Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

السبت 21 مارس 2009

من كتاب المراثي

د. أحمد ابراهيم الفقيه

هذه اخر المراثي التي كتبتها عن مبدعين راحلين لكي تنشر في الباب الاسبوعي الذي اكتبه لصحيفة القاهرة التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية، حيث يتم نشرها تباعا وبعضها عن مبدعين ليبيين، يرد هنا ثلاثة اسماء ممن انتقلوا الى رحمة الله هم الاساتذة محمد فريد سيالة ومحمود كريم وعبدالسلام ابورقيبة وقد سبق ان استوعب هذا المنبر رثاء اسماء ليبية اخرى مثل الاديبين خليفة حسين مصطفى وعلي صدقي عبدالقادر وغيرهما رحمهم الله جميعا.

* * *

ناتاشا
رحيل الابداع والجمال

سافرت في منتصف السبعينيات الى لندن لاكون مسئولا عن الاعلام في سفارة بلادي ، وكانت الممثلة العالمية السيدة فينيسا ريد جريف تعمل مسئولة اعلامية مع حزب صغير يتبنى الخط التروتسكي اسمه حزب العمال الثوري وله صحيفة يومية اسمها نيوز لاين ، ولم يكن حقيقة يهمني الحزب ولكنني اعجبت بالممثلة الشهيرة التي جعلت قضية فلسطين قضية على قائمة اولوياتها وانتجت فلما عن المخيمات في بيروت اسمه الفلسطيني ، وتعاونت معها في هذه الجوانب الاعلامية والصحفية فيما يخص القضية الفلسطينية بلا حدود ، وربطتني بها في تلك الفترة علاقة عميقة جعلتني اراها واتردد على بيتها واتعرف على بعض افراد اسرتها مثل شقيقها الممثل والمخرج كارن ، وقدمتني لوالدها الدي ينتمي لجيل الممثلين العمالقة من امثال لورانس اوليفيه وجون جيلجود ورالف ريتشاردسون وهو السير مايكل ريد جريف وكان في ذلك الوقت على مشارف الثمانين ويعاني من بوادر مرض الزهايمر ومع ذلك فقد كان حديثه طليا عامرا بالذكريات الطريفة عن مشاركته في الحرب العالمية الثانية ورغم ترحيبها بي بعد ان التقيت بها سنوات بعد ان تركت العمل ، الا انني لم اشأ ان اداوم على الاتصال بها لكثرة انشغالاتها خاصة وانها صارت تقضي وقتا كثيرا في امريكا ، وانفرط عقد الحزب التروتسكي الصغير بعد وفاة مؤسسه السيد هيلي ، وقللت فينسا من نشاطها السياسي دون اي نقص في حماسها للقضايا الثورية ، واهتمت بمتابعة نشاط ابنتيها اللتين تابعتا طريق امهما في التمثيل, خاصة ناتاشا التي حققت نجاحا هائلا منذ ان شاركت في تمثيل اوفيليا في مسرحية هاملت في احد مسارح الحي الغربي بلندن وفازت بجائزة افضل الممثلات الجديدات عن دورها في حلم منتصف ليلة صيف ، ثم انطلقت في اداء الادوار الرئيسية في المسرح والسينما الى ان حصلت في امريكا عن جائزة توني وهي اهم الجوائز المسرحية عن دورها في مسرحية كاباريه الشهيرة عند اعادة عرضها في برودواي ، وصارت نتاشا تدريجيا تقترب من مكانة امها التي حصدت الاوسكار في مرحلة من مراحل حياتها الفنية التي تمتد لاكثر من خمسة واربعين عاما.
ما حدث هذا الاسبوع كان شيئا مرعبا اصاب هذه العائلة الفنية ، وجعل الوسط الفني في امريكا وبريطانيا يشارك العائلة المأساة التي لحقت بها ، فقد ذهبت ناتاشا ترافق زوجها الممثل الارلندي ليام نيسام الى كندا حيث كان يقوم بتصوير مشهد من فيلمه الجديد، وانتهزت فرصة وجودها هناك دون عمل ، فذهبت لقضاء ايام في منتجع سياحي واستاجرت مدربا يعلمها التزحلق على الجليد ، واثناء التمرين انزلقت واصطدم راسها بالارض ، فنهضت ضاحكة ، ورفضت ان تستجيب للمدرب الذي ارادها ان تذهب لاجراء فحص عن نتيجة اصابة الراس ، لكنها سخرت من قلق المدرب لانها لم تكن تشعر باي الم ، وبعد ان عادت الى الفندق شعرت بصداع جعلها تنتقل الى المستشفى ، حيث اكتشفت ان الحادث تسبب في احداث نزيف في الراس ، سرعان ما ادخلها النزيف في حالة غيبوبة ، وتم نقلها من كندا الى نيويورك حيث تقيم العائلة ، وحيث يمكن الحصول على علاج اكثر تقدما ، ولكن الطب اعلن عجزه عن التدخل بعد ان استفحل النزيف ، وقدوقع الحادث يوم الاثنين وفي يوم الاربعاء اعلن عن وفاة ناتاشا ريتشاردسون ابنة فينسا ريدجريف من المخرج الراحل توني ريتشاردسون والممثلة صاحبة الادوار المتميزة في المسرح والسينما والتليفزيون وقد ظهرت جريد التايمز في اليوم التالي تحمل رثاء كتبه كبير مخرجي السينما في بريطانبا كين راسل الذي اخرج لها فيلما عن شعراء البحيرات واعتبرها احدي نوابغ التمثيل في العالم وانه كان يتوقع ان تقدم ادوارا تتفجر فيها مواهبها بشكل اكثر واعظم لانها مازالت صغيرة في الخامسة والاربعين من عمرها وامامها فرصة لاظهار المزيد من عبقريتها ولكن جاء هذا الحادث التافه لينتزع هذه الموهبة الكبيرة من مجالها ومن بين اسرتها ويحرم عالم التمثيل من عطائها وابداعها . تذكرت في هذه المحنة الصديقة القديمة الفنانة فينسا ريد جريف وها انا احاول ان اجد عنوانا لها لاضع حزني والمي من اجل فقد ابنتها النابغة ذات الجمال والنبوغ في كلمات لتعزيتها ومواساتها.

