزدلفة قضينا ليلتنا، وصلينا بها الفجر، وهو فجر يوم عيد الأضحى، عيد المسلمين الثاني، وبعد ابتهال ودعاء إلى قبيل طلوع الشمس، تحركنا مرة أخرى إلى منى، مستقبلينها برمي الجمار، متذكرين بذلك فعل إسماعيل عليه السلام حينما رمى الشيطان لأنه أمره بمعصية ربه، ثم نحرنا الهدي تقربا إلى الله عز وجل، (فأفضل الحج العج ـ وهو رفع الصوت بالتلبية- والثج وهو سيلان دم الهدي)، ( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ )، ثم حلقنا وقصرنا، وبذلك تحللنا من حالة الإحرام التي كنا عليها، فيمكن لنا الآن- وهذا اليوم عيد-، أن نلبس لباسنا المعتاد، وأن نمس الطيب.
اتجهنا بعدها إلى الكعبة المشرفة بجلالها وجمالها، لنطوف بها طواف الإفاضة، فالكل يطوف، آلاف مؤلفة تدور في حركة انسيابية دائرية حول محور واحد، تذكرك بالمنظومة الكونية، من أكبر أفرادها إلى أصغره يدور، الأفلاك تدور، كما أن "الإلكترون" في الذرة يدور، فنحن جزء من هذا الكون، نسير معه، ويسير معنا، لأن ربنا واحد، ومعبودنا واحد، ثم توجهنا إلى المسعى للسعي سبعة أشواط بين الصفا والمروة، مستحضرين ما ورد عن أمنا هاجر، زوجة أبينا إبراهيم خليل الله، حيث تركها في تلك الصحراء الموحلة، لا ماء، ولا غذاء، لكن معها ومع كل متوكل الله رب الأرض، والسماء، متذكرين تلك الأم المسكينة، مع وليدها الرضيع، إسماعيل- عليه السلام-، كيف كان حالهم في تلك الفيافي، يظمأ الطفل، فتبحث له أمه عن الماء، تسعى وتذهب وتجئ، فيأتيها الجواب بنبع الماء من بين حبات الرمل تحت أقدام ذلك الرضيع، عواطف جياشة امتزجت بالتاريخ، فتتحرك النفس، ويهتز الخاطر، ويمتلئ الوجدان، وينتشي الكون تسبيحا لله تعالى.
بعد ذلك قفلنا راجعين إلى منى، فبتنا فيها ليلتنا، ليصبح اليوم التالي، وهو أول أيام التشريق، وهي أيام أكل وشرب وذكر الله، رمينا فيه ثلاث جمرات بعد أن انتصف النهار، وكررنا الفعل في اليوم الثاني، ثم طواف مرة أخرى للوداع، لننهي بذلك حجنا إلى بيت الله الحرام، فانقضي بذلك حجنا، فكل شيء في هذه الدنيا ينقضي، حتى هذه العبادة، التي هي من أمتع العبادات وألذها، تنقضي، ينقضي تعبها، بل تنقضي لذتها، لكن يبقى في الفؤاد منها آثار عميقة، ومعان غائرة، يبقى التعلق بالله وتعظيمه وحبه والرغبة فيما عنده، وحب لقائه، والانخلاع من كل ما سواه.

* مع الطفل البورمي "عمر عبد الغفار"

