Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ali al-Fazzani
الكاتب الليبي علي الفزاني

السبت 13 نوفمبر 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة   

محاولة القذافي الأخيرة للبقاء (1)
 

علي الفزاني

 

سأبدأ مقالتي هذه بالتوقف عند بعض الفقرات التي وردت على لسان السفير الأمريكي في ليبيا (جين كيرتز) في المقابلة التي أجرتها الصحفية الأمريكية (ميغا بهري) لمجلة (فوربس) ونشرتها في 19 أكتوبر 2010 م بعنوان "إتبع المال في ليبيا". الفقرات التي أعنيها هنا هي قول السفير الأمريكي:

"هذه هي رحلتي الثامنة إلى الولايات المتحدة من ليبيا في العشرين شهراً الماضية".

ثم قوله في تفسير هذه الرحلات المتكررة:

"لأن المعلومات لم تصل بعد".

ثم إستطراده وقوله:

"صورة ليبيا في الولايات المتحدة لا زالت عالقة بالماضي... إن تعاوننا مع ليبيا لا يعني أننا نسينا الماضي، فنحن لا ننسى ولا نغفر".

ولمن لا يعرف العمل الدبلوماسي، لابد من التذكير بأن قيام سفير بلد ما بترك مقر عمله في البلد المضيف والسفر إلى عاصمة بلاده هذا العدد من المرات (8 مرات خلال 20 شهرا، أي مرة كل شهرين ونصف)، هو أمر غير معتاد إطلاقا، ولا بد أن دواعي السفر كانت هامة جدا وعلى درجة من السرِّية بحيث لا يمكن تداولها عبر قنوات الإتصال المعتادة (برقيات ورسائل...) كما تتطلب مشاورات على أعلى مستوى سياسي في بلاده.

 

أما قول السفير بأن "المعلومات لم تصل بعد"، فلا يخفى أنه مغلّف بغموض مقصود، ولا يمكن فهمه إلا على أنه يعني (رغم هذا التغليف الدبلوماسي المتعمد) أن الإدارة الأمريكية لم تستجب لما نقله سفيرها إليها عن القابع في الخيمة من مطالب أو عروض أو توسّلات، وأن الإدارة الأمريكية ما تزال مصرّة على "موقفها" أو "إقتراحاتها" أو "أوامرها" بشأن القضية أو القضايا التي قام السفير برحلاته بسببها.

 

أما قول السفير في هذا السياق بأن "الولايات المتحدة لا تنسى ولا تغفر" فهو واضح الدلالة في أن "عدم وجود المعلومات" أو "عدم إستجابة الإدارة الأمريكية لاستجداءات وتوسلات القايد" راجع إلى أن أمريكا لا تنسى ولا تغفر.. وبالطبع فلا أتصور أن هذا الذي لا تستطيع أمريكا أن تنساه أو تغفره إلا أن يكون كريها، بل وكريها جدّاً.

لقد تذكرت على الفور وأنا أقرأ هذه الفقرات ما ردده "القايد" من شكوى (تنفطر لها قلوب الثوريين) كيف أن أمريكا وأوروبا لم تكافئاه كما ينبغي وبما يستحقه عن "الخدمات" التي قدّمها إليهما وعن "المواقف" التي وقفها إلى جانبهما في "حربهما على الإرهاب".

 

لقد أكَّدت لي أقوال السفيرالأمريكي ما كان قد راج على نطاق محدود في بعض الأوساط الإعلامية والدبلوماسية العربية وغيرها من معلومات مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية (باتفاق مع بعض الحكومات الغربية ذات المصالح المهمة في ليبيا) قد أبلغت القذافي قبل أشهر من إحتفالاته بالذكرى الأربعين لانقلابه المشؤوم "أن من مصلحته ومصلحة ليبيا ومصلحة الجميع أن ينتهز فرصة الإحتفالات الأربعينية ويعلن عن تخلِّيه عن الحكم وفق ترتيبات حددتها له"، على أن تضمن له ولأبنائه ولأسرته نهاية هادئة لا يتعرٌضون فيها لأي ملاحقة قضائية، كما لم تنس هذه الجهات أن تبلغه بأن ما تقترحه عليه غير قابل للمساومة أو المماطلة.

