Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

السبت 22 نوفمبر 2008

خليفة حسين مصطفى
رحيل ناسك في محراب الكلمة

د. أحمد ابراهيم الفقيه

سيمضى وقت طويل ، ان كان في العمر بقية ، لتقع عيناي على كاتب له شفافية واخلاص وامانة ونزاهة وصدق كاتب مثل خليفة حسين مصطفي ، ولا ابالغ اذا قلت انه مثال نادر الوجود في عصر التكالب على ماديات الحياة وضغوط الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها ادباء الوطن العربي ، حيث لا امكانية لان يعيش الكاتب مما يدره عليه انتاجه الادبي ، حتى لو كان هذا الكاتب هو العربي الاول الحائز على جائزة نوبل مثل الراحل نجيب محفوظ ، الذي امضى في الوظيفةعمره كاملا حتي حان موعد احالته على المعاش ، فما بالك من شاء حظه ان يولد ويتربي في ارياف الوطن العربي الادبية ، حيث لا اعتراف من المجتمع حتى بوجود مهنة الكاتب اصلا ، ولكن خليفة حسين مصطفى اختار الطريق الوعر الذي لا يقدر على المشي فيه الا رجال اشبه بالقديسين واولاياء الله الصالحين ، اختار ان يعيش ناسكا في محراب الادب ، يصرف جهده له ، معطيا ظهره لكل ما تضج به الحياة العصرية من الضغوط والالتزامات والمطالب، يعيش على الكفاف ، زاهدا متقشفا فقيرا، لا يداهن ولا يصانع ولا يبتذل نفسه ولا يرضى ان ان يخدش شرف مهنة القلم التي اختارها واختارته ليكون متعبدا في معبدها ، وراهبا من رهبانها ، وسادنا من سدنتها لا يغمض له جفن وهو يحرس موقع القداسة لديه كي لا تتسلل اليه قيمة هجينة ، يغزل من خيوط انوار الصباح المتسلل عبر النوافذ والشرفات اثواب كائناته الشفافة ، ويزرع في اصص الورد والزهور اجمل زهرات الابداع لتكون هذه الحلل البهية وهذه الكائنات الشفافة وهذه الزهور العابقة بازكي عبير ، هي العطاء السمح الكريم الجميل الذي يقدمه لابناء وطنه وابناء ثقافته من قراء اللغة العربية .
لقد جاء للحركة الادبية العربية في ليبيا ليجد العطاء شحيحا والرصيد قليلا ، بل هناك اركان في حديقة الادب اهملها من جاء قبله ، فلم يكن قبل ما ابدعه خليفة حسين مصطفى عطاء يذكر في مجال الرواية ، فكان هو الرائد الذي جاء الى هذه الارض العذراء، فعزق بريشة الابداع ارضها وسمد بحبر دواته تربتها , وروى بعرق جبينه الخلاق الشتلات التي غرسها بيدي موهبته والتزامه وصبره وقوة عزيمته لتصبح اشجارا سامقة تعانق الافق وهي مجموعة الرويات التي كانت اعمالا رائدة وضعت بلاده على خريطة هذا اللون الابداعي ، ليجد من ياتي بعده ، الارض قد تمهدت و وارتوت وتسمدت فيغرس ويجني ثمار الجهد والعرق الذي بذله المرحوم خليفة حسين مصطفي .
