Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Adel Aboubaker al-Talhi
الكاتب الليبي عادل ابوبكر الطلحي

Saturday, 6 January, 2007

الإسلام في اللاوعـي الغـربي

عادل ابوبكر الطلحي

منذ مدة غير بعيدة سمعت محاضرة قيمة للباحثة الليبية الدكتورة سالمة عبدالجبار أستاذ الفلسفة الإسلامية بالجامعات الليبية تتحدث فيها حول كيف حاولت وسائل الاعلام الغربية ، وسياسيون ومفكرون غرب ، بث وزرع في اللاشعور المواطن الغربي صورة سيئة للإسلام ، بل لا تتورع عن الوصف هذه الصورة بعض الكتب المدرسية والأكاديمية. واذكر مرة قرأت جملة قالها الكاتب ديفيد ماكدول ، "ان الكثير من الاوربيين ـ كما تصور لنا الصحف الغربية الواسعة الانتشار ـ يرون العرب ـ المسلمين ـ بأنهم غدارون وفاسدون ومتطرفون وقساة .. وينظر الاوروبيون بقلق شديد الى الإسلام فهو لم يعد ظاهرة بعيدة معزولة عن اوروبا بالحاجز الارضي والبحري ، فالإسلام جزء من المد الثقافي الذي يلون حياة الاحياء الفقيرة في مدن اوروبا الغربية وتمثل المساجد المقامة في العواصم الاوربية كالمسجد المركزي في لندن والذي يمكن مشاهدته عبر "ريجنت بارك" او مسجد فيينا المبنى على الطراز المعماري العثماني والمقام في مكان عسكر فيه العثمانيون قديما رموزا مقلقة وتشير الى تسلل العدو مرة اخرى عبر الباب الخلفي جالبا معه قدرا كبيرا من اللاعقلانية وصورا متداولة على امتداد قرون مثل الجهاد ضد الكفرة ودعوات التطرف الديني يرى الإسلام هنا على انه خطر داهم ويتردد في الصحافة الاوروبية تعبيرات مثل القنبلة الإسلامية ، بما تحمله من نزعة عنصرية مقيتة ..وكما كتب ميشيل جيلسنان " أضحى الإسلام مصدر قلق للسياسة والاعلام الاوروبي ويجري تصويره لدينا باعتباره احاديا وشموليا وهدفا مقررا " وبالاحرى شيئا يمتلك ارادة خاصة به وهناك فكرة راسخة ترى بان الإسلام قوة عاتية غير عقلانية تحرك المجتمع باتجاه تأكيد هويته الثقافية وصلابته السياسية ونفوذه الاقتصادي "..ان ممارسة الإسلام هو ما يثير ارتباك الاوروبيين" على حد قول ميشيل جيلنان."
وكما يرى الكاتب المغربى المهدي المنجرة بخصوص " الخطر الإسلامي " فان 23% من الامريكيين فقط لهم موفق ايجابي من الإسلام ـ طبقا لاحدى الاحصائيات التي يذكرها ـ، وهذا يعني ان مايزيد على 75% منهم " متخوفون " من الإسلام ، وكلمة " الخوف " هذه أصبحت لها دلالة مرعبة في ذاكرة الانسان الغربي المعاصر.لقد أصبحت تتصدر واجهات وعناوين عشرات من الكتب الصادرة حديثا.
وينقل عن جاك بوميل البرلماني الفرنسي مقطعا عن مقال له نشرته جريدة لوموند في ابريل 1993 " واضح ان الناتو التي اصبحت محرومة من الاعداء لم يعد لها مبرر للوجود الا من خلال الماضي . واكثر التهديدات للوجود الامن خلال الماضي . واكثر التهديدات جدية هي تلك الآتية من الدول الإسلامية ، ان هذه التوترات التي اصبحت تستعصي على المراقبة ستجعل من حوض البحر الابيض المتوسط " برميل بارود" بالنسبة للسنوات المقبلة ، يجب ان نأخذ حذرنا من هذا القوس الشيطاني الذي يمتد بين الجزائر وباكستان .
