Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الخميس 30 سبتمبر 2010

مقعد بين المتفرجين

د. أحمد ابراهيم الفقيه
 

لم يكن اسم البيكولو تياثرو اي المسرح الصغير في ميلانو  معبرا تماما عن حقيقة  هذه المؤسسة التي تسمى بهذا الاسم فهو ليس صغيرا وهو ليس مسرحا واحدا وانما ثلاثة مسارح احداها واسمه الاستوديو حقا مسرح صغير مخصص للعروض التجريبية ، شاهدنا فيه عرضا لمدة اربعين دقيقة للمخرج المصري احمد العطار،  بعنوان اهمية ان اكون عربيا ، ولكن المسرحين الاخرين مسرحان كبيران احداهما باسم رائد مسرحي ايطالي اسمه جراسي والثاني باسم مؤلف موسيقي اسمه سيتلر ، وفي مسرح جراسي جلست في الصفوف الاولى من القاعة لمشاهدة مسرحية من مسرحياتي عنوانها الغزالات كان سيجري تقديمها تلك الليلة باللغة الايطالية ،  وقبل العرض سمعت السيدة  الكاتبة والمخرجة انجيلا  لوكريزيو كاليشيو  مديرة المهرجان  تدعوني للوقوف بجوارها تحت الاضواء لاخاطب الجمهور ، ورغم انني قد احطت علما باحتمال  ان ادعى لتقديم المسرحية فانني لم اكن واثقا من ذلك ولم اقم باي تحضير لهذا الموقف وفعلا نهضت من مكاني لاقف بجوراها تحت الاضواء وامامها مكبر الصوت تخاطب عبره جمهور الحاضرين وتقدم لهم نبذة قصيرة عني  قبل ان تدعوني لالقاء كلمتي التي ستنقلها فتاة من اصل ليبي ،  الى اللغة الايطالية ،  وفي وقت قصير لا يزيد عن سبع دقائق  قدمت ملخصا عن مسرحية الغزالات التي كتبتها منذ اكثر من ثلاثين عاما وكانت ازمة الطاقة حديث العالم ، حيث بدات الشرارة التي اشعلت ملكة الابداع لكتابة المسرحية من هذه الازمة ، الا ان المسرحية تجاوزت هذا الحدث العارض ، لتتعامل مع قضايا الوجود وتتعاطى مع الشرط الانساني في محيط وعصر ومكان وظروف تتشابك وتتفاعل وتصنع المحنة التي يتعرض لها ثلاثة اشخاص رجلان وامراة يقومون برحلة في الصحراء الكبرى لصيد الغزلان  ، كما تقدم المسرحية تصورا عربيا عن  علاقة الشرق بالغرب  من خلال المرشد الصحراوي الذي يقود الرحلة، وخبير النفط الامريكي وصديقته الانجليزية وهما يتنزهان في الصحراء ، مؤكدا في حديثي  ان رسالة المسرحية تتوافق وتتواشج مع رسالة المؤسسة المنظمة للمهرجان وغيره من مهرجانات تعمل علي تعزيز ثقافة الاختلاف وتسعى من اجل تعميق التواصل بين الثقافات وبين الحضارات،  ، وهي مسرحية سبق ان عرضت في مسرح برنارد شو في لندن  بممثلين محترفين من المسرح البريطاني واستدعي لاخراجها مخرج عربي مصري يعيش في لندن هو المخرج الكبير الاستاذ فاروق الدمرداش ، وحظيت ببعض التعليقات الايجابية في الصحف البريطانية ، ولاشك ان الثقافة ــ قلت في كلمة التقديم القصيرة ــ تبقى قبل السياسة هي  عامل التوحيد والتواصل وتوثيق الصلة وتعزيز التفاهم بين الشعوب ، وتاتي الاداب والفنون في مقدمة هذه الوسائل القادرة على تقديم المشاعر والاحاسيس التي تجمع البشر وتعميق الوعي بالقواسم المشتركة بين الناس مهما اختلفت اماكنهم ودياناتهم ولغاتهم وسياسات حكوماتهم وبلدانهم ، ولهذا فليس غريبا ان نرى العامل الثقافي اليوم يتقدم العوامل الاخرى ليصبح اكثرها فعالية في تحريك التاريخ واكثرها قدرة على تحقيق التنمية ورفع المستوى المعيشي للشعوب ، واصبحت الثقافة فكرا وعلما وادبا وفنا وتربية وتعليما هي كلمة السر لتحقيق ما يسمى الاقلاع كمثل ذلك الذي حققته الشعوب في منطقة جنوب شرق اسيا وقد سمعنا بعض زعماء هذه الشعوب ممن شاركوا في تحقيق النهضة في بلدان مثل ماليزيا وسنغفاروة وربما اندونيسيا وكوريا الجنوبية وقبلهم اليابان يشيرون الى التعليم باعتباره الرافعة التي حققت هذا التواتر السريع في بلوغ المدارج العليا تنمية ونهضة وارتقاء ، والتعليم هنا ليس فقط المدارس والجامعات ، رغم ان لها الاعتبار الاول في هذا المجال ، ولكنه عملية تبدا بالمدرسة ثم الجامعة ولا تنتهي عندهما ، فهي جهد متواصل لتعليم الناس وتاهيلهم ورفع كفاءاتهم تمضى مع المواطن الى  اخر العمر ، انه  الاسم الثاني للعملية الثقافية التي يجب ان تدخل في سياسات الاوطان وتكون هدفا من اهدافها العليا وعنصرا اساسيافي صناعة استراتيجيتها الحضارية ، المستقبلية .

