Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelsalam al-Zghaibi
الكاتب الليبي عبد السلام الزغيبي

الأحد 17 مايو 2009

المثقفون والسلطة

عبد السلام الزغيبي

"المجتـمع الشرقي فيه رجل واحد حر هو رجل السلطة أو صاحـبها
وهذا هو العبد الأكبر لأنه عنده كل الحريات، وآخذ حريات الجميع."
                                                                     هيجل

بداية نعرف ان هناك عدة مفاهيم وتعريفات للمثقف يمكن ان نلخصها في ان المثقف هو ذلكم الإنسان المفكرالجاد الذي يتصدر طليعة المجتمع فكرياً واجتماعياً. يثير الأسئلة، ويتبنى قضايا المجتمع وهمومه. لا يكون انتهازياً متحينا للفرص، ولا نفعيا، منحازا للقوي ضد الضعيف ،أو للحاكم ضد المحكوم إلى غير ذلك من اللاءات.

و يمكن القول أن المثقف هو ذلك الفرد المنتج الفكري والإبداعي الساعي الى تغيير وجه الحياة في منحى مصلحة الإنسانية.

وما يهمنا هناهو قضية علاقة المثقف والمفكر بالسلطة، التي هي علاقة قديمة، وأرتباطها بالمجتمع، الذي يتشوق دوما الى سماع صوت العقل الذي يحلل ويضئ الطريق ويرسم المستقبل، ولكنه مطالب ايضا، بكيفية المحافظة على استقلالية فكره وموقفه، وأن ينأى بذهنه عن السلطة، وهذا يفرض قدرا من تحمل "وحشة" التهميش وربما المصادرة، لكنها ضريبة حرية التفكير والقول وإرادة الفعل المستقلة ، غير أنه في الأخير قال ما يريد قوله وتحدى بفعله أشكال الحظر والمصادرة والتضييق.

فإذا كان رجال الحكم، كثيراما يتأثـرون بالمحيط..و قد تدفعهم طبيعة هذا المحيط وحسابات المقربين إلى رؤى خاطئة فيتصرفون اعتمادا على حسابات المحيطين بهم، أو على الخضوع لنزواتهم الذاتية ، فمن تم تتكون علاقة تضاد تارة وعلاقة احتواء طورا، بين المثقف والسلطة "الحكام"، وهي فى الحالة الاولى تتوجس من المثقف المستقل، فتجعل منه ضداً وخصماً في ذات الوقت، ويصبح كل ما يصدر منه، قابل لتأويل عكسي،تراه مطالبا بتفسير أي موقف يقفـه. وطنيّته متهمة، وولاؤه موضع تساؤل،وفي الحالة الثانية حينما تكون العلاقة إحتواءً ، يتحول المثقف إلى بوق تستعمله السلطة، فينزلق إلى مستوى الأداة،تتحدث السلطة بلسانه،ويعبرعن أفكارها لإضفاء شكل الصفة الاخلاقية على ممارسات لا أخلاقية .

والمثقف الحقيقي في نظرنا هو، ليس من فكر من خلال إملاءات الحاكم والسلطة أو انحاز إلى مقولاتها وضغطها، وخضع لمنطقها، الذي يفكر وينطلق بعيدا عن أشكال وأنواع التزلف أو الضغوط أو المجاراة،الذي يتميز عن مثقف السلطة في الأثر والقبول والفعالية. و قوة التأثير الكامنة عند المثقف الحقيقي قد تتجاوز توقعات صاحبها أنه لا يقتل الفكرة إلا السكوت عنها أو تمييعها أو خذلانها من الوصول للناس، وكم من حق اغتاله الصامتون، وكم من مظلمة قهرت الناس بسبب سكوت العقول الواعية، إذ إن التنازل عن استقلالية الرأي والموقف في لحظة من لحظات الضعف أو الانفعال أو الصدمة أو التحولات الخاطفة وملازمة الصمت عن التعبير عن الحق، تلازم لحظة التخبط والاضطراب في إنسانية الإنسان، لأن الصوت الذي قد يعلو أو الفكر الذي يراد له أن يعم ويسود، أو يجبر عليه الناس، قد لا يكون صحيحا ولا مقبولا.

وفي كل الاحوال فان العلاقة بين المثقف والسلطة، هي دائما علاقة نظرة توجس وخوف وشك وعدم اطمئنان من جانب السلطة، الذي تضعه في خانة المعارض لسياستها. والواقع ان المثقف بحكم طبيعته إنسان يدعو الى الكمال ويعمل على تحقيق الافضل لمجتمعه، ولذلك لايرضى عن الاحوال القائمة ويدعو اى تغييرها، ولان المثقف يمتد تأثيره الى الجماهير، فإن السلطة تخشى من نفوذه فيها وتأثيره عليها، ولذلك فإنها تحاول بكل الطرق أن تبعده عن الجماهير، وتبعد الجماهير عنه، ولها في ذلك طريقتان، أما أن تستقطبه لجانبها بالمغريات المادية والادبية، وإما أن تضيق الخناق عليه ، وتغلق النوافذ من حوله. وهنا يظهر الوجه الحقيقي للمثقف، أما ان يختار السلطة ويتخلى عن مشروعه الثقافي النابع من ذاته، والمفروض عليه من واقع الجماهير، فيقوم بتوظيف موهبته وقلمه لتفسير أعمال السلطة وتبرير أخطائها، اذا لزم الامر، وأما أن يضل متمسكا بموقفه منها، منبها الى طريق الاصلاح، محذرا من التهاوي في المزيد من الفساد، والخلاصة أن السلطة قد تنتصر عليه وقتيا ولكن شهادته عليها تبقى على مر العصور.

عبد السلام الزغيبي ـ أثينا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home