Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelsalam al-Zghaibi
الكاتب الليبي عبد السلام الزغيبي

الأربعاء 29 أبريل 2009

النسور والضفادع .. والقليل من التسامح

عبد السلام الزغيبي

كنت أشاهد بالأمس أحد البرامج الحوارية الشهيرة علي إحدي الفضائيات العربية. وكالمعتاد كانت هناك مشادات أتسمت بالنبرة العالية، والاتهامات الحادة علي الهواء مباشرة بين ضيوف البرنامج في اثناء مناقشة القضية المطروحة.. وكان مقدم البرنامج يحاول تارة تخفيف التراشق اللفظي.. وتارة اخرى يشعل النيران، واستمر هذا الحال حتى انتهاء البرنامج..

وفي مساء نفس اليوم.. وبينما كنت اقرا في كتاب يحوي افكار الفيلسوف الشهير نيتشه، تذكرت البرنامج التلفزيوني، وما فيه من ثورة غضب من كل الاطراف، دفاعا عن الأفكار التي يؤمن بها كل طرف ،والتي غالبا ما تتعارض مع بعضها البعض، فيؤدي هذا التناقض 'في ثقافتنا' إلي فوران عنيف وغليان حارق. . والدافع هو في الحقيقة محاولات مستميتة من كل جانب لفرض قناعته الشخصية علي الآخرين.

وفي اليوم التالي ذهبت الى مقر الجريدة، وطرحت الموضوع على الزملاء في المكتب، وتحدثت معهم حول البرنامج التلفزيوني، و فلسفة نيتشه الخاصة بما أسماه بالعربية (المنظور) إن جازت التسمية. وملخص الفكرة أن لكل إنسان منظورا ورأيا يختلف عن الآخر تبعا لإمكانياته، وموقعه في الحياة، وما أوتي من علم، ومالديه من مال، وكيف نشأ، وأين تربي، وأشياء أخري كثيرة تتحكم في ما يشب عليه كل إنسان وتشكل منظوره للحياة.. وبالتالي تنتج عنها نظرته الشخصية في أي أمر من الأمور، والتي قد تختلف مع من حوله حتي في مقاييس الخطأ والصواب.

وهنا بدأ حوارنا الساخن في محاولة للوصول إلي اتفاق.. وكان الهدف الخفي بداخلي، هو أن نتفق علي أن نختلف. وهذا ما حدث، ولكن بعد بعض الوقت، بدأت أقص عليهم مثل الضفدع والنسر. ومثل الضفدع والنسر، هو من أبرع ما جاء في فلسفة نيتشه، التي تكاد تكون شعرا منثورا، وأدبا متفلسفا. ويقول المثل، إن الضفدع يري الأشياء من حيث يقبع في الأرض، كما أن النسر يري الأشياء من عل، من حيث يطير في السماء.. فلنتخيل إذا كيف يري الضفدع الإنسان.. قال الاول: يري الضفدع الإنسان ضخما.. يراه أيضا قويا.. ويخاف منه.. وقال الثاني: إن أول ما يراه الضفدع من الإنسان قدميه الضخمتين.. وأول ما يتوقعه منه هو أن يسحقه بإحدي هاتين القدمين.. ولكن ماذا عن النسر المحلق فوق المدينة؟ كيف يري الإنسان من هناك؟ قال الثالث: يراه صغير الحجم.. وكثير العدد.. وقال الرابع: يراه يجري سريعا، فيقع وينكسر ولا يقوي حتي علي الارتفاع قليلا عن الأرض كما ترتفع الطيور.. ويراه ضعيفا أيضا.. وعاد الاول وقال: أن أول ما يراه النسر من الإنسان هو قمة رأسه التي قد يهبط النسر فيقف فوقها.

وهكذا وصلنا إلي نقطة الا تفاق الأولي، الا وهي أننا نختلف في رؤيتنا للأشياء تبعا لمواقعنا في الحياة، وتبعا للإمكانيات الشخصية المتاحة لكل منا.. ولكن إحدهم تساءل، ألا يبقي الإنسان واحدا بنفس مقاييسه، بالرغم من رؤيته المختلفة عند الضفدع والنسر؟.. نعم.. بالطبع، يبقي كما هو، ولكن رؤية الضفدع له تبقي كما هي، ورؤية النسر أيضا. ومن المستحيل أن تجعل النسر يري الإنسان من منظور الضفدع أو العكس.

وبدأنا في استعراض خبراتنا الشخصية في اختلاف المنظور بين الناس. وكانت الأمثلة متعددة ومتنوعة، وساقها الزملاء وأنا معهم .. فكان أن ذكرنا منظور الرجل ومنظور المرأة لبعض أمور الحياة، وتباين نظريتهما أحيانا بشكل كبير. كما ذكرنا منظور الطبقات الاجتماعية العليا، واختلافه عن منظور الطبقات الدنيا، وكيف تختلف مفاهيم كل منهما في هدف الحياة، وكيف تعيش.

ويخلص نيتشه إلي ان جريمة الجماعات الفكرية والفلسفية والسياسية بل والأخلاقية، هي محاولاتهم المستمرة لـ (تعميم) و(عولمة) منهجهم الفكري علي الجميع.. كما يري أن المشكلة الكبري، هي محاكمة الآخرين من خلال القناعات الفكرية الخاصة بنا، بغض النظر عن (منظورهم)، وما يؤمنون هم به.. ويري نيتشه أن محاولات تغيير منظور الإنسان إلي منظور آخر، حتي لو كان أفضل من وجهة نظري، هي محاولات عقيمة محكوم عليها بالفشل.. لأن النسر سيبقي نسرا كما سيبقي الضفدع ضفدعا.

ماهو الحل إذا..؟!

الحل هو أن نفهم جميعا معني كلمة "التسامح"، وأن نعي تماما أن لفكر الآخر وزنا عندنا.. وأن إيمانه وقناعاته من منظوره، هي الأصح والأدق، تماما كما أري أنا إيماني وأفكاري من خلال منظوري. يجب أن نربي الاجيال علي التسامح، ليس لأنهم الأفضل أو الأقدر علي الرؤية من غيرهم.. وليس لأنهم هم النسور والآخرون ضفادع.. والحقيقة.. أن الحقيقة تختلف عند الفريقين والحل يكمن في قليل من التسامح. اتمنى ان يشاركني القراء والكتاب بتعليقاتهم ومناقشاتهم حول هذا الموضوع، الذي يستحق ان نلتفت اليه قليلا، اذا كنا نريد ان نتقدم ولو خطوة واحدة الى الامام.

عبد السلام الزغيبي ـ أثينا
صحفي ليبي في اليونان


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home