غريبة فعلا قصة هذا الفتى البورمي الذي لاقيناه أيام منى، والذي كان عمره لا يتجاوز التسع سنوات، إلا أنه كان يحمل في جوفه وبين جنبات صدره كنزا ثمينا، فبينما كنت أنا والشيخ محمد الجهمي رئيس حملة دار الإيمان ننتظر مجيء الحافلات التي تنقل الحجاج من منى إلى مكة المكرمة، إذ بصبية صغار يبدو وكأنهم من جنوب شرق أسيا، يلعبون في مخيمات منى، حفاة ونصف عراة، ثيابهم متسخة وبعضها ممزق ومقطع، عليهم أثر الفقر والفاقة والحرمان، كان من بينهم طفل عليه علامات النجابة والذكاء، يفترش الأرض ويبيع القهوة والشاي للحجاج في منى، كان وكأنه زعيمهم، يأتمرون بأمره، ويلوذون به عند الحاجة، وأنا أرقب تحركاتهم وسكناتهم، ناديت على ذلك الصبي، سألته ما أسمك، قال: أسمي عمر، قلت له ومن أين أنت قال: أنا بورمي من بورما، فأخذنا نسأله أنا والشيخ محمد الجهمي، رئيس الحملة، والطفل يجيب على أسئلتنا وابتسامته المشرقة تعلو محياه الصغير، حتى سأله الشيخ محمد هل تحفظ شيئا من القرآن، فأومأ الطفل برأسه أن نعم، فقال له الشيخ محمد وكم تحفظ من القرآن يا عمر، فكانت المفاجأة التي ذهلتنا، أجاب الطفل بلكنة عربية ضعيفة: "كلّو"، أي يحفظ كل القرآن، فللوهلة الأولى لم نصدق ما يقوله الطفل، خاصة وأنه أتبع إجابته بضحكة قوية متتابعة تستشف من خلالها أنه قد يكون مازحا أو ربما كاذبا، فبدأ الشيخ محمد في اختبار الطفل وطلب منه أن يقرأ سورة البقرة وكأن الشيخ محمد أراد في عجالة أن يعجل بإنهاء الحديث مع الطفل ويبين له كم كان كاذبا عندما ادعى حفظ القرآن الكريم كاملا، لكن الطفل لم يمهلنا حتى بدأ بقراءة سورة البقرة بصوت ندي تطرب له الآذان، واستمر الشيخ محمد يسأل الطفل، والطفل يجيب، اقرأ بداية سورة آل عمران، والطفل يجيب ويرتل، اقرأ سورة الأنعام، والطفل يجيب، اقرأ سورة التوبة والطفل يرتل، ثم انتقل الشيخ محمد بأسئلته عن مواقع الآيات ونهاية السور، وكأن الشيخ محمد يمعن في قسوة الاختبار، إلا أن الطفل كان يجيب ويقرأ بأحكام وتلاة وترتيل عجيب، وبعد حديث مطول مع الصبي ومع خاله الذي انضم إلينا لاحقا، تبين أن الطفل عمر يتيم الأب، وهو سليل أسرة محبة لكتاب الله، وله عدد من الإخوة كلهم يحفظ القرآن، ربتهم أمهم بعد وفاة أبيهم على حب كتاب الله عز وجل، والعيش في كنفه، وانتهى الحديث مع الطفل عمر بأن اتفق أحد الحجاج الذين رأوا المشهد الرائع مع خال الطفل، بأن يتكفل ذلك الحاج بمصاريف ذلك الطفل عن طريق راتب شهري للطفل يكفيه إلى أن يكبر ويتخرج من الجامعة ويتزوج، ويفتح حلقة تحفيظ للقرآن الكريم، ويعلم أبناء المسلمين كما تعلم الطفل عمر.
ليس الشاهد من هذه القصة مسألة الغرابة، أو حداثة سن الطفل البورمي فحسب- وإن كانت غريبة فعلا- فهناك الكثير من أطفال المسلمين يحفظون القرآن ويستجمعونه في صدورهم رغم حداثة أعمارهم، شأنهم شأن الطفل البورمي عمر، إنما الشاهد هو ظروف الطفل عمر القاسية والتي تبدوا من خلال ملابسه الرثة التي كان يرتديها، وبيعه للقهوة والشاي مفترشا الأرض، ولا حذاء له يحميه من عوالق ومؤذيات الأرض، رغم أنه من حفظة القرآن الكريم، هو ما يدمي القلب حقيقة، وتساءلت ألم يكن حريا بمثل هذا الطفل أن يكرم هو ويكرم أهله معه، وتكرم أمه التي أرضعته حب القرآن الكريم، حتى صار ابنها من أهل الله وخاصته، ولعل عمر وجد من حجاج بيت الله من يكرمه ويتكفل به حسب جهده وطاقته وقدرته، لكن هل يجد أمثال عمر من أطفال المسلمين الفقراء والمتميزين من يتكفل بهم ويعينهم على لأواء الحياة وقسوتها، نتمنى ذلك.

* بين يدي الشيخ "رائد صلاح" والشيخ "عكرمة صبري"

