Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الثلاثاء 23 يونيو 2009

في وداع رائد من رواد الفكر والابداع

د. أحمد ابراهيم الفقيه

أحمد ابراهيم الفقيه يرثي صديقه
الكاتب العربي التونسي الدكتور محمد صالح الجابري


د. محمد صالح الجابري

شيعت في تونس يوم الاحد الماضي 21 يونيو جنازة الكاتب العربي التونسي الدكتور محمد صالح الجابري الذي توفي بعد مرض لم يمهله طويلا ، وهو نموذج للكاتب الذي عاش في حالة اشتباك مع قضايا الوطن العربي متجاوزا الاطار المحلي ، الى افاق العمل الثقافي العربي المشترك لاسباب كثيرة من بينها انه وان كان كاتبا تونسيا بامتياز، جاء من عمق الدواخل التونسية في منطقة الجريد ولاسرة عمالية يشتغل ربها عاملا بمصانع الفوسفات، فقد نشأ وتربي منذ صباه تربية عروبية بمعنى انه بعد ان نال قسطا من التعليم في بلاده ، ذهب للتحصيل الجامعي في بغداد بالعراق ، ثم ذهب للدراسات العليا والحصول على الدكتوراه في جامعة الجزائر ، وعاش في الفترة ما بين دراسته في بغداد وتحضيره فيما بعد للدكتوراه في الجزائر ، اعواما في مدينة طرابلس بليبيا حيث اسهم في تاسيس المركز الثقافي التونسي الليبي الذي تم انشاء فرع له في العاصمة التونسية واخر في طرابلس ، وبقى لبضعة اعوام مديرا لفرع طرابلس كما انتقل في فترة من فترات عمله الوظيفي مع وزارة الثقافية ليكون ممثلا للطرف التونسي في الدار العربية للكتاب ومقرها الرئيسي طرابلس ، ومر قبل حصوله على درجة الدكتوراه بوظائف في سلك التعليم كمدرس لطلاب المرحلة الثانوية قبل ان يستقر به المقام في العقدين الاخيرين من حياته بالمنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم مديرا عاما لادارة الثقافة ومشرفا على موسوعة الاعلام ، العلماء والادباء العرب والمسلمين وهي الموسوعة التي اصدرت منها المنظمة 19 مجلدا، هذا هو اذن الجانب العملي العلمي والاداري لحياة الراحل الكبير حيث يتجلى واضحا الملح العروبي في مسيرة حياته الذي كما اسلفت يتجاوز الاطر المحلية الى افق اكثر رحابة واتساعا يشمل باشعاعه المنطقة العربية باجمعها ، ثم ناتي الى سيرته الادبية من خلال ما كرس له حياته من ابداع ودراسات انجزها بقلمه ونشرها باعتبارها من انتاجه الخاص الذي لايقع تحت اطر المؤسسات العلمية الجامعية مثل موسوعة الاعلام ، وله في هذا المجال انجاز يضعه في قائمة المبدعين الرواد والباحثين الكبار من دوي الافق العروبي الافذاذ فهو صاحب اسهام رائد في تاسيس رواية ذات ملامح عربية منذ ان اصدر منذ اكثر من اربعين عاما روايته الاولى من ايام زمرا مسجلا فيها حياة الطبقة العاملة التي تنتمي اليها اسرته والتي اراد توثيق معاناتها من اجل لقمة العيش ونضالها اليومي تحت كابوس الاحتلال الفرنسي بمناطق الجريد التونسي ثم ارفدها براويته الفذة البحر ينشر الواحه التي كانت من بواكير منشورات الدار العربية للكتاب ونشر مابين عامي 1970 و 1980 مجموعة من القصص القصيرة التي اسهم بها في تاسيس قصة جديدة وشارك بها في اثراء نادي القصة عبر مجلة قصص التي اصدرها النادي وكان من مؤسسي هذه المجلة ومن مؤسسي هذا النادي ومن المساهمين في ندواته وحواراته الاسبوعية التي تناقش انتاج الاعضاء كما اسهم في ذات الوقت او قبله بقليل في انشاء رابطة القلم الجديد مع صديقه الذي رحل اخيرا شاذلي زوكاروعمل امينا لها لفترة من الوقت وجمع انتاجه في القصة القصيرة التي نشرها في الدوريات والمجلات الادبية من امثال قصص ومجلة الفكر وغيرها في مجموعتين قصصتين احدهما انه الخريف يا حبيبتي ، والرخ يتجول فوق الرقعة وكانت الاخيرة ايضا من اصدارات الدار العربية للكتاب ثم اصدر في المجال الروائي روايته المسماة ليلة السنوات العشر التي تحولت لشريط سينمائي تم انتاجه عام 1982 وهو ابداع يصب في نهر الابداع العربي اداته اللغة العربية وعالمه طبعا عالم اهله في تونس ومكابداتهم وتاريخ عواطفهم وانفعالاتهم الا انه في دراساته وبحوثه التي اخذت هي الاخرى جزءا من جهده وانكب اثناء انجازها ،على البحث والتنقيب والدراسة انكباب الرهبان المسخرين حياتهم في معبد الفكر والادب والثقافة، فهي تسعى لتعميق تلك الوشائج العربية التي كانت هما من هموم الكاتب منذ ان امسك بالقلم وبدأ خطواته البكر في هذا الطريق فاصدر سفرين كبيرين عن يوميات الجهاد الليبي في الصحف التونسية ولم يكن جهدا توثيقيا فقط ولكنه كان جهدا يسجل التاريخ من خلال شهود عيان كانوا وقوفا على ما حدث ولم يكن يكتفي بما تقوله التقارير الاخبارية ولكنه كان معنيا بما تنقله الاقلام في شكل مقالات وتعليقات وبحوث وقصص واشعار وبمثل ما فعل مع هذا التاصيل والتسجيل لتاريخ النضال الليبي ضد المستعمرين فعل ذلك ايضا مع النضال الجزائري ضد المحتلين الفرنسيين مضافا اليه ابعادا فكرية وثقافية من خلال كتابه" النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس" وكان بالضرورة وفيا للقطر الذي انتمى اليه وكان موطن اسلافه ومسقط راسه ومرابع طفولته وصباه تونس فكان مؤرخا للحياة الفكرية والثقافية المعاصرة على مدى قرن من الزمان ليترك للاجيال زادا ثقافيا ورصيدا معرفيا من خلا كتب مرجعية هي "القصة التونسية نشأتها وروادها "عن تاريخ المدونة القصصية التونسية وكتابين عن تاريخ المدونة الشعرية التونسية هما " الشعر التونسي المعاصر خلال قرن " و"الشعر التونسي الحديث " ثم كتابيه "دراسات في الادب التونسي" و"ابعد المسافات" ، دون ان ننسى سفره الكبير الذي اكمل به نقصا في المكتبة العربية عن نابغة الشعر العامي المصري المرحوم محمود بيرم التونسي وهو" بيرم التونسي في تونس " وهو الذي كان موضوع اطروحته لنيل شهادة الدكتوراه .

