Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ali al-Fazzani
الكاتب الليبي علي الفزاني

الخميس 11 مارس 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

القذافي ... والخيار الشمشوني ! (2)
 
علي الفزاني

أود بادئ ذي بدء أن أشكر الأخوة الذين استقبلوا مقالتي السابقة بترحيب وأبدوا حولها عدداً من الملاحظات الإيجابية والتي لم تخل من فائدة ونفع لي. كما أود أن أشير في مطلع هذه الحلقة الثانية أنني كنت أعتزم أن أختصر المادة التي أكتبها تحت هذا العنوان في حلقتين فقط تناولت في الأولي منهما ما حدث في أبريل 1973 عندما وجد القذافي نفسه يومذاك محاطاً بجملة من الأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد سلطته ونفوذه وكيف واجه القذافي تلك الأخطار بتوجيه ضربته الإستباقية إلى أعدائه وخصومه والتي أطلق عليها الثورة الشعبية وتمثلت من جهة في الهجمة القمعية لأجهزته الامنية  على كل صاحب رأي وفكر وموقف مخالف له وعلى كافة القوى والعناصر الوطنية (حزبية وغيرها) يمكنها أن تنظم أو أن تقود أي تحرّك شعبي وجماهيري ضد نظامه وسلطته، وتمثلت ومن جهة أخرى في إلهاء بقية شرائح المجتمع الليبي في صراع غبي ومجنون فيما عرف بعمليات "الزحف" و"التصعيد" التي لم تعرف التوقف وقوّضت كل شيء في البلاد. وكنت أزمع أن أتناول في الحلقة الثانية ما عساه يقوم به القذافي خلال الأسابيع القادمة – لو قدر له أن يبقى على قيد الحياة حاكما للبلاد في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية التي يراها محدقة به منذ عودته من رحلته المنكوبة إلى نيويورك في آخر سبتمبر الماضي (2009م) وهو ما تصورت أنه سيشكل بحق " الخيار الشمشوني" الذي استعملته عنواناً للحلقتين.

ذلك ما كنت أزمع القيام به ، غير أن ملاحظات عدد من القراء والأخوة الكرام جعلتني أقرر تخصيص الحلقتين القادمتين (على الأقل) لعدد من "الأزمات" التي واجهها القذافي منذ إعلانه لثورته الشعبية المزعومة في أبريل 1973م وحتى الموقف الراهن وكيف تعامل مع كل أزمة من هذه الأزمات.

* * *

الأزمة الخطيرة الثانية  التي واجهها  القذافي ولدت من رحم "الثورة الشعبية" التي أعلنها في أبريل 1973م ومن الإجراءات القمعية التي أتخذها بالتزامن معها ، بحق مختلف القوى الوطنية الليبية. وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى عدد من النتائج المباشرة الوخيمة التي ترتبت على ما أقدم القذافي عليه يومذاك وهي :

(1)     الخلط المُخلّ بين "العملية السياسية" و "العملية الإدارية" في كافة مستوياتها وهو خلط غير مسبوق في النظم السياسية والإدارية المعروفة كما أنه عبثي وبالغ الفوضوية والسوء.

(2)      أدت الدعوة إلى "تعطيل جميع القوانين" إلى أن يتعطل من الناحية الفعلية والتطبيقية "مبدأ المحاسبة والمساءلة" عن الأعمال والتصرفات في إدارة أجهزة الدولة. وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام دخول البلاد في حالة من استباحة المال العام والفساد المالي  والإداري. لم يزد مع الأيام إلا تفاقماً حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن.

(3)      تغليب اعتبارات ومعايير "الولاء للنظام" و "الثورية" على اعتبارات الكفاءة والتأهيل والأقدمية عند إسناد الوظائف واختيار الموظفين والعاملين في مختلف الأجهزة الحكومية. وهو ما أسهم بدوره في حالة الفوضى والفساد.

كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن القذافي لم يقتصر على الهجمة القمعية التي كلّف بها أجهزته الأمنية منذ خطاب ازوارة في أبريل 1973م وجرى في ظلها اعتقال ما يزيد على الألف من المثقفين وأصحاب الرأي والفكر والشباب والطلاب وتعريضهم  لشتى صنوف التعذيب والإذلال بل واصل هذه الهجمة عن طريق استكمال بناء منظومة القمع والإرهاب الداخلي([1]) من خلال :

(‌أ)                استكمال تفكيك الإطار الدستورى والقانوني الذي كان سائداً خلال العهد الملكي والذي كان يحيط حياة المواطنين بعدد من الضمانات ، ويمنع عنهم جور وتجاوزات الأجهزة الأمنية. وقد اتخذت عملية التفكيك هذه شكل الاعتداء الممنهج والمتواصل على السلطات القضائية واستقلاليتها وهيبتها ، تمثل ليس فقط في رفع شعار "تعطيل القوانين" ولكن أيضاً في تشكيل "لجان شعبية" لممارسة صلاحيات السلطة القضائية والإشراف عليها.

(‌ب)           توفير كافة مستلزمات القمع والإرهاب من تشريعات ومعدات ومقرات وأموال وخبراء . ومن الأمثلة على هذه "التشريعات"  إصدار القانون رقم 38 لسنة 1974م الصادر بتاريخ 14/5/1974م في شأن استخدام القوات المسلحة للمحافظة على الأمن الداخلي .كما يلاحظ أنه جرى حجب المخصصات المالية للأجهزة الأمنية وأبقيت مصروفاتها بعيدة عن عيون أجهزة الرقابة المالية والإدارية وبالتالي غير خاضعة للرقابة والمساءلة.

(‌ج)             استخدام  برامج التدريب العسكري المختلفة وقانون التدريب العسكري العام رقم 42 لسنة 1974م  الصادر في 12/7/1974م كوسيلة لممارسة المزيد من القمع والإرهاب والإذلال والقهر بحق المواطنين وبخاصة فئتي الطلاب والموظفين.

ويمكن الإستشهاد في هذا الصدد بما ورد على لسان القذافي يوم 9/8/1975م  في حق الطلاب والمواطنين الذين رفضوا الالتحاق بمعسكرات التدريب العسكري.

"أناس هاربون ولابد أن يلتحقوا بالمعسكرات ، وهذا ما حدث بالفعل تحركت السيارات حاصرتهم ، وقد أمرتهم أن يحضروهم بالقوة العسكرية، وكان لابد أن يعرفوا أن الثورة في سبيل تكملة مسيرتها يمكن أن تتحول إلى ثورة حمراء في أي لحظة من اللحظات ضد أعدائها ولابد أن يعرفوا أن هناك تدريباً عاماً لا يمكن أن نحيد عنه ، وأن هذا القرار لا يمكن التراجع عنه مهما حصل ، حتى لو أغلقنا الجامعة والمدارس".

لم يكن غريباً في ضوء كل ذلك أن تشهد الأعوام 1973 ، 1974 وبدايات عام 1975م تعاظم النشاط القمعي للأجهزة الأمنية متمثلاً في حملات اعتقال تعسفي للأشخاص واعتداء على الأرواح والممتلكات وقد تركزت تلك الحملات على فئات الطلاب والموظفين والتجار ومنتسبي القوات المسلحة.

كما يلاحظ من جهة أخرى أن القذافي واصل هجمته على كافة وسائل الإعلام وأجهزته ومؤسساته ونقاباته فشرع منذ إعلانه لما أسماه بالثورة الشعبية والثورة الثقافية في الإستيلاء والهيمنة المباشرة والكاملة ، عن طريق وزارة الإعلام والثقافة ، على الصحافة وعلى الإذاعة وعلى دور الخيالة ، وعلى النشاط المسرحي والفني والموسيقي ، وعلى وسائل النشر والتوزيع والإعلان ، وعلى نقابات الكتاب والأدباء والفنانين([2]).

