Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الإربعاء 27 اكتوبر 2010

غدامس‏..‏ غدامس

د. أحمد ابراهيم الفقيه
 

الذهاب إلي مدينة غدامس الليبية تجربة متميزة فريدة‏,‏ بسبب فرادة وتميز هذه المدينة الواقعة في قلب الصحراء‏,‏ الحاملة لخصائص وتراث المجتمع الصحراوي عبر أربعة آلاف عام‏.‏ فهي المدينة التي اعتبرتها منظمة اليونسكو تراثا انسانيا كواحدة من عشر مدن أخري عبر العالم‏,‏ والتي تقع علي بعد ستمائة كيلو متر جنوب غربي طرابلس علي تخوم البلاد مع الجزائر وتونس‏,‏ واذا كان لمدينة الاقصر مثلا لونها ونكهتها وشخصيتها التاريخية النادرة‏,‏ ولمدينة فينيسيا لون آخر يميزها ويجعلها ذات طابع خاص لا يتكرر‏,‏ فان لمدينة غدامس ايضا شخصية لا تتكرر مع مدينة غيرها وطابعا يجعلها جديرة بالاسم الذي يطلقه عليها الرحالة وهو جوهرة الصحراء‏,‏ فهي إحد أقدم المراكز الحضرية عبر التاريخ التي تتواصل فيها الحياة دون انقطاع منذ فجر الحضارة الانسانية وكانت قبل وصول الفينيقيين والرومان والبيزنطيين ثم الوندال لها‏,‏ واثناء حكمهم وبعده‏,‏ معبرا تجاريا يربط الصحراء بمدن الساحل والمغرب بالمشرق والجنوب بالشمال والجزء العربي بالعمق الافريقي من القاره‏,‏ علاوة علي ماحباها الله به من عيون ماء في الصحراء أقدمها ينبوع عين الفرس الذي ضمن لها غطاء نباتيا اخضر تزهو به الأحياء الجديدة فيها‏,‏ وبساتين من اشجار الفاكهة وغابات من النخيل تحيط بها‏,‏ ولهذا استقطبت الوانا من الفنون والتراث والثقافات انصهرت فوق ارضها‏,‏ كما انصهر أقوام ينتمون إلي جماعات اثنية متفرقة‏,‏ ليبيون قدماء وافارقة وعرب وبربر وطوارق وتمازجوا عبر عشرات القرون‏,‏ وصنعوا مجتمعا متماسكا صار العنصر الغالب فيه‏,‏ العنصر العربي دينه الاسلام علي المذهب المالكي‏,‏ وارتبط أهلها بنظام اجتماعي بالغ الدقة في تنظيمه وأحكامه‏,‏ ساعد علي نجاحه نظام هندسي عبقري في بناء المدينة وتخطيطها‏,‏ وهي المدينة القديمة التي يحيط بها سور طوله ثمانية كيلو مترات بشوارعها المسقوفة التي تصب في بعضها البعض تتخللها ساحات مفتوحة لدخول الشمس والهواء‏,‏ ويتكون كل بيت من بيوتها التي تزيد علي الالف من ثلاثة طوابق‏,‏ وبمثل ماهي متصلة ببعضها البعض وتتكيء علي بعضها البعض دون وجود اي فواصل بينها‏,‏ فان الاسطح لكل هذه المنازل أيضا متصلة ببعضها البعض ومفتوحة علي بعضها البعض تربط بينها ممرات وطرقات وتتخللها ساحات للتجمعات النسائية‏,‏ وقد ضمن النظام الاجتماعي الذي كانت تحتكم اليه المدينة خلال آلاف السنين من عمرها امنا وسلاما استمر الي عصرنا الحديث الذي ابتلاه الله بالعلل الاجتماعية التي لا يكاد ينجو منها مجتمع غير مجتمع هذه المدينة‏,‏ الي حد ان الكاتب الراحل الدكتور مصطفي محمود كتب عن زيارته لهذه الواحة قائلا إنه سأل رئيس مركز الشرطة بها عن طبيعة الحوادث أو الجرائم التي تصل إلي المركز وكان اندهاشه عظيما عندما عرف ان سجل الحوادث في هذا المركز ـ ومنذ افتتاحه بعد زوال الاحتلال الايطالي‏,‏ وكان قد مضي ثلاثون عاما علي نهاية ذلك الاحتلال ـ لم يستقبل حادثا واحدا ولا جريمة من أي نوع‏,‏ ولم يكن السبب لان اهل هذه الواحة كانوا ينتمون لجنس الملائكة ولكن لان هناك نظاما اجتماعيا يتمثل في وجود مجلس علي مستوي الشباب‏,‏ ومجلس علي مستوي الكهول‏,‏ ومجلس لكبار السن من شيوخ الواحة ويتولي كل مجلس النظر في مشاكل اهل تلك الشريحة وحلها‏,‏ واذا استعصي امرها تحال الي المجلس الاعلي حتي اذا وصلت الي المجلس الذي يضم الشيوخ وهو الذي يسمي مجلس الحكماء كان الحل الذي يقول به هذا المجلس موجب التنفيذ من الجميع.

ذهبت إلي غدامس بدعوة من المهندس الفنان البخاري سالم حودة رئيس مهرجان مدينة غدامس لحضور الفعاليات الفنية والثقافية التي تشهدها الواحة في هذا الاسبوع الاخير من شهر اكتوبر‏,‏ حيث تبعث الحياة من جديد في المدينة القديمة‏,‏ التي صارت أشبه بمتحف كبير بعد أن تركها سكانها الي الاحياء العصرية الحديثة الجميلة التي تتوحد الآن في معمار واحد ولمسات تراثية معمارية تحمل الطابع الخاص لهذه المدينة بمفرداتها الحضارية التي تتميز بها عن غيرها من اماكن‏,‏ بحيث تصير بيوت تلك المدينة القديمة خلال ايام المهرجان معارض لانواع من التراث الشعبي في المنسوجات والمشغولات اليدوية من الجلد والفخار وسعف النخيل‏,‏ ويتحول بعضها الي مطاعم ومنتديات ومقاصف ومكتبات للمخطوطات والكتب القديمة‏,‏ ولوحات من الفن الشعبي استعراضية وغنائية بعضها يصور طريقة اقامة الاعراس‏,‏ وبعضها يصور طريقة الاحتفال بعيد او مناسبة اجتماعية او دينية‏,‏ علاوة علي دكاكين واسواق لبيع منتجات اهل المدينة وأطباق من طعامهم وحلوياتهم وأنواع من البخور والعطور المحلية وفي الليل يتم اللقاء مع حفلات فنية للتعرف علي ثراء هذه المدينة من فنون الموسيقي والغناء ولوحات الرقص الشعبي‏,‏ مع استضافة فرق وبسبب عمق وقوة ماتتمتع به غدامس من تواصل الحلقات والرقائق الحضارية‏,‏ فان مكتباتها القديمة والمخطوطات التي يحتفظ بها بعض اهلها تمثل كنوزا من المعارف والخبرات‏,‏ قد يكون مفيدا للقاريء تقديم مثل واحد منها في مقال قادم بإذن الله‏.‏ 

 fagih@hotmail.com

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home