Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الإربعاء 24 نوفمبر 2010

حديث عن السيرة الذاتية *

د. أحمد ابراهيم الفقيه

قرأت كتبا كثيرة في السيرة الذاتية‏,‏ وحصلت منها علي متعة لاتقل علي المتعة التي احصل عليها من الادب العظيم الذي يعتمد علي الخيال في السرد القصصي والروائي‏.‏

ولعل هذه الكتب التي تنقل وقائع حياة كتابها‏,‏ تكون اكثر تأثيرا من القصص والروايات‏,‏ لقوة علاقتها بالواقع ولانها تتحدث عن حقائق الحياة واحداثها ووقائعها وشخصياتها وليس عن عالم الخيال‏,‏ ولا سبيل في مثل هذه الحالة التي يقرأ فيها وقائع حقيقية‏,‏ ان يهز القاريء كتفيه عندما يري صورا لقسوة وآلام ومعاناة البشر وينفضها عن كاهله‏,‏ كما يحدث وهو يقرأ مثل هذه المشاهد في القصص‏,‏ ورأيت ان هذه الكتب تنقسم الي انواع كثيرة ومتعددة‏,‏ فهناك سيرة الوقائع والاحداث‏,‏ كتلك التي يكتبها رجال السياسة ويسردون فيها خلفيات التحولات السياسية والقرارات المصيرية واحيانا الصراعات والمعارك والحروب التي اسهموا فيها‏,‏ فهي مذكرات يكتبها اصحابها بهذا الشكل لانها تستمد قيمتها من هذه الاحداث والوقائع والتحولات‏,‏ والشواهد علي مثل هذه المذكرات كثيرة‏,‏ يكفي ان يلتقط القاريء مذكرات اي رئيس او وزير او قائد حربي‏,‏ ليعرف ما أقصده‏,‏ النوع الثاني‏,‏ تلك المذكرات التي يكتبها اناس ليس في حياتهم مثل هذه الاحداث الكبيرة ولم يتبوؤا المراكز السياسية القيادية الخطيرة التي تحرك التاريخ وتصنع مقدرات الشعوب‏,‏ فهم غالبا ينتمون لعالم الفكر او الفن‏,‏ او الابداع الادبي‏,‏ يكتبون مذكراتهم تأملا واستبطانا للحياة ومتابعة لرحلة النضخ العقلي والانفعالي والعاطفي التي مروا بها‏,‏ واستطيع ان اضرب مثلا علي مثل هذا النوع من المذكرات التي تكاد تختفي منه الاحداث‏,‏ ولا تبقي الا التأملات‏,‏ بكتاب الكاتب والروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكس في كتابه الذي ترجمه الشاعر ممدوح عدوان ( تقرير الي جريكو‏),‏ دون ان ننسي في الادب العربي ايام طه حسين‏,‏ ولو ان قسما كبيرا منها استغرقته اعوام الطفولة وصراعه مع عاهة كف البصر وتقديم صورة عن انتصار الارادة‏,‏ وهي ذكريات سجلها في سنوات نضجه‏,‏ يضمنها ما توفر عليه من تحليل وتفسير واكبار لمسيرته عندما كان طفلا‏,‏ وكان يكتبها باعتبارها شكلا من اشكال الابداع الادبي‏.‏

وقد وقفت امام هذين الاتجاهين وانا اشرع في كتابة سيرتي الذاتية واخترت ان اتبع في كتابة هذه السيرة طريقا ثالثا يكون منزلة بين المنزلتين‏,‏ وامضي مع احداث حياتي ارويها‏,‏ كما امضي مع رحلة الافكار والآراء ارصد نضجها وتحولها واستنبط ما وصل منها الي طبقة الوعي‏,‏ وهذا الطريق بين الطريقين ليس اختراعا من اكتشافي‏,‏ وانما طريق اتبعه كتاب كثيرون قبلي يصعب حصرهم‏,‏ واذا كان لابد من تقديم مثل هذا النوع من كتب السيرة فليكن كتاب المفكر والمبدع العربي ميخائيل نعيمة سبعون‏,‏ باعتباره واحدا من اوائل كتب السيرة في الادب العربي المعاصر‏,‏ في مجال المذكرات او السيرة الذاتية التي اعتنت بالافكاروالوقائع .