ويقدم المقتطف التالي نموذجاً  لتوجهات القذافي وتصوراته حول حرية الفكر والتعبير([3]):

"الدعوة لما يسمى بحرية التعبير دعوة رجعية متخلفة ، إنها مقولة تخطتها التجارب الديمقراطية. إننا نمارس الحكم الشعبي وتقرير المصير ممارسة وليس بالتعبير فقط. وإن كل من يتكلم عن حرية التعبير فهو رجعي ، لأننا تجاوزنا هذه المقولة بإرسائنا وممارستنا للديمقراطية الشعبية الحقيقة."

كما واصل القذافي خلال الفترة ذاتها السيطرة على نقابات العمال واتحاداتها ، وعلى الجمعيات والنوادي والنقابات المهنية وعلى إتحاد الطلبة ، من خلال العبث بأعدادها ومسمياتها وأغراضها وأهدافها ، ومن خلال تنصيب عناصر موالية للنظام ولاءً مطلقاً على رأسها وفى قيادتها حيث جرى تحويلها جميعاً إلى مطايا له.([4])

ومن جهة أخرى أعلن القذافي في 6 أبريل 1974م تخلّيه عن القيام بالالتزامات البروتوكولية (استقبال وتوديع رؤساء الدول واستلام أوراق واعتماد السفراء … )   وتفرغه لقضايا التنظير والثورة. كما جرى الإعلان في 20/12/1974م أن القذافي شرع في وضع "الكتاب الأخضر" الذي سيكون تنظيراً لفكر الثورة في جميع المجالات([5]).

كما يلاحظ أيضاً أن القذافي أندفع وعلى الأخص منذ عام 1974م في إبرام صفقات هائلة لتوريد السلاح من الإتحاد السوفيتي حتى بدون علم بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة. وقد تحدث الرائد عمر المحيشي عضو المجلس ووزير التخطيط والبحث العلمي السابق في مقال له نشرته صحيفة "صوت الشعب الليبي" من القاهرة في عام 1976م عن جانب من تلك الصفقات بالعبارات التالية :

" … وفى الواقع أن عقود شراء السلاح بين ليبيا والإتحاد السوفيتي ابتدأت منذ عام 1970م …… إذ أن الإتصال بالإتحاد السوفيتي كان قديماً ولكنه كان محدوداً وكان قاصراً على شراء القليل من الأسلحة دون مدربين أو خلافه … بعد حرب أكتوبر 1973م أنقلبت إلى شيء آخر وأصبحت كميات السلاح التي يطلبها القذافي مهولة حتى أن عبد السلام جلود جاء في أحد الأيام مفزوعاً (ولا أذكر المكان الآن) من طلبات القذافي التي صاغها في رسالة إلى الكريملن ، لقد قال عبد السلام لي أن القذافي يقول في رسالته أنه يريد شراء (6) آلاف دبابة و (1000) طائرة و (200) قطعة بحرية وأضاف عبد السلام يقول  : لقد بذلت جهداً كبيراً في سبيل إقناع العقيد أن يخفض هذه الأعداد المهولة … وكان عبد السلام جلود يصف لي القذافي بأنه جن بعد حرب 1973م ……"

أما سياسات القذافي الخارجية فقد تواصلت هي الأخرى على نفس المبادئ والأسس السابقة على إعلان الثورة الشعبية ، وهي السياسات التي لخصها خطابه الذي ألقاه يوم 15/4/1973م بالعبارات التالية.([6])