رحيل خليفة حسين مصطفى بالنسبة لي رحيل لا مجال لتعويضه ، فهو واحد من رفاق العمر، تعرفت عليه منذ مطلع حياته الادبية عندما جاء الى مجلة الرواد في الستينيات لينشر احدى اولى قصصه القصيرة ، وفي مطلع السبعينيات ترك مهنة التدريس وانتقل لنعمل معا في صحيفة الاسبوع الثقافي التي انشأتها وعملت رئيس تحرير لها مع فريق من الادباء على راسهم خليفة حسين الذي تفرغ تفرغا كاملا للعمل في هذه الصحيفة الثقافية ، يحمل قلمه النزيه ، واسلوبه الجميل ، ونفسه العامرة بالصدق والمحبة ، ليواكب ابداع المبدعين بالنقد والتعليق ، ويتابع المشهد الثقافي الليبي والعربي بمثابرة واجتهاد واخلاص في سبيل اداء هذه الامانة ، دون ان يتخلى بطبيعة الحال عن مجاله الابداعي ، حيث بدا ، كما بدأنا جميعا بكتابة القصة القصيرة ، وكان خليفة حسين مصطفى فارسا من فرسان هذا اللون الادبي ، يكاد يضاهي اعظم مبدعيه في العالم ، ولعلني لم انتبه لقوة وروعة وابداع هذا الكاتب المتميز ، واخذته في البداية على محمل انه كاتب جديد واعد ، الا بعد ان قرات قصة مذهلة له ، جعلها فيما بعد عنوان مجموعة قصصية هي توقيعات على اللحم ، الحقيقة اذهلتني هذه القصة ، التي كانت نسيجا وحده فيما قراته من قصص ، الاسلوب المتذفق العامر بالشعر وروح الخيال والفانتازيا ، المثقل بالرموز والايحاءات والعوالم السحرية ، التي تتعامل مع واقع فج ، ركيك ، وربما مبتذل لا سحر فيه ولكن قوة الابداع رفعت ذلك الواقع البائس التعيس الى مستوى الاسطورة وحلقت به في عوالم سحرية ، وجسدته حلما واسطورة وواقعا وماساة ومهزلة في ذات الوقت ، لا ادري كيف ولكن خليفة حسين باسلوب مذهل ، جديد ، طازج فعلها ، ومع عجائيبية عوالم القصة وغرائبيتها ولحم المومس التي تتوسط عالمها، والرجل الي ياتي للتوقيع على لحمها تجد نفسك مرغما تتوحد وتتماهي مع ذلك العبود من الطين البائس الذي يتجول فوق صفحات القصة ، ترى فيه نفسك، بل لا تري فيه نفسك فقط ، ولكن ترى فيه ذلك الجزء العميق ، الساكن في الاغوار البعيدة ملتحفا بالظلام مختبئا تحت طحالب البحيرات والمستنعقعات الموجودة في عوالم العقل الباطن ، قصة مذهلة لا يكتبها الا قلم نابغة من نوابغ الكتابة القصصية ، وكانت تلك ربما اول قصة اسعى لترجمتها لاني كرهت الا يقرأها العالم كله وكان لابد فيما بعد ان اسعى لترجمة قصص اخرى لاكمل بها مجموعة نشرتها ملحقا لمجلة ادبية ثم كتابا ، وكل ذلك كان بدافع حبي لتك الجوهرة القصصية التي اظهرت لي منذ تلك السنوات المبكرة في مطلع السبعينيات ان خليفة حسين مصطفى موهبة خارج اطار المواهب والكتاب المديوكر الذين تحفل بهم الحياة الادبية في كل اركان العالم ، وهم الذين يصنعون الضجيح ، ويشغلون المطابع ويزحمون بانتاجهم الاسواق ويملاون بكتبهم ارفف المكتبات ، اما هذا القليل النادر من النابغين والعباقرة ، فهم من يبقى بعد ان يتراجع هذا الضجيج وينتهي هذا الزحام ونظرة الى تاريخ الادب في العالم تستطيع ان تؤكد لنا هذه الحقيقة، ولنترك الادب العربي جانبا ، ولنضرب مثلا بادب مثل الادب الايطالي ، فكم كاتب تستوعبه ذاكرة القاريء الاجنبي من امثالنا ، من جاليليو الى مورافيا ، حتى بالنسبة لمتابع لمثل هذا الادب من امثال الاستاذ التليسي ، لا اعتقد انه سيذكر اكثر من عشرة اسماء على مدي عشرين قرنا سيكون من بينهم مثلا دانتي وبيرانديللو و اونغاريتي ، واذا ادخلنا مورافيا وداريو فو وامبرتو ايكو فبسبب المعاصرة ، وهذا ما يمكن ان نقوله عن اسماء نعرفها في الادب الروسي اوالانجليزي اوالفرنسي او الاسباني ، اذن فالنبوغ في الادب شيء آخر غير التواجد في المشهد الثقافي كاتبا تنتج القصص او الاشعار او المسرحيات او كتب النقد ، اعتقد جازما ان خليفة حسين واحد من هؤلاء النوابغ ، وعملا بما يقوله الشاعر الذي بقى مسافرا في الزمن العربي بعد ان سقط كثيرون اخرون وهو ابو الطيب المتنبي في بيت من ابياته عن النهايات التي تصل اليها الاشياء وهو
وللسيوف كما للناس اجال
