Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelsalam al-Zghaibi
الكاتب الليبي عبد السلام الزغيبي

الثلاثاء 22 سبتمبر 2009

فتوى بيضة الديك!

عبد السلام الزغيبي

يروى ان ديكا باض بيضة سنة 1474 ميلادية في مدينة بال السويسرية.. وصارت البيضة حديث الناس، ونظرت المسألة أمام المحكمة التي أستعانت برجال الدين لافـتائها في أمر الديك، لأنها خشية ان تكون قد حلت به روح شيطان.. ثم أصدرت حكما تاريخيا نصه "أن يحرق الديك مع بيضته".. وجاء في حيثيات الحكم "لانه جاء بعمل مناف للطبيعة ومضاد لها"!

هذه الرواية الطريفة تجسد حال الفكر والعلم والثقافة والدين في اوروبا في القرون الوسطى، أو كما يسميها البعض العصور المظلمة.. وهي تمتد من القرن الخامس حتى قيام الدول الملكية وحركة الاصلاح الديني البروستانتي. وهي الاحداث التي مهدت لخروج أوروبا من ظلام العصور الوسطى، ودخولها عصر الثورة الصناعية.

وقد تميز عصر الانحطاط الفكري والثقافي في اوروبا خلال تلك الفترة، بالاقبال الهائل على طلب الفتاوى الدينية من رجال اللاهوت بالكنيسة، وهو طلب يزيد بمئات المرات عن طلبها في عصر التنوير، حتى اختفت في العصر الحالي.

وما يحدث الان على ساحتنا الاسلامية من طلب على الفتاوى، يذكرنا بتلك الفترة المظلمة.. حيث تروي قصص التاريخ ان كم الفتاوى كان قليلا جدا في العصور التنويرية الاسلامية، وفي بعض فترات الدولة العباسية، وكان كثيرا جدا في عصور الانحطاط كعصر المماليك..حيث ازدهرت منذ ذلك الحين وتصاعدت حتى اليوم.. خاصة مع تفشي ظاهرة شيوخ الفضائيات، وفتاوى الدعاة الجدد الذين يغرقون الناس يوميا بعشرات الفتاوى، عن النساء والجنس والغذاء والنوم والصلاة والصوم ودخول الحمام والخروج منه وكل ما يمارسه الانسان في خلال يومه، وكأن العالم قد نشأ بالامس، او كأن الانسان قد وجد فيه فجأة، رغم ان هذه الامور مفهومة منذ قرون عدة.

وفي ظل هذا الفراغ الفكري والخواء العقلي لدى سواد الناس، شاعت موجة من الفتاوى الشاذة التي تدخل في باب الغرائب والطرائف.. دون حسيب أو رقيب.. ولايكاد يمر يوم من دون ان نسمع احدهم يطلق علينا فتوى غريبة من هنا اوهناك.. وبمجرد ان تهدأ ضجة الفتوى الاولى التي الهت وشغلت الناس، حتى تخرج علينا فتوى اخرى أشد غرابة.

والامثلة على ذلك كثيرة، فمن فتوى ارضاع الكبير، الى فتوى شرب بول الرسول، ومن فتوى تحريم أكل الزلابية، الى فتوى قتل اصحاب الفضائيات، ومن فتوى زواج الفتاة في سن التاسعة..! الى فتوى قتل ميكي ماوس.. ومن فتوى افطار لاعبي كرة القدم، الى فتوى تدخين السيجارة في نهار رمضان!

وإذ تتنوع الفتاوي، وتشمل الموضوعات الجنسية، وشرب الكوكاكولا، وطريقة حلاقة شعر الرأس، وتحريم رياضة اليوغا، وأكل الجراد والارانب، وركوب الدراجة.. الخ من الموضوعات. إلا أنه مع الأسف لم تتخذ أي خطوات في العالم الإسلامي للسيطرة على فوضى الإفتاء، وزاد الطين بلة ظهور العشرات من القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت المتخصصة في إصدار الفتاوي يميناً ويسارا دون حسيب أورقيب.

إن الإجتهاد في العلم الديني ليس أمراً محرماً أو مستنكراً بحد ذاته، ولكن هناك فرقا كبيرا بين أن يكوّن رجل الدين نظرية لنفسه، وبين أن يعممها على الناس، لتجعل في أحيان كثيرة الناس تفقد ثقتها في الافتاء ورجال الدين، مما ينعكس سلبا على الدين نفسه .

ومثلما كنا نرى في الاسواق كتب تعليم الانجليزية في 7 أيام بدون معلم، بتّ أخشى أن أرى في الأسواق ذات يوم كتابا يحمل عنوان (كيف تصبح مفتياً في 7 ايام بدون معلم)، وأخشى أن يصبح لكل شارع وكل زقاق مفتي خاص به، ويصبح له مذهبه.

أنها فتاوى عصر الانحطاط، ولكنها للاسف تنتشر هذه الايام التي بلغ فيها العالم مراتب عالية ومتقدمة في تكنولوجيا المعلومات واستكشاف الفضاء.

عبد السلام الزغيبي ـ أثينا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home