 

***

 

بالطبع لم يعجب "القايد" ذلك "العرض"، وتصوَّر أن بمقدوره أن يقنع تلك الجهات بالتراجع عنه معتمدا في ذلك على صِلاته الخفية العديدة، وعلى ما تحت تصرفه من مليارات الخزانة الليبية السائبة، وعلى ما تعانيه الكثير من الأطراف الدولية من أزمة مالية خانقة (وبالطبع فلم ينسَ قوة تأثير المشعوذين والسحرة الذين أصبح ملكا عليهم). وكانت أول خطوة في التعبير العلني عن رفضه لهذا العرض هي تجنٌبه إلقاء الخطاب السنوي الذي تعود أن يلقيه في ذكرى إنقلابه.

 

تمثل أول رد فعل غربي (أوروبي/أمريكي) لموقف القذافي الرافض للعرض المقدم إليه في تدنِّي وهُزال الحضور الغربي في إحتفالات الذكرى الأربعين للإنقلاب (وحتى صديقه الحميم برلوسكوني لم يستطع أن يحضر الإحتفال رغم أنه كان في زيارة لصديقه في خيمته ليلة الأول من سبتمبر)، كما تمثل أيضا في الصفعات والهزايب وصور الإزدراء التي قوبل بها أثناء حضوره للدورة الماضية (الرابعة والستين) للجمعية العامة للأمم المتحدة.

 

وكما هو معروف فقد عاد القذافي من رحلته إلى نيويورك محطَّما "مكسور الخاطر"، ولكنه كان مصمِّما في الوقت ذاته على أن يناور وأن يتحايل وأن يقوم بمحاولة إلتفاف حول هذا العرض. وتمثلت تلك المحاولة في الإجتماع "السرّي/العلني" الذي عقده إثر عودته من "رحلة الخيبات" وأسفرت عن دعوته للمؤتمرات والقيادات الشعبية بأن تبحث لإبنه سيف عن "منصب" وجد هو نفسه صعوبة كبيرة في توصيفه، كما وجد الذين حوله صعوبة شديدة في فهم المقصود منه، ولم تكن تلك "الدعوة" إلا محاولة أولى منه للمساومة مع من قدموا له "عرض التنحِّي" بأنه على إستعداد بأن يقوم بتنحي جزئي عن السلطة لإبنه، على أن يتولى هذا الأخير تنفيذ برنامج الإصلاح السياسي والإقتصادي والإداري الذي تتكلم عنه هذه الجهات في مشروعها.

 

وبالطبع فلم يكتفِ القذافي بتلك الخطوة، فشرع في القيام باتصالات محمومة مع "وسطاء خير" يثق بهم، وقادرين على الوصول إلى هذه الأطراف الدولية صاحبة "العرض/ مشروع النهاية"، والتأثيرعليها وإقناعها بالتراجع والقبول بحلِّه الوسط. وفي هذا الصدد قام القذافي باتصالات عديدة مع أصدقاء سياسيين وأصحاب مصالح نفطية ومصرفية ومالية وتجارية كبيرة من كافة الجنسيات، ومع بابا الفاتيكان ومع كبير أساقفة كانتربيري في بريطانيا... غير أن مساعيه كلها على ما يبدو باءت بالفشل رغم الوعود والتطمينات الأولية التي وصلته، ورغم كل المليارات الي تكبَّدتها الخزانة الليبية في هذا السبيل.

 

ومن جهة أخرى، فلم تفلح المحاولات البائسة التي بذلتها "شركات العلاقات العامة" في تسويق سيف كوريث قادر وكفؤ، بل لعلها ومن خلال المحاضرات التي رتِّبت له في الجامعة الأمريكية بالقاهرة وفي كلية لندن للإقتصاد والعلوم السياسية في بداية هذا العام (2010) قد كشفت عن هزال شخصيته وتفاهة منطقه (راجع سلسلة مقالات الكاتبة الليبية المبدعة بعنوان ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال).

