Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

السبت 31 يناير 2009

في وداع أبي تمام ( تيسير بن موسى )

د. أحمد ابراهيم الفقيه

كنت منساقا وراء غفلتي ، ساهيا عن تصاريف القدر، عندما تصورت انني سالقاه دائما هناك ، بابتسامته العريضة ، المحبة ، وسمته الانيق ، وروحه المجبولة على الرحمة والعطف الانساني ، وثقافته العميقة الخالية من الكبر والاستعراض ، وحس الدعابة الذي يتخلل حديثه ويلون كلماته، والعمق الحضري المدني الذي يشع من شخصيته، لاجد عنده اخبار الاصدقاء المشتركين الذين كان يتواصل معهم في غيابي ، وتحليله لاوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية واحداث ثقافية حدثت في بلادنا ولم اكن طرفا فيها او شاهدا من شهودها ، فقد كنت اغيب اشهرا عن البلاد ، ثم اعود لاجد صديقي تيسير بن موسى في انتظاري ، لكي نستعيد جلسات انتظمت منذ ان اشتغلنا خلال النصف الاول من عقد السبعينيات في الاسبوع الثقافي ، وظلت هذه الجلسات تعقد ، بعد انفراط عقد الاسبوع الثقافي ، كلما توفر النصاب من قدماء العاملين في هذه الصحيفة امثال الاديب خيري الاسود والاديب فوزي جلال والمرحوم تيسير بن موسى وكاتب هذه السطور ، ولم يكن الامر يحتاج الا ان افتح صفحات الشبكة العنكبوتية على احد المواقع الليبية من المكان الذي اوصلتني له رحلاتي وهو مامنهاتن بنيويورك ، واقرا خبر وفاته ، لاعرف انني سوف لن القاه في هذه الدار، ولن اسمع صوته وانا فتح الهاتف اخبره بحضورى واتفق معه على اللقاء متشوقا ان اسمع منه ما يذخره لي من اخبار وتحليلات ، فقد ضرب القضاء ضربته ، وجاء هادم اللذات ومفرقات الجماعات يصنع هذه اللحظة الفاجعة في حياة اسرة واصدقاء هذا الانسان الجميل والكاتب المجتهد العميق .

ينتمي تيسير بن موسى الى عائلة عريقة عراقة العلم والثقافة والوطنية، هي عائلة بن موسى في طرابلس ، وكان والده رجلا متعلما له صلة بالثقافة والادب، منخرطا في اطر الدولة العثمانية في اواخر عهده بولاية طرابلس ، وعندما اخفقت المحاولا في ردع الغزو الايطالي عام 1911 واعترفت تركيا بهزيمتها في ليبيا عام1912 هاجر والده ضمن المهاجرين العاملين بالادارة العثمانية الى اسطنبول ومنها الى الشام حيث استقر في دمشق يقطن مثله مثل بقية الليبيين وعائلاتهم في حي المغاربة وهناك ولد تيسير بن موسى في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي وذهب الى مدارس الشام ، ليواصل التحصيل في مختلف المستويات الدراسية ، حتى كلل اجتهاده بالحصول على الاجازة الجامعية ، وبعد سنوات قليلة من تخرجه وانخراطه في وظيفية حكومية هناك ، قرر ان يكون ضمن قافلة من المهاجرين الليبيين العائدين الى بلدانهم في منتصف ستينيات القرن الماضي ، فقد وجد انه اكمل تعليمه كما استكمل ركنا ثانيا من حياته هو انشاء الاسرة ، وصار بامكانه ان ينتقل من بلده الثاني الذي استضاف الجيل الاول من اسرته ، الى بلده الاول الذي زالت عنه الظروف التاريخية التي اودت بابيه الي المنافي ، والتحق فور وصوله الى ارض الوطن بالعمل محررا في قسم الاخبار بالاذاعة الليبية ، وبقي في هذا القسم زميلا للاساتذه يوسف الشريف وحسني صالح والصديق شلاك وعدد من الادباء وخبراء الاعلام ، فاكتسب خبرة في التعامل مع الخبر ، والتحليل السياسي وكتابة التعليقات على الحداث ، ولان الاسبوع الثقافي كانت في حاجة عند انشائها الى رجل صاحب اختصاص في المجال السياسي الاخباري ، فقد جاء الاستاذ تيسير الى الصحيفة ليملأ هذا الفراغ ، ويتراس القسم الخاص بالاخبار والشئون السياسية ، ويعتصر فيه ما لديه من خبرة وكفاءة ، ليكون هذا الجزء السياسي جزءا من الخدمة المتميزة لهذه الصحيفة ، واسهاما في قصة النجاح التي حققتها ، متواريا خلف الانظار ، غير مهتم ولا معتمد على ما يناله من اطراء ، بل كثيرا ما ينسى نفسه وينسى حقه وسط العمل ، فقد مضى لعدد من السنوات يكتب باب رجل في الاخبار ، دون ان يظهر عليه اسمه ، وهو الباب الذي صنع له شعبية كبيرة بين قراء الصحيفة ، وكان مع عمله في قسم الاخبار والشئون السياسة يكتب مقالات ثقافية واستطلاعات صحفية ويكتب فوق هذا وذاك مادة فكرية وتاريخية يذخرها للكتب التي اصدرها مثل كتابه عن الحروب الصليبية , وكتابه عن المجتمع الليبي ، في العهد العثماني ، وكتابه عن الحركات الجهادية الليبية في المهجر ، وغيرها من كتب كسبتها المكتبة الليبي تنبيء بعمق الحفريات التي قام بها في التاريخ الليبي ، والجهد والمثابرة والدأب وروح العلم التي يتحلى بها الراحل الكبير ، وما تجلى في هذه الكتب من حب وولاء لهذا الجزء من الوطن العربي ، ليبيا .