لقد بدات بمسرحية من تاليفي دعيت لحضور عرض لها ، من خلال جمعية خيرية ثقافية ايطالية تسعى لتعريف شعبها بثفافات الشعوب الاخرى، وتتحرك بامكانيات ذاتية وجهود تطوعية، الى حد ان المسرحية التي انتدب لاخراجها مخرج شهير وشارك في تقديمها ممثلون معروفون ، هم ايضا يعملون بشكل شبه تطوعي ولذلك لم يكن ممكنا ان يتفرغوا للتحضير لها تفرغا يؤهل الممثلين لحفظ الادوار ولذلك فالعمل في مثل هذه المهرجانات يقدم تقديما اكاديميا وليس حرفيا اي ان العرض يتوافر على كل مفرداته من ديكور وملابس واضاءة ما عدا فترة التحضير التي غالبا ما تكون قصيرة فيسمح للممثل هنا بالاستعانة بالنص المكتوب يقرا منه ، فيما يسمي بنص في اليد .  ولهذا فرغم الامكانيات المحدودة فان هذه الجمعية واسمها المركز الدولي للمسرح الجديد في ميلانو تواصل منذ عدة سنوات تقديم هذا الموسم السنوي من العروض المسرحية دون انقطاع ، بحيث تخصص في كل سنة منطقة من مناطق العالم تعمل على تقديم عروض منها ، وكانت الدورة مخصصة هذا العام لبلدان الشمال الافريقي ، وعندما يفشل بلد من البلدان في ارسال فريق يمثله كما حدث مع ليبيا في هذه الدورة، فانها لا تترك مكان القطر الذي امتنع عن المشاركة شاغرا ، وانما تعمل على استنفار مهارات في التمثيل والاخراج والديكور والصوت والاضاءة بين اعضاء المجتمع المسرحي الايطالي ، لتغطية الفراغ ، واحضار من يقوم بالتمثيل الرمزي لبلاده ، كما حدث هذه المرة عندما تم الاكتفاء بدعوة كاتب المسرحية لحضور هذا العرض بالتعاون مع الاكاديمية الليبية في روما.

هناك سؤال يخطر على الذهن في مثل هذه المناسبات ، يتصل بفن المسرح، فهو فن كما نعلم ، محدود الانتشار، ينحصر جمهوره في دائرة صغيرة من الناس ، وليس مثل تمثيليات التلفاز التي تستقطب عشرات بل مئات الملايين من المشاهدين ، فلماذا نجد هذا الاحتفاء به في دول التقدم والحضارة الغربية ، ونجد هذا الحرص من طلائع المثقفين والشرائح المستنيرة من المجتمع على بذل الجهود واضاعة الوقت في تنظيم مهرجاناته والتواصل مع مبدعيه ، وتسخير الموارد والامكانيات مهما كانت محدودة شحيحة وانفاقها عليه ، بدلا من استثمارها في مسائل تتصل بهذه الميديا الحديثة التي تستقطب الاضواء وتجذب الجمهور وتعود على اصحابها بالشهرة والثراء ؟ نعم انه سؤال يستحق ان نكرس مساحة للرد عليه في فرصة اخرى باذن الله .

 fagih@hotmail.com

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home