وتحت هذه الانواع الثلاثة طبعا هناك تنويعات في الاساليب وطريقة التناول‏,‏ اذ يمكن ان تكون كتابة المذكرات مجرد رحلة مع الانا المتضخمة‏,‏ ويمكن ان تكون كشفا وبوحا وتعرية للعيوب والمثالب ورفع الغطاء عن اسرار عائلية في حياة كاتب السيرة‏,‏ ويمكن ان تكون تسجيلا يتراوح بين الذاتي والموضوعي‏.‏ دون تطرف في احد الجانبين‏.‏

بالنسبة لي فانه لا اعتراض من حيث المبدأ علي الاسلوب الذي يجب ان يكتب به صاحب السيرة سيرته‏,‏ انها اشبه بالشهادة ولصاحب الشهادة الحق ان يقول ما يعرف‏,‏ الا ان هناك بعض المحاذير لمن يطالبون أو يريدون كتابة سيرة الكشف والفضح‏,‏ ان كاتب السيرة ربما حر في كشف وفضح ما يتصل به وبحياته‏,‏ ولكنه اذا اراد كشف اسرار عائلية‏,‏ او مثالب لدي بعض افراد هذه العائلة‏,‏ فانه هنا قد يسيء الي اناس آخرين‏,‏ ويعتدي علي خصوصيتهم‏,‏ وهو امر لا حق له فيه‏,‏ مهما كانت صلة القرابة‏.‏

اسميت هذه السيرة الذاتية التي اضعها في خانة الذكريات‏,‏ مرافئ للسفر‏,‏ مرافيء للوصول‏,‏ لأنني علي هذا النحو اري رحلة الانسان في الحياة‏,‏ مرافيء يبدأ منها وينطلق من ارصفتها الي مرافيء جديدة‏,‏ وما ان يصل اليها حتي تتحول هي بدورها الي مرافيء للسفر‏,‏ والمثل علي ذلك ان الانسان يبدأ صغيرا رحلة الدراسة‏,‏ ويكون هدفه في هذه المرحلة هو الوصول الي خواتيمها الناجحة‏,‏ وما ان يصل الي تحقيق هذا الهدف‏,‏ حتي يبدأ رحلة جديدة لتأكيد ذاته وتكوين قاعدة لنفسه غير قاعدة العائلة التي خرج منه وبيتها الذي شهد مولده ونشأته ليبدأ في مرحلته الجديدة انشاء بيت وعائلة‏,‏ كما تظهر له في حياته العملية والمهنية اهداف يسعي لتحقيقها ومحطات علي هذا الطريق يريد الوصول اليها‏,‏ وما ان يصل الي تحقيق هدفه‏,‏ حتي يظهر امامه هدف جديد يسعي لتحقيقه‏,‏ ومعاودة الكفاح من اجل الوصول اليه‏,‏ وهكذا تبدو رحلة الانسان في الحياة مثل رحلته عبر طريق طويل يعبره راكبا او راجلا‏,‏ حيث يري علي مدي البصر نهاية الافق في شكل عناق بين السماء والارض‏,‏ ولكنه ما ان يعبر جزءا من الطريق حتي يتبدد ذلك العناق ويظهر افق جديد وعناق آخر بين السماء والارض‏,‏ فهي آفاق مفتوحة علي آفاق تتوالد بشكل تراتبي الواحد بعد الآخر‏,‏ تبدأ ولا تنتهي الا بالوصول الي المرفأ الاخير في رحلة الحياة‏.‏

 fagih@hotmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سبق لي نشر هذه المقالة بصحيفة "الأهرام" ، الإربعاء 24 نوفمبر 2010 .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home