انتقل من الاسبوع الثقافي بعد ان تم تحويلها الى الاسبوع السياسي، الى اتحاد الكتاب ، حيث استعان به الكاتب الكبير الاستاذ خليفة التليسي الذي تولى امانة الاتحاد بعد تاسيسه ، في العمل على استكمال البناء الفني والاداري للاتحاد فانتقل اليه مديرا متفرغا للشئون الفنية والادارية ، يقضي جل وقته في الاتحاد ، عاكفا على تحرير وثائقه واستكمال لوائحه التنظيمية ، وكانت فترة وجوده رفيقا وزميلا للاستاذ التليسي فترة عزيزة على قلبه يذكرها دائما بمحبة لتلك الفترة وباعزاز واكبار لصديقه الاستاذ التليسي ، الذي عرف قدره ، وحفزه على انجاز الكتب التي كانت ترقد مشاريع في ادراج مكتبه ، واعتقد ان اغلب هذه الكتب كان ناشرها الاستاذ التليسي من خلال الدار التي يشرف عليها وهي الدار العربية للكتاب .

لقد انطلق تيسير بن موسى في تكوينه الفكري من قاعدة حضارية استمد منها قيمه ومثله كما استمد منها الغذاء لعقله وروحه والزاد المعنوي الذي اعانه على انجاز مسيرة مكللة بالعلم والنجاح ، هي بلاد الشام ، وبيئتها العلمية الحضارية التي تربى ونشأ بها ، فمنحته عمقا وجدية وقدرة على الجلد والمثابرة في مجال التحصيل العلمي، وقد تداخلت مع هذه البيئة الشامية ، بيئة اخرى استمد منها قيم الولاء للجذور ، واستنشق من خلال اهلها عبير الوطن وعبق تراثه وتاريخه ، هي بيئة الحي الشعبي المغربي الذي يقطنه المواطنون الليبيون في دمشق ، وكان عمداء هذا الحي هم زعماء الجهاد امثال الزعيم بشير السعدواي والسيد احمد فؤاد شنيب وغيرهما كثر ، وكان طبعا يعزز لديه قيم الولاء والانتماء ، اسرة مجاهدة هي اسرة بن موسى ووالده الكاتب الاديب واخوة اكبر منه شرب منهم مبكرا الوعي بالثقافة الوطنية والحس القومي ، خاصة وهو يعيش في بلد عربي ، كان دائما الحاضن والراعي لافكار العروبة والقومية ، حيث لا فرق بين عربي قادم من شرق الوطن واخر قادم من غربه ، والدليل على ذلك ان مهاجرين ليبيين شاءت لهم ظروفهم البقاء ، فبقوا في العاصمة القديمة للامويين مكرمين معززين ووصلوا في الحكومة السورية الى اعلى المناصب .