فقد انتهت المدة التي كتبها الله لصحيفتنا الثقافية الاسبوع الثقافي ، وذهبنا نبحث عن فضاءات اخرى تستوعب مواهبنا وافكارنا ونهرب اليها باعمارنا ، فكان موسم الرحيل الى واحدة من عواصم الشمال ، التي ذهبت اليها موفدا من الاعلام مستشارا اعلاميا ، وكانت سعادتي كبيرة عندما وجدت الصديق خليفة حسين بجراة وشجاعة يلحق بي الى ذلك الوطن ، لانه راي وهو يتحرر من التزامات العمل في الاسبوع الثقافي ، فرصة لاستكمال جانب في ثقافته هو معرفته باللغة الانجليزية ، التي لم يكن يعرف غير مبادئها ، وهي مباديء لا تسعفه بالقراءة والحوارات الادبية فجاء بامل ان يتعلم هذه اللغة باحثا عن عمل لتمويل اقامته في العاصمة البريطانية ، وحيث انه كان صاحب خبرة في التعليم ، فلم يمض طويل وقت حتى وجد عملا في مدرسة انشأها الليبيون واسموها مدرسة عمر المختار ، تحت اشراف السفارة ، وتجاورنا في الاقامة في حي واحد ، والعمل في مكانين كلاهما في ظل السفارة في ذلك الوقت ، ولست بحاجة لان اقول ان وجود زميل مثله معي ، في تلك المدينة الباردة ، كان نسمة دفء تجعل البقاء هناك اقل ضجرا واكثر بهاء ، وكان عوني وانا اقيم جمعية خيرية للادب كان هو واحدا من الامناء فيها ومجلة لتقديم مختارات ادبية كان هو من يدعمني بالمشورة والنصيحة ، وكان اكثر من هذا وذاك قلبا عطوفا حنينا رحيما ، وشخصا له خفة الاطياف ، مهما صعبت ظروفه او تراكمت العراقيل امامه ، لا تسمع منه نامة تشي بذلك ولا تبدر منه حركة ولا تصدر اهة يمكن ان تسبب لك كدرا ، او يرى فيها عبئا عليك ، واعتقد انه اثناء اقامته في لندن الذي ربما طالت لما يقرب من اربعة اعوام ، ان صدقت الذاكرة ، راي ان الرواية هي مستقبل الادب، ورغم اننا كنا نقدم انفسنا باعتبارنا كتاب قصة قصيرة ، فلم نجد او نسمع بين من رايناهم من مبدعين ، بريطانيين او غير بريطانيين ، من يسمي نفسه كاتب قصة قصيرة ، السائد لديهم والمتعارف عليه هو الروائي فلان ، هذا هو اللقب الذي يسبق كتاب الابداع الادبي حتى لو كان عطاءهم الاكثر في القصة القصيرة فالاعتداد كان بالرواية ، واعتقد ان هذا هو ما جعله ومنذ الاشهر الاولى لرجوعه الى ليبيا يعكف على كتابة الرواية بادئا بالمطر وخيول الطين ،ثم عين الشمس و جرح الوردة ، وتوالى بعد ذلك انتاجه الذي رآه بعض النقاد متأثرا تاثرا كبيرا بالشكل الذي قضى دهرا يكتبه وهو القصة القصيرة ، ولكنه سرعان ما تخلص من اثار تلك المرحلة في كتاباته الروائية ، وانطلق في رحاب الرواية ذات النفس الملحمي فكتب رواياته ذات الاحجام الكبيرة والعوالم الزاخرة بالاحداث والشخصيات مثل الجريمة و ليالي نجمة وروايته الاخيرة الأرامل والولى الأخير ودون ان يتخلى عن كتابة نوعين من الادب الابداعي اولهما القصة القصيرة التي واصل فتوحاته فيها وتقديم انجازاته المتميزة من خلالها ، ثم مسرحياته التي وصل بعضها الى تقديمه على خشبة المسرح هو المسرحيات التي تحمل طابع المفارقة والمعالجة الدرامية الساخرة ، ليصنع رصيدا في هذه المجالات ويحقق اضافات متميزة لا يضاهيه فيها احد آخر ، ويصبح رمزا من رموز النهضة الادبية الحديثة في بلادنا وصوتا من اصواتها القوية ، ولا ارى موته الذي جاء بعد معاناة مع المرض الخبيث ، الا ولادة جديدة لهذا المبدع الكبير الذي يصدق فيه قول الصوفي الزروق الذي اورده الدكتور على خشيم في كتابه الزروق والزروقية اوما معناه، نحن قوم لا يفوح مسكنا الا بعد ان تذوب في التراب عظامنا. نعم هو ميلاد جديد لكاتب اكتمل مشروعه ، وانتهت صلته بارض المعارك والاحقاد والتنافس المريض احيانا ، وصار الان اسما مرسوما في سجل الخلود الذي يضم اسلافه الادباء الذين التحق بهم في الدار الاخرة ، سيبقى ادبه يسجل شيئا من تاريخ هذه الارض واهلها مانحا صوتا لنضالاتهم ومكابداتهم ، مسلطا الضوء على واقع تاريخي صارت تغمره الان مياه الزمان ، لكنه انقذ في اعماله القصصية والمسرحية والرواية هذه العوالم من الغرق وابقاها محفوظة لاجيال ستاتي في قادم العصور وتقرا عبر سطوره هذا الواقع وتتعرف على هذا التاريخ .
