Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الثلاثاء 28 أبريل 2009

خواطر فنية وادبية

د. أحمد ابراهيم الفقيه

هذه ست حلقات مما تم نشره في الباب الاسبوعي الذي اكتبه لصحيفة القاهرة المصرية التي تصدر عن وزارة الثقافة، والتي لا يصل توزيعها للاسف الشديد الى طرابلس اردت ان اخص بها قراء ليبيا وطننا من المتابعين لما اكتب خاصة وان هناك فقرتين تتصلان بشان ليبي عن محاضرة الدكتور على عبد اللطيف احميده ورحيل المفكر الاجتماعي الدكتور على بن الاشهر اما بقية الحلقات فذات طابع ادبي فني بدءا بعيد ميلاد شحرورة الوادي صباح ، واخيرا عرس مطربة الفيديو والاثارة هيفاء وهبي في الايام الاخيرة ثم خاطرة من وحي المسلسل الشهير عن اسمهان واخيرا ردي على سؤال من الزميلة خلود الفلاح عن العلاقة بين الكاتب والقاريء في مجتمعات العالم الثالث وما يثيره المستوى المتدني للقراءة من ردود فعل لدى الكتاب .

عيد ميلاد الصبوحة

لابد ان اغلبية القراء سواء من كانوا من ابناء جيلي او اكبر او اصغر قد ارتبطوا في مرحلة من عمرهم بالمطربة ذات الصوت الجميل والاغنيات المرحة الخفيفة الراقصة التي تحمل نكهة جبال لبنان ، كما تحمل انسام نهر النيل فهي لبنانية بحكم المولد والمنشأ ومصرية بحكم الاقامة الطويلة والمشاركة في الحياة الفنية والاجتماعية السيدة صباح، وهي من نوع نادر من الفنانين ممن يستطيع المعجبون بها ان يقولوا ان حبهم متوارث في العائلة فالصغير ورثه عن ابيه وامه وهما ورثاه عن والديهما ايضا ، لان صباح ما شاء الله موجودة ربما اكثر من سبعة عقود على الساحة الفنية وتحت الاضواء التي لم تتركها منذ ان قدمت افلامها الاولى وطبعت اسطواناتها الاولى ووقفت على المسرح مع فريد الاطرش وغيره من ابناء جيلها خاصة من ذوي الاصل الشامي مثله ومثل وديع الصافي كما كانت هناك نور الهدى ونجاح سلام وزوجها محمد سلمان وغير هؤلاء ممن انشأوا ظاهرة في المشهد الفني القاهري هو ظاهرة المواهب الشامية التي وجدت وطنا لفنها ومنطلقا لشهرتها في مصر .