هذا هو حصاد الحياة الفكرية والعلمية للراحل الكريم الدكتور محمد صالح الجابري الذي فجعت بخبر رحيله وحط على قلبي كانه الصاعقة ، لانني لم اكن قد سمعت بخبر مرضه ، ولم اكن اعرفه يشكو داء عضالا ولا اراه دائما الا هاشا بشوشا تعلو الابتسامة وجهه ، كثير الترحيب والشرهبة باصدقائه ومحبيه الذي يداومون على رؤيته في منتديات الجامعة العربية ومنظمتها الثقافية، وقد ربطتني به علاقة على المدى العقود الاربعة الاخيرة حيث كنت التقي به بانتظام عندما اقام لمدة اعوام في طرابلس وكان طبعا قريبا من نبض الحياة الشعبية الليبية فهو ابن توزر عاصمة منطقة الجريد التي تشترك في التراث مع ليبيا لاختلاط الاصول والجذور فالليبيون ينسبون لباسهم الوطني المسمى الجريدي الى تلك المنطقة وهي منطقة الجريد وكنت شخصيا قد سافرت الى توزر ونفطة لاشاهد بقايا اثار اهلنا الذين سافروا من بلدة قنطرارة في جبل نفوسه هروبا من دولة الاغالبة للاحتماء بالدولة الرستمية التي تتبنى الذهب الاباظي وهو مذهب اهل جبل نفوسه وبينهم طبعا اهل قنطرارة وكانت الدولة الرستمية وعاصمتها تاهرت الجزائرية تبسط نفوذها على الجريد وانشأ هؤلاء الليبيون النفوسيون بلدة هناك بنفس الاسم كانت هي المرجع الديني لاهل الجريد من اتباع المذهب الاباظي ثم عاد اهل قنطرارة لاعادة تاسيس قريتهم الليبية في الصحراء باسم مزده ، وفي الجريد زرت مركز الطريقة الاسمرية وهو زاوية ومسجد ومكان لاقامة الدارسين وحلقات الذكر والتصوف والمدائح التي تتبع سيدي عبد السلام الاسمر صاحب المنارة والروضة في مدينته الاصلية زليتن بليبيا ، ولهذا كان محمد صالح الجابري وهو يقيم في طرابلس يشعر شعورا حقيقيا انه بين اهله في هذه المدينة يحل بينهم محل الابن من اسرته ، وعندما عاد للعمل في تونس مديرا لادارة الثقافة بالمنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم كنت لا اترك فرصة ازور فيها تونس الا واذهب اليه في مكتبه التقيه واتعرف الى اخر اخباره العلمية والادبية واتجاذب معه اطراف الحديث واستمتع بطرائفه وفكاهاته فقد كان ساخرا كبيرا وصاحب تعليقات عميقة على الحياة الثقافية وكان اخر هذه اللقاءات منذ ثلاث سنوات عندما ذهبت للمشاركة في فعاليات نادي القصة وزرته اثناء اقامتي هناك في مكتبه وكان اخر ما سمعته منه تساؤلا طرحه في عفوية وهو كيف ترانا في العالم العربي نختار اهل المناصب القيادية في الدولة ، متجها لي بالسؤال عما اعرفه عن الاليات التي نختار بها هذه العناصر، وسالته ان كان لسؤاله هدفا فقال لي "اعتبره سؤالا عاما وقل لي ، لانني اريد ان اعرف اذا ما كنت مخطئا في تقديري" ولانني لم استطع ان امده باجابة شافية فقد شرح لي كيف انه فوجيء منذ ايام باستاذ خامل الذكر لا تميز له ولا اسهام في الفكر والثقافة او حتى في مجال تخصصه ، يصبح فجأة وزيرا، وهو ما جعله يفكر في كيف يصبح هؤلاء الوزراء وزراء واستعرض امامي بطريقته الموسوعية كيف ان هناك سياقا في فرنسا هو الذي اوصل اندريه مارلو ومن بعده جاك لانج وغيرهما الى منصب وزير الثقافة وهناك سياق اخر في بريطانيا او ايطاليا او السويد اوصل فلانا او علانا الى ذلك المنصب الذي يقود من خلاله التعليم او السياسة الخارجية او الاقتصاد "ولكنني" يقول الجابري "عجزت عن العثور على هذا السياق او فهم الاليات التي تجعل فلانا يصبح وزيرا دون فلان ، فليت الامر يكون قائما على الجدارة او قائما على مجرد ان لهذا الانسان رؤية في هذا المجال ، اقتصادا او صناعة او صحة او تعليما او ثقافة او اعلاما ، لتقول له الدولة تعالى لتضع هذه الاطروحة او هذه الرؤية موضع التنفيذ " ويستدرك قائلا انه لن يتحدث عن كيف يجيء الحاكم الاعلى للبلاد ، فهي مسالة تخضع لمعطيات تاريخية وصيرورة تتصل بابعاد حضارية وظروف دولية واقليمية يختلط فيها فيها التاريخ بالجغرافيا بالسياسة بالاقتصاد بالثقافة بالاجتماع بالدين بالتراث ، وهي مسالة اكثر تعقيدا من مناقشتها في لقاء عابر ،ولكن على مستوى القيادات النوعية التي غالبا ما يكون منصبها في عالمنا العربي منصبا فنيا اداريا لماذا لا نتجاوز هذه الطريقة العشوائية التي نختار بها قادة القطاعات مما نسميهم الوزراء ، لماذا لا تكون هناك اليات تضمن كما نرى في الامم المتقدمة حدا من المهارة والرؤية والثقافة والحصافة لدى اصحاب هذا المنصب بدلا ان تاتي بهم الشلليلية والعشائرية والمزاج الخاص لهذا المسئول او ذاك وخاضعة دائما لمجرد الصدفة؟

