Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ali al-Fazzani
الكاتب الليبي علي الفزاني

الإثنين 8 فبراير 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

القذافي ... والخيار الشمشوني ! (1)

علي الفزاني


تتلخص قصة " شمشون " في أنه شخصية يهودية وكان صاحب قدرات جسدية خارقة مكنته من الانتصار في كل موقعه على أعدائه، وقد تركزّ سرّ قوته في شعر رأسه الذي لم تمسه موس الحلاقة منذ ولادته. غير أن أعداءه تمكنوا من اسره ، بعد أن عرفوا  سرّ قوته ، وحلقوا شعر رأسه، وقاموا أيضاً بقلع عينيه. لم يجد شمشون من طريقة للإنتقام بها من أعدائه الذين كانوا قد تجمعوا حوله في بيت عظيم، إلا أن يستخدم ما بقى لديه من قوة جسدية في هدم ذلك البيت بالاتكاء على الاعمدة التى كان البيت قائما عليها مردداً " على وعلى أعدائي يارب " فكان ان مات شمشون ومات معه عدد هائل من أعدائه . منذ ذلك التاريخ السحيق أصبحت هذه العبارة مثلاً يضرب لمن يلجئه اليأس في الانتصار على اعدائه ان يختار هذا الاختيار الذي يكون هو أول ضحاياه.

 

          في ذكرى المولد النبوي الشريف الموافق للخامس عشر من أبريل 1973 ، وبينما كان أعضاء "مجلس قيادة الثورة " يتوقعون من القذافي - وفقاً لإتفاقه معهم – أن يعلن في الخطاب الذي سيلقيه في مدينة "زوارة" استقالته واستقالة " مجلس قيادة الثورة " وعودتهم إلى ثكناتهم العسكرية ، إذ به يفاجئ الجميع ويعلن بدلاً من ذلك قيام ما أطلق عليه " الثورة الشعبية " .. وكان من بين ما جاء  في ذلك الخطاب:

 

"... على أي حال نحن بإسم الحرية وبإسم الديمقراطية وبإسم الثورة ترددنا حتى في الدفع الثوري... المخابرات العامة هذه كل دولة في العالم عملتها ، حتى سيدنا محمد كان عاملها ... هل نسمح بالحرية بهذا الشكل على حساب الشعب ؟ ... أنا أرى أن هناك من يريد ترك الحبل على الغارب بإسم الحرية والديمقراطية ، وأنا لم أفهم الحرية والديمقراطية التى يتكلم عليها الناس المرضى، وأنا غير قادر على قيادة البلد في طريق حرية غامضة لا أعرفها.. معنى هذا أن الثورة  مهددة ، ولا استطيع أن أتحمل مسؤولية ثورة مهددة من أشياء خارجة عن ارادتي .. إن الثورة التى أمضيت عشر سنوات وأنا أعيش على كف عفريت من أجلها ، أراها مهددة بطريقة لا أسمح بها أبداُ وأنا موجود .."[1]

 

          وبعد أن يتظاهر القذافي في الخطاب ذاته بأنه يخيّر الليبيين متسائلا:

 

" إذا كنتم تريدون الاستممرار في الثورة ... إذا كنتم نريد أن نستمر ؟! "

 

          لا يترك له – ولو شكليا – فرصةالاجابة على تساؤله المفتعل فيسارع الى تقديم إجابته على التساؤل متمثلة في وصفة  الثورة الشعبية بنقاطها الخمس ، ومعها تهديدُ واضح تمثل في العبارات التالية :

 

" وعليه سنبدأ ثورة ... والذي يريد أن يمضى معنا يمضى ، والذي ليس معنا يبقى تحت الاقدام ... والذي يتخلف ندوسه بالاقدام .. ومن يريد ان يقف أمام الثورة فعليه أن يعرف أن الثورة  ستقود مثل ليلة الفاتح من سبتمبر 1969 تماماً هذا اللقاء [ في ازوارة ] ليس كبقية اللقاءات التى التقينا فيها ، ولكنه لقاء من نوع جديد وفريد ، لقاء يشبه لقاء الضباط الوحدويين الأحرار عندما التقوا على تفجير الثورة .."