قرأت في عدد مضى من صحيفة القاهرة ان احدى المحطات التلفزية تعد احتفالا كبيرا ببلوغ الصبوحة الشحرورة 94 عاما ، باعتبارها من مواليد عام 1914 فادهشني الخبر لانني لم اكن استطيع ان اعطيها هذا العمر رغم معرفتي بان تاريخ علاقتها بالسينما وفني الغناء والتمثيل تاريخ قديم عريق ، لان من يراها لا يمكن ان يعطيها هذا العمر ، وقد تصادف منذ اسابيع مضت ، ان وجدت نفسي قريبا منها وهي تجلس في مقعد بالدرجة الاولى على الطائرة القادمة من طرابلس الى القاهرة ، حيث احيت في ليبيا بعض الاحتفالات التي اقيمت بمناسبة اعياد الثورة ، فوجدتها ما شاء الله تتحرك بيسر ورشاقة ونزلت من الطائرة وركبت معنا الحافلة وكانها فتاة في شرخ الصبا ، ومقارنة بمثلها ممن وصلوا هذا العمر المتقدم ، فانها ما شاء الله باسم الله تعتبر حالة نادرة ، ولا ادري من تراه من اهل الفن في العالم كله وصل هذا العمر وهو يمارس مثل هذا النشاط وهذه الحيوية فقد قلت انني التقيتها وهي عائدة من ليبيا بعد ان طافت مدن تلك البلاد الشاسعة وتنقلت بين مناطقها الساحلية والصحراوية وهذا ما تفعله مع بلدان ومدن اخرى وقد قرأت اخيرا ان زعيما عربيا اهداها بيتا في بيروت فهي ما زالت تثير بفنها مثل هذا الانبهار والاعجاب لدى الزعماء والجمهور على السواء ، وقد غنت على مدار مسيرتها الطويلة احلى الاغاني لعظماء الملحنين من امثال الشيخ زكريا احمد واحمد صدقي ومحمد عبد الوهاب ومحمود الشريف وفريد الاطرش ، غير العباقرة الاكثر حداثة من امثال بليغ والموجي والطويل وسيد مكاوي وعاصي رحباني ، ولابد انها الان تتلقى الحانها من جيل رابع او خامس من الملحنين الشباب، بعد ان غاب رموز الجيلين السابقين . انها تحتاج الان وهي تدخل بفنها الى عصر جديد عصر الفيديو كليب الى نوع اخر من الالحان لابد ان هناك من يقدمه لها ويجعلها قادرة على الصمود تحت الاضواء مع الاجيال الجديدة . لقد قدمت لنا اغان قديمة عشنا معها في صبانا عكست اجواء وظروف لم تعد موجودة اليوم مثل تلك الاغنية التي لحنها لها العظيم محمود الشريف والتي تقول كلماتها
بعدين معك ، بعدين معاك
بتلف تلف ورايا
وبتتعب نفسك ليه
لو شافك حد معايا
حيقولوا علينا ايه
بعدين معاك
ذلك اللحن المرح الجميل والكلمات التي انتهى زمانها رغم رقتها وعذوبتها فلا اعتقد ان هناك اليوم من يسال ان كان هناك من يلف ويدور ، لان اللف الذي مبعثه الحب البريء حلت مكانه عقود الزواج العرفي التي ربما تستحق من الصبوحة اغنية جديدة تجاري بها العصر . كما ان جيل الشباب اليوم وراءه لقمة لابد ان يسعى لتامينها وعمل لابد ان يطوف اركان الارض من اجل الحصول عليه ، لا يترك له وقتا لمثل هذا الطواف الجميل وتهنئة من القلب للصبوحة الشحرورة بعيد ميلادها .

