Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Atef al-Atrash
الكاتب الليبي عاطف الأطرش


عاطف الأطرش

الثلاثاء 8 ديسمبر 2009

تأملات في ميلاد نضال

عاطف الأطرش

لما اختلي بنفسي، وأسرح فيما يدور بي ومن حولي من أحداث متسارعة، أصل إلى بداية منقوطة لسطر جديد وشاغر، تندفع نحوه حروف القلق والخوف من السطور القادمة وما بينها...
ألوذ بالحمد والرضا عن صفحات مضت كتبتها إرادة الله، كان منها وليس آخرها؛ ورقة تبرعمت لابني الوليد (9-11-2009م) الذي اخترت له من الأسماء (نضال) أتمنى ألا يحتاج استعماله ليطرح خضاره بوطن يجهد الكثيرين لجعله يابسا باهتا.
أنظر إليه، وأسأل نفسي، أأقدر أن أوفر له مناخاً أفضل مما مر بي وحاط بجذعي من تقلبات في الطقس والطقوس؟ ليس جحوداً لفضل والديّ الذين ربياني على عشق طعم الحرية وتقديسها؛ في جو من الأريحية في التعبير؛ وإنما هو رغبتي في توفير الأفضل له، فليس منا من لا يتمنى لبذوره أفضل مما نال .


في سنين غربتي الطويلة التي جابت الشرق والغرب، تعلمت ذلك ومررت بتجارب قاسية أزعم أنها جعلت مني إنسانا يسعى للتعلم والتطبيق طلبا للأفضل والعيش الكريم، حتى حطت قدماي بمسقط رأسي، هنا في وطني حيث تقتات الكرامة بخبز الأحلام وترفرف الحرية كيافطة وتتكدس الأزمات على بوابة الشعار ليس أكثر، فلا طموح مقدر ولا أمل يجرؤ على البوح بخبر مجيئه.. كأن الساعة تواعد التأخير بإصرار المريد.
يمر عليّ الوشاة الطاعنون يبثون رعبهم وإفكهم بين ترغيب وترهيب من مقارعة الحياة والسعي في الأرض كإنسان له كرامة أو القبول بذخيرة تجاربهم للقبول بعيش لا يليق إلا كالأنعام تهيم على وجوهها وظهورها مطايا لكل راكب وبأعناقها حبال تختار له الدروب، فمنهم من يراني صغيراً على مواجهة أعداء أفكاري وأن الحياة الآن لا تحتاج النضال أو النصال بالقول: "لا تشحذ همومك بل هي هانئة ووادعة مع ضد الجسارة وعكس الشجاعة ونقيض الكرامة، إنها حلوة وسهلة وميسرة بهذه فاجمع منها ما شئت"... الخضوع والصمت والركود والركون بذل إلى ظل هادئ أو ظلام فسيح.
(مر زمن النضال يا ابني..) هكذا همس حكيم خضوع؛ ومناضل متقاعد مبجل بأذني ذات مناصحة، ومنهم آخرين تعلمونهم يتوج الشيب جماجمهم ولا تدق في صدورهم غير نواقيس الخطر فيحيلونها إليك كرنات الجوال: (يا ولد! قد كبرت وصارت لك عائلة يتوجب عليّك الرعب بشأن مستقبلها).
أي مناخ تريدونه لي وله؟ أي حياة تلك المليئة بالفخاخ الراصدة، التي تلاحق كل من يعلن غضبه وسخطه ونقمته؟ أنا لا وطن لي إلا هنا، في ليبيا، بكل ما فيها فهي في القلب دائما، فهل ستجدون لي وطناً بديلاً عن وطني؟ حريتي كما تعلمتها لا ترضى بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، حريتي لا ترضى بضياع الحقوق وتجاوز الواجبات، حريتي لا عمر لها، ولا موت لها إلا بموتي، هكذا تعلمت من والديّ وتعلمت من نقاشات عقلي لأفكار طرحت أو كتابات قرأت أو أراء سمعت وحتى من زلاتي وفشلي الذي أحاول استثماره لنجاحات ممكنة؛ وهكذا سأعلم نضال.
إن رحلة البحث عن الحرية تبدأ منذ الصغر، حرية الاستكشاف، حرية التعلم، حرية الحركة، حرية التملك، كلها حريات لا يمكن أن تصادرها أعتى سلطات القوة وديكتاتوريات العالم، حتى ديكتاتورية الأب لا تستطيع فعل ذلك.
رحلة البحث عن الحرية عند الكبر تتجلى في حرية التعبير، في حرية الاختيار، في حرية الحرف واللون، فأين نحن من كل ذلك أيها الكبار؟ ما الذي سأعلمه لابني كما تريدون مني تعلمه؟ الخوف، الحقد، الحسد، الخيانة، الغش، السرقة، النهب، الوساطة، الرشوة، المحسوبية... أم سأعلق بعنقه حجاب التقية وتميمة النجاة "أخطى راسي وقص"؟ ...
أبداً سأعلمه أن يغضب، سأعلمه كيف يميز الخير من الشر، سأعلمه: (بـأن صلاح وطنك بصلاحك والمستقبل رهنا بضمير الجيل فاصنع لغدك بكد يومك ولا تحلم بغير ليبيا وطنا للجميع وبالجميع، فمهما سدت الدروب بالسدود ومهما التفت حول المنارة غيوم "لابد لليل أن ينجلي، ولابد للقيد أن ينكسر"*. سأضع بكفيه حفنة من تراب وسأرفع جبينه للشمس ليمتشق شعاعه وليتطهر بكليهما وليحبهما أكثر ..).
سأكون حكيما لأنجو من حكمة المعري؛ كي لا يقول في وجهي أو وراء ظهري (هذا ما جناه علي والدي).
لن أعطيه سبباً كي يلعنني؛ ويلعنني بجريرة جيلي والأجيال السابقة، لن أمنحه الفرصة ليلتفت للحطام الذي بنيناه بأخطائنا وفشلنا وراكمناه بصمتنا وبسكوننا كصرح من خيال .
فاختر يا بني جدارك واحفر رعبك
يا بني إن الأسوار عالية والدرب طويل...


______________________________

*بيت من قصيدة "إذا الشعب يوماً" للشاعر العربي الراحل أبو القاسم الشابي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home