Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdallah al-Kabir
الكاتب الليبي عـبدالله الكبير


عـبدالله الكبير

Thursday, 5 October, 2006

شجرة اليأس

عـبدالله الكبير

التغيرات الاقتصادية تستثير في الناس الحيل والمهارات الإبداعية للتكيف معها كواقع لابد أن يصبح مألوفاً وطبيعياً بمرور الوقت، وللتعرف على آخر إبداعات صديقي صبحي للتلاؤم مع الأسعار الجديدة للسلع الغذائية الأساسية والوقود، توجهت إلى مقهى "مدينة الليل" حيث اعتاد احتساء قهوته وتمضية الوقت، مؤملاً الالتقاء به، فإبداع صبحي مدهش حقاً، وموهبته الفائقة في التمثيل والإقناع تفوق مواهب أكثر السياسيين براعة في التضليل والخداع.. فعندما عجز عن تسديد فواتير شركة الكهرباء، وقبل أن يطبق مقص الكهربائي على خيط التيار صاح في وجهه بلهجة آمرة :
توقف وانزل قبل أن أحطم السلم، مضيفاً بتودد: والدتي عجوز مريضة وهي طريحة الفراش بالداخل بسبب جلطة، إنها لا تتحمل حرارة الطقس بدون مكيف، هل تريد تلويث يديك بدمائها، وصرفهم متعهداً بتسديد كافة الديون قريباً.. ويضع في جيبه وصفة دواء كلما تحرك بسيارته، فإذا ما وقع في كمين شرطة المرور يتظاهر بالبحث عن أوراق السيارة ثم يدعي أنها ليست بحوزته الآن، فإذا أصر الشرطي على حجز السيارة أبرز ورقته الرابحة، الوصفة الدوائية، مدعياً أنه خرج مضطراً ليحضر الدواء لوالدته المريضة، وسيحرص في المرة القادمة على حمل الأوراق معه.
على هذا النحو الشيق والمثير كانت والدته المتوفاة منذ تسع سنوات تتدخل لنجدته في المواقف الصعبة.. وجدته وحيداً، كعادته، جالساً في ركنه المفضل بجوار الحائط الزجاجي، يراقب ضجة الحياة في الشارع الموازي، مولياً ظهره لقناة موسيقى بالتلفزيون المرتفع تقدم فاصلاً إعلانياً لحفلة للمطرب جورج وسوف، تتخلله مقاطع مستلة من بعض أغنياته.
استقبلني بابتسامة تشي بقراءاته لسبب زيارتي في عيني، فيما كان جمهور جورج بقناة الموسيقى يتمايل فوق المدرجات بانتشاء واضح، وسلطان الطرب يغني :
ليه بنداري واحنا عارفين كل الحقائق
ليه دايمـا فرحـنا ما يدومـش إلا دقائق
في الماضي كان صبحي يفيض بأحلام كثيفة انقشعت بهدوء أمام وهج شمس الواقع، قارئاً نهماً إلى حد الإدمان، وفي أعماقه موهبة شعرية لافتة. لم يعد يجد الوقت للقراءة وغاصت موهبته الشعرية فتوقف عن قرض الشعر، وأضحى مهموماً بالبحث عن سبل البقاء على قيد الحياة.
رفض الزواج خشية من أعبائه ومسؤولياته زمناً، ثم رضخ وتزوج وأنجب أطفالاً، معللاً خضوعه بوجوب إرضاء الوالدين، شاعراً بالزواج كذنب عظيم اقترفه، اعتبره قدر لا مهرب منه لأنه ليس ثمة طريق آخر مختلف ومقبول في نفس الوقت.
دخلنا في حوار طويل حول مواضيع كثيرة، وعن خططه المستقبلية في خضم التغيرات التي تميز المرحلة الحالية قال يائساً إلى حد الفزع :
- الحياة، كما ترى، تزداد قسوة وصعوبة. الأولاد يكبرون بسرعة كما أشجار العنب، وتكبر معهم مطالبهم واحتياجاتهم، وأجد نفسي عاجزاً عن مساعدتهم في تحقيق أحلامهم وتطلعاتهم، سألني فجأة : هل تذكر تلك القصة الشعبية عن الحمال والجمل؟
- قلت: لا
- قال: حسناً.. إنها تعبر باختصار عن حالتي.. وضع حمال على البعير أحمالاً ثقيلةً تنوء بحملها قافلة، وأبدى عابر سبيل شكوك في قدر الجمل على النهوض، فأكد الحمال ذلك بقوله: ما هو نايض ما هو نايض، واستمر في عمله.
- قلت: ماذا تقصد بالتحديد؟
- أقصد أنني مثل ذلك البعير، عاجزاً عن الغضب والرفض والاحتجاج، أتقبل بصمت ارتفاع تكاليف المعيشة دونما أمل في رفع مستوى دخلي تخفيفاً لمعاناتي، كأنما خلقت للعذاب تكفيراً عن خطايا ارتكبتها في حياة سابقة، كما يعتقد المؤمنون بتناسخ الأرواح، سوى أن روحي الضالة أخطأت طريقها وحلّت في جسم إنسان بدلاً من بعير.
قاومت دمعة تدفقت إلى عيني واستأذنته مدعياً تذكري لموعد ينتظرني وغادرت المقهى، سائراً في شارع خال من المارة أطلقت العنان لدموعي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home