وعرس مطربة الفيديو كليب

حدثث ازمة في مطار بيروت وازمة في فنادقها ، والازمة هذه المرة لم تكن بسبب الفرق المتحاربة كما كان يحدث في السابق او بسبب غارة اسرائلية تحطمت فيها مدرجات المطار وضربت شظايا القنابل فنادق المدينة فعطلتها عن العمل وانما سبب ينتمي الى الفرح ومباهج السلام لا الى الحرب وكوارثها ومآسيها فسبب الازمة هو عرس نجمة اغاني الفيديو كليب الانسة هيفاء وهبي التي تحولت اثناء هذه الازمة الى سيدة ونتج عن عرسها هذه الازمات فقد وصلت الى مطار بيروت في يوم واحد كما تقول وكالات الاخبار مائة وخمسون طائرة تحمل ضيوفا ضاقت بهم فنادق الدرجة الاولى في بيروت ولم تستطع استيعابهم الا فنادق اقل درجة تنتشر في المدينة وضواحيها لحضور عرس المطربة الغندورة ، وقد تم تقدير عشرة مليون دولار حجم المصاريف ، ويرى اخرون انه لابد من عشرة ملايين اخرى لمواجهة الفائض من المصاريف ، ولاشك انه من حق كل انسان ان يفرح بقدر ما تتيح له موارده وامكانياته وقديما سمعنا باعراس ترويها الاساطير عن سلاطين وملوك يتيحون للشعب كله ان يشارك في الفرح وان تستمر الولائم التي تكفي الشعب كله لمدة سبعة ايام العرس فلا باس ان تخصص مطربة شهيرة من مطربات الفيديو كليب ميزانية بهذا الحجم لاستضافة الاصدقاء من كل انحاء العالم ، في مثل هذا العدد القياسي من الطائرات التي لم نسمع ان مؤتمرا دوليا تنفق عليه هيئة دولية او مجموعة من الدول والحكومات مثل هذه المبالغ وتحشد لاحضار ضيوفه هذا العدد من الطائرات ، وما يثير في الموضوع ان من يقوم بهذا العمل وينفق هذه الملايين ويحضر هذا العدد الضخم من الطائرات ليس الا مطربة في مقتبل العمر ، تاريخها مع الغناء لم يبدا الا منذ سنوات قليلة وتاريخ شهرتها سنوات اقل فكيف استطاعت في هذه السنوات القليلة وعن طريق مهنة الغناء واستخدام الفيديو كليب ان تحصد هذه الثروات الهائلة التي يصعب حصدها حتى بالنسبة لتجار الكونترا باندا ، اما اهل المهن التي تقتضي علما وتحصيلا وموهبة مثل الادب فانني على يقين كامل بان كل ادباء لبنان في العصر الحديث منذ الياس ابي شبكة وامين نخلة والاخطل الصغير وجبران خليل جبران الذين اثروا العالم غناء وانشادا واشادوا اهراما من الانجازات الشعرية والادبية عربيا وعالميا مضافا اليهم مارون عبود وسهيل ادريس وسعيد تقي الدين وسعيد عقل وغيرهم من اساطين الادب لم يصل دخلهم مجتمعين وعبر عشرات العقود لمصاريف طائرة واحدة من مصاريف الطائرات المائة وخمسين التي استضافتها مطربة الفيديو كليب الذائعة الصيت التي تجيد التفنن في لغة الجسد اكثر مما تجيد التفنن في استخدام طبقات الصوت وتلويناته لانه صوت لا يملك هذه الطبقات ولا مجال فيه للتلوينات ولكن لله في خلقه شئون عندما يقبلون على تشجيع هذه الالوان من فن الغناء وينصرفون انصرافا كاملا على الابداع الادبي الذي يغذي العقل والوجدان كما تفعل الامم االمتقدمة في الغرب التي اخذنا عنها تقاليع الفيديو كليب ولكننا لم ناخذ عنها قدرتها على توزيع اهتماماتها بين نجوم الطرب واكرام هؤلاء النجوم وبين نجوم الفكر والثقافة والادب واكرامهم ايضا باستهلاك ملايين النسخ من كتبهم وتوفير حياة كريمة لهم احر التهاني للفنانة هيفاء وهبي بعرسها الباذخ وابلغ تعبيرات الاسى والاسف لهذا المجتمع العربي الذي لا يعرف كيف يكون متوازنا في ارضاء غرائزه واهوائه فيفرط في اشباعها على حساب الاملاق والعوز في ارضاء احتياجاته العقلية والوجدنية ، هذا المجتمع الذي يثبت كل يوم ان مساحات مرعبة تفصل بينه وبين التقدم الحضاري الذي يقول زورا وكذبا انه يسعى اليه .