كان هذا اخر ما دار بيني وبينه من حديث ، ولعل زميلا ثالثا كان حاضرا لما قاله المرحوم الجابري هو الشاعر محمد القابسي الذي كان يشغل مدير مكتب مدير عام منظمة التربية والثقافة والعلوم ، ويشهد كل من عرف الراحل الكبير على مدى التزامه الاخلاقي ومتانة سلوكه المهني والوظيفي وقوة الاحساس بالمسئولية الذي يملكه وسعة ثقافته وموسوعيتها ولعل اختياره لمدير ادارة الثقافة الذي استحقه عن جدارة واقتدار جاء بتوصية راحل كبير اخر هو استاذنا الدكتور محمد يوسف نجم لانه عمل منتدبا لتنسيق مجالس التربية والتعليم ممن يشرفون على المنظمة ويشكلون مجلس ادارتها وكان له عدد من المعاونين من بينهم الدكتور محمد صالح الجابرى الذي كان اكثر الجميع نشاطا ومثابرة والتزاما وسمعت شخصيا من الدكتور نجم عاطر الثناء على محمد صالح الجابر ولا اظنه الا من دفع به ، من واقع الحرص على هذه المنظمة ، لمنصب مدير هذه الادارة التي تشكل عصب العمل الثقافي في المنظمة وحققت في عهده اعظم الانجازات ، وتشهد بذلك قوائم الدراسات والكتب والندوات التي اثرت الحياة الثقافية العربية وستظل ثروة من المراجع وزادا للمؤسسات الثقافية على مدى سنوات كثيرة قادمة ،كان محزنا ان نسمع ونقرا تساقط هذه الاغصان من شجرة الثقافة في تونس مثل شاذلي زوكار وسمير العيادي ومصطفى الفارسي والميداني بن صالح والعروسي المطوي والطاهر الهمامي ثم ياتي اخيرا رحيل هذا القلم الاصيل المثابر صاحب الانتماء العميق لعروبته العامل على توثيق وتعميق الروابط بين اقطارها دون كلل .

رحم الله زميلنا وصديقنا ورفيق رحلتنا على درب الكلمة الاستاذ الدكتور محمد صالح الجابر واجزل له العطاء بقدر ما اعطى من فكر وابداع اسهم في اثراء هذه الحياة .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home