الان ونحن نقول وداعا لصديقنا وعزيزنا وزميلنا المبدع الكبير خليفة حسين مصطفى ، لابد ، ان ننتبه ايضا الى درس تركه لنا ، وحياة تصلح ان تكون نبراسا للجيل الصاعد ، في غياب المثل والقدوة ، وسط واقع سادت فيه القيم الهجينة ، وصارت فيه الفهلوة والشطارة والاكاذيب هي سيدة الوقف ، انه في النهاية لا يصح الا الصحيح ، وان الانسان الذي يغادر هذه الدنيا لا يستطيع ان ياخذ معه الى هناك شيئا من الاموال التي اكتنزها او الوظائف التي استولى عليها او الجاه الكاذب الذي حققه بالتزوير والتزييف ، لن ياخذ الا ما منحه للحياة من خير وما قدمه للناس من عطاء وابداع سيكافئه عليه خالق الكون جل جلاله مصداقا لقوله تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} . نعم يترك خليفة حسين مصطفي بجوار اعماله الادبية المثل والقدوة وقيم الحق والخير والنزاهة والامانة ، والتعفف عن الصغائر، ورفض التكالب على مطابع الحياة ومكاسبها الزائلة ، ليهب حياته للابداع ، فللابداع عاش وفيه افنى عمره وحقق من خلاله فتوحات ادبية لم يسبقها اليه احد في التاريخ الادبي لهذا القطر العربي . واذا كان لابد ان نقول شيئا في ختام هذه الكلمة الحزينة فهي ان هذا الكاتب الذي عاش يكتب في صمت ودأب لابد ان يلحقه شيء من الانصاف باعادة نشر اعماله ، والعناية باسرته الصغيرة التي بقيت دون عائل ، وتكريمه بتسمية احد الشوارع باسمه واقامة مؤتمر يسلط الاضواء على مشروعه الادبي بعد ان وصل هذا المشروع الى تمام نضجه واكتمل بوفاة صاحبه.

رحيل موجع ، فاجع ، ترك حركة في القلب ودموع تابى ان تغادر العين

فسلام عليك ايها الفارس من فرسان الكلمة وصناعها الكبار
سلام عليك ايها الراهب الناسك المتعبد في محراب الادب ، اخلاصا ووفاء وحباوشرفا وبهاء وعطاء يبقى على مدى التاريخ
سلام عليك ايها الصديق الجميل والزميل العزيزوالاخ الحبيب الوفي الشفاف الذي افخر انني عرفته وانني التقيت به وانني سابقى اتزود بعطر ذكرياته بقية ايامي
سلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويموم تبعث حيا
والى جنان الخلد ايها القلم النبيل الشريف ، مع النبيين والصديقين والصالحين ونعم اولئك رفيقا .