" …… وعليه الشعب الليبي الآن متورط في الطريق الذي يؤدي إلى الوحدة العربية وإلى محاربة الإستعمار في الشرق والغرب وإلى الوصول إلى فلسطين … الشعب الليبي متورط في هذه الطريق لا يستطيع أن يتراجع عنها … سواء أكان معه معمر القذافي أو مجلس قيادة الثورة أو ليس معه .. الشعب الليبي قرر هذا والعالم كله حسد الشعب الليبي وعليه فالشعب الليبي مطلوب منه دين ، وهذا الدين هو أن يستمر في قيادة الأمة العربية نحو الحرية ونحو الوحدة ونحو الإشتراكية … أنتم مازلتم بعد ثلاث سنوات من الثورة سائرين في طريق الوحدة العربية وأنتم تحاربون بريطانيا لأجل شمال أيرلندا وتحاربون أمريكا لأجل التفرقة العنصرية ولأجل الأمريكان السود وتحاربون في الفلبين من أجل المسلمين فيها وتحاربون أسرائيل من أفريقيا ، أنتم تعيدون رسالة الإسلام من جديد…"

وإنطلاقاً من هذا الدور العالمي الموهوم  واصل القذافي سياسته الخارجية تجاه الدول العربية والأفريقية وبقية العالم وكان من ملامحها المبكرة في أعقاب إعلان ثورته الشعبية المزعومة:

أولاً : استضافة عشرات المؤتمرات والندوات تحت مختلف الشعارات والمسميات  ودعي لحضورها آلاف المشاركين من شتى التوجهات السياسية والفكرية والأيديولوجية ومن شتى الأقطار ومن الأمثلة على هذه المؤتمرات :

§        المؤتمر الدولي الإستثنائي للحركات السياسية لشباب أوروبا والبلاد العربية (14 مايو 1973م).

§        المؤتمر العالمي للشباب الإسلامي تحت رعاية جمعية الدعوة الإسلامية (2 يوليو 1973م).

§        ندوات فكرية سنوية لإحياء ذكرى رحيل عبد الناصر(منذ 28 سبتمبر 1974م).

§        ندوات الحوار الناصري الديجولي ببنغازي (28فبراير1975م).

§        ندوة الحوار الإسلامي المسيحي بطرابلس (1فبراير 1976م).

§        عدد من الندوات تحت شعار  الحوار العربي /الأوروبي.

§        مؤتمرات سنوية لرباطة الطلبة العرب الوحدويين الناصريين.

§        معسكرات سنوية لشباب الثورة العربية.

ثانياً : قام القذافي بدعوى ، العمل على تحقيق الوحدة العربية وحشد الطاقات العربية لمعركة فلسطين والتصدي للرجعية العربية ، بإنتهاج سياسة تدخلّية في شؤون مختلف النظم والأقطار العربية بشتى الحجج والذرائع والأعذار ، وقد تراوحت مواقف النظام الانقلابي على الصعيد العربي والقومي ما بين البذاءة الكلامية والحملات الإعلامية والتطاول على معظم قادة هذه الدول وتسفيه اختياراتها ، وبين التدخل العلني السافر في شؤونها الداخلية ومناصرة خصومها ، بل وحتى القيام بعمليات تخريبية وإرهابية داخلها([7]).

ثالثاً : واصل القذافي دعمه لمنظمة التحرير الفلسطينية ومختلف فصائلها غير أنه استعمل هذا الدعم مبرراً لتدخله في شؤونها الداخلية وفرض تصوراته ووصايته عليها. كما لم يتردد في السعي لتوريط بعض هذه الفصائل في تنفيذ عمليات إرهابية خدمة لحساباته وخصوماته الخاصة مما أسهم في تأليب المجتمع الدولي علي هذه الفصائل على صورة النضال الفلسطيني. ومن أشهر الأمثلة في هذا الصدد اختطاف وزراء نفط دول منظمة الأوبك في فيينا (ديسمبر 1975م) عن طريق الفنزويلي كارلوس بالاتفاق مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين([8]).

رابعا :  قام القذافي، بدعوى مناصرة " حركات التحرر" على امتداد العالم والتصدي للإستعمار والانتقام منه والدخول في مواجهة على امتداد الكون معه، بفتح اراضي ليبيا امام مختلف الحركات والمنظمات دون تمييز ، حيث اقيمت لها عشرات معسكرات التدريب كما زودّت بكافة احتيجاتها من المال والسلاح.

