Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdallah al-Kabir
الكاتب الليبي عـبدالله الكبير


عـبدالله الكبير

Sunday, 1 October, 2006

متلازمة كلاب السلخانة

عـبدالله الكبير

رغم تغير تضاريس المكان بفعل امتداد المدينة الأفقي، مازلت أتذكر كافة التفاصيل القديمة حول السلخانة العامة على الطريق الدائري الثالث بمنطقة الغلبان. بساط شجيرات الرتم على كثبان الرمل، نهر الدم المتدفق عبر أنبوب طويل ليصب في حفرة متوسطة العمق تسمى "حفرة الدم" الفخاخ المحلية، الطربيقة والقلابة التي ينصبها الصبيان للعصافير، جيف الحيوانات المتناثرة بسخاء، جعل المكان جنة للكلاب المشردة التي كانت تتنزه وتتسافد دونما شعور بالخطر من الرعاة الذين يجوبون المنطقة بقطعانهم.
وبعد ربط مواسير السلخانة بشبكة المجاري جفت حفرة الدم، وارتفع سور حول السلخانة التي توقفت عن قذف مخلفاتها في الكثبان الرملية المجاورة، وشعرت الكلاب المشردة بخطر المجاعة، فتقدمت ذليلة صاغرة إلى السلخانة، آخذة وضع كلاب الحراسة أمام الصور، مسخرة النباح "سلاحها الوحيد" لخدمة القلعة البيضاء الضخمة من دون أن يستدعيها أحد لتنفيذ هذه المهمة، تنزوي نهاراً وتنبح في الليل على كل عابر من الطريق، مقابل بعض العظام والفتات يلقيه لها الخفراء، لا تدرك أن الذين يذبحون ويسلخون وتقطع أوصالهم بالداخل هم أشقاؤها في المملكة الحيوانية، وما كان سيتغير شيئاً حتى لو أدركت، فالكلاب بطبيعتها خالية من المضامين الإنسانية الرفيعة.
وكان هذا المسلك غريباً من الكلاب التي مارست الحرية، وتذوقت حلاوة الانطلاق في فضاءات رحبة غنية بالصيد، ولكن يبدو أن الاستئناس المبكر والتربية المتواصلة على الخضوع جعل الحرية مجرد استثناء في تاريخ الكلاب، وفي هذا اختلافها الجوهري عن الذئاب التي ظلت عصية على الترويض والاستئناس لأنها تعي حريتها، تقتحم المخاطر وتبدع لتنال رزقها بعرق جبينها، رافضة ولائم العظام على مائدة تحجب الحرية، ولا عجب في أن الكلاب هي أشد الحيوانات على الذئاب.
يروي الجاحظ في كتاب "الحيوان" المجلد الخامس تحت عنوان (قصة في خنوع الكلاب) خروجه في طلب الحديث فثارت إليه عدد من كلاب ضخمة وبينما هو يحتال لها وقد غشيته إذ سكتت سكتة واحدة معاً وأخذ كل واحد في شق كالخائف المستخفي عندما ظهر كلب ضخم. يقول الجاحظ: لم أر كلباً قط أضخم منه فأمسكن عن النباح وتسترن من الهيبة له.
هذا الخنوع نجد تفسيراً له عند "اريك فروم" في كتاب (الخوف من الحرية) حيث يعرف الشخصية التسلطية بأن حبها وإعجابها واستعدادها للخضوع يستثار آلياً بالقوة، سواء كانت قوة شخص أو مؤسسة، فالقوة تسحره لا لأية قيم تتصف بها القوة النوعية بل لمجرد أنها قوة..
ويصاب الكلب بمرض عضوي يعرف بمرض الكـَـلـَب، يقال للمصاب به كلب مكلوب في اللهجة المحلية، وحسب الجاحظ قد ينقل المكلوب عدوى مرضه إذا عضَّ إنساناً فيأتون رجلاً شريفاً فيقطر لهم من دم إصبعه فيسقون الإنسان المصاب فيبرأ. وفي هذا قال الكميت :
أحلامكم لسقام الجهل شافية       كما دماؤكم يشفى به الكلب
الكلب ذو الناب الأبيض بطل رواية (الناب الأبيض) للروائي الأمريكي "جاك لندن" كان ثمرة زواج بين كلب وذئبة، ينطلق مع أمه في الأصقاع المتجمدة يطلبان الصيد، فيقعان في أسر الهنود الحمر حيث يفصل عن أمه، وتجري تربيته على إطاعة أوامر سادته مقابل الطعام، وعلى هذا الأساس نمت شخصيته، ففي مقابل اللحم والدم قدم حريته، رافضاً العودة إلى الغابة رغم فرص الهرب المتاحة، لقد أفرزت الدماء الكلبية في عروقه أعراض الخضوع والعبودية والخنوع "متلازمة كلاب السلخانة" وصار نباحه رهن إشارة سادته، يدافع بضراوة حتى على ما لا يمكن الدفاع عنه أو إيجاد مبرر له، ولأن هذا المرض مزمن وتاريخي في الكلاب فإن فرص الشفاء منه معدومة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home