Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelsalam al-Zghaibi
الكاتب الليبي عبد السلام الزغيبي

الإثنين 7 فبراير 2011

نيرون .. الرجل الذي أحرق شعبه

قتل امه ومعلمه وزوجته واخاه،
ثم حرق روما وجلس يتفرج عليها ويغني اشعار هوميروس..


عبد السلام الزغيبي

لو كان لكتاب التاريخ يد لمدها كي يمحو بها صفحات من الوحشية والقسوة التي سطرها العديد من الطغاة والظالمين، لأن كتاب التاريخ لا يشرفه إطلاقا أن تضم صفحاته أشخاصا ااستخدموا نفوذهم كحكام وأباطرة في تعذيب وظلم وقهر شعوبهم .

ومن بين هذه الصفحات المؤلمة تطل علينا شخصية نيرون، الإمبراطور الروماني الذي لم يدخر جهداً في تعذيب أبناء شعبه وقتل القريب منه والبعيد.. ماذا ننتظر من شخص قتل أمه ومعلمه؟.

ولد نيرون عام 37م بأنتيوم. كان والده جناوس دوميتيوس أهينوباريوس من طبقة النبلاء بروما أما والدته أجرينا الصغرى حفيدة الإمبراطور أوغسطس، والتي من الممكن أن يكون نيرون قد ورث عنها ميوله الوحشية.

توفى والده عندما كان نيرون ما يزال طفلاً صغيراً فقامت والدته بالزواج من الإمبراطور كلوديوس عام 49م، وبعد زواج أجربينا وكلوديوس قام الأخير بتبني نيرون فجعله كابن له وأطلق عليه اسم نيرون كلوديوس دوق جرمانكوس، كما تزوج نيرون من أوكتافيا ابنة كلوديوس.

صعد نيرون إلي عرش روما وهو في الخامسة عشر من عمره، وبدأ منذ هذه اللحظة سلسلة من الأحداث المتتابعة فلم يصعد نيرون إلى العرش لأنه يستحقه أو لأنه ابن للإمبراطور السابق، وأنما لأن أمه دست السم لكلوديوس لكي يعتلي أبنها العرش.

كانت السنوات الأولى التي أعتلى فيها نيرون عرش الإمبراطورية الرومانية سنوات معتدلة تميزت بالاستقرار النسبي، وقد أرجع البعض هذا لوجود معلمه "سينيكا" بجواره يوجهه ويرشده، هذا المعلم الذي اعتنى بالقيم والأخلاق وترويض النفس، ولكن دوام الحال من المحال فما لبث أن قام نيرون بإتباع أساليب عديدة من العنف والجور والظلم لأبناء شعبه فقتل وعذب وقهر.

تبع صعود نيرون إلى عرش الحكم تحوله إلى الظلم والقهر، وبدأت معاناة الشعب ولم يقتصر هذا على الشعب فقط بل امتدت يده لتبطش بأقرب الناس إليه فقتل أمه ومعلمه "سينيكا" كما قتل زوجته أوكتافيا، وأخاه، وانتقلت يده لتقتل بولس وبطرس الرسولين المسيحيين زيادة في بطشه وظلمه وطغيانه.

قيل في إحدى الروايات عن قتله لزوجته أوكتافيا أنه عندما كان يؤدي دوراً في مسرحية وكان يمسك بيده صولجاناً فسقط من يده، وقامت زوجته بمدح أدائه في المسرحية ولكنها علقت بقولها " ولكن لو أنك لم تسقط الصولجان" وكانت هذه الجملة هي نهاية أوكتافيا فبادر نيرون بقتلها، وكانت المسكينة أوكتافيا عبرة لغيرها فلم يستطع أحد بعدها أن ينتقد أي عمل يقوم به نيرون.

وعن السبب الذي دفعه لقتل معلمه قيل أن "سينيكا" كان فيلسوف روماني شهير له شعبيته بين الشعب وكان المعلم الخاص لنيرون ومستشاره المخلص فعمل على تقويمه وكبح جماح وحشيته، ولكن ألتف المرابين حول نيرون وتحولت أخلاقه من سيء إلى أسوء، فأكثر "سينيكا" من توبيخه محاولاً تعديله وتقويمه دون فائدة، وفي النهاية ضاق نيرون من معلمه ونصائحه المستمرة له، كما أوشى له البعض بضرورة التخلص من "سينيكا" خاصة لما كان له من تأثير قوي على الشعب الذي كان يلتف حوله فوجب إسكاته، وبالفعل عقد نيرون العزم على قتله ولما علم "سينيكا" بهذا فضل أن يقتل نفسه على أن يتم قتله على يد هذا الطاغية.

