Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الثلاثاء 30 يونيو 2009

قصة قصيرة

الأصدقاء الثلاثة
الذين جمعـتـني بهم الآلة الكاتبة ‮

د. أحمد ابراهيم الفقيه

1

بعد انهائي للمرحلة الابتدائية في قرية مزده جئت الى طرابلس لالتحق بمعهد تجاري متوسط يعطي تلاميذه فرصة ان يتعلموا الرقن على الالة الكاتبة منذ العام الدراسي الاول وهو ما اتاح لي ان اجد عملا في هذه المهنة خلال اشهر العطلة الصيفية ، و كنت قبل ان اتعلم الالة الكاتبة قد اشتغلت في الصيف السابق على التحاقي بالمعهد التجاري مهنا كثيرة ضئيلة المردود ، كنت بعد ان اشتغل فيها لاسبوع او اقل من ذلك انتقل منها املا في دخل افضل ، فاشتغلت في مخزن لفرز حبات الكاكوية وتعبئتها في شكائر واشتغلت بمطعم ايطالي اساعد الطهاة في تقشير البطاطس كما اشتغلت في سوق الثلاثاءمع صاحب محل لفرز الطماطم المعطوب من الطماطم السليم وتعبئته في صناديق ليذهب الى الاسواق ، وغير ذلك اما في العام الذي تلا التحاقي بالمعهد فقد جاء صيف عام 1958 ووجدت نفسي التحق بوظيفة ضارب على الالة الكاتبة في المجلس التشريعي وهو برلمان ولاية طرابلس حيث وجدت امامي في مكتب الطباعة ثلاثة زملاء يتخذون من هذه المهنة وظيفة يمارسونها كموظفين رسميين في الدولة ، قضيت معهم ثلاثة اشهر ، لا اختلط في المجلس الذي يضج بالحركة والنشاط والاجتماعات الا بهم ، ورغم انني اشارك في طباعة المحاضر العامة لجلسات المجلس التشريعي ، ومحاضر اللجان التي تتفرع عنه ، والمراسالات التي يتبادلها رئيسه السيد الطاهر العقبي مع الوزرا ء والنضار ورؤساء المؤسسات والهيئات العامة ، وامينه العام السيد عبد اللطيف الشويرف مع نظرائه من وكلاء الوزرات ومدراء العمل التنفيذي في اجهزة الدولية فانني لم اختلط بهم ولم اتعرف عليهم معرفة شخصية بل انني لم اكن استطيع ان اميز وجه رئيس المجلس اذا رايته لانني لا اختلط ولا ارى الا زملائي في غرفة الطباعة ، ورجل ثالث هوالحاج احمد صاحب البوفيه الذي صار ودون ان اساله يحضر لي كباية الشاي الكبيرة المخلوطة بالكاكاوية كل صباح ، وفي حين امتدت علاقتي بالحاج احمد لانه حين انتهى المجلس التشريعي بانتهاء نظام الولايات انتقل بالبوفيه الذي يملكه الى وزارة الاعلام ، التي صرت بعد اتمام دراستي بمعهد التجارة واحدا من الصحفيين العاملين في مطبوعاتها ، وكان الحاج احمد محتفظا بتميزه في اعداد الشاي بالكاكوية حيث كنت زبونا من زبائنه الى ان اعجزته الشيخوخة عن مواصلة العمل فترك البوفيه لابنه وتابعت بعد ان اكملت اشهر العمل الثلاثة وعدت الى مدرستى زملائي الثلاثة بالزيارات المتقطعة ، الى ان طالت المدة وتقطعت الاسباب بيني وبنهم وفارق اثنان منهما الحياة وانسحب ثالثهما مختفيا في ارياف قريته ، ولم يذكرني بهم هذا المساء الا سماعي بوفاة الحاج احمد الذي ذهبت لاداء واجب العزاء لعائلته واولاده في خيمة الماتم التي نصبوها له امام بيته في سوق الجمعة ، لا ستحضر تلك الفترة من حياتي التي تعرفت فيها على المرحوم الحاج ، والتحاقي باول عمل في حياتي ، كما استحضر زملائي في تلك الغرفة المستطيلة التي امتدت فيها الطاولات التي تحمل الالات الكاتب في صف واحد ، وكان ياتي في اول هذا الصف قريبا من الباب ، رئيس المجموعة ، الذي يتلقى الملفات والاوراق التي تريد الطباعة ثم يعيدها ، بعد انجازها ، الى الحاجب الذي جاء بها ، او يذهب بها اذا كانت ذات طبيعة عاجلة الى مكاتب الرؤساء ، وكان شابا ينتمي لدوي البشرة السوداء اسمه عمر ، على