الدكتور محمد يوسف نجم
رحيل شيخ النقاد والدارسين

ربطتنى علاقة ود وصداقة باستاذنا الراحل الدكتور محمد يوسف نجم فهو من جيل الرواد في مجال الدراسات القصصية والمسرحية واول من قام بحفريات علمية عميقة للوصل الي جذور واصول هذه الالوان الادبية الفنية في تاريخ العالم العربي ، وكان يقيم في لبنان باعتباره قضى عمره منذ بداية شبابه استاذا في الجامعة الامريكية ببيروت ولكنه احتفظ في نفس الوقت ببيت في القاهرة التي جاءها عام 1948دارسا في جامعة القاهرة لنيل شهادة الدكتورة تحت اشراف استاذه الدكتورشوقي ضيف وظل وفيا لجذوره الفلسطينية متطوعا لخدمة قضايا ارضه السليبة مدى العمر .
ولم يكن يكتفي بالبحث في الاصول ولكنه كان يبحث ايضا عن النصوص التي قدمها مارون وسليم نقاش ونجيب حداد و يعقوب صنوع وابو خليل قباني والشيخ ابراهيم الاحدب وغير هؤلاء من مؤسسي المسرح العربي ليعيد نشرها وانتقل ببحوثه من المسرحية والقصة الى الشعر المهجري وفن المقالة كما عكف على جمع مجلة البيان لابراهيم اليازجي وصحيفة ابو نظارة ومجلة الضياء ومجلة الجامعة لفرح انطون وصولا الى مجلتي ابوللو والرسالة علاوة على مؤلفاته الاخرى الكثيرة التي شاركه في تاليفها زميله ورفيقه الراحل الدكتور احسان عباس كذلك ترجماته لكثير من المصادر الغربية في الادب والنقد ، وبجوار بحوثه وتآليفه وقيامه بالتدريس الى اخر يوم في حياته فقد كان يؤدي دوره كمثقف عضوي يطغى طابع العروبة لديه على اي انتماء اقليمي فهو مولود بفلسطين ونشأ وتربي في لبنان وقضى حياته مقيما اقامة مزدوجة بين القاهرة وبيروت الا انه اعار جهده وعلمه لكل الاقطار العربية فقد قام بمهمة المسح الثقافي لبلدان كثيرة بينها عمان والكويت وبذل جهدا في تاسيس الادارة الثقافية في الجامعة العربية وتطويرها حتى صارت هيئة مستقلة عن الجامعة باسم منظمة التربية والثقافة والعلوم واعطى سنوات من عمره كمنسق علمي لمجلس وزراء الثقافة ، علاوة على مشاركاته الدائمة في الندوات والمنتديات العربية ، وقد اسهم معي عام 1974في التحضير لمؤتمر التعريب الذي اشرفت على ادارته وقمت بالدعوة له عندما كنت رئيسا لتحرير مجلة الثقافة العربية واستمرت علاقتي به اغترف من علمه واستمتع بصحبته الجميلة الظريفة واحاديثه العميقة والتقي به في بيته الجميل المطل على النيل بجوار مبنى التليفزيون في القاهرة ، او اذهب اليه في المؤسسة التي يرعاها للاشراف على تيسير العلم للطلبة الفلسطينيين ، بجوار شارع الحمراء في بيروت ، وقد هاتفته قبل اشهر قليلة اثناء زيارتي الى بيروت فاخبرني انه يرقد الان ملازما السرير في بيته بسبب تعثره في احدى درجات السلم اصابته بشروخ اعاقته عن الحركة مؤجلا اللقاء الى ما بعد خروجه من هذه المحنة ، ولكن اعلانا بنعيه نشرته صحف بيروت وضع حدا لمتعة الالتقاء بهذا العالم الموسوعي الجليل صاحب الافضال الكثيرة على ثقافتنا العربية ، كما انه يطوق عنقى بجميل شخصي عندما كان رئيسا للجنة اختيار افضل عمل ابداعي للكتب المشاركة في معرض بيروت للكتاب وكان اختيار اللجنة قد وقع على الثلاثية الروائية التي صدرت ذلك العام من تاليفي وكانت اللجنة سرية حتى تم الاعلان عن اسماء اعضائها بعد اعلان النتيجة وتفضل دولة رئيس الوزراء عمر كرامي بتسليمي الجائزة وسط اجواء الحراسات في الحفل الذي اقيم اشهرا بعد عودة السلام الى بيروت .
رحم الله استاذنا الكبير الدكتور محمد يوسف نجم ، عضو مجامع اللغة العربية في كل من مصر وسوريا وتونس وعمان واستاذ الادب العربي في الجامعة الامريكية في بيروت والمشرف على المؤسسة الطلابية الفلسطينية التي ترعى طلاب الدراسات العليا من ابناء فلسطين وتقدم لهم المنح في العالم والحائز على جائزة الملك فيصل من السعودية، والعزاء كل العزاء لتلاميذه في ارجاء العالم العربي وعزاء خاص للسيدة زوجته وللسيدة ابنته الهمهما الله الصبر الجميل واجزل الجزاء والعطاء للراحل الكريم بقدر ما اعطى وقدم للثقافة العربية، اللهم آمين .

محمد فريد سيالة
رحيل رائد من رواد الادب الليبي

ما زلت ارجو الا تتحول هذه الزاية الى زاية لكتابة المراثى لكثرة من يتساقط من فئة المبدعين والكتاب والادباء، بما يؤكد ان هذه الفئة هي الاكثر تضررا مما تعانية الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في عالمنا العرب من علل واوصاب واعطاب تنعكس على ابدانهم ونفوسهم باعتبارهم اكثر ابناء الشعب اهتماما بالقضايا العامة ومصير الوطن والمواطنين . ولا ادري ان كانت هناك احصائيات رسمية ناتجة عن دراسة لنسبة الفاقد في هذه الفئة مقارنة بفئات اخرى ولكنني على ثقة من ان هذه الاحصائية ستثبت ما اقول. وساتكلم عن راحل ليبي من جيل الرواد في الادب ، مات دون ان اجد له ذكرا في الصحف السيارة او وسائل الاعلام ، لانه كان قد انصرف على الكتابة ، ربما بسبب ما عاناه في حياته من احباطات، حيث ظل ورغم عطائه الغزير في مقتبل العمر ، يعمل عملا دؤوبا يستغرق النهار كله ، في احدي الشركات ، من اجل التقاط لقمة عيشه ، ولم تسعفه الكتب الكثيرة التي اصدرها ، بتوفير اي مردود مادي يعينه على التفرغ لكتاباته حتى وهو يصل مراحل العمر المتقدمة ، فقد توفي وهو على مشارف الثمانين من عمره ، انه الكاتب الرائد الاستاذ محمد فريد سيالة الذي اعترف بانه كان واحدا ممن اتاحوا لي في مرحلة الصبا ان انشر في صحيفة كان يشرف على تحريرها هي صحيفة الطليعة التي كان يصدرها اتحاد العمال ، وكان هذا في اوخر الخمسينيات وقبل ذلك اصدر وهو يشتغل في التعليم مجلة تربوية ادبية عن طريق نقابة المعلمين باسم صوت المربي في منتصف الخمسينيات ومن خلالها عرف رواد كتابة القصة نافذة يطلون منها على القاريء بل اصدر عددا خاصة عن القصة القصيرة في ليبيا صار فيما بعد مرجعا للباحثين كما اسهم في تلك السنوات في الاشراف على المجلة الادبية الفنية التي اصدرتها الاذاعة بعنوان هنا طرابلس الغرب ، واصدر قبل فترة من توقفه عن الكتابة في اخر الستينيات ومطلع السبعينيات صحيفة رياضية جماهيرية اسمها الاولميياد احالها الى صحيفة جامعة هي الفجر تفرغ بعدها للعمل في احدى الشركات النفطية مشرفا على التدريب باعتبار انه صاحب خبرة طويلة في التعليم.
وكنت التقيه بين الفينة والاخرى ، فادعوه للمشاركة في المنتديات التي كنت اديرها ، لكنني اراه زاهدا عازفا عن هذا العالم ، وقد رتب حياته بعيدا عن عالم الثقافة والصحافة الذي لم يجن منه الا الاشواك ، ولم يكن دوره في الصحافة يقتصر على ادارة هذه الصحف وتوجيه شباب الصحفيين والكتاب فيها عندما يستل قلمه ، كما كان يفعل مع مقالاتي ، ويعمله تصحيحا للاخطاءالنحوية ، وازالة الجمل المرتبكة والكلمات الركيكة وابذالها بجمل سوية وكلمات يستقيم بها المعنى والاسلوب ، بل كان ايضا مجاهدا بالقلم في مجالات التحرر الاجتماعي وكان اول من فجر قضية التخلف الذي تعاني منه المراة وسعى لتحطيم القوالب الجامدة التي يحرسها سدنة المجتمع القديم وخاض اشرس المعارك معهم واصدر كتابا شهيرا جمع فيه مقالاته التحررية عن المراة عنوانه نحو غد افضل صدر في خمسينيات القرن الماضي ، كما نشر اول رواية صدرت في الادب الليبي عنوانها اعترافات انسان في ذات الفترة ورواية اخرى قراتها له مسلسلة في مجلة هنا طرابلس الغرب . وعدد من التحقيقات وادب الرحلات وضع بها بصمته في سجل الادب والثقافة قبل ان يرحل في صمت وكبرياء .