* * *

ننقل هنا لقاء هو من اخر المقابلات الصحفية التي اجريت مع الاديب الراحل تنقل بعض افكاره وارائه في الحياة الثقافية أجرت مجلة شؤون ثقافية التي تصدر عن أمانة الثقافة والإعلام حواراً مطولاً مع الروائي خليفة حسين مصطفى ، أصيل مدينة طرابلس – الشارع الغربي – لأهميته ننقله حسب النص المنشور بهذه المجلة في عددها الرابع للعام الأول من إصدارها . أم السرايه

المناخ الثقافي والأصوات الروائية القادمة
يضج الحراك الثقافي في بلادنا ويثرى بالعديد من الأصوات المميزة ، وهو حراك يحتوى تبايناً واضحاً ، يبدو جلياً بين مراحل عمرية مختلفة ، أوجبت تبايناً صوتياً فرض حضوره بين آن وآخر .
وإذا كنا نصيخ السمع إلى هذه الأصوات ، علّنا نكتشف من بينها من يتفرد برؤى وقدرات تتخذ سياقاً غير متقاطع مع غيرها .
فالحالة تومئ إلى أهمية أن نجس هذه الأصوات ، ونجوسها ، نحاورها فنقترب منها ، نقف على مشاغلها وهمومها ، ونستوضح منها ما يمكن أن تقدمه في مجال الإبداع الأدبي والثقافي .
وإذا كانت الرواية الليبية قد راوحت فترة من الزمن لعوامل ، ليس آخرها ، بوار المجال وشحّ ما يمنحه لمن ينشغل بها فإن المنطق والواقع يتطلب الاعتراف المسبق بأن هذا المجال قد شهد خلال الفترة الأخيرة الكثير من الأعمال التي تستحق أن تحتل مكانها في موقع الريادة والتميز ، وربما يكون من الإنصاف أن نذكر بأن البدايات الأولى منذ كتابات الأستاذ "وهبي البوري" ومن تبعه ، في المجال القصصي والروائي ، يزخر المجال بأسماء قلة ، آلت على نفسها أن تنوء بحمل المهمة برغم ضيق ذات اليد وشح إمكانية النشر ، والانعدام الكلي أحياناً للنظرة التي تعطي الكتاب مكانته أو تضعه ضمن اهتماماتها .
ولا أخالني أجانب الصدق حين أذكّر بأولئك الروّاد ، "المقهور" و"التليسي" و"المصراتي" و"الشريف" و"القويري" و"الفقيه" و"الكوني" و"الشويهدي" و"المسلاتي" و"لطفية القبائلي" و"نادرة العويتي" ، و"فوزية شلابي" ، ووسط هؤلاء نما وتواصل حضوره ، بأنفاس مميزة ، الروائي "خليفة حسين مصطفى" ، وسط هذا الحراك واستمراراً للتذكير بالأسماء الرائعة نقول إن المرحوم "عبد القادر بوهروس" و"محمد فريد سيالة" و"رجب لملوم" و"إبراهيم النجمي" و"الفاخري" و"التكبالي" ، كلها وغيرها الكثير من الحالات الأخرى التي أنجبت رواية ، أو عدداً من القصص القصيرة ثم توارات عن الفعل ، وركنت إلى الهدوء والسكينة بعد خوض واكتشاف ما بهذا المجال من معاناة ، ومشقة وهنا ندعو من بقي منهم في الساحة للإعلان عن حضوره فعلاً قصصياً أو روائياً .
ولأن الأصوات تتعدد وتتدافع كل يوم ، لتعلن عن حضورها ، والأخرى في أحيان عن تواريها ، وخفوتها ، فإننا نخشى على الجديد منها أن يصاب بآفة اليأس والقنوط ، والحنين إلى التواري ففي الجديد نشم رائحة أعمال روائية تعطي ملامح جديدة ، كما هو محمد الأصفر ، والآخر ، عبد الله الغزال ... وآخرون غيرهما .
خليفة حسين مصطفى ولد وعاش في مدينة طرابلس ، الشارع الغربي ، عمل مدرساً في مدارس ثانوية للبنات تارة وللبنين أخرى ، سافر للدراسة إلى لندن وعاد بحصيلة لغوية مكنته من قراءة الكثير من الأدب الإنجليزي والغربي عموماً بلغته الأصلية ، ما يعطي للقراءة ميزة الوقوف على المعنى والمضمون ، دون انتظار الترجمة التي تجيء أحيانا تجارية وأخرى غير متطابقة مع المراد والمطلوب .
جلس أخيراً مترئساً القسم الثقافي بيومية " الشمس ومجلة الأمل للطفل رئيساً لتحريرها عضواً برابطة الأدباء والكتّاب ، وشارك في العديد من لجان التقييم في المسابقات الأدبية الشبابية والعامة .