 

لقد تظافرت هذه العوامل (الإصرار الخارجي على التنحي الكامل من قبل القذافي، وهزال أداء سيف) على إفشال محاولة القذافي الأولى في الإلتفاف حول "مشروع النهاية"، وهو ما يفسر الإرتباك والتردد الذي طبع الإجراءات التي إتخذها القذافي على طريق تنصيب إبنه خليفة له كحلٍّ وسط وبديل لمشروع النهاية، كما يفسر التجاهل شبه الكامل والفتور الشديد الذي استقبلت به مختلف الدوائر السياسية الإقليمية والدولية ووسائل إعلامها الأخبار المتعلقة بالخطوات التي اتخذها القذافي من أجل خلافة إبنه له.

 

سارت الأحداث السياسية، عالميا وإقليميا، منذ مطلع هذا العام (2010) على نحو ساعد على إنشغال القوى صاحبة "مشروع النهاية" عن القذافي (وإن لم تتراجع عنه)، كما قدَّمت فرصا جديدة لابتزازه ماديا وسياسيا من قِبَلها (أداء القذافي خلال مؤتمري القمة العربية العادي والإستثنائي على سبيل المثال)، غير أنها لم تخلُ من وقائع وتطورات ظلت تذكِّر القذافي ببقاء "مشروع النهاية" قائما، من ذلك على سبيل المثال: 

o       إرتفاع وتيرة الدعوات من أمريكا وبريطانيا المطالِبة بإعادة فتح التحقيق في قضية لوكربي، وهو يحمل تهديدا مبطنا وموجها إلى القذافي مفاده أن التحقيق في آخره قد يؤول إليه شخصيا، وهو ما يعني أن نهايته في هذه الحالة ستختلف جذريا عما هو مطروح عليه في مشروع النهاية، وأنها ستكون "خارطة طريق نحو الهاوية". ومن هذا القبيل الدعوة التي صدرت عن السيناتور الأمريكي (روبرت مانديز) رئيس لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية إلى التحقيق وإعادة النظر في الإفراج عن عبدالباسط المقرحي. 

o       ما جرى تسريبه وإيصاله إلى القذافي بأن وثيقة الإتهام المقدمة بحق الرئيس الليبيري السابق (تشارلز تايلور) إلى محكمة الجنايات الدولية تضمَّنت إسمه (أي إسم القايد) كشريك مبطٌن له في جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي إرتكبها والتي تجري محاكمته بسببها. كما وصله أن الإدعاء العام في تلك المحكمة قد تحاشى في الماضي تقديم إسم القذافي كمتّهم ثانٍ علانية تجنُّبا للإحراج الذي يمكن أن تجد فيه المحكمة نفسها لو قدمت الإثنين معا (وربما إنتظاراً لأن يتم مشروع النهاية بسلام). كما جرى إبلاغ القذافي بأن موقف المحكمة يمكن أن يتغيٌر في أي وقت، وأنها قد تقوم بتقديمه هو أيضا للمثول أمامها. 

o       إقدام الحكومة السويسرية في شهر فبراير 2010 بإصدار قرار يدرج (188) ليبيّا من شخصيات النظام (على رأسهم القذافي وأبناؤه) في قائمة الممنوعين من دخول أراضيها.  

o       رفض الدول الإفريقية خلال قمة أديس أبابا لاستجدائه لها بتجديد رئاسته للإتحاد الإفريقي سنة أخرى (على الرغم مما أنفقه من أموال طائلة من أجل إقناع عدد من الرؤساء الأفارقة بالتصويت لصالح هذا التجديد). ومن هذا القبيل أيضا ما عاناه القذافي من إحتقار وتجاهل خلال القمة الإفريقية الأخيرة التي انعقدت بالعاصمة الأوغندية كمبالا، رغم أنه تعمٌد أن يعلن قبل وصوله إلى تلك القمة عن تخصيص "جماهيريته" لمبلغ (90) مليار دولار لمشروعات إستثمارية في إفريقيا. 