مشارف الثلاثين من عمره ، حكيما عاقلا نبيلا بارعا في الطباعة تفوق سرعته سرعة اي كاتب يكتب على الالة الكاتبة رايته في حياتي ، ومن النادر ان نجد عملا قام بطباعته يعود من الرؤساء لانه يريد تصويبا او تصحيحا مثل المواد التي اطبعها انا او يطبعها زميليه ، وكان وحده يقوم بطباعة اكثر من نصف العمل، في حين يتولى توزيع النصف الثاني بين البقية ، حسب ورود العمل ، ولا اذكر انني رايته في يوم من الايام في حالة غضب او كدر ، او يستخدم كلمة نابية ، او حتى يرفع صوته عن تلك الدرجة من الهدوء والاعتدال التي يتكلم بها دائما ، ووجدت منه حين بدأت اول ايامي معهم ، استقبالا دافئا وترحيبا ، اكثر مما وجدت من زميليه ، وبادب شديد وهدوء يحاول ان يرشدني الى الاسلوب الصحيح في الطباعة ، ويجدني ارتكب الاخطاء في طباعة الرسائل التي يعهد بها الي ، فيقوم بتصحيحها قبل ان يضعها في الملف الذي يذهب للادارة لكي لا يكتشف المديرون ضعفي ، ويمكن لحداثة عهدي بالوظيفة ، وباعتبارها وظيفة مؤقتة ، الاستغناء عن خدماتي ، فكان يجعلني اعيدها مرة ومرتين حتى يرى النسخة الخالية من الاخطاء ، ولا يسند لي الا اهون العمل واكثره سهولة ويسرا، وكل ما عرفته عن حياته خارج المكتب ، انه يسكن مع اسرته في المدينة القديمة ، وانه ياتي راكبا دراجته ، رغم قرب المسافة بين مقر المجلس على ضفاف ميدان الشهداء، وبين مدخل المدينة القديمة حيث ينتصب تمثال الامبراطور الروماني ذو الاصل الليبي قريبا من شرفات السرايا الحمراء ، زميلنا الثاني ابو القاسم ، ينتمي الى اسرة من الاسر الطرابلسية ذات الاصول الصربية او السلافية ، فهو شديد بياض البشرة ، يحمل في لقبه البعيد شيئا يشي بذلك الاصل البعيد لعله السركسي اي الشركسي او الارناوطي او غيره ذلك لانه لم يكن يستخدمه مكتفيا باسم ابيه ، وكان وسيما ممتلىء الجسم ، يستخدم الحاجب في قضاء حاجياته كانه هو رئيس المجلس ، فهو من قراء مجلة الكواكب التي يبعث بالحاجب لشرئها له من مكتبة الفرجاني في شارع الوادي ، وبعد ان يصل يبعثه ليشتري له ساندوتش الهمبرجر من المقهى التجاري ، ولا يستنكف احيانا من تكليفه بان يشتري له بعد ذلك شيئا من الخضار الذي يريده البيت ، لياخذه بنفسه عند مغادرة العمل او يستخدم في ذلك سائق من سائقي المجلس دون علم المدراء، وهناك هاتف موجود بمكتب الطباعة لكنني عرفت ان استخدامه ممنوع في غير الاتصالات الداخلية الا ان ابوالقاسم كان يجد الجراة على ان يطلب عن طريقه مكالمات خارج المجلس لاهله واصحابه ، وكانت احاديثه اغلبها عن مواعيد لقاء في المصيف البلدي ، فهو كما عرفت من هذه المكالمات ، من هواة السباحة يقضي اماسيه وايام العطلة يعوم وسط مياه البحر ، وكان لا يؤدي الا الشيء الضروري من العمل ، ويكتب سطرين في الرسالة ، ثم يخرج علبة السجاير ، ويدعي انه لا يريد مضايقتنا بدخان سجائره ، ويخرج الى البوفيه او مكان اخر لتدخين لفافته ، ويقضي وقتا اطول كثيرا مما يستغرقه التدخين ، وينظر اليه عمر عندما يعود نظرة عتاب قد تصحبها كلمة احتجاج خجولة تشير الى طول غيابه فيكون عذره ان الطباعة عمل ياكل من اعصابه ويحتاج الى راحة وترويح ، فتتسع ابتسامة عمر مذكرا زميله بانه يخلط بين طباعة الرسائل وهو العمل الذي لا يقتضي جهدا عصبيا ، وبين اختراع الطباعة الذي يصرف فيه المخترعون جهدا عصبيا وعقليا ، ويلتمس له الاعذار لانه تربى في اسرة ميسورة لا يعرف اهلها الكدح والعناء ،اما ثالث الزملاء فهو طاهر القادم مع اسرته من ارياف الجبل الغربي ، الا انه بدا واضحا انه قد تخلص منذ سنوات مضت من خجله الريفى وانطلق في مجتمع المدينة ومجتمع الوظيفة يحاول ان ياخذ نصيبه مثله مثل ابناء المدن ، فقد عرفت انه بارع في الحصول على اعمال اضافية تجلب له دخلا فوق دخله من عمله الوظيفي ، فهو يساعد قريبا له يملك دكانة لكتابة العرائض يقضى بها ساعات في كتابة شكاوى المواطنين ومطالبهم المرفوعة للدوائر الحكومية ، ولم يكن يبدي دلعا ودلالا مثل زميله ابو القاسم ، وانما يقوم بعمله في معاونة عمر بحماس واجتهاد ، و ياخذ مقابل هذا الاجتهاد اجازة بضع ساعات يومي الخميس والسبت ، فبسبب انه يقضي اجازة يوم الجمعة في قريته الجبلية فهو ينصرف مبكرا يوم الجمعة وياتي متاخرا بضع ساعات يوم السبت ، ولم يكن سبب قبولى للعمل معهم اثناء فرصة الصيف الا نتيجة ما يمارسه مدير مدرستنا التابعة لليونسكو، مستر ستيفن، وهو بريطاني الجنسية ، من ضغوط لقبولنا في هذه الوظائف الموقتة ، فاستطاع تامين عمل كتابي لي في المجلس كما امن عملا مهنيا لزميل اخر في قسم الصيانة بالمجلس ، ولذلك فان عملي ليس الا وضيفة زائدة تعطي فسحة قليلة من الراحلة لهؤلاء الزملاء الثلاثة ، الذين عادوا لاقتسام العمل الذي اقوم به عندما انتهت مدة خدمتى الصيفية ، وبسبب العلاقة التي توثقت بيني وبنهم وما احاطوني به من ود خلال فترة زمالتي لهم ، صرت لا تمضي عدة اشهر الا واقتطع فسحة صغيرة من زمن الدراسة وازورهم خلالها واستمتع بكاس الشاي المخلوط بالكاكاوية من يد الحاج احمد ، بل وحدث مرة ان قمت بتقديم عمل مسرحي طلابي على مسرح المدرسة فقدمت لهم الدعوات وحضروا فعلا للسهر والفرجة معنا الى ما بعد منتصف الليل ، وحاولت ان اجد عملا معهم في صيف العام التالي ولكن الظروف ساقتني الى وظيفة مماثلة في ادارة الخدمة المدنية وكان عملا اكثر قتامة وشدة ، كما كان المشرفون عليه اكثر قسوة ، وحجم العمل يحتاج الى الة صماء تعمل دون احتجاج فلم اكمل غير شهر واحد وهربت للاستمتاع بالعطلة بين الاهل في قريتي رغم القيظ والعجاج فهما اهون كثيرا من ضغط وشراسة العمل في ادارة الخدمة المدنية .
المهم ان علاقتي مع زملاء العمل في مكتب الطباعة بالمجلس التشريعي استمرت الى ان سمعت في الاخبار بان الغاء الولايات وتوحيد البلاد اقتضى بالتالي الغاء المجالس التشريعة ، ومعنى ذلك ان العلاقة التي ربطتني بزملائي الثلاثة تقطعت الان عراها بعد ان اصبح مقر المجلس التشريعي مجمعا للمحاكم ، وكان الرابط الوحيد الذي يمكن ان اعرف منه اخبار زملائي القدامى هو الحاج احمد صاحب البوفيه الذي انتقل به فور انتها ء المجلس الى وزراة الاعلام ولكنه رجل يترك نفسه لامواج الحياة تقذف به حيث تشاء ، ويصاحب من جاء به العمل ليصبح جارا له ، قائلا بانه يصرف وقته كله في هذا البوفيه ، فلا يرى الا من ياتي للسؤال عليه من اصحابه القدامي ، وقبل ان ينتهي العام الثاني على انتهاء المجلس التشريعي حدث ما اعادني الى ذكرى تلك الايام التي قضيتها بين موظفيه في غرفة الطباعة ، كنت اجلس مع بعض زملائي الصحفيين بعد ان انهيت الدراسة وحصلت على عمل في الصحافة ، في المقهى التجاري نأكل ساندويتشات الهامبرجر ونشرب مشروب الكازوزة وندردش في السياسة عندما انتبهت الى يد غليظة سوداء يضعها صاحبها على كتفي ويناديني باسمي ملقيا بالتحية فادرت جسمي نحوه ورفعت وجهي اليه لاري وجها داكن الاسمرار غابت ملامحه تحت كثافة شعر ترك لاشهر بلاحلاقة ، وكان شعر الراس كثيفا منفوشا لم تلمسه موسى الحلاق ربما لاكثر من عام وقد علقت به بعض اعواد القش كأن صاحبه كان ينام تحت اشجار الرصيف ، وانتبه الرجل الى انني مازلت اتامل ملامحه صامتا دون ان ارد التحية ، فخاطبني متسائلا وقد افترت شفتاه عن ابتسامة