حول حياة اسمهان
الشقيقان المبدعان وشقيق ثالث ضد الابداع

اتاح لي العرض المتكرر لمسلسل اسمهان ان اشاهد ما فاتني من حلقات في عرضها الاول ، ولست هنا في معرض التعليق او ابداء الملاحظات على الجوانب الفنية فلاشك بانه توفر لهذا المسلسل الحد الذي ضمن له النجاح من نواحي الانتاج والاخراج والتمثيل ، لفت نظري في قصة اسمهان وعائلتها جانبا انسانيا رايته يستحق الوقوف عنده ، فعائلة اسمهان او الجزء من العائلة الذي انتقل الى مصر هاربا من جبل الدروز يتكون من افراد موهوبين تفتحت مواهبهم في اجواء مصر التي فتحت احضانها للعائلة الهاربة من القمع والمطاردة ، وربما تحت ضغط الحاجة استجابت الام لميولها الفنية تعزف وتغني في بعض المناسبات مما اتاح لابنتها اسمهان وابنها فريد ان يتربيا في حضن هذه الام الموهوبة والاجواء الفنية التي تكسب منها قوت اسرتها ، وما ان بلغ الابن والابنة سن الرشد حتى ازهرت موهبة كل منهما ، اسمهان في الغناء،وفريد في الغناء والتلحين ، وبقى في العائلة اخ ثالث هو فؤاد حرمه الله من نعمة الموهبة الفنية ، فهو بعكس امه واخته واخيه ، ولد عاطلا من هذه المواهب ، ولكنه بدلا من ان يحمد الله انه ولد في هذا الجوار الجميل لاثنين من نوابغ الفن هما فريد واسمهان ، ويجتهد في ان يكون عونا ودعما لهما ليحقق لنفسه مكانة في التاريخ بهذا الدعم والعون ، فعل العكس ، فقد جعل من نفسه معولا من معاول الهدم ، واداة احباط وتنغيص وعكننة عليهما ، وجعل البيت الذي يسكنانه مع امهما بيتا مليئا بالتوتر والمشاكل ، ولولا انهما من النوابغ حقا ، لكان هذا المصدر الدائم من مصادر التوتر قد قضى عليهما وما استطاع العالم ان يعرف غناء والحان فريد الاطرش ولا غناء اخته اسمهان ، وانا احكم مما ترويه احداث المسلسل فانا لا اعرف شيئا عن حياة الرجل ولا دوره في حياة اخيه واخته وانما قرات اسمه مقرونا بهما ، ورايت صورته في الحفلات التي يقيمها اخوه ، احيانا باعتباره مدير اعماله واحيانا باعتباه زوج فنانة من نجمات افلام فريد الاطرش هي السيدة ايمان ، رغم انه كان يعيب على اخته مثلا ان تتزوج من غير الوسط الاميري الذي تنتمي اليه في جبل الدروز ، المهم هو هذا الفرق الموجود بين البشر بعضهم يضيف الى الحياة ويقدم ابداعا يسعد الناس وبعضهم باطل عاطل من الموهبة فلا يكتفي بهذا الدور السلبي الذي اعطته له الطبيعة والظروف لانه ليس بالضرورة ان يكون كل افراد العائلة نوابغ بل يتفنن في ان يكون ايجابيا في الشر فيضع العراقيل والاشواك لاقرب الناس اليه ممن حباهم الله بالموهبة والابداع وقد اعطى الله عائلة الاطرش نصيبا اوفر من غيرها عندما خلق منها اثنين من عباقرة الفن وجعل لهذين الاثنين اما تملك موهبة الرعاية والعناية والتربية الفنية التي تليق بهما، فيأتي هذا الاخ ليكون مبعوث العناية الالهية للنكد عليهما والتنكيل بهما ووضع الاوحال والاسلاك الشائكة في طريقهما ، انه بالتاكيد دور تخريبي ، كما نراه في المسلسل ، ولكن هناك تفسيرا اخر يقول انه جزء من الاختبار الذي يضعه الله في طريق المواهب ، لتكون المحك الحقيقي لقوتها وصمودها ، فاذا اجتازت الاختبار برهنت عندئذ على غزارة الموهبة وخصوبتها ، واذا استسلمت لهذه العراقيل اثبتت انها لا تملك من عوامل القوة ما يجعلها جديرة بالحياة .