 

         وصفة " الثورة الشعبية " المزعومة التى أعلنها القذافي في ذلك الخطاب اشتملت على ما عُرف بالنقاط الخمس التى تممثلت في :

 

·  تعطيل كافة القوانين التى كان معمولاُ بها .

·  تطهير البلاد من جميع الحزبيين ( الذين وُصفوا في الخطاب بالمرضى).

·  الحرية كل الحرية للشعب ولا حرية لإعداء الشعب (والتى تمثلت في زج النخبة في السجون والمعتقلات)

·  إعلان الثورة الإدارية .

·  إعلان الثورة الثقافية .

 

وبصرف النظر عن العبارات التى اختارها القذافي للتعبير عن ثورته الشعبية المزعومة، فإن الوقائع والشواهد تثبت أن القذافي استهدف من وراء إعلانها توجيه " ضربة إستباقية " إلى كافة خصومه من داخل " مجلس قيادة الثورة " ومن خارجه على امتداد الشارع الليبي، وفي مقدمتهم نُخبه السياسية والمثقفة وأصحاب التوجهات الفكرية والحزبية وقد اخذت تلك الضربة شكلين ، تمثل أولهما في الهجمة القمعية الشرسة التى طالت الاف المواطنين من طلاب وكتاب وشعراء واساتذة جامعات ومحامين واطباء ومهنيين ، حيث شرعت أجهزة النظام الامنية في تنفيذ أول حملة لها من نوعها وقامت ، فور انتهاء القذافي من خطابه، بالزج بهؤلاء  في المعتقلات والسجون بمختلف المدن الليبية ( لم يغادر بعضهم المعتقل ابداً ) أما الشكل الثاني لتلك الضربة فقد تمثل في إغراق البلاد وجميع مؤسسات الدولة ومرافقها ( التى كانت قائمة يومذاك ) في دوامة "فوضى دائمة وعارمة " ظل الجميع اسرى لها حتى يومنا هذا.

 

          ماهي مصادر " التهديد " الذي تحدث عنه القذافي والذي دفعه الى القيام بتوجيه ضربته الاستباقية أو ثورته الشعبية كما يحلو له أن يسميها والتي وصفها في خطابه الذي القاء بطرابلس يوم 10 أبريل 1976 بأنها " مثل فتح مكة تماماً "؟!

 

          يمكن للمتابع لإحوال النظام الانقلابي في تلك السنوات الأولى من عمره المشؤوم على ليبيـا أن يضع يده على الوقائع التالية وأن يدرجها كمصادر للتهديد الذي تحدث عنه القذافي في خاطابه يوم 15 أبريل 1973 :

 

أولا  :    ظهور الخلافات والصراعات الحادة بين القذافي وبين معظم أعضاء " مجلس قيادة الثورة[2] "،  ومقتل أحد أعضائه ( النقيب أمحمد أبوبكر المقريف ) يوم 21/08/1972 في حادث سيارة مدبر من قبل القذافي [ فضلاً عن مقتل عدد من ضباط التنظيم خلال عام 1970 في ظروف مشبوهة من بينهم النقيب عطية موسى الكاسح والنقيب أمحمد أحمد الحاراتي ]. فضلاً عن تعاظم إصرار الاعضاء على القذافي بضرورة العودة بالبلاد إلى أوضاعها الطبيعية وإعلان دستوردائم للبلاد وتقديم استقالاتهم وتخلّيهم جميعاُ (بمن فيهم القذافي) عن السلطة[3] وقد أدى استفحال الخلاف بين القذافي وبين عدد كبير منهم إلى تقديم أثنين منهم (الرائد محمد نجم والرائد مختار القروي) استقالتيهما من عضوية  المجلس، كما أدى من جهة أخرى إلى اضطرار القذافي للإختفاء من المسرح السياسي ، والتظاهر بتقديم استقالته اكثر من مرة [4] . وقد ترتب على ذلك كله أن توقف " مجلس قيادة الثورة " عن الاجتماع وعن ممارسته لإختصاصاته بشكل جماعي لمدة طويلة .[5]