غير أن الأدهى من ذلك هو أن "الجماهيرية" شهدت جملة من التطورات الداخلية التي نبَّهت أصحاب "مشروع النهاية" إلى ضرورة إعطاء مشروعهم أولوية جديدة، وإبلاغ "مريض الخيمة" بأنه لم يعد هناك مجال للمزيد من الوقت الضائع للَّعب فيه، ومن هذه التطورات: 

1.    تدهور الحالة الصحية للقذافي بشكل متسارع وتوقع وفاته في أي لحظة، الأمر الذي قد يؤدي إلى حالة إنفلات أمني غير محسوبة العواقب. 

2.    فضلا عن فساد أبناء القذافي ومشاركتهم في تفاقم حالة الفوضى والفساد بالبلاد، فإن الأخطر من ذلك هو الصراع القائم بينهم، واحتمال أن يتمكن أي واحد منهم (بما تحت يديه من سلاح وذخيرة وجنود) من التحرٌك عسكريا والدفع بالبلاد إلى حالة من الصراع الخطير والإنفلات الأمني (ومن هنا صدرت التعليمات بضرورة ضبط هذا الأمر ووضع الكتائب الأمنية التابعة للأولاد تحت إمرة العميد عبدالفتاح يونس، وزير الأمن الداخلي).  

3.    ما تركه مرض اللواء خليفة حنيش (وربما موته) من فراغ أمني وعسكري كبير، وما قد يترتب على ذلك أيضا من عواقت تؤدي إلى إنفلات أمني مفاجئ. 

4.    تفاقم حالة الفساد المالي والفوضى الإدارية بشكل غير مسبوق وغير محدود أصبح يهدد مصالح الشركات الأجنبية العاملة في ليبيا،ويجعلها غير قادرة على التعامل مع الجهات الرسمية (راجع مقابلة السفير الأمريكي مع مجلة فوربس الأمريكية).

5.    تلويحات القذافي العلنية بالعودة إلى سابق سياساته ومواقفه على الصعيد الخارجي (دعوته إلى تقسيم نيجيريا على أساس ديني، ودعوته للجهاد ضد سويسرا..) 

6.    ما تردد على لسان القذافي ولسان بعض المقربين إليه وما ظهر من مؤشرات بأنه يستعد لتنفيذ ما أسماه بـ"الإقتحام النهائي" و "ثورة الفقراء" و"المشروع الثوري الذي لم يبدأ بعد"، وهو ما يعني الدفع بالبلاد إلى أتون المزيد من الفوضى والدمار (على طريقة عليّ وعلى أعدائي). 

7.    ظهور قضية مجزرة سجن أبوسليم على السطح وعجز القذافي البيٌن عن الوصول الى حل لها يرضي أسر الشهداء، وتداعيات هذه القضية على عناصر النظام المتورطين في تنفيذها. 

هذه التطورات، فضلا عن بعض التطورات المحتملة الأخرى في المنطقة (إنفصال جنوب السودان مثلا) هي التي جعلت أصحاب "مشروع النهاية" يعودون بإلحاح إلى مشروعهم. وفي سياق هذه التطورات ينبغي أن ننظر إلى تصريحات السفير الأمريكي في ليبيا لمجلة (فوربس) وأن ننظر إلى جملة الوقائع والتفاعلات الأخرى التي تشهدها ليبيا والتي يأتي في مقدمتها هروب ياور القذافي (الخاص جدٌا) نوري المسماري ودعوة القذافي للرائد الركن عبدالسلام جلود وبقية أعضاء مجلس قيادة الإنقلاب للعودة. وهو ما سأتناوله في الحلقة القادمة بعون الله.

 

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home