التواصل والانقطاع

ردا على سؤال وصلني من الشاعرة والصحفية الزميلة خلود الفلاح عن مدى انشغالي بالقاريء عندما اكتب ، كان هذا الرد :
الكتابة تواصل ، وهذا التواصل يقتضي وجود علاقة بين الطرفين ،المرسل والمتلقي بامل ان ايكون المتلقى هو ايضا مرسلا ، بمعنى التفاعل والتجاوب والمشاركة وهو ما اشير اليه في كتاباتي بابداع المتلقي واعتقد ان هناك مشكلة ما بين طرفي هذه العلاقة في مجتمعاتنا المشرقية العربية العالمثالثية ، حيث يكاد الارسال ان يكون كما يسمونه في مصطلحات الغرب One way trafficلان القاريء في هذه العلاقة او المعادلة او خطي التواصل له حضور ضعيف لا يسمح بوجود علاقة سوية بين القاريء والكاتب ويكفي الاشارة ان الادب العربي الى يومنا هذا لم يعرف الكاتب المتفرغ القادر على ان يمنحه القاريء دخلا يجعله يعيش من ابداعه وهناك مثل نسرف في استخدامه وهو ان كبيرالمبدعين العرب المعاصرين المرحوم نجيب محفوظ ظل الى ان احيل الى التقاعد يعيش من راتبه نظير عمله الوظيفي رغم غزارة انتاجه الروائي وجودة هذا الانتاج فاي قاريء هذا الذي يستطيع ان ينظر اليه الكاتب بجدية ويضع له اعتبارا واهمية وباي حق يمكن لهذا القاريء ان يحاسب كاتبا او يسأله عما يفعل ، وهو لا يملك حقوقا على هذا الكاتب كما في المجتمعات المتقدمة التي تتيح لكتابها دخلا كريما من ابداعهم انني لا الوم اي كاتب يقول انه يكتب لانه يجد نفسه مثل الطائر الذي لا بد ان يغرد وهو مثل هذا الطائر ليس معنيا بمن سمع هذا التغريد او امتعه انه يكتب لانه وجد نفسه مقذوفا به في هذه الحياة ، يحمل في نفسه هذه الموهبة التي تجعله كغيره من اصحاب المواهب والوهوايات لا يجد تسليته الا في ممارسة ما تريده الموهبة وهي في هذه الحالة الكتابة رغم صعوبتها ورغم عذابها احيانا ورغم خطورتها في احيان اخرى اي انه مثل اصحاب المواهب في تسلق الجبال العالية الذين يحاولون تسجيل ارقام قياسية في الوصول الى قمة ايفرست بثلوجه وعواصفه الى حد ان يلقى الاغلبية حتفهم قبل بلوغ الهدف وربما هكذا هو الكاتب الذي يحصل على متعته ويجد تحققه ويجعل لحياته معنى من خلال ممارسة الكتابة الابداعية ، عارفا ان هذه الكتابة تتجه الى قاريء ولكن هذا القاريء ليس هو الذي يحكم حركته وليس هو الذي يملي عليه ذوقه او هو الذي يستهدف الكاتب ان يرضيه وهذا اعتقد حال كثير من الادباء العرب وانا ، ان كنت معنيا بسؤالك ، واحد من هؤلاء الذين لا يشكل القاريء بالنسبة لهم عبئا ولا يعتبرونه دليلا في مسيرتهم للفوزبرضاه والسعي لامتاعه لانني لا ارى ان القاريء ينشغل كثيرا بما اكتبه ولهذا وجب الا انشغل به انا ايضا وكما كتبت ذات مرة انا اكتب لقاريء يشبهنى ، ذوقه يشبه ذوقي ، وافكاره تلتقي مع افكاري ، ونظرته للحياة تتطابق مع نظرتي لها ، فاذا وجد هذا القاريء فمرحبا به ووجب ان تتم المصافحة بيني وبينه ،وهو في ظني موجود ، الا انه نادر وهذا القاريء على ندرته وضعف صوته وحضوره وتفاعله فانا انشد التواصل نفسه لانه نوع من التواصل مع نفسي ، وعموما فانه يصدق على الكاتب على العربي الاغنية اللبنانية التي تقول كتبنا و ما كتبنا و يا خسارة ما كتبنا كتبنا ميت مكتوب و لهلق ما جاوبنا ولكنني لا اقول خسارة لما كتبناه لان ما كتبناه هو حضور ووجود للكاتب سواء حضر القاريء ام لم يحضر وهو بالضرورة سيحضر لان مسيرة التقدم لا بد ان تصنع في يوم ما قارئا للادب باعتبار ان الادب عابر للاجيال والقارات والازمان والاجناس ولهذا يمكن استخدام اغنية فيروزية اخرى تقول
ما في حدا ... ما في حدا ... ما في حداااااااااااا
لا تندهي ... مافي حداااا
عتم وطريق وطير طاير عالهداااا ...
مافي حدااااا ...
لا تندهي مافي حدا
ومع ذلك فالكاتب يواصل النداء