أصدر المجموعة القصصية " حكايات الشارع الغربي " فقدم العائلة الليبية التي تقيم في طرابلس، وتشترك في بيت واحد مع أكثر من عائلة أخرى ، وكيف هو التواد والتراحم بين الأسر .
ولأنه كاتب يشاكس كثيراً في نصوصه ، فقد أثارت " حكايات الشارع الغربي " الكثير من الأقلام التي تناولتها ، وبرغم الفقر الواضح في الإمكانات النقدية ، نشرت عنها الصحف المحلية عديد الآراء من كتّاب لهم حضورهم النقدي مثل : الأستاذ رضوان أبوشوشة والأستاذ الأمين مازن ، والمرحوم نجم الدين الكيب .
ثم حفّزنا لاستقبال " جرح الوردة " وعاجلنا بعدها بعمله المميز " ليالي نجمة " التي تحدث عنها الدكتور علي فهي خشيم باعتبارها عملاً يستحق أن يشاد به ، وتخصص له الإمكانيات لتحويله إلى مسلسلات اجتماعية وسياسية ، ترصد الوضع الذي عايشه الناس في بلادنا خلال فترات الاحتلال الإيطالي وما بعدها .
إن " ليالي نجمة " تقدم تأريخاً اجتماعياً شبه دقيق لفترة من الحياة ، شهدت تقلبات هامة كان لا بد من رصدها وتوثيقها .
وكان التناول لدى هذا الروائي بلغة سهلة ممتعة ، بسيطة ودقيقة في جملها ومعانيها ، شاملة للعديد من الصور والتحولات .
من هنا يجوز لي اعتبار هذا الكاتب " خليفة حسين مصطفى " واحداً من تلك الأسماء التي قدمت نفسها للقارئ العربي في حضرة إنتاج روائي قصصي متفرد وله خصوصيته .
ولذلك فلا عجب إذا لوحظ أن هذا الاسم يحظى بكثير من الجدل ذلك أنه ينجز مشروعه الروائي ويقول بلغة واضحة ما يريد قوله ، وهذا ما دفعنا للجلوس معه في حوار قصير ، لكنه حوار يعنى بالوقوف على فهم ما لم يقله بعد ، وترصّد ما يمكن أن يكون ، ففتح السجال طويلاً حول الرواية الليبية والمناخ الثقافي والأصوات القادمة من رهط قادم يعلن عن حضوره بشيء من الثقة ، ودون استعجال نراه في أسماء جديدة صارت تطرح حضورها .
وهذه محاولة لترصد هذا الحراك وما يمور ويتفاعل في الشارع الثقافي ، ولا نقول إننا على اتفاق تام مع ما يدلي به الكاتب ولكننا لا نختلف فيما ذهب إليه ، وهذا التباين على احتشامه ، مبعث هذا الحوار وميزة هذا التلاقي ، الذي نريده أن يتواصل مع مبدعين كثر تضج بهم حياتنا الثقافية .
من أجل ذلك ....
كان هذاالحوار .. وبداية :
* لأنك روائي لك حضورك الثقافي كيف ترى المناخ الثقافي وهل هو مهيأ لتشكيل ملامح إبداعية متميزة ؟
- قد يكون من المبالغة أو تجاوزاً للواقع القول بوجود مناخ أو فضاء ثقافي له فاعلية ، وتأثير في حياتنا الأدبية والفكرية والاجتماعية ، وكل ما له صلة بالإبداع بكل فنونه وأشكاله .
* ماذا تسمي إذن ما تشهده الساحة الثقافية ؟
- ما هو موجود حالياً وملموس لا يكاد يتجاوز ملتقيات وأمسيات أدبية تقام من حين إلى آخر بجهود ذاتية وهي في الغالب كشبه الموائد التي تعمها الفوضى ، يزدحم عليها عدد كبير من الناس ، ومع ذلك فإننا نجد أن كل واحد مشغول بنفسه أكثر مما هو مشغولاً بما يجري حوله ، وهكذا يمكن القول إن المناخ الثقافي عندنا يعاني من الشتات والفوضى التي تشبه حالة من عمى الألوان بحيث لم يعد ممكناً التمييز بين ما هو كتابة أدبية ذات أبعاد فنية وما هو ابتذال وتفاهة .