لقد انتشرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، فكره أن الإسلام هو العدو الجديد للغرب ، وهي فكرة كان الهدف منها ايديولوجيا ، بغية الابقاء في الشعور واللاشعور الغربي لايديولوجيا التمركز الغربي ، ولكن هذه الفكرة لم تكن اكثر من خرافة على حد تعبير فريد هاليدي. الذي كرس ، جزءا كاملا من كتابه"الإسلام وخرافة المواجهة" للموضوع وطرح الاشكالية من باب التساؤل حول ما اذا كان الامر يتعلق بخطر الإسلام على الغير او خطر يتهدد الإسلام وينتقد الكاتب كل اولئك الذين يتحدثون عن المواجهة بين الإسلام والغرب مؤكدا بان الامر ما هو الا خرافة واسطورة نمت في عقول صانعيها من المغرضين الذين نشروا فكرة المواجهة اما لحقد يحملونه ضد المسلمين او لجهلهم لواقع الامر وشرح أن الخطأ الشائع هو الخلط بين المسلمين والإسلاميين ـ حسب تصوره ـ فالمسلمون الحقيقيون مسالمون ويؤمنون بما نزل على نبيهم وعلى الانبياء الآخرين ولا يبغون الفتنة ولا الحروب اما الإسلاميون فهم الذين يختبئون وراء ستار الدين لخدمة اغراض سياسية قد تتنافى في بعض الاحيان اذ لم نقل في جلها مع تعليمات الدين...ويعتبر انه من الخطأ الحديث عن مواجهة بين الإسلام والغرب "انما الاصح هو الحديث عن المواجهة بين الإسلاميين والغرب ولا يحتاج المرء الى جهد كبير لفهم اسباب تلك المواجهة فهي في غالبها ذات طابع سياسي بحت..".
ويرجع اسباب تنامي موجة العداء الحالية الى سلسلة من الأحداث بين المسلمين والغرب . فالحروب المتواصلة بينهما امتدت من القرن الثامن الى القرن السابع عشر . وبتقدم الأتراك في غزو الأراضي الأوربية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ازداد العداء ضد المسلمين ، ولكن هذا الشعور العدائي للمسلمين يختلف في الغرب من بلد الى آخر ، فبارتفاع ثمن البترول في السبعينيات ازداد شعور العداء ضد العرب المسلمين : تقوم المواجهة بين الأمم والشعوب اذا توفر أحد شرطين أوهما معا: اولا: اذا كان احدها يهدد وجود وسلامة كينونة الآخر.
ثانيا:تقوم المواجهة بين الأمم والشعوب ، وان كانت بحدة أخف ، اذا كان أحدها يهدد مصالح الآخر اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ..ومن هذا المنطلق فان استعمال هذين الشرطين لايسمحان بالحديث عن وجود مواجهة بين الغرب والعالم الإسلامي ككل فهذا الأخير لايمثل تهديدا لوجود وسلامة المجتمعات الغربية اذ ان الدول الإسلامية لاتمتلك السلاح النووي الذي هو بحوزة دول أخرى غير مسلمة وغير مسيحية مثل اسرائيل والصين ومن ثم فان حالة المواجهة تنتفي في رأي هاليدي معتبرا أن الحديث عنها من قبيل الأسطورة . أما بالنسبة لتهديد العالم الإسلامي لمصالح المجتمعات الغربية فان نظرة واقعية تفيد بأن مصالح الغرب في المجتمعات العربية والإسلامية تتمتع بنصيب قوى خاصة منذ التسعينات وسقوط الاتحاد السوفييتي في شرق أوروبا فالمصالح البترولية للغرب في الشرق الاوسط عززت صيانتها حرب الخليج الثانية .الى ان وصل بها الامر الى السيطرة الى النفط العراقى .