كامل زهيري
مرثية لنقيب النقباء

عندما التقيت لاول مرة بالراحل الكبير الاستاذ كامل زهيرى في مطل الستينيات ، كان نحيفا جدا ، وطويل القامة جدا ، وكان انيقا وسيما ، ثم تكررت رؤيتي له ، وهو يرتاد المكان الذي كان شديد الشعبية بين الادباء والكتاب والفنانين ، هو كافيتيريا فندق سميراميس المسماة ليل نهار لبقائها مفتوحة طوال ساعات اليوم ، وكان المكان المفضل للقاء هؤلاء الكتاب هو الشرفة المطلة على نهر النيل ، منذ الساعات الاولى من الليل حتى الساعات الاولى من الصباح، وكان كامل زهيري ياتي فيجد الدعوات تأتية من تجمعات تتحلق حول الطاولات ، لتحظى بطلاوة حديثه وعمق تحليلاته وروح الدعابة التي يتميز بها ، خاصة وان عددا من هذه الطاولات كان يحتلها رفاق له من مؤسسة روز اليوسف الذين يمثلون الاكثرية لان مقر المؤسسة قريب من الفندق ، الا انه كان في مناسبات كثيرة يختار طاولة بجلس اليها صديقيه يوسف ادريس ومحمد عودة ، ومعهما احيانا بعض الاصدقاء من الوسط الفني ، وكنت غالبا ما اذهب محتميا بيوسف ادريس واجلس صامتا بجواره انصت للحديث الدائر بين هؤلاء المبدعين الكبار ، وقد سمعت يوسف ادريس يثني على وسامة واناقة كامل زهيري الذي جاء يشكو في تلك المرة الاولى التي رايته فيها من انه يخشى ان يفقد مكانته كواحد من اسياد الكلام لانه اكتشف ان اصدقاء له ينافسونه وينجحون في اخذ زمام الحديث منه وذكر بين من ذكر صديقه المرحوم احمد بهاء الدين وصديقه الذي كان موجودا صلاح عبد الصبور ، وقال انه واثق من ان بعض اصدقائه ياخذون دروسا خصوصية في قواعد الحديث في المجالس لكي يبزونه في هذا المضمار لكنه واثق من امكانياته الكلامية التي لم يكتسبها اكتسابا وانما هي هبة اعطاها له الله . توثقت علاقتي فيما بعد بالاستاذ كامل زهيري بدءا من مطلع الثمانينات حيث اشتركنا في انشاء المجلس القومي للثقاقة العربية ومجلة الوحدة التي صدرت في باريس ثم انتقلت الى الرباط ، وكان التجوال معه في باريس متعة وثقافة لانه خبير بهذه المدينة خبرة القاطنين بها ، عارفا لاسرارها ، دارسا للمواقع التي كان يقطنها او يرودها الادباء والكتاب محاولا ان يجد في كل مرة شيئا جديدا يتصل بتاريخ الرواد العرب في هذه المدينة مثل الطهطاوي والافغاني ومحمد عبده وصولا الى طه حسين وتوفيق الحكيم وصبري السربوني وغيرهم من رموز التواصل الثقافي بين العرب والغرب وبين فرنسا ومصر ، وفي الرباط والدار البيضاء وطنجة واغادير كان يحمل الة التصوير المتحرك ويذهب لتسجيل الاثار الاندلسية التي تحفل بها المدن الغربية ، ولاشك انه يمتلك ثروة من هذه الافلام ، لاشك ان زوجته الكاتبة الصديقة الاستاذة خديجة قاسم خير من يصون هذه الثروة وخير من يقدر سبل الانتفاع بها ، وقد كان هناك اتفاق بيني وبينه ان يقودني في رحلة استطلاع لمعالم القاهرة الفاطمية والايوبية والمملوكية ولكن زحام القاهرة وفرصة البحث عن ايام خالية من الزحام ، لم تظهر ، حتى مضى الوقت وكرت السنون دون ان يتحقق هذا الاتفاق ، لكنه استطاع وهو يشرف على مكتبة القاهرة الكبري ، ان يجمع من المواد والوثائق ما يجعل الاهتداء الى اسرار التاريخ الاثري والمعماري للقاهرة متيسرا لكل من يهمه الامر. لقد انتهت تلك النحافة وتحولت الى بدانه ولكن خفة روحه و جمال دعابته وعمق وطلاوة حديثه لم تتغير ، كما حافظ وهو في اوج المجد الصحفي والاعلامي على تواضعه الانساني الجميل ، كما ظل مثالا للامانة والنزاهة والصدق كاتبا وانسانا وصديقا .
رحم الله الكاتب والصحفي والمفكر والمثقف الموسوعي كامل زهيري وعوض فيه الوطن والثقافة خيرا مدركين انه انسان لن يتكرر ولن يجود الزمان ربما لدهور طويلة قادمة بمثل هذا المثال النادر للانسان الذي اجتمعت له مجموعة من المؤهلات يصعب وجودها في انسان واحد .

درس من كامل زهيري

الدرس الذي يقدمه لنا الراحل العزيز نقيب نقباء الصحافة العربية الاستاذ كامل زهيري ، هو الاسلوب الذي تعامل به هو وجيله مع المهنة التي اختاروها لانفسهم وهي مهنة القلم ، لقد اعدته الدراسة ، ربما بترتيب من الاسرة ان يكون محاميا ، فاكمل دراسته في كلية القانون ونال اجازة الحقوق ،ولكن الميول الطبيعية والهواية والموهبة قادته الى الكتابة ، والكتابة في عرف ذلك الجيل رسالة , والرسالة تقتضي تأهيلا مختلفا عن اي عمل آخر في الحياة ، فصاحب هذه الرسالة سيكون له دور في صناعة الراي العام وتوجيه المجتمع وخلق الوعي في نفوس القراء والارتفاع بمستواهم الفكري ، الارتفاع بوعيهم ، الارتفاع بذائقتهم الفنية ، فلم يجعل من الشهادة الجامعة نهاية باب التحصيل العلمي ، ولم يجعل من القراءة فقط موردا للعمل وهو القائل عن نفسه بانه قاريء محترف وكاتب هاو ، لا لم يكتف بذلك ، وانما ذهب بعد عام من تخرجه الى الهند ، لم يذهب هناك ذهاب سياحة ، اوذهاب استراحة كما يفعل اولاد الاغنياء ، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة ، لا لطبقة الاغنياء ، ولم يكون في قدرة احد من اسرته ان يبعثه الى هناك ، ولكنه تدبر اموره وذهب ، على طريق التكوين والبناء الضروري لشخصيته كصاحب قلم .
كانت الهند في ذلك العام 1948مصدر انبعاث فجر جديد لشعوب العالم ، فهي البلد المسماة درة التاج البريطاني ، وان تحقق هذه البلاد استقلالها وتتخلى بريطانيا العظمى عن درة تاجها فتلك هي المعجزة التي حدثث وهي لم تكن لتفعل ذلك لولا الجهاد الاسطوري الذي قاده الزعيم القومي والاب الروحي لشعب الهند المهاتما غاندي تعاونه ثلة من احرار الهند الذين تولوا القيادة الى جواره على راسهم جواهر لال نهرو ، فكان لابد ان يذهب ليلتقى بهذه التجربة الفريدة في هذه البلاد التي صنعت لنفسها ما تريد شعوب اخرى ان تصنعه لنفسها مثل مصر التي تسعى جاهدة لاستكمال استقلالها ، وهناك سيحقق هدفا اخر من اهداف رحلته وهو تقوية حصيلته في اللغة الانجليزية ، وكسبيل لتحقيق مورد رزق يتيح له البقاء طوال العام ،عمل مع الاذاعة الناشئة التي تبث باللغة العربية التي انشأتها حكومة الاستقلا ل الجديدة ، كانت دراساته الاولية قد زودته بحصيلة من اللغة الفرنسية التي ظل الى يوم وفاته يعتبرها اللغة الثانية بالنسبة له ، التي لا يكتفى بان يقرأ بها الكتب ويتحاور بها مع الادباء وانما يصنع كتبا منها تعريبا وترجمة وتلخيصا ، وكان لابد لان يذهب بعد سنة التحصيل للغة الانجليزية في الهند ، سنة اخرى ، هذه المرة الى السوربون لتوفر مدخرات معه ينفق منها ويدفع بها مصاريف الدراسة ، فكان هذا العام الذي قضاه متفرغا لدراسة اللغة الفرنسية والتعرف خلال اقامته في باريس على التيارات الفكرية التي صارت تغذي منتديات العالم بافكارها بما في ذلك العالم العربي الذي صدرت فيه مجلات مثل الاداب في مطلع الخمسينات تكرس جزءا من مهمتها لترجمة الافكار الجديدة الصادرة عن مفكري ومبدعي فرنسا مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار والبير كامي ، وغيرهم فكانت فرنسا محطة مهمة في تكوينه ، بمثل ما كانت الهند ، وطبعا عندما انضم للعمل في روز اليوسف ، دخل ليبدأ تلميذا في مدرسة ناظرتها السيدة فاطمة اليوسف وعريفها ابنها احسان عبد القدوس ، ليتعلم كذلك من زملاء قد لايكبرونه كثيرا في السن امثال احمد بهاء الدين وفتحي غانم وصلاح جاهين ، ليصبح فيما بعد استاذا مؤهلا لادارة المدرسة التي استلم في مرحلة ما المنصب الاعلى فيها عن قدرة وجدارة وتأهيل ، رحمه الله رحمة واسعة بقدر ما اعطي لوطنه من جهد وفكر وتنوير .