وعاد عودة نهائية الى وطنه ليضيف الى رحلة المهجر ، رحلة العمل والخبرة والتجربة والتحصيل والمعارف التي استقاها بعد اكتمال الوعي وتشربها من قيم الحياة في وطنه وتراثه وعمق تواصله الحضاري وما ترشح به الارض من نثار الحضارات ، بعد ان عاش تجربة الوطن والاندماج مع قضاياه والالتصاق باهله والمعايشة لهمومه ومشاكله ككاتب وصحفي واعلامي ، فتجمعت له من هذه التوليفة ، ما جعله رجلا نادرا في اخلاقه وسلوكه ، متعففا الى حد الزهد والتقشف ، متواضعا الى حد ان يجامل طفلا صغيرا ويعامله باعتباره ندا له في الفكر والوعي ، بعيدا عن الصغائر، طاهر اللسان فلا تراه ينطق بعبارة واحدة مجافية للذوق ، لا ترى على لسانه سيرة الاخيرين ولا ذكرهم بسوء ، حتى لو نال منهم عنتا ، يبعد بنفسه عن الصغائر ، ومواقع المصانعة والمذلة ، لا يعرف اغتنام الفرص واهتبالها ، ومحاولة الدخول في سباق الفئران من اجل مكسب مادي ، ظل ، كما يقول عن نفسه يتلمس طريقه بجوار الحائط ، لكي لا يدوس لاحد على طرف ، ولا احد يدوس له علي طرف ، ينشد الامان والسلام ويبعد عن المشاكل والمشاحنات حتى لو ترك في سبيل ذلك حقوقه ، لا ينشد غير كفاف يومه وكفاف صغاره من الطعام ، شاكرا حامدا نعمة ربه على الستر ، عرفته منذ ان عرفته يسكن شقة صغيرة بمنطقة زاوية الدهماني على مدى عمر هذه الصداقة التي تزيد عن خمسة وثلاثين عاما ، لم يقم بتغييرها الى آخر يوم في حياته ، وبذلك فقد كسب الرهان ، لانه لم يبع دار البقاء بدار الفناء، ولم يمنح ضميره اجازة في سبيل نفع او كسب مادي ، مدركا منذ البداية ان الكفن لا جيوب له فذهب لملاقاة ربه خفيفا نظيفا بلا اثام ثقيلة او ذنوب يصنعها الطمع والهلع .

اتلقى الخبر الفاجع وانا احضر فعالية ثقافية في هذه المدينة الصاخبة العامرة بالاضواء وناطحات السحاب ، فانتحي جانبا قصيا اجلس فيه بمفردي ، اتامل شريط الذكريات مع الراحل الذي لن اراه بعد اليوم في هذه الدنيا واطوي احزان القلب على صورة الوجه الدائم الابتسام لهذا الصديق الاثير الى نفسي الذي كان اشبه بواحة الظل والماء في هجير الحياة ، واكتب هذه الكلمات العاجزة القاصر في الوفاء بحقه ، والناقصة في تعبيرها عن حرقة فراقه ، محاولا ان التقط لنفسي بعض العبرة والحكمة من هذا الصديق الزاهد ، الهازيء بمتاع الدنيا وملاهيها ، المترفع عن سقط متاعها ، غير باخل بجهده وذوب روحه ورحيق عقله يمنحه بسخاء وكرم لاهله ويسفحه على مذبح الوطن فكرا وجتهادا وعلما احتوته عشرات الاف المقالات التي نشرتها الصحف وبثها الاثير واسهمت في انارة العقول اثناء حياته وضمته متون الكتب التي ستبقى باذن الله زادا لاجيال جديدة تاتي بعد رحيله.

رحم الله صديقنا الراحل ابا تمام، وعوضنا وعوض اسرته وعوض الوطن فيه خيرا ، واجزل له الاجر والثواب بقدر ما اعطى لوطنه وامته ، وانا لله وانا اليه راجعون .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home