Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الجمعة 30 ابريل 2010

مارد من دخان *

د. أحمد ابراهيم الفقيه

تراجعت سحب الدخان الناتج عن بركان ايسلندا‏,‏ بعد ان عطلت حركة المرور في أجواء العالم‏,‏ واربكت برامج ومواعيد ملايين البشر‏,‏ وتسببت في خسائر بمئات الملايين من الدولارات لشركات الطيران والوكالات السياحية والمؤسسات الفندقية‏ ‏وغيرها من قطاعات الإنتاج والخدمات ذات العلاقة بالسفر والطيران‏,‏ المهم ان ذلك حصل دون خسائر في ارواح البشر‏,‏ مما يجعل من كارثة هذا البركان الذي استيقظ من سبات دام قرنين من الزمان‏,‏اهون شأنا‏,‏ وأقل خطرا من كوارث طبيعية اخري شهدها العالم في الاعوام الأخيرة‏,‏ ناتجة عن زلازل وبراكين تسببت في خسائر فادحة في الأرواح مثل تسانومي ماليزيا وزلزال هاييتي وغيرهما‏.‏
أذكر انه حدث قبل عام أو اكثر قليلا من تفكك الاتحاد السوفيتي‏,‏ ان تم وضع مجموعة من الدراسات المستقبلية‏,‏ تتناول التصورات العملية الخاصة بأقطار العالم العربي‏,‏ شاركت فيها قامات سامقة في الفكر والثقافة والبحث الأكاديمي من مختلف التخصصات وبيوت الخبرة العربية والدولية‏,‏ وجاءت هذه الدراسات ترسم خريطة المستقبل للعالم العربي وفق المعطيات الدولية الموجودة‏,‏ والمحكومة في ذلك الوقت بعوامل الصراع والاستقطاب بين المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي‏,‏ وتم نشر هذه الدراسات‏,‏ التي لاقت اهتماما كبيرا من صانعي القرار‏,‏ والأوساط الأكاديمية‏,‏ والمهتمين بالشأن العام علي المستويين العربي والدولي‏,‏ إلا أن تفكك الاتحاد السوفيتي الذي تم الإعلان عنه بشكل مفاجيء‏,‏ وسريع وترتب عليه انهيار كامل لمنظومة الدول الاشتراكية‏,‏ أبطل فعالية تلك الخريطة التي رسمتها الدراسات المتخصصة‏,‏ واحالتها الي سلة المهملات بكل ما احتوته من نتاج العقول الكبيرة وما أنفق عليها من ميزانيات ضخمة‏,‏ لانها لم تعد تتفق مع المتغيرات الكبيرة والحاسمة التي طرأت علي المشهد السياسي والاقتصادي العالمي المترتبة عن تفكك الاتحاد السوفيتي‏,‏ مع ان ذلك التفكك لم يكن كارثة طبيعية جاءت خارج الفعل الإنساني‏,‏ ورغما عن إرادة البشر‏,‏ كما هو الحال مع الاحداث والكوارث الطبيعية التي لاسيطرة لأحد من المخلوقات عليها‏,‏ إلا أنه كان لها تأثير علي احداث العالم ومجريات أموره‏,‏ ونتجت عن تفاعلات تعمل تحت سطح الواقع الذي يراه العالم خارج جمهوريات الاتحاد السوفيتي‏,‏ إلي حد صار فيه الأمر فوق نطاق السيطرة والإصلاح والترميم‏,‏ فحدث الانفجار الذي جاء فجائيا‏,‏ يشبه بركان ايسلندا عندما أرسل سحبا تغطي الغلاف الجوي للكرة الارضية‏.‏