الحاج مدبولي
رحيل ناشر شجاع

عام 1964 عرفت الحاج محمد مدبولي صاحب مكتبة مدبولي في ميدان طلعت حرب بالقاهرة عن طريق الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي ، كنت قدر زرت البياتي في بيته وكان قد جاء حديثا للاقامة في القاهرة فاخبرني بان واسطة الخير في حصوله على هذه الشقة وتسهيل نفقاتها هو صديقه الحاج محمد مدبولي ومنذ ذلك الوقت صرت احمل للحاج مدبولي تقديرا خاصا ، وقد اصبح في ذلك الوقت حلقة الوصل بيني وبين الشاعر البياتي ، حيث كنت احضر للقاهرة في زيارات متباعدة فاتجه الى الحاج مدبولي الذي يبلغني باخبار صديقه ابو علي ، عبد الوهاب البياتي ، وصارت زيارته وتحيته في مكتبته عادة اقوم بها كلما جئت الى القاهرة دون ان تتجاوز علاقتي به هذه الحدود ، فلم اصل الى ان اكون احد الكتاب الذين ينشر كتبهم ، واذكر انني سالته في احدى لقاءاتنا الاخيرة ، عن مسرحية كتبتها الدكتورة نوال السعداوي ، ونشرتها مكتبة مدبولي ، ثم اتضح ان بها شيئا يثير حفيظة المتدينين اعتبروه تجديفا ضد الله ، فقال لي انه يثق في الدكتورة نوال السعداوي وينشر لها كتبها دون مراجعة، وقد فوجيء بهذا الكتاب الذي خرج في رايه عن كل اعتبار تراعيه المكتبة في النشر، واخبرني انه ناقش مع السيدة السعداوي قضية الكتابة محتجا انها تضعه في موقف حرج ، خاصة وانه رجل عميق الايمان ، لا يريد ان تكون له علاقة باي كتاب لا يحترم الدين ولا يقدم الاجلال الكامل لخالق الكون ، وقال بانها كانت تتحجج بحرية الابداع ورسالة المبدعين في تقليب كل الاحجار وطرح كل الاسئلة ، فاصر الحاج مدبولي كما اخبرني على القول للكاتبة بانه مستعد لقبول اي طرح ثوري او كتابة متمردة الا فيما يخص الله سبحانه وتعالى ، فهو لا يرى ان السماء ميدانا لمثل هذه المعارك والثورات وحركات التمرد ، ولكن المجال الطبيعي لها هو الارض ، وقال لي بانه لا تهمه الخسارة فهو على استعداد بعد ان طبع الكتاب ان يقوم باعدامه لانه يريد ان يبقى طريقه مع الله طريقا عامرا سالكا . لا ادري ماذا حدث للكتاب بعد ذلك وعما اذا كانت الكاتبة قد وافقت على تعديل بعض فقراته ، او قامت باعادة طبعه ، ولكن الحاج مدبولي كان غاضبا غضبا صادقا حفاظا على علاقته بخالقه الذي انتقل اليه بعد هذا الموقف باشهر قليلة ، ولابد ان الله يعرف صدق نوايا هذا العبد المخلص المؤمن من عبيده ، ليذخر له جزاء يتفق مع عمق ايمانه وقوة اخلاصه وحرصه على عمار الطريق بينه وبين ربه .
نعم قد تقسو ظروف النشأة مع اناس مثل الحاج مدبولي فياتون الى العالم فقراء معوزين ، يكدحون منذ بواكير الطفولة للحصول على لقمة العيش ، وتحرمهم الظروف من التعليم ، ويناضلون من اجل البقاء في عالم مليء بالاخطار والمهالك ، ومع ذلك فان قوة العزيمة ، تجعلهم يتقدمون ويتقدمون ، فيقهرون الفقر والعوز والحرمان والجهل ويرتفعون الى مراتب عالية من الانجاز والتحقق ، ويصبح لهم دورا يقترب من دور اصحاب الرسالات ، كما فعل الحاج مدبولي في مجال النشر والترويج للفكر المستنير. والشجاعة الفائقة في تبني الافكار المناهضة للتيار السائد او التيار الحاكم ، فرحمة الله عليه رحمة واسعة ، وغمره بالخير العميم في دار البقاء واجزل له التقدير والعطاء بقدر ما اعطى وقدم للحياة

مؤلم هذا الرحيل

سابدأ في هذه المرثية بالراحل الكبير ، رائد الحداثة في المسرح العربي ، وعميد المخرجين واساتذة المسرح ، المخرج والممثل والاستاذ المسرحي الفنان سعد اردش ،وهو فنان صديق ربطتي به علاقة حب واعجاب من طرفي وعطف واستاذية من طرفه منذ ان التقيت به اول مرة بعد عام من عودته من بعثته الايطالية اي في عام1962حيث كنت في ذلك الوقت اتواجد في القاهرة للدراسة التي اقتضت ان اصرف وقتا في المسرح القومي للاستفادة من تجارب المخرجين اثناء التمارين وكان من اهمهم سعد اردش الذي تميز بانه كان دائم الاستعداد للعطاء من معين علمه ، بحب واريحية وجمال انساني ، بشوشا مفعما بالحب للناس والحياة والفن واهله ، خبيرا بالاساليب والتقنيات الحديثة في فنون المسرح ، وظل على مدى العقود التي اعقبت عودته صاحب حضور قوي فاعل لا على مستوي مصر بل على مستوى الوطن العربي الذي زار اقطاره واسهم في انشاء المراكز العلمية في كثير من البلاد العرب وقام بالتدريب والاعداد للكوادر والخبرات ، ونشر ظله كالدوحة الوارفة على اكثر من جيل من مبدعي المسرح في العالم العربي ، وافخر واشرف انني احد معجبيه وتلاميذه ، وسيترك فراغا مرعبا في حياة المسرح العربي وحياة كل من عرفه من مريديه ومحبي فنه العميق الجميل . وطالما نحن في رحاب المسرح ، فقد تزامن مع رحيل هذا الرائد ، رحيل زهرة يانعة من زهور الحديقة المسرحية في سوريا الفنانة الجميلة والمبدعة المتألقة والنجمة التي سطع نورها فوق خشبة مسارح الشام الاستاذه مها الصالح زوجة صديقنا وزميلنا الممثل والمخرج الكبير الاستاذ اسعد فضة احد عمداء المسرح في بلاد الشام ،والتي التقيت بها في القاهرة منذ عام او اكثر قليلا فكانت مليئة عافية ، تنظر بامل وتفاؤل للغد الذي خذلها وخذلنا، فعزاء لنا جميعا،عزاء لزملائها في المسرح السوري ولجمهورها الذي اضاف اليه التليفزيون ملايين المعجبين بفنها في شتى اقطار العالم العربي ، ثم لزوجها ورفيق دربها الذي نسال الله ان يعينه على مواصلة الرسالة وحمل الامانة من بعدها الاستاذ المبدع اسعد فضة .
في ليبيا انتقل الى رحاب الدار الاخرة كاتب من جيل الستينيات هو عبد السلام ابورقيبة الذي بدأ حياته محررا صحفيا بمجلة ليبيا الحديثه واغوته القصة القصيرة فصرف بعضا من وقته في كتابتها واصدر اكثر من مجموعة قصصية وضعته على خريطة هذا الفن الجميل وتكررت معه في السنوات الاخيرة الظاهرة التي تكررت مع كتاب كثيرين من ابناء مهنته وهو الا نسحاب من المجال الادبي انسحابا كاملا او جزئيا بمعنى الاكتفاء بنشر قصة او مقالة في اوقات متباعدة وهو نوع من الرحيل المؤقت عن الميدان، الى ان ياتي الرحيل الاخر كما يسميه ابو الطيب المتنبي عندما يقول " وفي الموت من بعد الرحيل ، رحيل "سنفتقده كاتبا وسيفتقده اصدقاؤه انسانا بالغ العذوبة والرهافة . الكاتب الاخر من ابناء نفس الجيل الذي رحل بعد ان تخطي الستين بقليل، هو الكاتب التونسي الصديق سمير العيادي ، الذي لعب دورا بارزاساهم في ارساء قيم الحداثة الادبية والفنية ،ربطتني به علاقة متينة في بداية مشوارنا الادبي ، واصدرنا كتبنا الاولى في نفس الوقت ، اصدر هو كتابه صخب الصمت الذي كان شهادة ميلاده الادبي في منتصف السينيات حيث اصدرت كتابي الاول وكنت اذهب الى تونس فيلاقيني بالود والترحاب ويقوم بترتيب انشطة ولقاءات لي مع الادباء هناك وحدث عندما كان مديرا لدار ابن رشيق ان استضافني في لقاء وحوار مع الجمهور ، وباعدت بيننا السنين ولم استطع ان التقي به في اكثر من رحلة قمت بها الى تونس فاغادرها بامل ان اراه في المرة القادمة حتى جاء الناعي ينعى هذا الكاتب الجميل في مجالي القصة والمسرح والصديق العزيز والانسان النبيل والنجم الذي اضاء سماء الابداع في تونس تم افل ليترك تلك السماء اكثر عتمة واقل نورا.