إن ملاقاة العظماء والأبطال في هذه الحياة أمر تطرب له النفوس وتهفو له الأرواح، وتسعد له القلوب، لا سيما إذا كان هؤلاء العظماء من أرض الإسراء والمعراج، أرض الرباط، أرض الرسالات، أرض المسجد الأقصى، تلك الأرض الطيبة المباركة المقدسة، فلسطين المحتلة، وفي الحقيقة لا يكاد يذكر الشيخ رائد صلاح إلا ويذكر معه الشيخ عكرمة صبري، والعكس صحيح، فالشيخ عكرمة صبري هو مفتي الديار الفلسطينية، والشيخ رائد صلاح هو رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين، أراضي الـ 48، ورئيس مؤسسة إعمار الأقصى، ورئيس بلدية أم الفحم سابقا، وكلاهما قد نذر نفسه للدفاع عن أرض الإسراء والمعراج، وحماية مقدساتها من عبث وكيد ومكر اليهود، وقد أكرمني الله تعالى في حج هذا العام برؤية كليهما، ورغم أن لقائي بالشيخ عكرمة صبري لم يتجاوز بضع دقائق سريعة في باحة الحرم المدني بسبب ارتباطاته الخاصة‘ إلا أني أحسب قد أخذت وقتا كافيا مع الشيخ رائد صلاح، فبينما كنت أجلس في رحاب المسجد النبوي الشريف ألمح جموع المصلين يتوافدون إلى بيت الله، وإذ بي فجأة أرى طيف الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في فلسطين، فلم أتمالك نفسي حتى وقفت قائما ومنطلقا مسرعا نحوه، فأدركته وهو على وشك أن يرفع يديه بتكبيرة الإحرام لركعتي السنة، فكان لي معه كلمات يسيرة لكنها كانت بمثابة الماء البارد على القلب، بحق كانت شخصية الشيخ رائد رائعة أخاذة في غير كبر، متواضعة في غير ذل، هينة لينة في غير ضعف، ترى في قسمات وجهه القوة والعزم والصبر على المضي في طريق المقاومة الذي انتدبهم الله له، وكانوا أحق به وأهله، تسمع في نبرات صوته الأجش الصدق والإخلاص والتوكل والثقة بنصر الله لهم، حقيقة هو كما قال عنه البعض، كأنه قبضة من أرض الإسراء والمعراج، عجنت بنهري النيل والفرات، لوحتها شمس صحراء العرب، فانطلقت بإذن ربها نفسا عزيزة أبية، تنافح عن القدس، وتذود عن حياض الأقصى، حفظ الله الشيخ رائد وإخوانه وجعله ذخرا للمسجد الأقصى ولفلسطين وأهلها.


في غار حراء

* ختامـــأ ...

كثيرة هي خواطر ومواقف وذكريات رحلة الحج، إلا أني أكتفي بهذا القدر، وقد اقتصرت على ذكر بعض محطات هذه الرحلة النورانية، وحاولت جاهدا أن أبتعد عن الاختصار المخل والإسهاب الممل، ولعلي أختم مشاعر وخواطر رحلة الحج بقصيدة رائعة معبرة جدا لا يمكن لمن أراد أن يتناول موضوع الحج أن يتجاهلها، أو يصرف النظر عنها، هي قصيدة عبد الرحيم البرعي رحمه الله، فقد ذكروا أن البرعي في حجه الأخير أُخذ محمولا على جمل، فلما قطع الصحراء مع الحج الشامي وأصبح على بعد خمسين ميلاً من المدينة، هب النسيم رطباً عليلاً معطرا برائحة الأماكن المقدسة، فازداد شوقه للوصول، لكن المرض أعاقه عن المأمول، فأنشأ وأنشد قصيدة لفظ مع آخر بيت منها نفسه الأخير، قال فيها:

يا راحلين إلـى منـى بقيـادي *** هيجتموا يوم الرحيـل فـؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتـي *** الشوق أقلقني وصوت الحـادي
وحرمتموا جفني المنام ببعدكـم *** يا ساكنين المنحنـى والـوادي
ويلوح لي مابين زمزم والصفـا *** عند المقام سمعت صوت منادي
ويقول لي يا نائما جـد السُـرى *** عرفات تجلو كل قلب صـادي
من نال من عرفات نظرة ساعة *** نال السرور ونال كل مـرادي
تالله ما أحلى المبيت على منـى *** في ليل عيد أبـرك الأعيـادي
ضحوا ضحاياهم وسال دماؤها *** وأنا المتيم قد نحـرت فـؤادي
لبسوا ثياب البيض شارات اللقاء *** وأنا الملوع قد لبسـت سـوادي
يا رب أنت وصلتهم صلني بهـم *** فبحقهـم يـا رب فُـك قيـادي
فإذا وصلتـم سالميـن فبلغـوا *** مني السلام أُهيـل ذاك الـوادي
قولوا لهم عبـد الرحيـم متيـم *** ومفـارق الأحـبـاب والأولاد
صلى عليك الله يا علـم الهـدى *** ما سار ركب أو ترنـم حـادي

Ahmedbogrin@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home