* هل ينطبق هذا على أي عمل أدبي ، وأي كتاب يصدر في المجال الإبداعي ؟
- فيما يتعلق بالكتاب الأدبي فإن الكتّاب جميعاً يواجهون صعوبات في نشر أعمالهم ، ولحل هذه الإشكالية فقد اضطر عدد منهم وخاصة من الأصوات الجديدة إلى نشر كتاباتهم الإبداعية في كتب على حسابهم ونفقتهم الخاصة . *لقد ألغيت كل ما بذل في مجال النشر بهذا القول ؟
- أنا لا أقلل من الجهود التي تبذل في هذه الجهة أو تلك من أجل إحداث حراك ثقافي وبعث الروح في أوصال الحركة الأدبية وإنعاشها أو الخروج بها من حالة الموات والجمود ، ولكنها جهود تفتقر إلى التواصل وإلى استراتيجية ، أو برامج وخطط طويلة المدى . فنحن نتحمس للثقافة بعض الوقت وليس كل الوقت وهذا الحماس ما يلبث أن يخبو لنعود مرة أخرى إلى نقطة البداية.
* تريد القول بأنه ليست هناك خطة لإصدارات مبرمجة ؟
- هناك مجلات ثقافية تصدر بالصدفة ، وأقلام تكتب بالصدفة ، ويبقى الشأن الثقافي كما المعطف الذي نرتديه عند الضرورة دون أن ننتبه إلى أنه قديم أو فضفاض أو أنه لم يعد صالحاً للاستعمال .
* أليس ذلك شأن النقد أولاً ؟
- النقد غائب . وهو ما أسهم في حالة الفوضى الأدبية ، فهناك من يكتب كلاماً يسميه قصة أو رواية ، وآخر يكتب كلمات مبعثرة يسميها شعراً ، وهكذا نجد أن الأمسيات والملتقيات الأدبية لا تعدو كونها اتجاهات من أجل لا شيء . وهذا اللاشيء هو كل ما تبقى في آخر المطاف .
* لنلج بالحوار منحى آخر وصولاً إلى الرواية فكيف هي مسيرة الرواية لديك بعد الكم المميز الذي بدأتم به مرحلة الانتشار ؟
- لقد انصب كل اهتمامي على كتابة الرواية فصدر لي على التوالي رواية " ليالي نجمة " التي تقع في تسعمائة وخمسين صفحة ومن بعدها رواية " الأرامـل والولـي الأخيــر " ولديّ رواية تحت الطبع بعنوان " متاهة الجسد ". * وجدت مشقة في الكتابة الروائية ؟
- إن كتابة الرواية تحتاج إلى التفرغ بحيث يستطيع الكاتب تنظيم وقته وتكريس كل دقيقة فيه للكتابة ، وإذا ما تركت المسألة للصدفة أو للظروف أو أن تكون كتابة في الزمن الضائع فإن حصل ذلك فإن الكاتب لا يمكنه كتابة سوى عمل واحد قد يستغرق منه كل سنوات عمره،فالرواية هي فن الإرادة والنظام والمثابرة والسيطرة على الوقت ، بحيث لا يكون هناك أي تشويش خارجي أو أي التزامات فيما عدا ما تتطلبه العملية الإبداعية.
* كتبت القصة القصيرة ثم الرواية . هل الخلط بينهما لا يؤثر على أي من المجالين ؟
- لقد توقفت عن كتابة القصة القصيرة منذ ما يقرب من عقدين من الزمن ، لأنني لم أعد أجد الوقت الكافي للانشغال بالقصة القصيرة إلى جانب الرواية .
ومع ذلك فإنه لا يوجد ما يمنع الجمع بينهما ولا أظن أن الكتابة القصصية تؤثر في كتابة الرواية أو العكس ، فالإبداع في الاتجاهين واحد ، وكمثال على ذلك فإن الكاتب الكولومبي " غابريال غارسيا ماركيز "يكتب الرواية والقصة القصيرة وكذلك الأمر بالنسبة إلى نجيب محفوظ وحنّا مينا وغيرهما من الكتّاب والأدباء .