 

ثانيا  : وقوع عدة محاولات انقلاب عسكرية وعدد من المحاولات على حياة القذافي خلال فترة قصيرة من عمر الانقلاب ( محاولة وزيري الدفاع والداخلية المقدمين آدم الحواز وموسى أحمد في مطلع ديسمبر 1969 ومحاولة ضابط الصف التومي بالرأس على سبتمبر 1969 ومحاولة ضباط الصف 1969 ومحاولتى سبها والابيار في صيف عام 1970 ).

 

ثالثا  :  تصدى الطلاب وأساتذة الجامعة الليبية في طرابلس و بنغازي للتوجهات الاستبدادية التى أخذت تظهر على القذافي ورجال انقلابه . من ذلك ما حدث :

 

·  خلال اجتماع القذافي بطلبة كلية الحقوق في بنغازي (1971).

 

·  مقاطة الطلاب للإجتماع الذي كان القذافي ينوي  حضوره في مدينة بنغازي  للمشاركة في الاحتفال بذكرى شهداء الحركة الطلابية ( يناير 1971 ).

 

·  خلال اجتماع القذافي بأعضاء هيئة التدريس بالجامعة الليبية في مدينة طرابلس يوم 26/02/1972.

 

·  خلال اجتماع القذافي بطلبة وطالبات الجامعة يوم 5 مارس 1973 بالمدينة الرياضية في بنغازي بحضور عدد من الكتاب والصحفيين العرب .

 

رابعاً  : الاحتجاج الصاخب الذي عبّرت عنه جماهير مدينة بنغازي إزاء عجز النظام الانقلابي عن الانتقام لحادث طائرة الركاب الليبية التى اسقطتها المقاتلات الاسرائيلية فوق سماء سيناء يوم 21 فبراير 1973 وذهب ضحيتها أكثر من مائة شهيد.

 

خامسا : ظهور العزوف الشعبي عن المشاركة في تجربة الاتحاد الاشتراكي التى كان القذافي قد طرحها منذ 11 يونيو 1971 كتنظيم سياسي وحيد في البلاد، وظهور مؤشرات وبوادر فشل تلك التجربة والتى كان من ابرزها قرار القذافي بتأجيل انعقاد المؤتمر العام الثاني للإتحاد الاشتراكي عن موعده الذي كان مقرراُ في 28 مارس 1973 إلى نوفمبر 1974.

 

سادسا : ظهور الرفض والتذمر وتناميه في أوساط المثقفين وأصحاب التوجهات الفكرية والحزبية وبخاصة منذ إصدار النظام الانقلابي لقرار حماية الثورة ( في 11/12/1969 ) وقانون تجريم الحزبية ( في 30/05/1972 ) وقانون منع الاضرابات والاعتصامات وكافة وسائل الاحتجاج المدنية ( في 10/04/1972)  والتضييق على الصحافة وظهور توجهات نحو تأميمها [ ويعتبر قيام النظام بإغتيال الشهيد على عبدالله وريث رئيس تحرير جريدة البلاغ عن طريق حادث سيارة مدبر في أغسطس 1970 مؤشراً ذا دلالة في هذا الصدد ].

 

سابعا : الاستقالة الاحتجاجية للإستاذ مصطفى بن عامر ( أحد كبار زعماء الحركة الوطنية في البلاد ) من منصبه كوزير للتعليم والارشاد القومي في مطلع شهر ديسمبر 1969 وهو المنصب الذي لم يبق فيه سوى أقل من ثلاثة أشهر ( منذ 23/09/1969). وإستقالة الاستاذ منصور رشيد الكيخيا الاحتجاجية من منصبه كوزير للخارجية قبل ايام قليلة من إلقاء القذافي لخطابه بمدينة زوارة يوم 15/04/1973[6] .