ــ يبدو انك لم تعرفني ؟
الابتسامة وحدها هي التي كشفت لي عن شخصيته ،ابتسامة تحمل عبق الماضي ، برئية بهية ، تسفر عن اسنان شديدة البياض ، فقفزت من مكاني اعانقه صائحا
ــ عمر
كان الشخص هو عمر الذي عرفته رئيسا لي في حجرة الطباعة في المجلس التشريعي ، وبسرعة سحبت له كرسيا وطلبت له ساندوتش الهامبرجر وزجاجة الكازوزة . استحيت ان اساله عما اودى به الى هذه الحالة المزرية المؤسفة ، وواصلت تكرار الاسئلة التقليدية عن كيف الحال والاحوال والاسرة ، حتى قاطعني بعنف واحد من زملا ء الجلسة محتجا عن استضافتي للرجل وافساح مكان له لكي يجلس معنا ، وعندما سالته عن سبب احتجاجه لانني لم افهم الكلمات الغامضة التي قالها ، فاذا به يقول ودون حرج من ان يجرح مشاعر صديقى عمر ، انه ليس من اللائق ان اطلب من شحاذ فاقد لقواه العقلية ان يجلس معنا ، وعندما قلت له انه صديق قديم وانه يجب ان يحافظ على مشاعر الرجل فلا يجرح احساسه ، اذا به يضحك ساخرا مما اقول لان الرجل حسب رأيه لا يعي ولا يفهم ، ويعرفه الناس في المدينة القديمة نائما تحت الجدران او سائرا في الشوارع والاطفال يسيرون خلفه يرمونه بالحجارة وهو غير عابيء بهم يغني الاغاني التي يستعيدها من زمن الطفولة ولا يعرف ان ينطق باي شيء اخر ، ويتحداني ان انتزع منه جوابا عن اي سؤال اقوله ، في هذا الاثناء جاء الجرسون بالساندوتش والمشروب فاذا بعمر يأخذهما منه ، ويترك مقعده وينصرف ، وانا اصيح خلفه فلا يلتفت ولا ينتبه لصياحي او يعيره اي اهتمام ،وعدت لزميل الجلسة الومه على قسوته وسوء معاملته لصديق اعرفه على مدى سنوات كثيرة مضت مثالا للانسان السوي الذكي صاحب العقل النابه ، فابلغني بانه مهما كان نوع الرجل الذي كنت اعرفه فهو الان رجل اخر ، مصاب بلوثة عقلية ، وانه قضى عاما او اكثر في مستشفى المجانين وخرج منه بعد ضمانة اطباء المستشفي له بان جنونه لا يؤذي احدا ، وقال بان له اقارب يعيشون بجوار بيت اسرته ، وان الاسرة نفسها فشلت في السيطرة عليه او الزامه بالبقاء في البيت حيث يجد مكانا لنومه ، الا انه يختار ان ينام في الطرقات وتحت الاقواس لانه لا يملك عقلا يتحكم في تصرفاته .
عدت في ذلك اليوم الى البيت حزينا ، كيف لرجل كان بين كل من عرفتهم من صحاب ، اكثرهم عقلا وارحبهم صدرا واعظم الجميع تهذيبا وخلقا ، كيف يكون هو بين كل من عرفت ، من يصيبه المرض في عقله ليصبح مجرد بقايا انسان يضمها معطف متهريء قديم ومضت بضع سنوات لم يخطر ببالي خلالها ان اسأل الصديق الذي حضر لقائي الفاجع بعمر واعترض عليه عن المصير الذي آل اليه صاحبي ، لان ذلك الصديق نفسه كنت على جفاء معه ولا التقيه الا نادرا وفي احدى هذه المرات النادرة ذكرعرضا ان عمر غاب عن اهله عدة اسابيع وبحثوا عنه في المستشفيات واقسام الشرطة فلم يعثروا عليه ثم ظهر فيما بعد ان عصابة تقوم بتهريب المخذرات في المناطق الحدودية ، واستعانت في احدى عملياتها ببعض المعتوهين الذين كانت تحملهم بكميات من بضاعتها الممنوعة ليخترقوا بها الحدود دون علمهم بخطورتها استدرجته الى تلك المناطق واستخدمته في اكثر من عملية نجح في تنفيذها الا انه سقط في احداها ميتا برصاص حراس الحدود ، ولم تعلم اسرته بما حدث الا بعد عام او اكثر عندما ثم القبض على بعض افراد العصابة واعترف احدهم بما حدث لعمر .