عامل خارجي‏,‏ لا إرادة لنا فيه‏,‏ ولا سيطرة لنا عليه‏,‏ ولا قدرة لنا علي توقعه‏,‏ ولاامكانية ان نتنبأ بنتائجه‏,‏ يأتي فيضرب بتخطيطاتنا وحساباتنا عرض الحائط‏,‏ ويربك حركة الناس فوق الارض‏,‏ وقد يطال حركتهم في الاجواء أو المحيطات فيسلمون أمورهم لله‏,‏ انتظارا لزوال تلك الآثار التي سببها هذا العامل الخارجي‏,‏ قبل ان تعود الأمور الي روتينها الطبيعي‏.‏
نقف كلنا عاجزين عن فعل أي شيء كما حدث مع سحائب آخر البراكين‏..‏ ننظر كما كان حالنا في الأسبوع الماضي‏,‏ الي السماء في أمل ورجاء‏,‏ ان يتراجع الدخان وينسحب‏,‏ وهو يلعب معنا لعبة الشد والجذب‏,‏ والمد والجزر‏,‏ يتراجع قليلا‏,‏ ثم يزداد استفحالا وهجوما‏,‏ إلي أن جاء اخيرا إذن الله بالفرج‏,‏ دون ان يكون في إمكان هذه القوي المادية الهائلة التي تملكها دول التقدم في الغرب التي غطي سماءها دخان البركان‏,‏ أو هذه الاختراعات العلمية والانجازات الخارقة في عالم التقنية والعقل الآلي التي انجزها البشر‏,‏ ان تتدخل قيد انملة في تغيير المسار الذي اراده البركان لسحائبه‏,‏ بل ننتظر‏,‏ بكل مانملك من عقول آلية ومراصد فلكية‏,‏ وأقمار اصطناعية‏,‏ في صبر وتسليم بما تنتهي اليه آخر التطورات كما يشاء لها مزاج مارد من دخان لا قدرة لاحد من المخلوقات علي اعتراضه‏,‏ ولاسبيل لهذه الفتحات العلمية الجبارة علي علاجه‏,‏ ولكن هل معني ذلك ان نتوقف عن وضع البرامج‏,‏ ورسم الخطط والاهتمام بالتدابير الخاصة بتنظيم حياتنا ومستقبلنا‏,‏ لان عاملا خارجيا يمكن ان يحدث فيفسد هذه التدابير والمخططات؟ هل معني ذلك‏,‏ ان نسلم حياتنا لعشوائية الاحداث‏,‏ ونأخذ حياتنا ساعة بساعة‏,‏ ويوما بيوم‏,‏ كما تفعل المجتمعات البدائية التي كانت في أزمنة ماضية عاجزة عن التعامل مع تحديات الواقع إلا بأخذها لحظة بلحظة؟ طبعا هذا لن يحدث في عصرنا الحديث مهما تكررت مثل هذه الحوادث والاحداث‏,‏ لان جوهر العملية الحضارية التي اكتسبها الإنسان عبر تدرج مسيرته منذ فجر التاريخ‏,‏ هو هذا التوق للسيطرة علي واقعه‏,‏ وضمان مستقبله‏,‏ والتخطيط لهذا المستقبل ووضع البرامج والسياسات التي تضبط حركة الزمن لتكون في صالحه‏,‏ مسخرة لخدمته‏,‏ وخدمة التقدم والنهوض بمجتمعه والارتفاع بمستوي حياته‏,‏ وسيظل يتعامل مع هذه الاحداث والكوارث الطبيعية‏,‏ وغيرها من تفاعلات وتطورات تأتي خارج نطاق سيطرته‏,‏ مهما كان حجمها‏,‏ ومهما جاءت فجائية سريعة‏,‏ ومهما كان حجم خسائرها‏,‏ باعتبارها حوادث طارئة‏,‏ عارضة في حياة البشر‏,‏ واحتسابها لحظات سيتجاوزها الزمن‏,‏ ويطويها نهر الحياة‏,‏ مستمرا في التخطيط لحياته‏,‏ والسيطرة علي معطيات واقعه ومستقلبه‏,‏ ورسم السياسات التي تحقق له الرخاء والأمان والهناء‏,‏ وتضمن سير عجلة التقدم الي الأمام بإذن الله‏.‏

‏fagih@hotmail.com‏
_________________________

* سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة الاهرام ، الجمعة 30 ابريل 2010.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home