خامساً : قام القذافي ، بدعوى "مناصرة الإسلام والمسلمين" في أفريقيا وأسيا بالتدخل المتواصل في شؤون العديد من الدول الأفريقية والأسيوية وشؤون الكثير من الجماعات والمنظمات المحلية التي كانت تناضل من أجل قضاياها.

***

كان طبيعياً أن تؤدي هذه السياسات والممارسات التي انتهجها القذافي على الصعيدين الداخلي والخارجي منذ أبريل 1973م إلى ردود فعل احتجاجية وطنية وخارجية.

o       جاءت ردة الفعل الأولى على الصعيد الوطني في شكل محاولة انقلابية من داخل النظام نفسه أتهم بالإشتراك فيها أربعة من أعضاء مجلس قيادة الثورة هم الرواد عبد المنعم الطاهر الهوني وبشير الصغير الهوادي ، وعوض حمزة ، وعمر عبد الله المحيشي ، فضلاً عن قرابة (15) ضابطاً([9]) من تنظيم "الضباط الوحدويين الأحرار" الذين شاركوا في تنفيذ إنقلاب سبتمبر 1969م. وقد جرى الإعلان عن إكتشاف المحاولة يوم 13 أغسطس 1975م وقد تناول الرائد عمر عبد الله المحيشي في مذكراته تحت عنوان "ملخص لفحوى الدوافع الأساسية لانتفاضة أغسطس 1975م" الأسباب الكامنة وراء تلك الانتفاضة نقتطف منها الفقرات التالية :

·        الفردية المطلقة [من قبل القذافي] مع انعدام التشاور ، وتحميل مسؤولية أعماله الفردية وقراراته التعسفية الصادرة على هيئة قوانين إلى ما يسمى "بمجلس قيادة الثورة" الذي انقطعت اجتماعاته من أكثر من سنتين ، والذي لم يجتمع بشكل منتظم منذ بداية الثورة في الأول من سبتمبر 1969م وحتى هذه الاجتماعات التي كانت تعقد وفقاً لمزاج القذافي ، كان يرفض أن يكون لها "محضر اجتماعات مكتوب" ، كي يمارس هيمنته بشكل كامل على مقدرات الشعب.

·        تبذير أموال الشعب وثروته الوطنية على أمور لا تخدم إلا نواياه الإجرامية ، ولا ترضي إلا مزاجه الشخصي المنحرف والإجرامي. فتارة تعقد صفقات السلاح بلا أدني دراسة من المختصين وتارة يعلن عن مشروع خطر له [أي خطر على بال القذافي] ويرصد له الأموال ضارباً عرض الحائط بكل التقارير الفنية التي تثبت فشل هذه المشاريع وأنها ليست إلا بالوعة أموال وخسارة ليس لها أي مردود اجتماعي أو اقتصادي.

·        اتخاذ قرارات بدعوى الاشتراكية في الظاهر ، [وفى الحقيقة] بدافع الحقد الشخصي على أفراد معينين بقصد التشفي الشخصي والانتقام والتلهي بإذلال الشعب وتركيعه لمزاج الحاكم مما أفقد كل هذه الإجراءات أي بعد اجتماعي يهدف للعدالة الاجتماعية المنشودة.

كما يشير عدد من المصادر الشفوية ألى ان من بين الأسباب الأخرى التي كانت وراء تلك الانتفاضة :

(1)             الثورة الشعبية والثقافية التي أعلنها القذافي في أبريل 1973م التي أخذت نتائجها المدمرة تلوح في أفق الدولة الليبية ، فضلاً عن رفض القذافي إصدار دستور دائم للبلاد.

(2)             توجّه القذافي نحو تقريب أبناء قبيلته (من أمثال حسن إشكال وخليفة أحنيش ومسعود عبد الحفيظ وسيد قذاف الدم) وتفضيلهم على من سواهم من العسكريين والمدنيين بمن فيهم "أعضاء مجلس قيادة الثورة" و "الضباط الأحرار".