2

كانت الصدفة وحدها هي التي جعلتني اعرف مصير زميلى عمر ، والصدفة وحدها هي التي قادتني لاعرف اخبار الزميلين الاخرين ، واولهما ابوالقاسم الذي جاءت المعلومات عنه هذه المرة من طرف الحاج احمد صاحب البوفيه ، فقد كنت اقف قريبا منه وهو يعد لي كاس الشاي ، ويخاطب في ذات الوقت زميلا من موظفى الاعلام ، كان يشكو من ظلم الشرطة لاخيه لانه بسبب حادث تصادم بين سيارته وسيارة خاصة يملكها شرطي من زملائهم ،اودعوا اخيه السجن واطلقوا سراح الشرطي وابلغوه انهم لن يطلقوا سراحه حتى يعترف بانه صاحب الخطا ليكون التعويض من نصيب زميلهم ، فاذا بالحاج احمد يتطوع بالمساعدة في حل مشكلة اخيه قائلا له بانه على استعداد لان يترك البوفيه لمدة نصف ساعه ياخذه فيها الى صديق له يعمل مديرا لمكتب وزير الداخلية وهو واثق بانه سيحل له المشكلة بمكالمة هاتفية واحدة ، وحدد له موعدا في اليوم التالي وعندما غادر الموظف المقهى ، سالت الحاج احمد عن صديقه الخطير فلعلنا نحتاج لخدماته في يوم من الا يام ، فاذا به يضحك قائلا بانني اعرف هذا الصديق بمثل ما يعرفه هو وعندما سالته مستغربا عمن يكون ابلغني بانه ليس الا ابوالقاسم زميلي في مكتب الطباعة بالمجلس التشريعى ، فقد جاد عليه الحظ بوكيل وزراة من اصهار اسرته ، رفعه الى المراكز العليا ، وجعله مرجعا اعلى للوزارة يتصرف احيانا باسم الوزير ويتكلم بلسانه، وهاتف يصدر منه الى مركز من مراكز الشرطة هو بالتاكيد هاتف الوزير، التوجيه توجيهه والتعليمات تعليماته ، نعم ، كان ما قاله الحاج احمد اكتشافا مفرحا، فقد صار لي والحمد لله سند في وزارة الداخلية ، وفي مركز القيادة في هذه الوزارة المخولة بان تدخل الناس السجن وتخرجهم منه ، فهي الوزارة الاقوى في حكومة المملكة المرتبطة بمعيشة الناس ومصائرهم ، ولكن هذا السند لم استفد به الا في الطمأنينة النفسية التي تجعل انسانا بسيطا مثلي يتحرك في الحياة بشيء من الامان والثقة لانه قادر بسبب هذه العلاقة مع مدير مكتب وزير الداخلية ،على تخليص نفسه من المشكلة لو ان احدا تسبب له في اذى ، خاصة ان مصدر الاذى كان دائما هم رجال الشرطة وبالذات في اوقات مثل تلك الاوقات عندما كنا نسمع بالرجل محبوسا لانه شارك في مظاهرة او تعرض لوشاية من احد ، المهم انني لم اكن محتاجا في يوم من الايام الى الاستعانة بذلك الصديق ، ولم تظهر في حياتي فرصة تجمعني به ، ولم يكن عملي الصحفي يقودني له لانني اخترت ان اكون صحفيا يعمل في الشئون الادبية والفنية التي تفصلها اميال من المسافات عن وزارة الداخلية ونقاط شرطتها وسجونها ومعتقلاتها، مهتديا بالمثل الذي يقول ابعد عن الشر وغني له ، ان استطعت الغناء لتامن عدم وقوعك بين براثنه ، ربما ، المهم انني لم اتصل بالصديق ابو القاسم لا لشيء الا لرهبة المكان الذي يعمل فيه وما يحيطه من سمعة لا تحبب الاقتراب منه ، اي المكان وليس الشخص ، فهو رغم ما فيه من عوامل التباهي بنفسه واهله ، لا احمل له الا كل خير ، وكان ظني ان هذا اقصى مركز يمكن ان يصله موظف متواضع في تعليمه ، بدأ حياته ضاربا على الالة الكاتبة ، ولكن اسمه سرعان ما ظهر امامي مرفوقا برسمه يطل من اعلان في جريدة الحرية ، مفرودا على نصف صفحة يدعو الناس لتاييده في حملته الانتخابية والادلاء باصواتهم في صندوقه ذي اللون الوردي الذي اختار له شعار الشمس ، ولانني كنت قريبا من صاحب الصحيفة ورئيس تحريرها السيد محمد عمر الطشاني فقد سألته عن سر هذا الاعلان ، مبديا له السبب وراء هذا السؤال وهو انني اعرف الرجل واعرف تواضع امكانياته وضآلة تعليمه ، فاعلمني ان الداخلية قررت الدفع ببعض عناصرها في المعترك الانتخابي لتضمن ولاء البرلمان القادم للحكومة ، وان الحكومة تضع كل امكانياتها وراء المرشحين الموالين لها من امثال السيد بالقاسم ، وجاءت نتائج الانتخابات دليلا على صدق ما قاله رئيس تحرير الحرية ، وما تريده الحكومة ، التي تدخلت في تحريف الانتخابات وتزويرها تدخلا سافرا ، بفتح الصناديق ووضع البطاقات المزيفة التي اعدتها لتضمن اغلبية الاصوات لعناصرها عند لحظة الفرز ، وصار السيد ابو القاسم عضوا في البرلمان ، يتكلم باسم الحكومة ويدافع عنها ، ولا ادري من اين جاءته الفصاحة ومتى تعلم البلاغة ، لتظهره التقارير التي تنشرها الصحف على انه صوت الحكومة المدافع عن قرارتها المهاجم دائما للقلة القليلة من النواب التي تسربت رغم التزييف الى البرلمان تمثل المعارضة ، وكانت المفاجأة الكبيرة ، التي اظهرت لي صدقا وفعلا ان الحكم لا يحتاج للعلم والمعرفة والثقافة بقدر ما يحتاج الى الحيلة والانتهازية ، فقد صدر مرسوم ملكي اذاعته نشرة التاسعة والنصف في المذياع التي ينتظرها الناس لمعرفة الاوامر