Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelsalam al-Zghaibi
الكاتب الليبي عبد السلام الزغيبي

الجمعة 22 يناير 2010

النكتة.. تعبير عن معاناة الناس وطموحاتهم

عبد السلام الزغيبي

ترجع بعض المصادر أن تاريخ النكتة وهي (الطرفة القصيرة) يعود إلى العصر الإغريقي، ويذكر أن بلاميدوس بطل (حرب طروادة) هو أول من اخترع النكتة، حيث كان في أثينا نادٍ كوميدي يجتمع فيه الناس لإلقاء وسماع النكات. ومن أشهر كتب الطرائف في تاريخنا العربي كتاب (أخبار الحمقى والمغفلين) لـ أبي الفرج الجوزي، و(البخلاء) للجاحظ.

وكانت أُولى محاولات تفسير النكتة سيكولوجيا بإمضاء عالم النفس فرويد مؤسس المدرسة التحليلية؛ ففى دراسته المعنونة (النكتة واللاشعور)، يري أن النكتة إحدى الوسائل الدفاعية اللاشعورية، التي يعتمد عليها الإنسان لمواجهة الضغوطات الناجمة عن العالم الخارجي، مثلها مثل سائر الوسائل الدفاعية الأخرى؛ تحاول أن تجد نوعًا من التوازن النفسي، وإخراج الدوافع والطاقات.

من جانبه، يرى أستاذ علم الاجتماع في جامعة فيلادلفيا سالم ساري، أن انتشار النكتة يعود إلى تداولها شفهيًّا، ما قد يغني عن التعبير عنها كتابة أو نصا أو بالكاريكاتور. ويقول: أنها تحمل في معناها ومضمونها دلالات كثيرة. ويعرف ساري النكتة بأنها نتاج اجتماعي ثقافي، شأنها شأن الانتاجات الثقافية الأخرى، لافتًا النظر إلى أنها لم تبرز كالشعر والأدب والرواية؛ لأنها ما تزال هائمة تحتاج إلى تدوين، رغم ظهور بعض الكتب المتخصصة في الطرائف.

ويصنف النكتة على أنها تقنية شعبية، لا يمكن أن يعدمها الناس في التعبير عن معاناتهم وطموحاتهم. وفي حين يرى اختصاصيون في علم النفس أن النكتة تلعب دورًا مهمًّا، كمتنفس يعبر فيه الأفراد عن دواخلهم.

ويؤكد ساري أن النكات تنتشر تبعًا لموجات صعود وهبوط ذات صلة بمواسم مرتبطة بالليبرالية والحرية والانفتاح السياسي من جهة، وبالكبت والتضييق من جهة أخرى، ورغم التناقض والاختلاف بين الحرية والقمع، إلا أن كلا الحالتين تفرز موجات لا تنتهي من النكات.

ويقول مظهر عبد اللطيف أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة: تختلف مراكز إنتاج النكات تبعًا لتعدد غاياتها ومقاصدها، ففضلا عن ابتداعها بشكل طبيعي بين الناس؛ هناك ما يكون وافدًا من مناطق قريبة أو مجاورة، أو مأخوذًا من فترات سابقة، وقد أُعيدت صياغته بأسلوب جديد يناسب الموقف المطلوب، والأحداث المستجدة ذات الصلة المباشرة بحياة المجتمع. وثمة مراكز خفية لإنتاج النكتة، لا سيما السياسية منها، التي تتعمد بعض السلطات إشاعتها وبثها؛ لتفعل فعلها في المزاج الشعبي العام.

وعلى العكس من ذلك، فثمة نكات تختلف من حيث التأثير والنتيجة التي يمكن وصفها بالإيجابية؛ لكونها نقدً حيًّ من قبل أصحابها ضد أصحاب القرار والساسة، الذين يقومون بإصلاحات وتدابير قد تكون نافعة بعد سماع النكات الموجهة إليهم.