وجاء التاريخ ليدون واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت فيه وهي حريق روما الشهير عام 64م، حيث عمل على زيادة تعذيب الشعب وجاءت أبشع صور طغيانه لتضيف جريمة جديدة لتلك التي فعلها في حياته حيث قام بإشعال النار في روما وجلس متفرجاً، متغنياً بأشعار هوميروس ومستعيداً لأحداث طروادة، وانتشرت النيران في أرجاء روما واستمرت مندلعة لأكثر من أسبوع حاصدة معها أرواح البشر من رجال ونساء وأطفال.

وبما أن لكل ظالم نهاية وكثرة الظلم تولد الثورات، ففقد اجتمع العديد من الناس ورجال المملكة على عزل نيرون، فتم عزله وحكم عليه بالقتل ضرباً بالعصى، وشاءت الأقدار أن اليد التي امتدت لتقتل وتبطش هي نفس اليد التي تلتف وترتد لصاحبها مرة أخرى لتقتله، فقد أبى نيرون على نفسه أن يقتل بيد شعبه فقتل نفسه، وقيل في بعض الروايات أنه أمر كاتم أسراره بقتله، وقيل أيضاً أن الجنود انقضوا عليه فقطعوه بسيوفهم قطعاً، فكانت وفاته عام 68م.

وقد صور الشعر باعتبار ان وظيفته ليس الامتاع فقط، بل تتجلى في عنايته بالقضايا الانسانية، وغايته الاولى ادانة من يهدم الانسانية وهو ما ابدع فيه شاعرنا الليبي الراحل علي الفزاني في قصيدته (تشكيل) حيث قام بتحليَّل شخصية الطاغية نيرون الذي أحرق روما تحليلاً نفسياً من طفولته حتى تاريخ فعلته، فقال :

عندما كان نيرون طفلاً في المهد
قامت أمه مذعورة تصرخ :
لقد قضم الطفل حلمتيها باسنانه اللبنية

وهذه كانت بداية المرحلة الاولى في تشكيل شخصية الطاغية، ويظهر فيه العنف الظاهر في تصرفاته مذ هو في المهد، ففي الوقت الذي تغدق عليه الحنان لتمنحه الحياة، يقابلها بالاذى من لسانه. وهذا ما صوره الشاعر، ليؤد لنا ، أن لديه طاقة شريرة، برز تأثيرها في رحلة الليونة، وفي هذا انباء بما سيكون عليه، وما سيحدث منه عندما يشتد عوده.

عندما صار نيرون صبيا
فقا عيون أطفال روما بالمقاليع الحجرية
عندما أصبح أكثر نموا
دس- سم الفئران في آبار المدينة والقرى
نفقت خيول وأبقار- وهلك حشد من النسوة والاطفال.
في المرحلتين الثانية والثالثة ضمن مراحل تشكيله" الصبا- بداية الشباب" تطور العنف لديه فتجرأ على محيطه، ولم ينج منه أنداده ،فالطاقة الشريرة الكامنة في نفسه،أوحت إليه أن يجعل بأن يجعل الاعتداء أكثر شمولية، وأشد فتكا، فوضع السم في مصادر الشرب العامة، التي تمثل الحياة لكل المدينة، فقتـل الرجال والنساء والاطفال والخيول والابقار، أي انه لم يسلم من أذاه جنس، وهذا دليل موت العاطفة في قلبه، وهو ما يبرر افعاله المستقبلية.

ويواصل شاعرنا الكبير وصفه لمسيرة حياة الطاغية نيرون فيقول:

عندما بلغ سن الرشد
استولى على قناديل الاطفال- وشموع المعابد
ومنذ ذلك الحين
صار العالم
يحترق

شهدت المرحلة الرابعة "سن الرشد" ، التي تعني العقلانية، نزوعا نحو الطيش والظلم والبطش والاعتداء الاكبر على قناديل الاطفال " الحرية"، وشموع المعابد" الفكر" ، فقد كانوا ، يمثلون الفكر الانساني لاهل البلاد التي يعيشون فيها.

وبلغت عدوانيته ذروتها،باقدامه على حرق روما، عاصمة الحضارة انذاك، الامر الذي جعل شاعرنا" الفزاني" يرى، أن هذا التصرف بمثابة حرق العالم، وأن تأثيره ما يزال باقيا الى اليوم، فقد استهوت "نيرويين اخرين"، فاتخذوه قدوة ، وأعتبروه مثلا، فكانوا سبب القتل والدمار وظلم العباد، وكأن العالم يحترق.

وهذا التحليل العميق يعكس الصورة النفسية القبيحة لنيرون.

عبد السلام الزغيبي ـ أثينا
_________________________

مصادر :
مي كمال الدين : www.moheet.com

أ. سليمان زيدان- مجلة الثقافة العربية .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home