(3)             اندفاع القذافي نحو إبرام صفقات تسليح هائلة دون مبرر ، وتوجهه للتورط في مغامرات سياسية وعسكرية متهورة في الخارج.

(4)             بروز توجه القذافي نحو فرض أفكار الكتاب الأخضر التي أخذ في ترديدها خلال العديد من المناسبات.

(5)             بروز نتائج التخبط في عملية التخطيط المالي والإنمائي بسبب تدخلات القذافي المتواصلة في كل صغيرة وكبيرة من عمل الأجهزة المختصة.

o       أما ردود الفعل الداخلية الأخرى لتوجهات القذافي وممارساته فقد جاءت من القطاع الطلابي ، من طلاب الجامعة والمعاهد والثانويات بمختلف المدن الليبية ، في شكل كتابات معادية للنظام تملأ حيطان الكليات واعتصامات ورفض لبرامج التدريب العسكري العام ومظاهرات احتجاجية صاخبة.  حدث ذلك في عام 1974م وعام 1975م ثم في شهر يناير عام 1976م وحتى أبريل من ذلك العام. ومما زاد في خطورة وأهمية المظاهرات الأخيرة بالذات بالنسبة للقذافي :

(1)             إنها بدت كما لو أنها جاءت تجاوباً مع المحاولة الانقلابية التي جرى الإعلان عن اكتشافها في منتصف أغسطس 1975م.

(2)             تجاوب أعداد كبيرة من الطلبة الليبيين الدارسين بالخارج مع زملائهم في الداخل وقيام هؤلاء الدارسين بالاعتصام بالسفارات الليبية في كل من مصر وبون ولندن وواشنطن.

(3)             تضامن نقابة المحامين الليبية في بنغازي مع الطلاب واحتجاجها على ما تتعرض له حقوقهم من انتهاكات وقد جاء احتجاج النقابة في شكل مذكرة موجهة إلى القذافي([10]). 

(4)             استمرار وتواصل صور الاحتجاج بين الطلاب ، الأمر الذي أشعر القذافي بوجود قيادات ميدانية في أوساط الطلاب تنظم حركتهم وتنسق بينهم الأمر الذي شكل لديه هاجساً خطيراً.

ويمكن القول بأن احتجاجات الطلاب ومطالبهم قد تركزت حول :

(أ)    الاحتجاج على الاعتقالات الواسعة التي شملت المئات من المثقفين والطلاب وأصحاب التوجهات الفكرية والسياسية منذ أبريل عام 1973م في ظل شعارات الثورة الشعبية والثقافية المزعومة ، وما تسرب من أخبار عن تعرض المعتقلين  للتعذيب والقهر النفسي والبدني.

(ب)  الاحتجاج على تدخلات القذافي المستمرة في شؤون الحركة الطلابية وسعيه المتواصل لفرض قيادات موالية له على غرار ما فعل بالحركة العمالية قبل ذلكً.

(ج)   المطالبة باستقلال الحركة الطلابية وإطلاق الحرية العامة والعودة إلى الحياة الدستورية.

لقد رأى القذافي في محاولة أغسطس 1975م الانقلابية وفى الانتفاضات الطلابية المتواصلة منذ عام 1974 وحتى أبريل عام 1976 مصدر خطر داخلي وتهديد جديد له ولسلطته ، ولعله مما زاد من مخاوف القذافي وهواجسه على الصعيد الداخلي في تلك الفترة :

·        المواقف المبدئية الجريئة لمفتي ليبيا السابق الشيخ الطاهر الزاوي. فقد أسهمت آراؤه وفتاويه  في مختلف القضايا ، التي عبر عنها علانية في تحد واضح لسلطة القذافي وأفكاره الخارجة عن الإجماع الإسلامي ، في زيادة حرج القذافي.