وفي كتاب الإسلام والغرب الصادر عام 1995م عن دار وست فيو برس لاند ، وهو من تأليف اثنين من كبار المتخصصين في شئون الشرق الأوسط ، الأول : جراهام اي فوللر الذي عمل أكثر من عشرين عاما في الحقل الديبلوماسي في الشرق الأوسط ، خاصة تركيا وهو مختص بالتنبؤ باحداث الشرق الأوسط في المخابرات المركزية الأمريكية وله العديد من المؤلفات . والثاني : ايان أوليسر وهو من كبار أعضاء دائرة السياسة الدولية في مؤسسة راند ، ومتخصص في الشئون الأوربية والبحر المتوسط ..اكد المؤلفان على:أن مهمة الغرب أو الولايات المتحدة ترويض الخطر القادم ـ من الإسلام ـ لتصدر عنه استجابات متلائمة مع مصالح الغرب أي في اتساق مع ظروف الضرورة العالمية التي يفرضها الغرب. ويقرران أن العلاقات بين الإسلام والغرب لاتمثل بذاتها المجال المقبل للصراع الأيديولوجي العالمي فالإسلام من حيث هو عقيدة ليس على طريق التصادم مع الغرب .. ولكنهما في جميع الأحوال يستخدمان الإسلام رمزا لمصالح اقليمية مقابل الغرب رمزا لمصالح اقليمية متباينة،وهي مقابلة غير دقيقة،وينظران الى مجموعة من الاحداث الاخيرة انها استثارت ذكريات قديمة عمرها ألف عام من المواجهة والمعايشة بين الإسلام والغرب وهذه الذكريات يستفيد منها المتطرفون وتدعم الشعور بحالة الحصار الثقافي وأن المنطقة الإسلامية ضحية عدوان غربي وبالمثل تتزايد الصور السلبية في الغرب بسبب هجمات ما اسماه بالارهاب "ولهذا فان مشاعر الحصار متبادلة والمرجح أن تتفاعل هذه الاحتكاكات مع انقسامات أشمل خاصة بقضايا الجنوب والشمال والأثرياء والفقراء" ..وعن المجتمعات الإسلامية في الغرب ، يرى الكاتبان:" أنها تقف مع حرية الاعتقاد الديني والديمقراطية وحق التعبير والتسامح حيث الجميع مواطنون ..فالمجتمع العلماني هو المجتمع المفضل لدى المسلمين في الغرب ..فقد وجدوا انفسهم بين خيارين، اما الاندماج في المجتمع على هذا الأساس الصحي ، واما العزلة أي اسلام الأقليات المنعزلة .وتدرك المجتمعات الإسلامية المحلية في الغرب أهمية الحماية العلمانية لحقوقهم الدينية ومعتقداتهم السياسية ، والمشاركة الايجابية والندية ..
وفي ندوة في العاصمة السويسرية ادارها المستشار الألماني السابق شميت وشارك فيها مستشرقون ورجال دين ومفكرون وصحافيون ناقشت " الندوة "بشكل ادق امكانيات تحول الدول العربية والإسلامية كقوة تهديد للغرب ، عبر النفط ، القنبلة الإسلامية ، الاصولية ، لكنها لم تتطرق للاسلام كدين وشريعة ، يمكن لها أن تخلق مستقبلا أفضل ، للبشرية وهذه مشكلة اغلب الندوات والدراسات التي تعقد عن الإسلام والغرب، وقد افتتحت الندوة بسؤال ل تيو زومر ، مدير تحرير صحيفة " دي تسايت " ماهي فعليا الاخطار الخارجية التي تهددنا من العالم الإسلامي ؟ فلقد أعلن جون كالفان القائد الاعلى لقوات حلف الاطلسي في كلمته الوادعة في بروكسل " اننا قد ربحنا الحرب الباردة وها نحن نعود اليوم 70 عام من الصراعات الضالة الى محور الصراع القائم منذ 1300 سنة انها المجابهة الكبيرة مع الإسلام " هل تعتقدون ان لمثل هذا القول اساس من الصحة ؟