والنكتة السياسية تقترب من كونها حاجة اجتماعية وسياسية تبدو ملازمة للإنسان، وهي أيضا منظومة من الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وإجماع الرأي مع النكتة يقول لك إنه ما من سبيل لفصلها البتة عن المناخ السياسي وطبيعة الحكم السائد لدى أي شعب، وما إذا كان حرا أو استبداديا، أو ما إذا كان مستوى معيشة الفرد مرفها أو فقيرا. والى ذلك خلصت سائر الدراسات التي لم تغفل وجود النكتة السياسية أيضا حتى في المجتمعات الحرة، برغم علو وتيرتها في مجتمعات القهر والاستبداد.

قال عنها الكاتب البريطاني جورج أوريل " ثورة مصغرة ومحاولة لقهر القهر ". وهي التي توصف بعمق دلالتها وكونها تمثل رسائل هائلة المعنى توجهها الشعوب لحكامها، أو قد تتبادلها ضد بعضها كنوع من الأسلحة المتاحة حتى وإن كانت لا تروى إلا في أماكن يجتمع فيها الأصدقاء المخلصون أو المقربون، وبحسب سقف الحرية المتاح.

وهناك عدد من النكت السياسية الشائعة في بلاد العرب والغرب منها..

يُحكي أن أميركيًّا وعربيًّا وقفا يتنافسان، فقال الأميركي: في بلادنا توجد حرية وديمقراطية، أنا أستطيع أن أشتم الرئيس الأمريكي وسط الشارع، فرد عليه العربي هادئًا: وماذا في هذا؟ بلادنا فيها حرية؛ أنا أستطيع أيضًا أن أشتم الرئيس الأمريكي وسط الشارع.

ومن اليونان وفي أيام الحكم العسكري في السبعينات. قالوا التقى الجنرال بابادوبولس بماو تسي تونغ. سأله: كم عندكم في الصين من المعارضين للنظام؟ فأجابه ماو تسي تونغ نحو عشرة ملايين شخص. فقال له الجنرال: هذا بالضبط ما عندنا هنا أيضا في اليونان!

وكان أن زار رئيس الحكومة اليونانية في نفس الفترة إحدى المدارس الابتدائية، فاستغل مديرها الفرصة وتقدم له بما تحتاجه المدرسة من لوازم. فأعتذر له بحجة عدم توفر المال الكافي في الميزانية. بعد بضعة أشهر تقدم مدير سجن أثينا بطلبات أكثر وأعلى لإصلاح السجن فوافق وخصصها له. استغرب من ذلك زميله الجنرال ستليوس باتاكوس. فسأله: لماذا توافق على النفقات على السجن ولا توافق على ما تحتاجه المدرسة؟ أجابه:

«عزيزي ستليو لا أتوقع أن نعود لنقضي حياتنا في مدرسة ابتدائية ولكننا قد نقضي بقية حياتنا في السجن!».

وكانت نبوءة صادقة؛ فبعد بضعة أشهر أسقط النظام العسكري واعتقل رموزه من العساكر.

ومن المجر ايام الحكم الشيوعي.. هناك حكاية الرجل الذي جلس في مكتبة عامة يتصفح مجلة عن السيارات، حملت على غلافها صورة سيارة رولز رويس الإنجليزية وصورة سيارة موسكوفيتش السوفياتية. لاحظ رجل آخر ذلك فتطفل وسأل القارئ:

- «أراك تنظر إلى هاتين السيارتين، الرولز رويس والموسكوفيتش. أي منهما تعتقد هي الأحسن والأمتن»؟

- «الموسكوفيتش من دون شك».

- «أعتقد أنك غلطان. ولا تعرف شيئا عن السيارات».

- «أنا أعرف كل شيء عن السيارات ولكنني لا أعرف أي شيء عنك!».

وهذا يؤكد أننا شعوب تصنع النكتة بحسب الأزمات والمناسبات المفرحة والمحزنة، ومن الحزن والأسى ينمو فن النكتة الساخرة التي تجعلك تضحك بحزن عميق!

عبد السلام الزغيبي ـ أثينا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home