مفكر من ليبيا

حضرت في طرابلس محاضرة اقامها مركز دراسات الكتاب الاخضر ضمن موسمه الثقافي استضاف فيها المفكر والاكاديمي بالجامعات الامريكية الدكتور علي عبد اللطيف احميده ، وهو استاذ امريكي من اصلي ليبي يعمل رئيسا لقسم العلوم السياسية بجامعة نيو انجلاد بولاية مين الامريكية وصاحب تآليف واطروحات وضعته في الصف الاول من الباحثين الامريكيين في العلوم السياسة ، وكان موضوع محاضرته ما بعد الاستشراق ، وشرح بان هذا العنوان لا يعني ان الاستشراق قد انتهي ، ولكنه لا زال مستمرا ربما بشكل مختلف عن الشكل التقليدي الذي صاحب الظاهرة الاستعمارية ، واستعرض ما حفل به هذا الموضوع من افكار واراء متوقفا بشكل اساسي مع اطروحة الاستاذ العربي الامريكي الراحل ادوراد سعيد الذي اصدر منذ ثلاثين عاما كتابه الاستشراق واحدث ردود فعل قوية جاءت من طرفي المعادلة الجانب الغربي والجانب الشرقي معتبرا ان الكتاب كان محطة كاشفة لللاتجهات التي سادت هذا الحقل المعرفي ومحطة ضرورية لتقييم ما مضى استعداد لما جاء بعد ذلك معتبرا ان الجدل حول اطروحة سعيد لم ينته وانما تواصل ولعله لا يزال متواصلا تدعمه احيانا جهود مثل جهد الاستاذ الامريكي من اصل عربي الذي نظر الى القضية ، وهي قضية التحيز في الثقافة والاعلام الغربي ضد الثقافة العربية والاسلامية من خلال وسائل اكثر تأثيرا في الجمهور من الكتاب ، وهي السينما فدرس الموقف من خلال 900 فيلم تناولت النموذ الشرقي العربي وقدمته بصورة سلبية ، دون ان ينسى الاشارة الى ما اعقب احداث 11 سبتمبر من ردود افعال ، وما نتج عنها من فوضى في الاراء والافكار ، وتوقف المحاضرعند اطروحات صدرت من اساتذة ومفكرين يعيشون في العالم العربي مثل الدكتور حسن حنفي وكتابه الشهير علم الاستغراب يناقش فيه كيف ينظر العرب الى الاخر ، ويقول المحاضر :
"أتصور أن هذا النقد مهم جدا لأنه يطرح ما اسميه شخصيــا النقد المزدوج ، ننقد الاطروحـــات الهامشية والمتحيزة من الآخر تجاهنا ولكننا أيضا لابد أن نقبل النقد نفسه في نظرتنـا للآخر ، وأن النقد المزدوج القادم من الطرفين ربمـــا يكمل بعضه البعض ، ولهذا نخرج من مأزق رهيب جدا ،اذ انني كلما أزور الوطن وأتناقش مــع زملائي، أستمع احيانا إلى الحوارات عــن أمريكا وأفغانستان والعراق وفلسطين و نظرية المؤامرة وجلد الذات ، إما أن تجلد ذاتك أو أنك ترى كل ما في الغرب شرا ، وهذا ليس اسلوبا ينفع للتفكير والتقييم والحكم على الاشياء في القرن الحادي والعشرين" .
واشا ر المحاضر ايضا الى جهد لتصحيح المفاهيم وتقديم الوجه الحقيقي للثقافة العربية قامت به جمعية كان بين نشطائها ومؤسسيها الدكتوران الراحلان ابراهيم ابو لغد وادوارد سعيد ، وكان للمحاضر نفسه دور في بعض انشطتها وفعاليتها ، كانت تتحرك عبر سياسة معنية بالتمييز ما بين النخب والشعوب ومطالبة الآخر أن يميز بين سياسات حكام العرب والشعوب دون حرج من نقد الذات اذا وجب الامر ، ويقول انه من خلال معايشته للمجتمع الامريكي فان هناك مفاهيم مسبقة ونمطية لدى الجانبين ولابد من السعي لتجسير الهوة وتحطيم هذه الجدران من سوء الفهم بالجهود العلمية المنهجية ولام على المؤسسات التعليمية العربية انها لا تملك مراكز بحث للدراسات الامريكية باعتبار ان امريكا احدى القوى ذات النفوذ القوي في العالم ولابد من فهمها وتحديد اسلوب يخضع للمقايسس العلمية المنهجية للتعامل معها ، واستعار في حديثه مقولة ابن خلدون التي تحذر من الحكم الاخلاقي او النظر للامور بما يجب ان تكون لا بماهي عليه فوق ارض الواقع والتعامل معها وفقا للحقائق الموضوعية.