والمراسيم الملكية فاذا به مرسوم بتعديل الحكومة يكون فيه السيد بالقاسم وزيرا لشئون البرلمان ، ولا ادري ان كان هذا المنصب الوزاري منصبا جديدا ام هو منصب قديم احتله بدلا من صاحبه القديم فالنتيجة واحدة هي ان زميلى في غرفة الطباعة ، التى جئت للعمل بها لفترة مؤقتة ، لان هناك دراسة اواصلها تؤهلني لعمل اكبر واكثر قيمة من الضرب على الكاتبة ، صار الان يتربع على مقعد من مقاعد الحكومة ويحمل حقيبة من حقائبها في قمة هرم السلطة في البلاد ، فاي دراسة حتى لو كانت اعلى درجات الدراسة التي يذهب اليها الناس خارج البلاد ، لانها لا تتوفر الا في بلاد العالم المتقدم ، مثل الدكتوراه ، يمكن ان تضمن لصاحبها مثل هذا المكان العالي فوق قمة جبل السلطة ، في الحقيقة فقد كنت اراقب باندهاش وفضول اداء هذا الزميل القديم ، خاصة بعد ان كثر ذكره في الصحف والاذاعة ، والتحقيقات المسموعة والمقروءة التي تتحدث عن زياراته واجتماعاته التقابلية في البلاد وخارجها مع نظرائه واقرانه ، العرب والاجانب ، حيث لا ادري باية لغة يستطيع ان يتواصل مع هؤلاء الناس في المؤتمرات الدولية ولكن لماذا اوجد الله المترجمين ان لم يكونوا لخدمة وتلبية حاجات الوزراء من اصحاب الخبرة السابقة في الضرب على الالة الكاتبة ، ولا ادري في الحقيقة متى تزوج ، وعما اذا كان تزوج حديثا ،ام ان لديه زوجة لم تتح له الظروف اخراجها للمجتمعات الا في عهده الوزاري السعيد ، فقد رايت امراة فائقة الجمال تقف الى جواره في حفلات الاستقبال والمنتديات المحلية والدولية ، وتسميها شروح الصور قرينة سيادة الوزير ، ويشهد الله انني لم احسده بقدر ما ازددت اعجابا بقدراته وغبطة لما تحقق له وكيف انه استطاع حقا ان يستمتع بوصوله الى هذا المنصب ، والوم نفسي كيف لم اكتشف شيئا من هذه المواهب التي اوصلته الى هذا المجد عندما كان موظفا صغيرا بالمجلس التشريعي ، غير تلك الميول الاستعراضية لاستخدام الفراشين والسائقين الحكوميين لاغراضه ، نعم تحققت مكانته حتى في الصور التي تنقل عن اجتماعات مجلس الوزراء فاذا به دائما يتصدر المائدة قريبا من رئيس المجلس لا يفصله عنه سوى وزير او اثنين من قدماء الوزراء ، وازدادت هذه المكانة رسوخا عندما هبت عواصف عاتية على المنطقة في عام النكسة ، اي العام السابع والستين وما رافق تلك النكسة من شغب ومظاهرات ، اطاحت بالحكومة وارغمت الملك على الاتيان بحكومة جديدة قادرة على التعاطي مع معطيات الواقع الجديد، فاذا بزميلنا ابو القاسم ضمن قلة قليلة من الوزراء تحتفظ بمناصبها ويظهر اسمه امام الحقيبة الوزراية التي تقلدها لعدة اعوام وهي حقيبة وزارة شئون البرلمان ، وكان وجوده في واجهة السلطة مثار حديث دائم بيني وبين الحاج احمد في مقهى الاعلام باعتبار ما يجمعنا من صداقة قديمه به ، وكان الحاج كثير الثناء عليه لانه يحفظ الود ولا ينسى العشرة ، وكلما قصده في شيء وجد لديه الاستجابة والعون والمساعدة ، واخرها ان للحاج ابنا تخرج من معهد ديني ، وارسله اليه ليدبر له وظيفه فاستطاع توظيفه في عمل كتابي بوزارته ، يسجل الصادر والوارد . الا ان اشاعات اخرى تملأ الشارع تقول انه في دورة انتخابية مضت كان هو المخول بادارتها من قبل الحكومة واختيار من ينال رضاها ومن تحجب عنه هذا الرضا ، قد وضع ثمنا فادحا يتقاضاه لنفسه رشوة وسحتا لعدد من رجال الاعمال الذين لا علاقة لهم بالشارع السياسي ولكنهم اشتروا منه المقاعد النيابية بسبب ما توفره لهم من حصانة وما تتيحه لصاحبها من فرص التهريب والتلاعب بالسوق وهو فوق القانون والمحاسبة ، ومعنى ذلك انه مع الجاه الذي يعطيه له المنصب فقد اعطاه الثروة ايضا وصار القصر الذي ابتناه بضاحية جنزور مضرب المثل في البذخ والثراء والفخامة، الا ان الايام التي اعطته هذا الوجه البهيج ، سرعان ما جاءت تمنحه وجهها الاخر القبيح ، ففي لحظة اطلق عليها البيان الاول للثورة " من لحظات القدر الرهيب " ، اطاح ذلك البيان الذي اذاعته الاذاعة فجر الاول من سبتمبر عام 1969 بالنظام الملكي الذي انتسب اليه السيد ابو القاسم وصار من نجومه ، فكان لابد ان يلحق هذا الدمار بموقع ابوالقاسم ومكانته ، وكان ضمن من ثم اقتيادهم الى السجن ، ومصادرة بيته الذي ثبت انه بناه من اموال لا حق له فيها ، وجاء حكم محكمة الشعب مصدقا على ما تم في حقه من اجراءات المصادرة والتاميم لاملاكه وامواله وكانت الصدمة شديدة عليه خاصة وان زوجته ، التي اتضح انها قادمة من احدى المهاجر ، تركته وعادت الى مهجرها فلم يقض غير سنوات قليلة من حكم الخمسة عشر عاما الذي صدر ضده ومات في سجنه وربما دفن في مقابر تابعة للسجن لان الصحف لم تذكر اية تفاصيل غير الخبر المقتضب الذي جاءها عن وفاته .