هارولد بينتر
الخروج من مسرح الحياة

بدأ ظهوره على مسرح الحياة المسرحية في بريطانيا منذ نصف قرن مضى ، مع عرض اول مسرحية يكتبها وهي مسرحية الغرفة ، ورغم الاستقبال المتحفظ والمتواضع لهذه المسرحية ذات الفصل الواحد، فانه لم يعدم من رأى فيها شيئا جديدا ، واتبع هارولد بينتر هذه المسرحية بعدد من المسرحيات التي توالى ظهورها تباعا وبشكل متواتر استطاع ان يؤكد بها حضوره كمؤلف مسرحي يحظى باعتراف المجتمع الادبي والفني بقيمة اعماله وقوة موهبته ، هي مسرحيات حفلة عيد الميلاد والحارس والعودة الى الوطن ، واتضحت ملامح المدرسة التي جاء يبشر بها ، وهي مدرسة في التاليف المسرحي لا تتبع الخط التقليدي للمسرح البريطاني ولا تحاكي اساطينه الكبار، وانما تستعير بعض العناصر من مدرسة المسرح العبثي في فرنسا دون ان تحاكي مسرح العبث محاكاة كاملة ، وانما تضيف الى تلك العناصر شيئا كثيرا من البيئة البريطانية ومكونات الشخصية الانجلو ساكسونية في تحفظها وعدم انفتاحها السريع على الاخرين ، وتعاملها بحذر مع الغرباء ، رغم ان هارولد بينتر ينحدر من جذور بولندية ، وعائلة يهودية هاربة الى الجزر البريطانية من احدى مراحل الاضطهاد والعنصرية قبل ميلاده بعقود كثيرة . وتحديدا في اواخر القرن التاسع عشر . مسرح يعتمد على لحظات الصمت التي تتقاسم مع الحوار مدة العرض المسرحي بالتساوي ، فبقدر ما هناك من جمل وعبارات ، فان هناك مواقف صامتة ، لا تقل اهمية على الحوار نفسه ، وتتخذ مسرحياته من الاداء النفسي وسيلة للا هتداء الى اعماق الشخصية ، حيث يحتدم الصراع قويا داخل نفوس الشخصيات من جهة وبين الشخصيات المتواجدة في عالم المسرحية من جهة اخرى ، وهناك دائما هذا الخوف الكامن في نفوس الشخصيات من ان ينتهك احد اخر الحيز الذي تعتبره خاصا بها وتنظر بشك وريبة لمن يقترب من حدود هذا الحيز،ومع انها مسرحيات تتعامل مع لحظات عادية روتينية في الحياة ولكنها عامرة بالتوتر مما اعطي مسرحه اسم كوميديا الخطر الداهم ، وهو خطر او تهديد بوجود الخطر ، يزرعه هارولد بنتر في المشهد الذي ينقل الحياة في سياقها اليومي الطبيعى بين اثنين يجلسان في المقهى ، او امرأتين تنتظران الحافلة ، او زميلين في مكتب او شريكين في منزل ، ويتحدثان حديثا عاديا بسيطا بمفردات الاستخدام اليومي ومع ذلك وعبر هذا الحديث ذي المظهر البري، تتراكم موجات ذات طابع سلبي تخترق المشهد كما يخترق الفيروس جسدا مريضا، وتبدو مسرحيات هارولد بينتر معنية بمعالجة قضية انسانية اساسية ، تاخذ الاولوية على بقية القضايا ، هي قضية صعوبة التواصل بين الناس ، واحيانا انعدام هذا التواصل ، وتظهر بقوة في مسرحياته هذه الجسور المهدمة بين الناس ، ليس فقط بين الناس الاغراب عن بعضهم بعض ، ولكن بين الناس الذين يجمعهم مسكن واحد او عائلة واحدة .
انتسب في احدى مراحل الدراسة الى رادا الاكاديمية المتخصصة في تدريس فنون المسرح في لندن، وتركها قبل ان يكمل اعوام الدراسة بها ، ليباشر الانخراط في الفرق الجوالة ممثلا قبل ان ينتقل بعد سبعة اعوام الى التأليف المسرحي ، ومع التمثيل والكتابة كان يهتم بالاخراج للمسرح والسينما ايضا واستمرت معه هواية التمثيل حتى الاعوام الاخيرة من عمره وهو يقاسي مرض السرطان حيث قام بتمثيل دور البطولة في مسرحية لصمويل بيكيت بمسرح رويال كورت بلندن ، اما الاخراج فقد جرب حظه في اخراج عدد كبير من العروض ، واثبت نجاحه في مجال اخر هو كتابة سيناريو الافلام مثل امراة الضابط الفرنسي عن رواية جون فاولز التي جلبت له عدة جوائر وكذلك الفيلم الانجليزى الشهير الذي حصد عددا كبيرا من جوائز الاوسكار بطولة ديرك بوجارت "الخادم" المقتبس عن رواية للكاتب روبن موم واسهم فيه هارولد بنتر بدور صغير عام 1963، وافلام اخرى كثيرة ، كما كان يجد احيانا بعض المتعة في كتابة الشعر ،الى حد ان ترك من اجله التاليف المسرحي في اعوامه الاخير، وتفرغ له تفرغا كاملا ، وكانت اخر قصائده قصيدة رثاء في محمود درويش .
مات هارولد بينتر لكن ما بقى منه للتاريخ كثير جدا ، مدرسة مسرحية هي البينترية ، التي تتميز نصوصها بما تحمله من رعب الحياة اليومية ، وما يتهدد الانسان من انتهاك لحياته الشخصة ، وما ييرز عبر ذلك من رؤية سياسية ، وما يمازج الجد في مسرحياته من هزل يحمل روح المرارة والسخط وما يتجلى من صعوبة في التواصل بين البشر ، لقد كانت هذه الخصائص التى ظهرت في مسرحيته الاولى ذات الفصل الواحد ، تزداد عمقا وقوة عبر ما كتبه من مسرحيات تصل الى ثلاثين مسرحية ، وكان بحق انسانا فريدا متميزا اصيلا في ابداعه ، صادقا في توجهاته ومواقفه ، يرسي مثلا اعلى للتجانس بين افكار الكاتب وسلوكه، ويقدم نموذجا راقيا للكاتب صاحب العمق والاصالة وقوة الضمير والانتماء للحق والصدق والعدل والمحبة والجمال ،لا يعيقه اي عائق عن المجاهرة بكلمة الحق في اوجه الحكام ، رضوان الله عليه.