·        تقارير ديوان المحاسبة خلال السنوات 73 - 1976م التي عرّت الكثير من تجاوزات حكم القذافي على الصعيدين المالي والتنموي وكشفت عن العديد من مظاهر التخبط والفوضى والفساد المالي والإداري في ظل ذلك الحكم.

·        المواقف المبدئية لعدد من رجالات الإدارة الشاجبة لكثير من أفكار وتدخلات القذافي العبثية في شئون الإدارة وفي تسيير مرافق الدولة وفي اقتراح بعض القوانين والتشريعات،  ومن بين هؤلاء الدكتور إبراهيم الشامخي الذي كان يشغل يومذاك منصب رئيس إدارة الفتوى والتشريع بوزارة العدل.

* * *

لقد كان من الطبيعي جداً ، أن تجلب سياسات القذافي العدوانية النزقة  ومواقفه الرعناء تجاه عدد من الدول العربية والأفريقية في تلك الفترة سلسلة من ردود الفعل الاحتجاجية من قبل تلك الدول إذ رأت فيها – بحق– مساساً بسيادتها وتهديداً لأمنها واستقرارها.

·        فمشروع الوحدة الإندماجية مع تونس (يناير 1974م) إنهار بعد أيام قليلة من إبرام اتفاقيتها بين القذافي والرئيس أبو رقيبة، ولم يقتصر الأمر على ذلك ، فقد أدى هروب الرائد عمر المحيشي (بعد فشل المحاولة الانقلابية التى كان ضالعاً فيها أغسطس 1975م) ورفض تونس تسليمه إلى القذافي أن تتوتر العلاقة بين البلدين مما جعل الحكومة التونسية تقدم في 22/3/1976م على طرد ثلاثة  دبلوماسين  القذافي وغلاق المركز الثقافي الليبي بتونس وإستدعاء سفيرها من طرابلس.

·        أما العلاقات مع مصر فلم يقتصر التردي فيها على انهيار مشروع الوحدة الاندماجية بين البلدين بل تجاوزه إلى حالة من التأزم بعد أن حجب الرئيس الراحل السادات عن القذافي موعد حرب أكتوبر 1973م لعدم ثقته فيه([11]).

كما بلغت هذه العلاقات حد القطيعة في أعقاب وصول الرائد عمر عبد الله المحيشي إلى مصر من تونس ورفض الأولى تسليمه للقذافي ، وهو ما تدل عليه الوقائع التالية ([12]):

ü           قامت مصر في 30/6/1976م بطرد سفير القذافي لديها المدعو ميلود الصديق (كان هذا السفير قد أطلق النار على نحو (40) طالباً ليبياً احتلوا السفارة تضامناً مع أخوانهم الطلبة في ليبيا).

ü           قامت مصر في 29/6/1976م بإلقاء القبض على رئيس مكتب العلاقات الليبي بالوكالة في مصر.

ü           قامت مصر في 18/8/1976م بطرد رئيس المكتب الليبي بالقاهرة وإغلاق القنصلية الليبية بالإسكندرية.

كما يسجل خلال الفترة ذاتها :

·        قيام السودان في 4/7/1976م بإستدعاء سفيرها من طرابلس ثم القيام في 7/7/1976م بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع القذافي وسحب العاملين السودانيين من ليبيا وإلغاء اتفاقية  الشركة الزراعية المشتركة.

·        قامت جمهورية الجابون في 22/5/1974م بتجميد الاتفاقيات الاقتصادية.

·        قامت الجمهورية التشادية في 28/10/1976م بإغلاق حدودها مع ليبيا .

* * *

كانت تلكم مظاهر وأبعاد الأزمة التي كان يعيشها القذافي خلال تلك الفترة التي أعقبت إعلانه لثورته الشعبية المزعومة في منتصف أبريل 1973م. فكيف واجه القذافي تلك الأزمة وما تحمله من تهديدات له ولسلطته سواء على الصعيد الداخلي أو على صعيد علاقته الخارجية؟

 

ذلك ما سأتناوله في الحلقة القادمة بإذن الله …

 

[1] - راجع كتاب "ليبيا من الشرعية الدستورية إلى الشرعية الثورية " – د. محمد يوسف المقريف – القاهرة – دار الإستقلال – مكتبة وهبة – الطبعة الأولى – 2008م.

