Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdallah al-Kabir
الكاتب الليبي عـبدالله الكبير


عـبدالله الكبير

Sunday, 29 October, 2006

توهـّج النهايات

عـبدالله الكبير

( اقتربت الساعة وانشق القمر )... قرآن كريم

ليس ثمة دليل على فداحة خطب النهاية أبلغ من التوهج العظيم الذي يصاحب زمن الاحتضار، فما من ظاهرة في هذا الكون الفسيح إلا ولها بداية ونهاية، يتمدد زمن النزع الأخير وينكمش حسب طبيعة الظاهرة وطاقتها، ولكن النهاية حتمية بعد اكتمال الدورة مهما تمدد زمنها.

فالشتاء ينتفض انتفاضته الأخيرة عند اقتراب نهاية الفصل فيتهاطل المطر غزيراً، مصحوباً بدوي الرعد والتماعات البرق، وتجري السيول الجارفة حتى ليظن الإنسان أن الشتاء أبدى، ولكنه ليس سوى التوهج الأخير لفصل بارد ثقيل الوطأة يغادر مفسحاً طريق الحياة للربيع القادم بدفئه وألفه ونضارته، صارخاً في الكائنات الراكدة لتفيق من سباتها، إذ ولّت أيام الصقيع والتجمد.

ويحتدم الصراع الطويل في النجم العملاق بين القوة المحطمة للجاذبية والضغط الخارجي للحرارة، إن النجم يحتضر، والالكترونات تنسحق بقوة في نواته وتنصهر مع البروتونات مولدة النيوترونات، في تفاعل نووي هائل سوف يحطم النواة في انفجار شديد التوهج، يخبو النجم بعده متحولاً إلى ثقب أسود يقبع في زاوية مظلمة عند حافة الكون، بجوار عدد لا نهائي من الثقوب السوداء التي كانت نجوماً لامعة في سالف الزمن بل وقبل اكتشاف الزمن.

ولن تفلت الشمس "أقرب النجوم إلى كوكبنا" من هذا المصير المروع، إذ في نزعها الأخير ستستنفذ وقودها من الهيدروجين وتتضخم فيتمدد مجالها المغناطيسي ساحبة إلى لهيب انطفائها الكواكب والأجرام القريبة التي تدور في فلكها، نهاية تبدأ بانشقاق القمر بسبب انهيار التوازن بين القوى الطاردة والجاذبة، متصدعاً في الطور الأخير من زمنه وعلاقاته المتعددة المستويات مع الإنسان، إذ اتخذه الإنسان إلهاً ونسج الأساطير والخرافات حول قدراته الخارقة في التأثير على مجريات الحياة والمصير، وتغنى الشعراء والمطربون بجماله، ورافق العشاق البائسون في ليل سهرهم القاسي، وظل متألقاً بضيائه على صفحة السماء حتى داسه رائد الفضاء الأمريكي نيل ارمسترونج، معلناً أنه مجرد كتلة صخرية صلبة باردة ومظلمة، ولا أثر للحياة فيه، وما ضوءه إلا أشعة الشمس يعكسها، وتتوالى بعد ذلك تفاصيل النهاية الكارثية في طرف المجرة حتى التوهج الأخير عندما تستعر البحار والمحيطات على سطح الأرض، بتحلل المياه إلى الهيدروجين المشتعل والأكسجين المساعد على الاشتعال، ثم تمضي الأرض إلى حتفها مندفنة في الشمس.

في نهاية الحرب العالمية الثانية وقبل أن يهدأ غبار المعارك، أغارت طائرات الحلفاء على مدينة درسدن الألمانية قاصفة المدينة بمنتهى القسوة في عملية سميت بـ"شفاء الغليل" رغم انهيار ألمانيا واستسلامها لينتحر هتلر بعد أقل من شهرين وتدخل قوات الحلفاء إلى برلين، غير أن التوهج الأخير لأكثر الحروب قسوة في تاريخ البشرية كان أكثر حدة وعنفاً في أقصى الشرق، مجبراً اليابان على الاستسلام بدون شروط بعد قصف هيروشيما ونجازاكي بالسلاح الذري.

وتكتمل ظاهرة حياة الكائن البشري بالموت الذي لا مهرب منه، وكما قال الكندي الفيلسوف "الموت هو تمام طبائعنا" وقد تسبق الموت صحوة قصيرة هي بمثابة التوهج الأخير قبل الرحيل، كما روت الروائية الصينية تنغ هسنغ يي في رواية "ورقة في الرياح القارصة" عند موت والدها الذي أنهك المرض جسده فشحب لونه واعتل جسده وبدا موشكاً على الموت، ولكنه استرد عافيته فجأة وتدفقت الدماء في أوصاله الشاحبة وظهرت على وجهه علامات الصحة قبل أن يغمض اغماضته الأخيرة، ولم ينتظر الخليفة معاوية بن أبي سفيان في مرض موته هذا التوهج الذاتي، إذ يخبرنا ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" عن أيامه الأخيرة :
"وقيل: ولما اشتدت علته وأرجف به قال لأهله: احشوا عيني اثمداً وادهنوا رأسي، ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ثم مهد له فجلس وأذن للناس، فسلموا قياماً ولم يجلس أحد، فلما خرجوا عنه قالوا: هو أصح الناس" رحمه الله وغفر له.. "

ولا يثير التوهج الأخير للظاهرة فضول الإنسان الذي غالباً ما يشلُّ قلق النهاية بسبب اقترابها أو تأخرها قدرته على التفكير المنهجي المنظم، ولكن دقة التأمل تكشف ملامح توهج النهاية لأي ظاهرة في هذا الكون، عاكسة حدة الصراع بين قوة الجديد ورغبة القديم في الخلود.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home