يذكر مكسيم رود نسون في المقدمة الثانية لكتابه جاذبية الإسلام ، عن ازدياد الاهتمام العام في الغرب بالإسلام بعد بروز التيارات والحركات الاسلامية على المشهد السيايى الغربى والاسلامى ، أن الاهتمام بالإسلام قد تزايد ."وبدون أن أجري استطلاعا دقيقا للرأي العام فانه ليمكنني القول ان المقالات من كل الأنواع والبرامج الاذاعية والتلفزيونية التي أخذت تتكاثر حول الموضوع ، على الرغم من كل خداعها وأخطائها وغشها ، لا يمكن الا أن تكون قد حملت في طياتها بعض المعطيات الصحيحة وأدت الى ألفة الجمهور الغربي مع عالم مجهول الى حد كبير. ولكن من الصحيح القول أيضا ان المعلومات الخاطئة قد انتشرت في كل مكان وان مجمل صورة عالم الإسلام قد شوهدت من خلال منظور مشوه الى حد كبير .والصورة التي صعقت روح الغربيين وكل أولئك الذين يعيشون خارج العالم الإسلامي بدون شك كانت تلك التي تتمثل بنمط الهوس التعصبي الذي يدعى بحسب الحالات والبلدان والاتجاهات : بالأصولية ( الإسلامية ) ، أو بالتزمت ( الإسلامي ) ، أو بالحركية الإسلامية . انها صورة مهددة بالخطر ومخيفة ، صورة مرتبطة بطبقة الاكليروس الدينية المقززة التي يشعر نحوها الغرب كله بالرعب لأنه عانى طيلة قرون عديدة من الاتجاه المسيحي الذي يماثلها . ومن هنا ينتج ذلك الميل عند الغربيين الى اختزال الإسلام وكل ماهو اسلامي الى فزاعة مخيفة . وهذا ليس مرضا عقليا تنبغي ادانته وانما ظاهرة مستمرة للاليات الأبدية للروح البشرية . ولكنها تستخدم بالطبع لأهداف غير حميدة وغير بريئة بدرجات تقل أو تكثر" ويرجع الدكتور علي الشامي خوف الغرب من الإسلام،لسببين رئيسيين:
اولا:"لان في علاقة الإسلام مع الغرب تاريخيا ، كان الإسلام يسير دائما باتجاه يثبت ضعف الغرب ففي البدء كان طرد الغرب الروماني ـ البيزنطي من سوريا ومصر وشمال افريقيا ، ومع افول القرنين الثامن والتاسع الميلاديين كان الإسلام قد ضم اليه بلاد فارس وتوجه عبر البحر الابيض المتوسط حيث ادخل في مجاله اسبانيا وصقلية والجزر المتوسطية ومداخل فرنسا البحرية . وعندما كان الغرب ينزف في عصوره الوسطى ، كان الإسلام ينشر تفاصيل حضارته في المجتمعات المنفتحة عليه بدون تحفظ ، وظهر الى العالم كأفضل انموذج حضاري ، في الوقت الذي واظب فيه على تقدمه وتثبيت اقدامه في الهند واندونيسيا والصين والامتدادات الاسيوية الاخرى، وذلك منذ اواسط القرن الرابع عشر الميلادي . ولم ينقص الغرب سوى دخول العثمانيين الى اوروبا حتى تزداد عنده حدة الرعب من انتصارات الإسلام ومن الامتداد المتزايد لعالميته الدينية والحضارية" .