 

ثامنا : صور ظهور الاستياء والتذمر الشعبي من ممارسات وسياسات النظام الانقلابي بصفة عامة وعلى وجه الخصوص في أعقاب مشاهد " محكمة الشعب " التى جرى عرضها على التليفزيون الليبي وتركت أثراً سلبياً في نفوس المواطنين بسبب ما تعرض له المتهمون من رجالات العهد الملكي من إهانات غير مبررة وما صدر بحقهم من أحكام جائرة ، وتنامي هذا الاستياء والتذمر  في ضوء تسرّب الأخبار حول قيام سلطات النظام بممارسة التعذيب ( لأول مرة في ليبيـا) بحق المعتقلين السياسيين في سجون النظام من رجال العهد الملكي ومن المتهمين بالمشاركة في المحاولات الانقلابية التى وقعت منذ سبتمبر 1969 [ فقد عدد من المعتقلي حياته تحت التعذيب ومن هؤلاء رئيس وزراء ليبيـا الاسبق محمود المنتصر (سبتمبر 1970) وملازم شرطة محمد الطاهر القطروني ، والملازم بالجيش الليبي بوحليقة دخيل الشريدي والمقدم بالجيش الليبي عبدالحميد المبروك الماجري].

 

كانت تلكم أهم مصادر التهديد لسلطة القذافي ولنظامه كما كان يحس بها ويراها عندما وقف ليلقي خطابه بمدينة زوارة ويعلن ما أسماه " ثورته الشعبية " والتى لم تكن في الواقع إلا " ضربة استباقية " وجهها إلى كل من كان يرى فيه خصماً أو عدواً محتملا له ولسلطته بمن فيهم عدد من أعضاء مجلس الانقلاب.

 

         غير أن من يستحضر وقائع تلك الحقبة لا يستطيع أن يسقط أو أن يتناسى وجود عوامل أخرى خارجية كانت تشكل يومذاك مصدراً اضافيا يهدد سلطة القذافي وحكمه نذكر منها :

 

(1)  وقوع مصادمات شخصية بين القذافي وبين عدد من القادة والزعماء العرب أدت إلى توتر علاقاته بهم [ مع الرئيس الجزائري هواري بومدين ( خلال مؤتمر القمة الاسلامية بالمغرب في ديسمبر 1969) ومع الرئيس المصري عبد الناصر ( في طرابلس يونيو 1970 وفي القاهرة – أغسطس 1970) ومع الملك الاردني حسين ( في طرابلس –يونيو 1970 ، وفي القاهرة أغسطس 1970) ومع عدد من قادة الفصائل الفلسطينية (1970)].

 

(2)  تطاول القذافي على اختيارات معظم الدول العربية ونظمها ونعتها بأوصاف الرجعية والتبعية للإستعمار ، وشروعه فعلاً في التدخل في القضايا والشؤون الداخلية لعدد من الدول العربية والاسلامية والافريقية [ المغرب ، الاردن ، السودان ، تشاد، أوغندا، غينيا بيساو، ايران، مصر ] الأمر الذي خلق ردود فعل سلبية لهذا التدخل عربياً وأفريقياً ودولياُ.

 

(3)  مجئ الرئيس أنور السادات الى الحكم في مصر خلفاً لعبد الناصر، وبدء ظهور الحساسيات والاضطرابات في العلاقة بينه وبين القذافي[7]، وفشل القذافي في تولى منصب رئيس اتحاد دولة اتحاد الجمهوريات العربية ( سوريا ومصر وليبيـا) في 6 أكتوبر 1971[8]، وفشله في تنصيب نفسه وريثاً للناصرية وفي توحيد " القوى الناصرية " تحت مظلته من خلال المؤتمر الذي دعى هذه القوى اليه في طرابلس يوم 15/03/1973، وفشل مشروع " الوحدة الاندماجية " مع مصر الذي كان القذافي يعول عليه كثيراً لتحقيق أحلامه في زعامة الأمة العربية .