3

وبقى الزميل الثالث من زملا ء غرفة الطباعة في المجلس التشريعي ، الذي لم اسمع عنه كثيرا لعدة سنوات ، الا ان الحاج احمد قال لي في حديث عرضي ان الطاهر جاء اليه ليستعين به على شراء شاة للتضحية بها في عيد الاضحى القادم ، كان هذا بعد سنوات كثيرة من افتراقنا ظننت انه شق لنفسه طريقا خلالها مثل زميله ابوالقاسم ، وقد ساله الحاج احمد كيف لا يذهب لذلك الزميل في وزارة الداخلية فيجد له وظيفة تدر دخلا اكبر بسبب صهره الوكيل ، ولكن الطاهر قال بانه لم يكن على علاقة طيبة بابي القاسم ، وانه متكبر جاهل زاده المنصب غرورا ، وعرفت انه ما زال لم يجد مهنة يمتهنها غير الضرب على الالة الكاتبة وقد انتسب لاتحاد العمال الحكومي الذي يراسه السيد سالم شيتا ، يؤدي عملا مثل الذي كان يؤديه في المجلس التشريعي ، وان المرتب لا يصعد بمثل السرعة التي تتصاعد بها الاسعار ، ولذلك وجد نفسه في ورطة وهو يواجه شراء اضحية العيد فجاء للاستعانة بالحاج احمد لانه يعرف ان الحاج احمد تعود ان يربي بعض الشياه في بيته بسوق الجمعة يستفيد ببيعها في العيد وسبق لبعض موظفي المجلس التشريعي شراء هذه الشياه منه ، وقد تذكره الطاهر في محنته وجاء يطلب ان يبيعه احدى الشياه وان يوجل له دفع الثمن بضعة اشهر بعد العيد ، ولم يجد الحاج بدا من تلبية طلبه ، وتقديم خروف صغير يفي بالغرض ، وقام الطاهر بعد اربعة اشهر بالوفاء بالدين وجاء الى بوفيه وزارة الاعلام ليعطيه للحاج احمد ، وكانت فرصة التقيت به خلالها وعزمته على شاي بالكاكوية ، واسترجعنا ذكريات تلك الايام ، وتاسفنا للمصير الذي لاقاه عمر ، ولم اجد منه رغبة في خوض الحديث عن زميله ابو القاسم فتركته الى مواضيع اخرى عمن يعرف من اعضاء المجلس التشريعي الذين انتسب بعضهم الى مجلس النواب وترك بعضهم الاخر السياسة منتسبا الى رجال الاعمال ، وارتضى قلة منهم الانضمام الى العمل عام ، كان ذهن الطاهر متقدا يوحي بالذكاء وسعة المعرفة ، ولكن سوء الحظ لازمه وانعكس على شكله وهندامه وسوء مظهره ، فبدا جسمه هزيلا ضعيفا ووجهه امتلأ بالغضون والتجاعيد يعطي ايحاء بالشيخوخة المبكرة ، ويرتدي بذلة قديمة كانه يستخدمها في النوم بمثل ما يستخدمها اثناء اليقظة ،او انه لا يملك بذلة غيرها بحيث يدفع بها للغسيل الذي تحتاج اليه بشدة، ثم افترقنا حتى قامت الثورة وتغيرت طبقة الحكام بطبقة جديدة سطع فيها نجم جديد من نجوم الثورة قادم من دواخل البلاد ، وجاء الحاج احمد مبشرا بسطوع هذا النجم ، دون ان ادري لماذا يكون وجوده في الحكم الجديد بشارة خير له اولي ، فابلغني قائلا بان الرجل هو الشقيق الاكبر للطاهر ، وكانت اول مرة اعرف ان للطاهر شقيقا يعمل ضابطا في الجيش ، ووجد هذا الشقيق اخاه يعمل في اتحاد العمال فاذا به يدفع به الى واجهة الاتحاد نائبا لامين عام احدى النقابات ، ثم لم تمض غير سنة او اقل من سنة حتى تربع السيد الطاهر على وظيفة الامين العام لتلك النقابة ، وثقة من مجلس الثورة في ذلك الوقت بالعمال ، فقد عهد لتلك النقابة بادارة قطاعات والاشراف عليها من بينها قطاع النفط ، وتنظيم الشركات التي لحقها التاميم فاذا باسم الطاهر يسطع في سماء القوة والمجمد باعتباره صانع ملوك المال الذين يتربعون على رئاسة كبرى