ثانيا:" خصوصية الممانعة الثقافية التي واجه بها الإسلام الغلبة الغربية وانموذجها الحضاري ، فاذا كان صحيحا ان معظم الثقافات بدت منهارة القوى اثر خضوع شعوبها للسيطرة الغربية ، فان ماهو صحيح اكثر ان هذه السيطرة نفسها قد استقرت وتنامت في كل مكان وصل اليه الفاتحون الجدد ، باستثناء ارض الإسلام حيث كانت اوروبا تواجه ممانعة فكرية وتتلقى الضربات . " ويصدق هذا بجلاء على التجربة البريطانية في الهند والتجربة البرتغالية في جزر الهند الشرقية ، والصين واليابان ، وعلى التجربتين الفرنسية والايطالية في اقاليم مختلفة من الشرق ، وكان ثمة امثلة متقطعة لمواقف متصلبة للسكان الاصليين تحاول خلخلة السكينة الناعمة كما حدث في 1638 ـ 1639 حين طردت مجموعة من المسيحيين اليابانيين البرتغاليين من المنطقة ، الا ان الشرق العربي والإسلامي ، بشكل عام ، كانا الوحيدين اللذين واجها اوروبا بتحد لم يجد له حلا على الصعد السياسية ، والفكرية ، ولزمن قصير الاقتصادية ايضا " ...
وكنموذج لفوبيا الإسلام في الغرب حاول الدكتور فوازجرجس رصد الإسلام والمسلمين في ذهن اميركا ، وصور المخاوف فتوصل الى أن الاهتمامات الامنية والاستراتيجية جعلت من الإسلام والمسلمين انباء صادمة نفسيا في ذهن اميركا ، وعلى نحو خاص كان للثورة الإسلامية في ايران وما اعقبها من ازمة رهائن ، تأثير هائل على الادراك الحسي للولايات المتحدة اضف الى ذلك ان الخوف من الارهاب والاستحصال على اسلحة نووية اثر ايضا على تكوين الآراء الشعبية والرسمية الاميركية تجاه "الإسلامويين"حسب تعبير جرجس،"ويساوي كثيرون من مواطني الولايات المتحدة بين الإسلام والمسلمين من جهة وبين الارهاب الداخلي والدولي على السواء من جهة أخرى كما يرى الإسلام السياسي مهددا لاستقرار الدول الخليجية المنتجة للبترول ولقدرة عملية السلام العربي ـ الاسرائيلي على البقاء ، وهذان اثنان من أهم الميادين الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط حاليا ونتيجة ذلك ان أصحاب القرار في الولايات المتحدة يجدون صعوبة متزايدة في انتهاج سياسة تكيفية ونوافقية مع الإسلامويين" ..
ويؤكد ريتشار بولت ان الاميركيين كانوا مستعدين جدا لتقبل الفكرة القائلة ان أعمال العنف التي ارتكبها بعض المسلمين " ممثلة لثقافة متعصبة وارهابية من غير الممكن التسامح او التفاهم معها " وأعرب بولت من ان الوقت الحاضر نمى نوعا جديدا من معاداة السامية قائم لاعلى نظريات العرق السامي وانما على الإسلام " لسوف نصل في وقت ما الى عتبة عدم احتياج الناس الى ادلة لتصديق ان اي تهديد ارهابي هو من متطرفين دينيين مسلمين " وصب بعض المراقبين مزيدا من الوقود على النار المستعرة بتحذيرهم من وجود شبكة دولية منسقة من جماعات " الارهاب الإسلامي في مختلف انحاء الولايات المتحدة موجهة بنادقها الى المصالح الغربية وعلى الرغم من عدم وجود ادلة على " اسلامية دولية " ظهرت للعيان فقد ألحق تفجير مركز التجارة العالمي اضرارا فادحة بصورة المسلم ووجوده في الولايات المتحدة وكما علقت صحيفة " نيويورك " فان عملية التفجير ربطت " المسلمين والارهاب الداخلي معا في اذهان العديد من الاميركيين " وبالتالي حولت المسلمين الى اهداف مسعورة للتفرقة العنصرية والمحاباة السياسية مثالا على ذلك سئل الاميركيون في استطلاعين للاراء اجريا مباشرة بعد التفجير عن مواقفهما من الإسلام فقال اكثر من خمسين في المائة ان المسلمين معادون للغرب ولأميركا ومن بين المجموعات الدينية المختلفة التي طلب من المستطلعة آراؤهم تصنيفها الاقل استحسانا لديهم تصدر المسلمون القائمة..