* نتقارب مع حالة الإبداع الآن وغداً ، أعني هل هي بذات الصورة التي كانت عليها في الفترة المنقضية ؟ - بالتأكيد الصورة ليست واحدة فهناك تغير وتطور . ولكنه ليس التغير أو التطور الإيجابي . فأنا ألاحظ أن الحالة الإبداعية في مرحلتها الراهنة تزخر بالشعر لدى الأصوات الجديدة أكثر من أي شيء آخر ، وكأن الأمر مسألة استسهال لهذا الفن بالتحديد . فالقصيدة النثرية أصبحت ساحة مفتوحة لكل وافد ، سواء كان موهوباً أم لا ، ففي مقابل كاتب قصة قصيرة نجد عشرة شعراء ، وفي مقابل كاتب روائي واحد نجد نفس العدد من الشعراء . وبما أن الإبداع حالة فردية وذاتية نجد أن هناك تراكماً في النصوص الإبداعية سواء هذه التي تنشر في الصحافة أو التي تصدر في كتب ، ولكن الرداءة هي الغالبة على هذه النصوص . وهذا يعود كما قلت إلى الفوضى الأدبية وعدم وجود تقاليد وعدم وجود حركة نقدية مؤثرة .
* بعد هذه الجديّة الصارمة حول السائد نريد أن نقف على المشروع الرئيس الذي تشتغل عليه الآن ؟
- منذ ما يقرب من ستة أشهر بدأت كتابة رواية جديدة موضوعها الرحالة الأوروبيون الذين توافدوا على ليبيا من دول أوروبية مختلفة ، وبالتحديد من بريطانيا وألمانيا في القرن التاسع عشر . وكان هذا الموضوع يشغل ذهني منذ فترة طويلة ، وكان يجب التحضير له بشكل جيّد بالعودة إلى قراءة كل ما كتب عن هذه المرحلة من تاريخنا الحديث ، وكل ما يتعلّق بها من أحداث وتطورات على المستويين الداخلي والخارجي وما لاحظته أثناء قراءتي لما كتبوه من مذكرات وأبحاث عن رحلاتهم في الصحراء الليبية ، هو أنهم جاءوا تحت ستار البحث والدراسة العلمية والكشف الجغرافي والتعرف على شعوب وأقوام أخرى . ولكن الواقع الآخر لم يكن كذلك ، فقد كانت مهماتهم استعمارية من الألف إلى الياء ، فما كتبه الرحالة لم يستفد منه أحد سوى حكوماتهم التي أرسلتهم وقامت بتغطية نفقات سفرهم والمعلومات التي كانوا يجمعونها والخرائط التي يرسمونها تصب في هذا الاتجاه .
* لنعد إلى واقع الحال هل يمكن تسجيل بعض الملامح لروائيين آخرين في المرحلة الحالية أو القادمة ؟
- لفت انتباهي في الفترة الأخيرة ظهور روائيين جديدين هما محمد الأصفر الذي بدأ بكتابة القصة القصيرة ، ثم قرر خوض مغامرة الكتابة الروائية . وفي رأيي أنه نجح في مغامرته هذه إلى حد كبير ، فهو كاتب مثابر ويكتب بعفوية شديدة ، أما الكاتب الثاني فهو عبد الله الغزال الذي فازت روايته " الثابوت " بالجائزة الأولى في مسابقة الشارقة للإبداع الأدبي للعام 2005 ف .
* دعنا نختم هذا الحوار بسؤال استشرافي . هل يمكن الحديث عن أحلام في شكل مشاريع أدبية قادمة ؟
- الكتابة الإبداعية لا علاقة لها بالأحلام أو الأمنيات ، وإنما تتوقف على الجهد والمثابرة لإنجاز عمل روائي جيّد يصنف على أنه إضافة نوعية للرواية الليبية ، وليس مجرد تسجيل رقم جديد في سلسلة الأعمال المطبوعة .
وختاماً
هنا بهذه الجمل المختصرة ينتهي حديث الأستاذ خليفة ونكتشف أننا سجلنا له حواراً لم يسبق أن صرّح به حول الشعر الحديث وقصيدة النثر ورأي صريح في كتّاب القصة ممن ظهروا في المدة الأخيرة .
نكتشف أنه من حيث يريد أو لا يريد ، قد فتح النار على النقاد الذين من خلال شكواه المريرة من ندرتهم لم يخف تذمره مما هم عليه .
ربما يريد أن يتيح لهم فرصة للسجال أو مجرد مشاكسة بريئة .
هذا ما نتوقع أن تحبل به الأيام القادمة .

سعيد المزوغي




Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home