* * *

عندما سافرت عام 1968الى لندن لدراسة المسرح كان هارولد بينتر علما ، يلهج باسمه الناس ، ويعتبره اساتذة الاكاديمية التي التحقت بها واحدا من قادة التجديد في المسرح البريطاني ، صاحب مؤهلات عالية في التقنية المسرحية ، والاقتصاد الشديد في استخدام الكلمات اثناء الحوار ، والاستعاضة عن الكلام الغائب ، بلحظات التامل والصمت التي تحمل احيانا شحنة من التعبير تفوق الكلام ، وكان بعض هؤلاء الاساتذة ، يحبون اقتباس مشاهد ، او اسكتشات من اعمال هارولند بينتر لاجراء الاختبارات عليها ، واستخدامها كتمارين عملية لشرح الدروس النظرية ، ويقدمونها احيانا في عرض مسرحي يستغرق سهرة كاملة ، خاصة في ختام العام الدراسي او عطلة نصف السنة ، يحضره جمهور يتكون في الغالب من او لياء امور الطلاب واقاربهم واصدقائهم ، وكان بعض هذه المشاهد لا يمنح نفسه بسهولة للقاريء الذي يقرأه كنص ، ولكن الاخراج القادر على استكناه اسرار النص المسرحي ، يستطيع ان يضعه في ضوء ، يسهل معه فهمه وتحقيق التواصل بين النص وبين المتفرج ، وقد وقفت ذات مرة حائرا ازاء سكتش صغير لا يزيد على صفحة ونص ، طلب مني الاستاذ المشاركة مع طالب اخر في تقديمه ، وهو يدور بين شخصيتين ، بين عامل في مصنع يتولى مع زملائه العمل على انتاج اسياخ من الحديد المدبب الرؤوس ، وقد جاء يلبي استدعاء جاءه من مدير المصنع او صاحبه ، ليدخل اليه في مكتبه الفخم للحديث حول جانب يتصل بانتاج هذه الاسياخ ، وكل ما يحتويه المشهد ، بضع كلمات يتبادلها الاثنان ذات طبيعة فنية تقنية ، وقد ذهبت بالنص الى البيت وقراته ربما اكثر من عشر مرات ، فلم ار في هذا النص الصغير شيئا من عناصر البناء الدرامي ، اذ لا وجود لقصة ولا عقدة ولا حدث يتطور مع النص او شخصية تتنامى عبر الحوار والحركة ، لانه لا وجود اصلا لحدث ولا شخصية عدا بضعة اسطر من حوار رايته جامدا خاليا من جماليات الابداع الادبي ، يدور حول سيخ الحديد ورأسه المدبب وقاعدته المستديرة ، وعلى مضض قبلت المشاركة في اداء المشهد ، ولم تتضح لي ابعاد هذا النص القصير الصغير ، واعرف ان سطحه لا ينبيء بعمقه ، الا بعد ان بدأ الاستاذ يشرح ابعاد هذا الاسكتش فاذا بعناصر الدراما المختفية خلف جمود النص تظهر وتظهر معها الحركة وتظهر الدراما ويظهر الحدث وتناميه وتظهر الشخصيات وما يحدث لها من تحولات ، فقد اظهر الشرح ، انه نص ، يحمل رأي هارولند بينتر في العلاقات الصناعية ، حيث كانت اجواء البلاد مشحونة بالصراعات التي نشبت بين العمال وارباب العمل ، وان هذا المشهد ، الذي يظهر فيه رب العمل في قلعته وهو مكتبه الفخم ، يسيطر على اجواء المكان ، كبيرا مهيبا ، في مواجهة العامل الذي يدخل اليه مترددا متهيبا ، صغيرا ضئيلا يؤخر قدما ويقدم الاخرى، سرعان ما يتحول عبر الحوار والحركة الى العكس ، فاذا رب العمل بعد لحظات يتضاءل بينما شخصية العامل ، تكبر وتواصل تناميها على حساب ما يحدث من تقلص للمديرالذي يبدو امام العامل جاهلا بالخصائص الدقيقة لصناعة هذه الاسياخ ، وفعلا قمت باداء المشهد بهذا الفهم ، وتفاعلت معه ، واحسست بعمق وقوة ما كان يحمله هذا النص الصغير ، الذي لم يعتمد على شعرية الحوار ولكن على شعرية اخرى كامنة كتيار الكهرباء داخل المشهد المشحون بالتوتر ،وعبر حوار الرؤوس المدببة والقواعد المستديرة لاسياخ الحديد . وعرفت منذ ذلك اليوم ان قراءة هارولد بينتر والنظر في اعماله يحتاج الى فحص وتدقيق وانه لا ينفع معها النظرة السطحية والقراءة العابرة ، فهاهو في مشهد صغير لا يزيد عن بضعة اسطر يقبض على جوهر الصراع المحتدم في الحياة العامة بين اتحادات العمال واصحاب رؤوس الاموال الذي تفجر عنيفا قاسيا في تلك السنوات ، متوافقا مع ثورة الطلاب والشباب ، حيث صار العمال منذ ذلك الوقت يفرضون شروطهم ويعلنون الاضرابات التي تعطل الحياة حتى ترتفع اجورهم ،وتتحقق مطالبهم في الرعاية الصحية ومعونة البطالة والتامينات وغيرها ، وكان الاخراج واعيا بهذه الحقيقة التي يتضمنها المشهد الصغير، حيث يصبح سيخ الحديد في يد العامل كانه السيف في يد الفارس الذي خرج يطالب برؤوس خصومه ، ويبرع في استخدام الاضاءة فاذا به يظهر في الظل المعكوس على الجدار في صورة القديس الذي يقتل التنين كما تجسده الرسوم والجداريات الدينية

* * *

كان حضوره كبيرا في المشهد المسرحي الستيني في بريطانيا ، كواحد من الكتاب الذين قادوا حملة التجديد، ملتحقا بكتاب بداءوا قبله مثل جون اوزبورن الذي جعلته مسرحية " انظر وراءك في غضب " رائدا فيما يسمى الكتاب الغاضبون ، وكان معه من ابناء جيله ، كاتب مثل كولن ويلسون الذي اشتهر ذلك الوقت بكتابه " الامنتمي"وشاعر مثل جون وين ، وكانت ترافق هؤلاء كوكبة من كتاب الصحف والرسامين و فناني الموسيقى والغناء والسينما ممن يريدون الخروج عن القوالب الجامدة والتقاليد العتيقة العريقة ، خاصة في مجالات الابداع ادبا وفنا ، بمثل ما حدث على ايدي الطلاب والشباب في مجالات اخرى سياسية واجتماعية . وكان نشاط هؤلاء الكتاب الغاضبين ، ياخذ احيانا منحى سياسيا ، ويلتحمون هم ايضا بموجات الغضب الاخرى ، فيصبحون جزءا من مشهد اكبر يقود مظاهراته ويقف خطيبا في مهرجاناته الخطابية ، شيخ تسعيني من شيوخ الفلسفة ، وواحد من حملة جائزة نوبل برتراند راسل {1872ـــ1970} ، خاصة اثناء حروب فيتنام وضد غارات الجيش الامريكي على سكان القرى الاسيوية ، وحرق محاصيلهم وتهديم بيوتهم مما استنفر الضمير العالمي في اركان الارض الاربعة ، وكان لهذا الغضب البريطاني ما يوازيه في بلدان اخرى مثل فرنسا ، يقوده هناك فيلسوف اخر ، حصل هو ايضا على جائزة نوبل ورفضها ، جان بول سارتر، وكان هناك في كندا وامريكا نفسها قادة لثورة الشباب مثل اريك فروم وهيربرت مركيوز ، ولم الحظ للكاتب المسرحي هارولد بينتر في تلك الايام حضورا ثوريا سياسيا ، ورغم طابع التمرد والعبث وتحطيم القوالب القديمة في ادبه المسرحي ، فان مواقفه السياسة لم تظهر في تلك الاونة اطلاقا على مستوى الجمهور والرأي العام ، ومر ربما عقدان بعد فورة الستينيات ، لنبدأ نسمع صوتا هادرا لهارولد بينترونرى وجها اخر اكثر حدة وغضبا يظهر على الراي العام ، بالنسبة لي شخصيا فقد فوجئت ذات مرة بكتاب يصدر في لندن في مطلع الثمانينيات عن ليبيا ، التي كانت مستهدفة في ذلك الوقت من ادارة الرئيس ريجان في امريكا ، حيث قطعت العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا ، وقطعتها ايضا بريطانيا ، وتمادى ريجان في عدائه لليبيا بان ارسل سلاحه الجوي يطارد قطعا من الاسطول الليبي ويدمرها ، وتواصلت موجة العداء وتصاعدت حتى وصلت الى تلك الغارة الظالمة الغادرة على طرابلس وبنغازي تاركة خلفها عشرات القتلى من المدنيين الابرياء . كان الكتاب مرافعة دفاعية عن ليبيا وهجوما بالوثائق والارقام على القوى الغربية التي باشرت عدوانها على تلك البلاد الثورية الصغيرة ، وزورت الحقائق وادعت انها تحارب الارهاب ، بينما مصدر الارهاب الحقيقى قادم من هذه الدول مثل بريطانيا وامريكا، وكانت المفاجأة وجود اسم هارولد بينتر على غلاف الكتاب ، ليس باعتباره مؤلفا للكتاب، فهو لايكتب الا داخل مجاله الادبي المسرحي ، لكنه ككاتب لمقدمة نارية تتبنى ما جاء في الكتاب وتعتبره مثالا على استهتار الدول الغربية الكبرى بالقيم والمثل والتلاعب بالحقائق واستهداف الدول الثورية الصغيرة واخماد صوتها ومنعها بالقوة من الدفاع عن حقوقها ،ومنذ ذلك الوقت بدأ ظهور هارولد بينتر كمعارض عالمي لسياسات الدول الغربية بقيادة امريكا ، ظهورا قويا متواترا ، حيث لا يترك فرصة الا ويعبر فيها عن رايه المناويء للمؤسسة الرسمية، وسياساتها التي تحركها دوافع الطمع والاستغلال والهيمنة ، بادئا بالهجوم على حكومات بلاده كلما لاح له انها تتجنب قول الحقيقة لشعبها اوارادت ان تحيد عن العدل والمصداقية ، واصبحت مواقفه تحتل عناوين الصفحات الاولى ، مثل رفضه التكريم الذي اعطته له حكومة جون ميجر ، كما وقف ضد الهجوم على ليبيا عام 1986، واتخذ موقفا عنيفا ومتطرفا ضد سياسات بلاده وسياسات امريكا في افغانستان ، وموقفا بعد ذلك اكثر تطرفا وحدة ضد سياستها في العراق ودخول حرب ضده ، وخرج يقود المظاهرات ، ويلقي الخطب ، ويؤلف قصائد الشعر ، ويستخدم احيانا لغة بدئية قدحا ودما في افعال رجال مثل توني بلير وجون بوش الابن يراها تتفق مع بداءة الاساليب التي يستخدمانها في الترويج لسياسات الهيمنة والاستغلال والقهر .