وفي هذا الجو المشحون تحول المسلمون في الولايات المتحدة بعد تفجير اوكلاهوما ستي الى اهداف للتحرشات والمضايقات ففي الايام الثلاثة التي تلت الانفجار سجل اكثر من مائتي هجوم متسم بالعنف على اميركيين مسلمين وزاد انفجار اوكلاهوما ستي في كشف العدائية والتصوير السلبي اللذين تتصف بهما وجهات النظر الاميركية العامة تجاه الإسلام والمسلمين وبهما ايضا تصطبغ في لحظات التأزم والازمات يحقق دعاة المجابهة والتصدي الغلبة ويهيمنون على وسائل الاعلام وفي هذه الآونات بالذات تتصلب مواقف الاميركيين تجاه العرب والمسلمين هذا ما تؤكده بضعة استطلاعات للآراء ..ويوافق صامويل لويس وهو مدير سابق لهيئة موظفي التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الاميركية على ان تغطية الاعلام العدائية ل " المجموعات الإسلاموية المتطرفة " تعزز مدركات الاميركيين الحسية للاسلام وتتعقد بذلك مهمة واضعي السياسة الاميركية ، ووفقا لاستطلاع آراء باشراف سلايد ، اصبح التصوير الاعلامي السلبي للمسلمين جزأ من الشعور العام وتؤثر التغطية الاعلامية للسياسات الإسلامية على الطريقة التي يضع فيها المسؤولون الاميركيون بدائل السياسة وأولوياتها في سياقها المطلوب .
وعن دور الدراسات الاكاديمية قدمت الدكتورة سالمة عبد الجبار شهادة المؤلف البريطاني " أرسكين تشليدرز " في كتابه " الغرب والإسلام ـ هتك الذاكرة والخصام " حيث انطلق الباحث من حقيقة أن الغرب لم يحاول فهم الإسلام في أي وقت من الاوقات ، لكنه ظل دائما رافضا ومعاديا له ، ولذلك فان صورته ظلت مشوهة بصورة مطلقة في الوجدان العام . وما يحدث الآن تحيز غربي ضد الإسلام والحديث المعلن عن العدو الجديد والتخطيط الاستراتيجي لتصدير الأصولية وصناعتها وفق الرؤية الغربية ذلك كله لا يمثل موقفا جيدا بقدر ما هو اعلان عن حقيقة الكامن والمخبوء في الوعي الاجتماعي للعالم الغربي واستقر ذلك الانطباع وتجذر في الماضي والحاضر ليس فقط في عموم وجدان الناس ولكن ايضا في داخل الدوائر الأكاديمية في القرن العشرين ، ففي الدراسات الغربية المعاصرة للثقافات الأخرى ، نرى أن أغلبية الباحثين ركزوا على التفاعل بين الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية وغيرها من ملل غير المؤمنين بوجود اله واحد بينما عنيت قلة بالإسلام كما عمدت نسبة كبيرة من الباحثين في أهم الأبحاث لدراسة التفاعل الثقافي بين الغرب والشرق الى تجاهل الإسلام عمليا . وتلاحظ الدكتورة سلمى بان وجهة النظر الغربية عن الإسلام حتى أواخر القرن العشرين ظلت تتشكل منطلقة من الخوف والعداء والأحكام المسبقة ولم تتضمن عمليا أي اعتراف بميراث الإسلام الثقافي الذي نقله العرب فالامر الذي أوقع الغربيين في حالة من فقدان الذاكرة الجماعية وخلص تشيلدرز في دراسته عن الغرب والإسلام الى انه مادامت الدول الغربية تتصرف بصورة غير ديمقراطية بهذا العمق في سياستها الخارجية تجاه العالم الإسلامي وما دام المسلمون يشهدون ذلك التحيز المفضوح ضدهم الشبية بالعنصري من جانب الغرب فان فرص قيام حوار مفتوح بين الطرفين هي فرص مظلمة حقا .