 

(4)  ظهور بوادر توتر في علاقات القذافي مع بريطانيا ( بسبب شروعه في دعم الجيش الجمهوري الايرلندي ) ومع فرنسا ( بسبب تدخلاته المبكرة في تشاد) ومع الولايات المتحدة الأمريكية (بسبب تعرّض الطائرات المقاتلة الليبية لطائرة نقل امريكية في 21/03/1973 ، والاعتداء على مبنى السفارةالأمريكية في طرابلس) وكان من مظاهر هذا التوتر قيام السفيرين الامريكي والبريطاني في ليبيـا بالانسحاب من منصة الاحتفالات في طرابلس يوم 11/06/1972 بسبب " تهجم " القذافي على دولتيهما خلال الخطاب الذي ألقاه في ذلك اليوم.

 

(5)  إتهام النظام الانقلابي من قبل الولايات المتحدة الامريكية بالتورط في العملية الارهابية بالعاصمة السودانية الخرطوم التى تمثلت في قيام عدد من الفدائيين الفلسطينين بإعدام ثلاثة دبلوماسيين غربيين ( أمريكيين وبلجيكي واحد ) يوم 06/03/1973 داخل السفارة السعودية بالسودان.

 

(6)  قيام الصحافة اليسارية في لبنان وفي عدد من الدول العربية بشنّ حملة على النظام الانقلابي متهمة إياه بالعمالة للغرب بسبب قيامه يوم 22/07/1971 بإجبار الطائرة البريطانية التى كانت متوجهة إلى الخرطوم [ مقلّة على متنها إثنين من زعماء التمرد الشيوعي الذي كان يقوده الرائد هاشم العطا ضد نظام الرئيس جعفر نميري ] على الهبوط في ليبيـا وقيامه بعد ذلك بتسليم الزعيمين السودانيين إلى الخرطوم حيث جرى اعدامهما.

 

(7)  قيام الصحافة الناصرية والقومية في لبنان ( خلال عام 1972 ومطلع 1973 ) بإتهام القذافي بتغليب للطرح الديني على الطرح القومي والناصري وكذلك أن الاخوان المسلمين يقيمون الدعوة الدينية في ليبيـا[9].

 

(8)  رفض كثير من المفكرين والدعاة الاسلاميين لإطروحات القذافي وأفكاره وتصديهم علانية[10] لها على النحو الذي ظهر خلال مؤتمر الدعوة الاسلامية الذي انعقد بطربلس ( 1970) وخلال مؤتمر المفكرين العرب الذي انعقد ببنغازي في 6 مارس 1973.

 

          لا شك في أن هذه العوامل الخارجية هي الأخرى لعبت دوراً في جعل القذافي يحس بالخطر وبالتهديد لسلطته ولثورته ويقدم على توجيه ضربته الاستباقية لمن رأي فيهم أعداء له في الداخل أو الخارج.

 

          ولعل المقتطفات التالية من خطاب القذافي في مدينة ازوارة يوم 15 ابريل 1973 ذات دلالة في هذا الشأن:

 

" في القضية القومية .. الجمهورية العربية الليبية [ كما كانت تعرف يومذاك] لا تلام .. الواقع العربي يبدو وليس فيه حركة مثلما في الجمهورية العربية الليبية ، أما بقية البحر العربي فهو ليس ببحر متلاطم ولكنه بركة راكدة لم تتحرك الجماهير فيها بعد .. ولهذا فإن شعب الجمهورية العربية الليبية قد يعيد النظر في مواقفة القومية ... إن هذا الفشل [ في المواقف العربية] خارج عن ارادتنا .. ولا بد أن نعترف بأن هذا فشل في المجال القومي أسبابه الانظمة العربية[11] .."