رثاء متأخر للدكتور على الاشهر

بقدر ما فاجاني خبر رحيل الاديب الرائد محمد فريد سيالة بعد اشهرقليلة من رحيله ، فاجأني ايضا ان عالما جليلا من علماء الاجتماع ، اصغر سنا من فريد سيالة واكثر شهرة ربما ، لما اثاره من معارك في مطلع العهد الثوري ، حرصا منه على تاسيس العهد الجديد على اسس سليمة ، فقد توافق بزوغ العهد الجديد ، مع عودته من الدراسة في الخارج حاملا معه شهادة الدكتوراة ، فانخرط بقوة في التنظيمات التي انشأتها حكومة الثورة في ذلك الوقت وكان صوتا شريفا صريحا غيورا على الاسس التي قامت من اجلها الثورة ينافح عنها ويدافع عن مبادئها ضد كل من يحاول المساس بها من الحكام انفسهم ، فاحتفظ له الجمهور الذي كان يرى مساجلاته في الاذاعة المرئية بمكانة سامقة في قلوبهم ، وربما خلقت له هذه المساجلات بعض الخصوم الاقوياء بين الحكام فرأى ان يصرف جهوده الى مجال اقل اثارة وخطرا واكثر نفعا وفائدة للمجتمع هو مجال التربية والتعليم فتفرغ للتدريس في الجامعة والتحق في نفس الوقت باحثا وكاتبا وعالما بمعهد شهير انشأته ليبيا في منتصف السبعينيات في بيروت تحت اسم معهد الانماء العربي ، ورغم ظروف الحرب الاهلية التي عاشها ذلك البلد العربي الجميل ، فقد استطاع معهد الانماء ان يواصل عمله وان يستقطب عددا من الباحثين المؤمنين بالمصير العربي المشترك يعملون من خلاله من بينهم الاستاذ الدكتور على الاشهر وعدد من زملائه الليبيين اطال الله اعمارهم مثل الدكتور مصطفى التير والدكتور على حمزة وقبلهم استاذهم الراحل عمر التومي الشيباني . ولم يكن يتخلف عن المشاركة في عدد من المنتديات الثقافية الليبية والعربية ، التي كنت احضر بعضها فاستمتع بفيوضاته الفكرية ورؤاه الناضجة الصريحة الشجاعة وكنت اتوقع دائما ان اراه قد احتل موقعا متميزا في ساحة الفكر العربي وفي مؤسسات العمل العربي المشترك المعنية بالشأن الثقافي لما احسه فيه من قوة على اقتحام المعضلات الفكرية الصعبة وما تتوفر فيه من شخصية قيادية ، خاصة وانه اشتغل كذلك في منظمة التربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية التي ظننت انها ستفسح له سبيلا للتألق والابداع ، وكنت اسال بعض الاصدقاء المشتركين عندما تغيب اخبارة ، فاسمع انه بخير وانه يواصل عمله في صمت بالدائر الاكاديمية ، وعدت منذ ايام الى ليبيا بعد اشهر من الغياب عنها ، وتصادف ان التقيت باحد هؤلاء الاصدقاء ، اسأله عن الدكتور على الاشهر فابلغني بحزن واسف ان الدكتور على الاشهر قد غادر هذه الحياة منذ ستة اشهر . وكان خبر موته الذي اسمعه صدفة صدمة كبيرة لي ، كما كان صدمة اكبر ان يغادر الحياة علم من اعلام الفكرفي الوطن العربي، دون ان ارى لرحيله احساسا بالفجيعة ، يظهر صداه في وسائل الاعلام ، ويرحل دون ان ارى له خبرا وانا المتابع متابعة يومية للوسائط الاعلامية. رحم الله المفكر الليبي الشجاع الدكتور على مصطفى الاشهر الذي انتقل الى دار البقاء عن عمر يناهز الخمسة والستين عاما والذي خلف تراثا موزعا بين المجلات الفكرية لعل هناك من يجمعه، وكتابا جديرا بان يكون مقررا في مناهج المدارس المتوسطة كجزء من التعبئة الروحية للاجيال الصاعدة بقيم النزاهة والامانة والعدل والجمال المستمدة من ارقى منابع الاسلام الصافية النقية البعيدة عن التزمت والتطرف والظلامية كما حررها بفكره المتطور الراحل الجليل هو كتاب "تأملات علمية من وحي القرآن الكريم".


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home