هذا الرأي يفرضه تشيلدرز كما تقول الدكتورة سالمه عبد الجبار، انما يقدم الدلالة الواضحة على أن حملة التضليل كان الإسلام هدفها وضحيتها في التجربة الغربية هذه التجربة تسعى الى تثبيت الصورة المظلمة عن الإسلام في الوجدان البشري عامة ، واعتبرت الدكتورة سلمى بأنه ليس من المبالغة القول بأن ثمة ثقافة جديدة يروج لها الآن تشوه الإسلام نظرا لكونه مشروعا حضاريا وتسعى الى تلويث تجربته ورموزه وتاريخه ليس في الوجدان الغربي فقط وانما تحاول ان تصل الى الذات المسلمة لتلويث الوجدان الإسلامي وتنفيره من كل ما هو اسلامي.
وترى المستشرقة هونكه من خلال كتاباتها الاخيرة ان هناك سببا معينا في كون الاحكام الظالمة المتعسفة الموروثة عن القرون الوسطى لاتزال حتى يومنا هذا على خطئها وخطرها تسد الطريق على المعرفة الموضوعية للنواحي الفكرية والعقلية للعالم العربي ودينه وتاريخه وحضارته وفي كونها حتى يومنا هذا تصيغ المغالطات والتحريفات التاريخية في مجال المعلومات العامة عن العرب بصبغة يبدو انها لا تنمحي او تزول وهذا السبب كما ترجعه الى " اصرارا الغرب على دفن حقيقة العرب في مقبرة الاحكام المتعسفة والافتراءات الجماعية دفنا واهال عليها ما اهال طمسا لمعالمها على الرغم من محاولاتنا المعروفة كما يشهد بذلك كتابنا " شمس الله تسطع على الغرب " ...حيث اخذنا على عاتقنا ان نخرج الى النور اهم الانجازات والتأثيرات العربية ذات الفضل على العلوم والفنون في اوروبا . وعلى الرغم من ان محاولاتنا تلك قد شقت طريقها في متاهات عدم المعرفة المتوارثة فقد استقر في اذهان السواد الاعظم من الاوروبيين الازدراء الاحمق الظالم للعرب الذي يصمهم جهلا وعدوانا بأنهم رعاة الماعز والاغنام الاجلاف لابسو الخرق المهلهلة ولايزال صراخ القوم يحذرهم من سطوة الإسلام الحربي الذي يتهددهم منذ اوقف الفرنسي شارل مارتل زحف المسلمين متحينا الفرصة للانقضاض ولا يزال القوم يروجون للخرافات السائدة هنا مثل " استعباد الإسلام للمراة " وقل مثل ذلك في " عدم التسامح والسماحة " في الدين الإسلامي مما يطغي منذ قرون ليصبغ او يشكل واقع الدعايات المغرضة المزيفة للواقع والحق والمنادية بالويل والثبور وعظائم الأمور تؤجج من جديد اجهزة الاعلام الغربي المتباينة من أوارها المسعور سواء في ذلك بالمحاضرات او بالصحافة ووسائل البث المسيطرة والسياسة المتحيزة غير المنصفة."
ولعل خير من سلط الاضواء على بعض ما تقوم به المؤسسات الاكاديمية من دور تحريضي هو البروفيسور ادوارد سعيد في كتابه " الثقافة والامبريالية " وفيما يخص موضوعنا فقد استعرض علاقة الغرب بالإسلام من خلال التأكيد على وجود صراع بين تيارين في الغرب واميركا "بين من يرون في الإسلام خطرا بديلا للشيوعية وبين من لايعتبرونه كذلك ويدعون الى الحوار، وفي معرض مناقشته لطبيعة وتفاعلات هذه الحوارات قال سعيد ان المزعج ان التيار الذي يقول ان الإسلام خطر هو تيار قوي وصوته مسموع ومدعوم باجهزة الاعلام".

عادل ابوبكر الطلحى
كاتب / باحث
Adel_1976_2010@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home