 

         الحاصل ، ذلك هو ما فعله القذافي قبل سبعة وثلاثين عاماً تقريباً ( أي في أبريل 1973) عندما أحس بأن انقلابه وسلطته باتت تواجه جملة من التهديدات الداخلية والخارجية وعدداُ من الاعداء من داخل الحدود ومن خارجها … لقد قام بتوجيه ضربته الاستباقية إلى الداخل مرتكزا على محورين ، الأول : الحملة القمعية التى استهدفت كافة القوى والعناصر الوطنية التى يمكنها أن تنظّم أو أن تقود أي تحرك شعبي وجماهيري ضد نظامه وسلطته والثاني : إلهاء وإشغال بقية شرائح المجتمع الليبي في صراع غبي ومجنون فيما بينها حرضً القذافي عليه بالعبارات الواضحة التالية :

 

".. المطلوب بإختصار هو أنه في كل قرية ومدينة وواحة ومؤسسة جماهيرية وكلية ومعهد ومدرسة تسيطر فيها الجماهير على السلطة وتقوم بتقويض ما تراه غير صحيح ولا تريده الجماهير ، وتخلق وضعاً جديداً ، وهذا الوضع عندما يستقر فإن مجلس قيادة الثورة  هو الذي يقرًه ويثبته ويقننه ويعطيه الصفة الشرعية .. وعندما يحصل ذلك في كل هذه الاماكن في طول البلاد وعرضها ، يكون قد تم ايجاد وضع جديد يختلف عن الوضع السائد الان … وبالتالي نتمكن من إعادة الامور الى وضعها الطبيعي ، وتعود البلاد إلى مسيرتها بعد أن تكون الامور قد تبدلت… ولكن هذا لا يمكن أن يحصل – أعنى العودة الى الوضع الطبيعي – إلا بعد أن تتأكد الجماهير أنها قد قوضًت كل ما ينبغي تقويضه[12] .."

 

وبالفعل فقد تم منذ يومذاك تقويض كل شئ في البلاد .. ولكن دون أن تعود الأمور الى وضعها الطبيعي ودون أن تعود البلاد إلى سيرتها .. وبالطبع فلم يكن ذلك الخيار الذي اختاره القذافي خياراُ شمشونياً.

 

وإلى لقاء في حلقة قادمة بإذن الله.

 

على الفزاني

A.Fazzani57@gmail.com

[1]   السجل القومي ، المجلد الرابع 72/1973 الصفحات 631، 635، 640-642

[2]   كتاب " عبدالناصر وثورة ليبيـا" تأليف فتحي الديب . دار المستقبل العربي ، القاهرة 1986.

[3]   شهادة الرائد عبدالمنعم الطاهر الهوني . مجلة " الوسط " اللندنية ، سبتمبر 1995.

[4]   كتاب " القذافي رسول الصحراء " تأليف ميريلا بيانكو ص 265-271 دار الشورى ، بيروت 1974

[5]   مذكرات الرائد عمر عبدالله المحيشي ( مخطوطة).

[6]   أشار القذافي إلى هذه الاستقالة في المقالة التى نشرها في جريدة " الجهاد " الحكومية يوم 15/04/1973. بإسم (أبو محمد) وحملت عنوان

       "بين الامل والأمن " تحدث فيها عن الهواجس والمخاوف التى كان يعيش فيها ورأى انها تشكل تهديداً للثورة .

[7]   راجع رسالتا الرئيس السادات إلى أعضاء " مجلس قيادة الثورة " الليبي الاولى بتاريخ 07/05/1974 والثانية بتاريخ 31/07/1974.

[8]   مذكرات صلاح السعدني ، الحلقة العاشرة ، صحيفة " الرأي العام " الكويتية العدد رقم ( 11070 ) بتاريخ 12 اكتوبر 1997.

[9]  مقالات أمين الاعور في صحيفة الانوار اللبنانية ( يونيو 1973) ومقابلة ملحم كرم رئيس تحرير صحيفة البيرق اللبنانية مع القذافي بتاريخ

      09/02/1973.

[10]  مقدمات في البعث الحضاري للدكتور سيد دسوقي حسن. دار القلم، الكويت ، 1987م.

[11]   السجل القومي ، المجلد الرابع 1972 و 1973 الصفحات 614، 617، 618، 621، 622

[12]   السجل القوي ، المجلد الرابع 72 / 1973 ص ( 663).


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home