شركات البترول ويا بخت من يحصل على رضاه ليقوم الطاهر بتعيينه رئيسا لشركة او لاحدى فروعها في الخارج ، وصارت صورته تظهر في الصحف مفاوضا لكبريات الشركات العالمية التي كانت الشركات النفطية المؤممة في ليبيا افرعا لها ، ونسبت اليه انتصارات حققتها حكومة الثورة عندما طلبت من تلك الشركات ان تحاسبها باسعار جديدة اكبر كثيرا من الاسعار المعمول بها ، وان تفعل ذلك باثر رجعي ينسحب على عدد من السنوات ، دخلت بسببها مليارات الدولارات الى خزينة الدولة ، وكانت المقابلات التي اجريت مع امين النقابة تنسب الفضل اليه ليرده هو الى خبراء من زملائه والى توجيهات من قيادات ثورية بينها شقيقه تواضعا منه واعترافا بفضل من له الفضل في تعيينه وتكبيره . اعرف ان كثيرين ممن يعرفون الطاهر استفادوا منه , تحصلوا منه على مناصب كبيرة في عالم النفط لهم او لابنائهم واقاربهم ، واشتهر بانه كان كريما مع بعض عناصر العهد القديم الذين جار عليهم الزمان ، خاصة ممن عرفهم في المجلس التشريعي بما فيهم بعض رؤسائه السابقين واعضاء المجلس الذين اصبحوا نوابا اطاحت بهم الثورة ، كلهم تذكروا ضارب الالة الكاتبة الذي يعرفونه في المجلس التشريعي وصار الان مسئولا نقابيا كبيرا فذهبوا اليه ينشدون العون والمساعدة في اعادة تعيينهم ، فقام بذلك دون ان يجد اعتراضا من السلطة الثورية في الاستعانة بعناصر العهد المباد في وظائف ذات طابع تجاري لا علاقة لها بالسياسة ، ولقد اغرتني هذه السمعة في ان اذهب اليه انشد منصبا دوليا او تعييني في فرع باحدى العواصم العالمية الكبيرة وكان قادرا على ذلك ، وافصحت برغبتي الى الحاج احمد ، الذي يعرفه اكثر مني ويمكن ان يكون دعما لي عند ذهابي اليه ، الا انني وجدته زاهدا في ان يطلب منه شيئا لنفسه ، ومتمنعا عن الذهاب معي ، فلم اشأ ان اذهب بنفسي ، مؤجلا الامر الى مناسبة قادمة ، الى ان جاء اليوم الذي انقطع فيه هذا الرجاء وانقفل فيه الطريق لاية مناسبة قادمة ، فقد كشفت الثورة مؤامرة في العام الخامس من قيامها ، دبر لها بعض الضباط النافذين في الثورة نفسها ، وثم القبض على بعضهم ، وهرب البعض الى خارج البلاد، وكان ضمن الضباط المتآمرين الهاربين شقيق صاحبنا ، فتم اقتياد السيد الطاهرالى السجن والتحقيق لمعرفة اذا كان ضالعا في التآمر مع اخيه ، واتضح انه لم يكن شريكا في تلك المؤامرة فاطلق سراحه وعزل من منصبه ، فانسحب من الحياة العامة ، ويبدو انه ، ونأيا بنفسه عن مواضع الشبهات ، ترك المدينة وعاد الى الارياف التي جاء منها، ليعمل هناك مؤذنا في مسجد قريته متفرغا للصلاة والتسبيح والعبادة كما ابلغني الحاج احمد الذي كان يتسقط اخباره من بعض عارفيه . اما الان وقد انتقل الحاج احمد الى دار البقاء فلم يعد لي مصدر اعرف منه اخبار هذا الزميل الذي بقى على قيد الحياة من زملاء تلك المرحلة المبكرة من حياتي العملية عندما كنت اضع اولى خطواتي على طريق حافل بالتعب والمعاناة. مفارقة تستحق الملاحظة اختم بها قصتي مع زملاء الالة الكاتبة الثلاثة الذين اختفوا من حياتي ، ان الالة الكاتبة نفسها اختفت الان من الوجود بعد زحف الحاسوب يلتهم تلك الالة ويبدل عصرها بعصر جديد .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home