[2] - راجع كتاب "ليبيا من الشرعية الدستورية إلى الشرعية االثورية " – مرجع سابق ص (278 – 297).

[3] - وردت هذه الفقرة في الخطاب الذي ألقاه القذافي يوم 15/1/1976م – راجع حقوق الإنسان والحريات الأساسية في ديكتاتورية القذافي – بقلم المحامي : محمود نافع – من إصدارات التجمع الوطني الليبي المعارض يوليو 1981 – ص (27).

[4] - "ليبيا من الشرعية الدستورية إلى الشرعية الثورية " – مرجع سابق ص ( 298 – 309).  راجع أيضاً د./ محمد زاهي المغيربي "المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في ليبيا" مجلة عراجين ، القاهرة – العدد الثاني – يونيو 2004م.

[5] - صحيفة "الفاتح" لسان حال الوحدويين الأحرار – العدد الصادر يوم 20/12/1974 وشرعت صحيفة "الفجر الجديد" الرسمية منذ عددها الصادر يوم 17/9/1975م في نشر مقتطفات من الفصل الأول من الكتاب الأخضر قبل صدوره في 3 يناير 1976م.

[6] - السجل القومي ، المجلد الرابع 72-1973 – ص (629 ، 648 ، 650)

[7] - راجع كتاب الصراعات العربية – العربية 1945 – 1981 " تأليف الدكتور / أحمد يوسف أحمد – من منشورات مركز دراسات الوحدة  العربية – بيروت  ، يناير 1988. وتكشف هذه الدراسة الإستطلاعية أن النظام الليبي أحتل في عام 1974 المرتبة الصراعية الأولي بين مجموع الدول العربية.

[8] - ذكر الرائد / عمر المحيشي عضو مجلس قيادة الثورة السابق أن الهدف النهائي من العملية كان هو النزول بتونس والمساومة على وزير النفط السعودي والإيراني مقابل إرجاع الحكومة التونسية للرائد المحيشي الذي كان قد لجأ إلى تونس في منتصف أغسطس 1975م. بعد إكتشاف المحاولة الإنقلابية التي كان متورطاً فيها – راجع أيضاً مقال محمد ابراهيم سالم بعنوان "نظام الخدمات الأمنية القذرة" المنشور بعدد من المواقع الإلكترونية الليبية. 

[9] - جرى أعدام ستة من هؤلاء الضباط هم : النقباء / عبد المجيد المنقوش ومصطفي المنقوش وعلى قشوط وعلى بن سعود ومحمد الصادق سالم وخليفة حسين الفقي ، كما قتل ثلاثة منهم النقيب أحمد عبد الله أبو ليفة أثناء مطاردة مسلحة (على الحدود الليبية التونسية) والنقيب الصادق بركة تحت التعذيب والملازم أول أحمد فرج البرغثي تحت التعذيب ، كما جرى تسريح عدد آخر منهم من الجيش من بينهم النقيب سليمان محمد شعيب والنقيب عبد القادر المطردي.

[10] - كان القذافي يترأس إجتماعات ما يسمى بمؤتمر الشعب العام في طرابلس (من 5 – 18 يناير 1976م) عندما وقعت المظاهرات الأخيرة في بنغازي.

[11] - سبب هذا الأمر إحراجاً كبيراً للقذافي وهو ما جعله يقف موقفاً مثبطاً وإنهزامياً منذ اللحظات الأولى التي اندلعت فيها تلك الحرب.

[12] - كانت السلطات المصرية قد قامت في 24/6/1975م بطرد المدعو الهادي فضل الذي كان يعمل ملحقاً ثقافياً بسفارة القذافي بمصر.


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home