Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelsalam al-Zghaibi
الكاتب الليبي عبد السلام الزغيبي

الأحد 10 يناير 2010

الحكيم في "السلطان الحائر" بين السيف والعدل

عبد السلام الزغيبي

مسرح الحكيم هو مسرح ينشد العدل والديمقراطية وقد تجلى هذا واضحا في مسرحيته " السلطان الحائر" التي قام بتأليفها عام 1959 بعد ان وضع امام عينيه الصراع القائم بين القوة الجبارة،وبين المبدأ الحق..

ولاشك أن عودة السلطان الحائر مرة أخري علي خشبة المسرح المصري ـ تعد فرصة سانحة للأجيال الجديدة للتعرف علي مسرح توفيق الحكيم وإعادة قراءته في سياق عالم اليوم‏,‏ لما به من رؤي وما يطرحه من أسئلة‏، بعضها يتشح بالجمال الفلسفي‏،‏ وتظل مطروحة وقائمة ما بقي الإنسان‏، مع بناء درامي جيد‏،‏ وقدرة علي رسم شخصيات تدور في فلك فكرة‏،‏ مثلما هو الحال في السلطان الحائر. التي تدور‏ حول الديمقراطية والاستبداد ،ومن خلالها طرح الحكيم هذا السؤال هل حل مشكلات الدول في الاحتكام إلي السيف أم إلي القانون ويظل هذا السؤال قابلا للطرح في عالم اليوم‏.‏ لقد ألبس توفيق الحكيم هذا السؤال ثوبا تاريخيا لاختيار الإجابة من خلال سلطان يعيش في عصر المماليك‏، حارب المغول وانتصر‏،‏ يكتشف بعد وقت من حكم البلاد‏،‏ أنه مازال عبدا وأن السلطان الراحل الذي اشتراه نسي أن يعتقه قبل أن يموت‏،‏ بينما ينص قانون البلاد أن الأحرار وحدهم هم الذين يحكمون وليس العبيد‏.‏ وأسقط في يد السلطان وحاشيته‏،‏ وكان الوزير يميل إلي السيف أي إسكات الأفواه ـ التي تلوك الشائعة التي انتشرت بين الناس ـ بالقوة‏.‏ وتدور أحداث المسرحية حول سلطان من سلاطين المماليك علم أن الناس في مدينته يتهامسون بأنه لم يزل عبداً، وأن سيده السابق لم يعتقه، ولهذا لا يحق له أن يحكم ويكون سلطاناً على الناس قبل أن يُعتق ويصير حرا.

ويتحيّر السلطان بين استعمال القوة لإسكات الناس (وهذا رأي الوزير)، والاحتكام إلى القانون (وهذا رأي القاضي. والاحتكام إلى القانون يعني أن يُعرض السلطان في مزاد عام أمام الناس ليشتريه من يشتريه فيعتقه، وقد تردّد السلطان بين الرأيين، ولكنه قرر في النهاية أن يكون القانون هو الحكم:

السلطان: قررت أن أختار .. أن أختار ..

الوزير: ماذا يا مولاي؟ ..

السلطان: (صائحاً في عزم) القانون! ..

وتم المزاد، وكان السلطان من نصيب غانية سيئة السمعة بالمدينة، ورفضت تلك الغانية التوقيع على وثيقة العتق، وبعد أخذ ورد وافقت الغانية على شراء السلطان والتوقيع على صك عتقه إذا أذّن المؤذن لصلاة الفجر!

وتستضيف الغانية السلطان في بيتها، ويدور بينهما حوار يكشف شخصيتيهما، فقد اكتشف السلطان أن الغانية بريئة من تهمة العهر، وما هي إلا امرأة تُحب الأدب والفن، كما اكتشفت الغانية طيبة السلطان ودماثة خلقه.

وأثناء الحوار بين الغانية والسلطان يؤذن المؤذن لصلاة الفجر قبل حلول الوقت، ويُفاجأ السلطان والغانية بالأذان، ثم يعلمان أن تلك الخطة من تدبير القاضي، الذي تحايل على القانون، وزعم أن العتق يتم إذا أذّن المؤذن لصلاة الفجر سواء أكان الأذان في موعده، أم في غير موعده، ويرفض السلطان ذلك، ويفضِّل أن يبقى عند الغانية حتى الموعد الحقيقي لأذان الفجر، ولكن الغانية لما رأت أن تلك الحيلة مبعثها حب القاضي للسلطان، قررت أن تُعيد هي الأخرى للسلطان حريته تعبيراً عن حبها، حتى ولو كان ذلك قبل الموعد المتفق عليه سلفاً، وقد أهداها السلطان الياقوتة الكبرى التي تزين عمامته، قائلا: "لن أنسى أبداً أني كنتُ عبدك ليلة"

إن فكرة الصراع بين القوة والقانون هي القضية التي بُنيت عليها مسرحية "السلطان الحائر"،

لقد كان السلطان حائراً بين القوة والقانون، وكان باستطاعته رفض مسألة بيعه في المزاد أمام الناس، وإسكات الألسنة بحد السيف، ولكنه بذلك كان سيرتكب خطأ فادحاً ستتوارثه الأجيال لأنه سيسن سنة القفز إلى كرسي السلطة للمتطلعين إلى الحكم، وقد يكون السلطان أول ضحايا تلك السنة، ولو أستمع السلطان إلى صوت القانون، فسيضرب بذلك المثل لكل من يأتي بعده، وبذلك يحمي السلطان نفسه وسلطته"وهذا ما قاله القاضي للسلطان:

القاضي: أعني أن لك الخيار يا مولاي السلطان .. لك أن تجعله للعمل، ولك أن تجعله للزينة .. إني معترف بما للسيف من قوة أكيدة، ومن فعل سريع وأثر حاسم، ولكن السيف يُعطي الحق للأقوى، ومن يدري غداً من يكون الأقوى؟ .. فقد يبرز من الأقوياء من ترجح كفته عليك! أما القانون فهو يحمي حقوقك من كل عدوان، لأنه لا يعترف بالأقوى .. إنه يعترف بالأحق! ..

والآن فما عليك يا مولاي سوى الاختيار: بين السيف الذي يفرضك، ولكنه يعرضك، وبين القانون الذي يتحداك ولكنه يحميك.

وقد أثرت تلك العبارات في نفس السلطان، وجعلته يتحوّل تدريجيا من اختيار القوة إلى اختيار القانون، حيث نرى السلطان بعد ذلك يتوقف عن مناظرة القاضي، ويتوقف لحظة مفكراً لأول مرة خلال تلك المناظرة.

إن المغزى الحقيقي للمسرحية هو أن القوي من يحتمي بالقانون والحق، وليس هو من يحتمي بالسيف، وأن الخضوع للعدالة مجد ورفعة وقوة، وتكشف أن حاجات المجتمع إلى سيادة القانون أشد من حاجتها إلى أي شيء آخر.

عبد السلام الزغيبي ـ أثينا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home