* * *

لم يدخر هارولد بينتر جهدا ولا وقتا خلال العقود الثلاثة الماضية في التنديد بالسياسات التي تتبعها حكومات بلاده ربما منذ استلام مارجريت تاتشر الحكم ، مرورا بجون ميجر ، الذي كان استمرارا لحكم المحافظين وصولا الى حكم العمال برئاسة توني بلير ، والحقيقة انه لم يكن معارضا للحكومات وللسياسة الخارجية فقط ، ولكنه كان معارضا لكثير من السياسات والتوجهات الداخلية ، ولم تكن معارضته تفتصر على لون واحد يساري او يميني من اهل الحكم واحزاب السياسة والنفوذ والقوة ، محافظين او احرارا او عمالا ، كان قد جعل نفسه صوتا للضمير في بلاده ، وهذا الضمير لم يكن قابلا للمساومة ولا التنازل ولا التهاون فيما يراه حقا لا يقبل النقاش في ان ينطق بما في قلبه ، احب من احب وكره من كره ، وكما قلت ، فان ميزة هارولد بينتر انه لم يكن ينتقى كلماته ، او يتردد في استخدام لغة غليظة قاسية احيانا في مهاجمة القادة السياسيين لبلاده ، ولم يكن الامر يقتصر على السياسة ، وانما يتدخل في امور الحكم بكل اوجهها حتى الحكم المحلى ، ويتدخل في مهاجمة كل سلطة تفرط في الثقة بنفسها وتظن انها فوق المحاسبة ، حتى لوكانت سلطة دينية ، او خرى تدعي لنفسهاحصانة ما مثل سلطة البرلمان او ثالثة ترى في نفسها السلطة التي تحاسب الاخرين مثل الصحافة واجهزة الاعلام ، فهو لم يكن يوفر احدا ممن يرى انهم يستحقون النقد والهجوم ، ومع ذلك فان هذا المجتمع بمؤسساته وقيادته ، كان يقبل هارولد بينتر باعتباره قيمة وطنية ، ولا يعتبره ثائرا متمردا يجب على سبيل المثال محاربته من قبل هذه المؤسسات وهذه القيادات ، اطلاقا ، فقد كان موضع احتفاء ، وتقدير وتعظيم ، واذا رفض تكريما ، فليس معنى ذلك انه اصبح على القائمة السوداء ، فيما ياتي من تكريمات ، وحدث فعلا انه بعد ان رفض تكريما من رئيس الحكومة ، لم يتردد في قبول تكريم جاءه من الملكة ، لانه اعتبر رئيس الحكومة مسئولا عن سياسات حمقاء لا يوافق عليها ، ويرفض ان ياخذ جائزة تقدمها له هذه الحكومة التي لا شرف ولا مصداقية لها ، ولكن مع الملكة فقد راى انه تكريم ياتي من جهة رمزية ، تحمل رمز الوطن ، ولا ترسم السياسات ولا تتحمل مسئولية تلك القرارات الخرقاء التي اعترض عليها فقبل منها الجائزة ، اقول ان هذا الموقف الرافض المعارض ، لم يكن يجلب لصاحبه نقمة ولا غضبا ، لان هناك قانونا يحميه ، وقبل القانون هناك مجتمع حضاري يعرف قيمة هارولد بينتر ويعرف اهمية وجوده للوطن كمعارض ، واهمية ان تكون لكاتب عملاق مثله سلطة ان يكون ضميرا وطنيا يحاسب الاخرين ويردعهم ، وتابى صحف النظام نفسها التي تعلن ولاءها لحكومة العمال مثلا ، الا ان تمنح منبرا لكلام هارولد بينتر المناهض لحكومتها ، وتخصص له حيزا يليق بمكانة هذا الكاتب الكبير ، وقد تصل بعض مواقفه الى تصدر الصفحات الاولى في شكل عناوين كبيرة ، وليس كما يحدث في بلدان العالم الثالث طمسا وتغييبا لمثل هذه الاراء ، واحيانا طمسا وتغييبا لصاحب الراي نفسه ، وهو موقف يذكرنا بالموقف الشهير للجنرال ديجول عندما جاءه المسئول الامني عام َ1968يطلب منه التوقيع على قرار بحبس الفيلسوف سارتر لانه وراء اعمال الشغب واثارة المشاعر التي نتج عنها مظاهرات عنيفة تسببت في دمار للممتلكات ، فابدى ديجول اعتراضه على حبس مفكر كبير مثل سارتر، فقال له المسئول الامني يشجعه على اتخاد قرار الحبس انه يجب ان يوقع القرار من اجل مصحلة فرنسا وحفاظا على امنها فقال له ديجول كلمته المدوية التي تردد صداها عبر التاريخ ــ ولكن سارتر هو فرنسا .
نعم كان هاولد بينتر برغم مواقفه المعادية للمؤسسة الحاكمة لايلقى الا الاحترام والتقدير والتبجيل من هذه المؤسسة التي تمنح لمواقفة وارائه وانتقاداته الحادة كل فرص الانتشار والوصول الى الجمهور ، وكان شيئا يثلج الصدر ، انه في اوج مواقفه الثائرة ، ينال جائزة نوبل للاداب ، وبمثل ما هو موقف يحسب للجائزة واهلها من اعضاء الاكاديمية السويدية ، فهو موقف يحسب لوطنه ، الذي كان رغم موقفه المناوىء للاوضاع السائدة والطبقات الحاكمة ، يدفع به الى الامام ، ولا يبخل عليه بالجواز ويقيم له حفلات التكريم ، ويعطيه الاوسمة والقاب الفخامة مثل لقب "سير" ، ويفتح المسارح المدعومة من الحكومة لتقديم اعماله ، والصحف التي تنشر مواقفه واراءه المناوئة للحاكمين ، وهذا هو سلوك المجتمعات الحضارية ، فهل نجد في مجتمعاتنا الشرقية العربية من يحاول الاقتداء بمثل هذا السلوك ؟

سامي خشبة
فجيعة الموت الفجائي

مما زاد من حجم الفاجعة في رحيل المفكر الصديق الاستاذ سامي خشبة ، انني كنت قد رايته قبل ثلاثة ايام من رحيله ، مليئا بالحيوية والنشاط ، يمشي بخطى سريعة قوية واثقة ، لانه ابلغني وانا استوقفه في الطريق ، ان سبب السرعة في سيره انه تاخر عن موعد يريد ان يلحق به ، فلم يكن ممكنا الا ن اطلق سراحة دون ان استوقفه قليلا للاستمتاع بعمق وعذوبة حديثه ، فقد كنت احد الذين تابعوا رحلة هذا الكاتب المتنوع المواهب والعطاءات منذ ان كان يكتب مقالاته الادبية في الاداب البيروتية في اواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات ثم توثقت العلاقة بيني وبينه في العقدين الاخرين وازدادت صلابة عندما بدأت منذ اكثر من عشرة اعوام انتظم في كتابة مقالات الاهرام وكان هو احد المشرفين على الجوانب الثقافية والفكرية واحيانا السياسية في الصحيفة وكنت احتاج في مرات عديدة الى اخذ اذن النشر منه اذا ابدى احد الزملاء في الشئون العربية اعتراضا على كلمة او جملة فكان الاذن ياتي بتمرير تلك الكلمة او الجملة في يسر ودون ابطاء ، ومنذ ان بدأت تلك المتابعة لكتاباته المتنوعة حتى انطبعت في ذهني صورة عن نزاهة وامانة وعمق وشجاعة المثقف ، وارتبط اسمه في ذهني بهذه الصفة ، فاذا ذكرت كلمة مثقف او استدعى الموقف تعريفا وتحليلا لمن يحمل هذه الصفة وتبارى المعلقون والمنتدون في توصيفه ، كانت مباشرة تظهر في ذهني صورة سامي خشبة دونا عن غيره ومن وسط زحام من عرفت وقرات لهم من اهل مهنة الفكر والادب ، العرب والاجانب ، ارى وجهه يسطع على صفحة الذاكرة باعتباره الممثل الامثل للمثقف بل واكثر من ذلك نستطيع ان نقول انه مثال للمثقف العضوي الذى ارتبط ارتباطا قويا بقضايا شعبه وانغمس في دراسة وتقديم الاراء والافكار التي تقيله من عثراته وتنير له طريق التقدم والنهوض ، فقد التحق بالمشروع الحضاري العربي في بدايات انطلاقه في الخمسينيات ، ورافق رحلة المد اليسارى ودفع الضريبة سجنا واعتقالا ، ولم يتوقف متجمدا عند هده المحطات في تفكيره بل واصل نضجه وتطوره والارتفاع بمستواه الفكري من خلال التحصيل والقراءة ، واستطاع ان يصنع لنفسه ما يمكن ان نطلق عليه دون مبالغة ثقافة موسوعية رغم تركيزه في الاعوام الاخيرة تركيزا شديدا على متابعة الاطروحات الفكرية الخاصة بالحداثة وتقديمها حسب تجلياتها في ثقافات العالم وتقديمها على المستوى العربي لاثراء واغناء هذا الفكر دون ان يتخلى عن هواه القديم بمتابعة المسرح والشعر والرواية والنظريات الادبية ، بمثل ما اشتغل كثيرا على المستوى الفكري فقد اشتغل ايضا في ميادين العمل الثقافي وحقوله مشاركا في مختلف اللجان والمجالس ورئيسا لتحرير عدد من المنابر والدوريات ورئيسا للبيت الفني للمسرح في مصر مشرفا على تقديم العروض وتنظيم المهرجان وقد التقيت به كثيرا وهو يمارس دوره الاداري في المسرح فاجد منه قوة وصرامة في تاكيد النظام مع افق واسع للتعامل مع الاشكاليات التنظيمة دون انغلاق ولا تزمت ، وكنت اراه وانا ازوره في مكتبه في الاهرام ، يضع كتبا في شنطته اليدوية الكبيرة السوداء التي لا تفارقه ، واجد بينها كتبا في العلوم الطبيعية ومجالات بعيدة عن مجاله الفكري ، تختص بالصناعة او الاقتصاد ، فاستغرب اهتمامه بها ، فيقول بانه يجد في نفسه دائما الفضول للاطلاع عليها ، دون ان يفرض على نفسه اكمال قراءتها ، فبعضها يستفيد بقراءة جزء منها ، وبعضها يجد فيها مرجعا لبعض القضايا التي نلامسها دون ان تكون في مجال اختصاصنا ، واخرى تتصل بالمجال الفكري او بالمجال الابداعي هي التي يحرص على قراءتها . رحم الله الكاتب والمفكر والصديق سامي خشبة واكرم مثواه واجزل له الاجربقدر ما قدم للثقافة العربية من عطاء بالغ السخاء .

محمود كريم
مرثية لمطرب الطيوب

توفي في ليبيا هذا الاسبوع مطرب من جيل الستينيات هو المغني الشهير محمود كريم ، وسبقه من مجايليه وزملاء مهنته مطرب قوي الموهبة في الغناء هو الفنان الاشهر خالد سعيد منذ ثلاثة اعوام او اكثر ، ومنذ عام مضى انتقل الى رحاب الله زميل من ابناء جيله يعزف الموسيقى ويؤلف الفرق الشبابية هو منير عصمان ، وقد ربطتني بالثلاثة صداقة وزمالة ، فقد تزامن في مطلع الستينات تأسيسي لفرقة مسرحية فنية اسميتها المسرح الجديد،مع ظهور هؤلاء المبدعين الثلاثة فالتحقوا بالفرقة ، وصاروا جزءا من مجموعتها الصوتية ، وبسرعة صنعوا اسماء لانفسهم ، وانتقلوا من الغناء وراء مطرب كبيركان يقود وصلات الغناء في الفرقة هو محمد الجزيري اطال الله عمره ، الى غناء الحان واغنيات خاصة بهم بعد ان تبناهم ملحن كبير هو الرائد الراحل كاظم نديم وصاغ لهما الالحان فنان اخر اكثر حداثة هو الفنان على ماهر ، تفرغ اثنان هما خالد سعيد ومحمود كريم للغناء وانتقل منير عثمان لتقديم البرامج الاذاعية ، وكان لهم زميل اكبر عمرا ممن نشأوا في رحاب المسرح الجديد، هو ابوعجيلة محمد ، الذي غادر ليبيا الى مصر ليواصل الدراسة العالية في مجال الموسيقى ويصبح فيما بعد ملحنا صاحب اسهامات غزيرة في مجال التلحين ،وقد برع الراحل محمود كريم في غناء القصائد ومن اشهرها قصيدة للشاعر على صدقي عبد القادر والحان الموسيقار على ماهر بعنوان بلد الطيوب تقول كلماتها :
بلدى وما بلدي سوى حقق الطيوب
ومواقع الإقدام للشمس اللعوب
........................
الليل في بلدي تواشيح غناء
وقباب قريتنا حكايات الإباء
وبيوتنا الأقراط في أذن السماء
بلدي ملاعب أنجم تأتي المساء
لتقول هذي ليبيا بلد الضياء
محنة الراحلين خالد سعيد ومحمود كريم انهما ينتميان الى المواهب الكبيرة في الغناء ،ولامر ما ظلا يتراجعان في مجال الشهرة واللمعان ، بعد صعودهما المبكر ، ويلتفت المجتمع لاهتمامات اخرى ذات طابع سياسي بعيد عن مجالهما ، بينما اقران لهما في بلدان اخرى اقل منهما موهبة ونبوغا يحصدون الشهرة والجاه والمال ويلقون الاحتفاء والاكبار و ينزوي خالد سعيدا عاجزا عن تدبير سكن لائق له، فيموت صحبة الفئران ولا يكتشف احد موته الا بعد مرور ايام، وينكفي محمود كريم رهين امراض مثل السكر ، الذي استفحل معه واوصله الى حالات خطيرة ادت الي بتر ساقه، بسبب الاحساس بالمرارة ومشاعر الاحباط ثم يموت المسكين ويلحق بزميليه في جو من الصمت والنسيان.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home