Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الخميس 21 يناير 2009

بشر لا ينتمون للبشر

د. أحمد ابراهيم الفقيه

أعرف أن في وزارات الاوقاف العربية ادارات معنية بخطباء المساجد‏,‏ خاصة تلك المساجد التي تتبع مباشرة لهذا الوزارات وتصرف المرتبات لخطبائها وتضع سياسة الخطب التي يقدمونها في ايام الجمعة‏, ‏ وبسبب خطورة مثل هذه الادارات واهميتها في توعية المجتمع اسندت رئاستها لعلماء اجلاء قادرين علي حمل المسئولية كما حدث في مصر عندما اسندت هذه الادارة في وقت من الاوقات لعالم جليل هو فضيلة الشيخ محمد الغزالي‏,‏ ولكنني لا ادري اساليب سير العمل في هذه الادارات ومدي سيطرتها الفعلية علي هؤلاء الخطباء‏,‏ لأنني من خلال ما لمسته من واقع الاستماع لهم في كل مرة اذهب فيها لصلاة الجمعة‏,‏ ادركت ان الامور ليست تحت السيطرة‏,‏ ربما خوفا من اتهام الحكومات بأنها تتدخل في عمل شيوخ المساجد وتمنعهم من ممارسة حريتهم في قول مايعن لهم من فوق المنابر‏,‏ وأعتقد أن الامر اكثر خطورة من مثل هذا الاعتبار‏,‏ لانه يتصل بقضايا استراتيجية لها علاقة بالامن القومي لهذه المجتمعات وضبط حركة الصراع الاجتماعي وضمان الامن والسلام لحراك المجتمع‏,‏ واضرب مثلا بما استمعت اليه الاسبوع الماضي في واحد من مساجد وسط القاهرة‏,‏ عقب الاحداث الاجرامية في نجع حمادي‏,‏ لأنني توقعت ان اري حملة يقودها خطباء المساجد لادانة مثل هذه الجريمة‏,‏ وتوعية جماهير المصلين بعمق الوشائج التي تربط عنصري الامة من مسلمين ومسيحيين‏,‏ وافهام الناس قوة التبجيل والاحترام والتقدير بل والتقديس الذي يحمله الاسلام لسيدنا عيسي وامه مريم البتول كما جاء في القرآن الكريم وامر به نبي الاسلام‏,‏ ولكنني وجدت الخطيب يتناول قضية اخري هي ظهور طيف السيدة مريم وما دار حوله من اقاويل ويستبعد حدوث مثل هذه المعجزات‏,‏ وليس مهما رأيه في هذا الموضوع‏,‏ فهو بالتأكيد قابل للاجتهاد والرفض والقبول‏,‏ ولكنه لم يكن ملحا بمثل إلحاح القضية الاخري التي استفزت الرأي العام وأغضبت كل فئات الشعب ورأي فيها الناس جميعا درجة من الجهل والتعصب والجنون حتي لو كان الدافع ثأرا كما تقول بعض الروايات‏,‏ فهو ثأر ينتمي الي عصور التخلف والسقوط وانهيار المجتمعات والاستهتار بالقانون‏,‏ ولم يكن كاتب افتتاحية الاهرام مخطئا عندما رفض نسبة هؤلاء الناس الي الوطن‏,‏ وقال ان مصر تتبرأ من هؤلاء البشر‏,‏ واضيف فأقول ان البشرية نفسها تنفض يدها منهم‏,‏ فهم وان حملوا ملامح وأشكال البشر لاينتسبون للبشر وانما الي أخس وأسقط انواع الكائنات‏,‏ وليس جديدا نعت بعض الناس بالحشرات البشرية كما فعل استأذنا الراحل صاحب العبقريات عباس العقاد وهو يصف نماذج مثل قاديس قاتل غاندي وابو لؤلؤة المجوسي قاتل سيدنا عمر بن الخطاب بانهم حشرات بشرية‏,‏ وهو وصف ينطبق علي حشرات التعصب التي ارتكبت جريمة نجح حمادي وغيرها من جرائم مثلما حدث في طابا وشرم الشيخ والاقصر من قبل‏,‏ تمثل إدانة وسقوطا ووصمة عار ليس فقط لمرتكبيها ولكن لشريحة من المجتمع مسئولة عن تعبئة وافراز هذه الحشرات البشرية‏,‏ مما يستلزم وقفة حازمة من البشر الاسوياء‏,‏ لتطهير المجتمعات من مثل هؤلاء الناس ومثل هذه الافكار كما نفعل مع الآفات والحشرات والحشائش السامة في حدائقنا ومزارعنا‏,‏ وأبدأ بالقول ان السيطرة علي خطبة الجمعة وإخضاعها لمجلس من العلماء يخطط لها ويضع نصوصا لإلقائها من قبل ائمة المساجد في كل المساجد‏,‏ لا فرق بين مسجد يتبع وزارة الاوقاف او لايتبعها‏,‏ بات في هذه الوقت امرا عاجلا وملحا ولايقبل التأجيل‏,‏ اولا لحجم التأثير الذي تمارسه مثل هذه المساجد خاصة في الارياف ودواخل البلاد‏.‏
وثانيا ولأنه لا وجود لما يكفي من العلماء لتوزيعهم علي مئات آلاف المساجد فان كثيرا مايتولي الامامة والخطابة عناصر قليلة العلم والدراية لاتستطيع حمل المسئولية‏,‏ وثالثا لأن بعض اهل التطرف والجمود كثيرا مايتسللون الي هذه المواقع ويتخذونها مكانا لبث سموم التطرف والحقد الديني‏,‏ ولهذا فان وجوب السيطرة علي المساجد‏,‏ بات امرا يتصل بالامن القومي وسلامة المجتمع‏,‏ الا ان الامر يجب ألا يتم تسليمه لموظفين تقليديين من اهل الروتين وانما لعلماء اجلاء قادرين علي حمل المسئولية بامانة ونزاهة وعلم ومعرفة ودراية‏.‏
ومن جانب آخرلابد من اعادة تقييم شاملة للبرامج والاركان الدينية في الاعلام والصحافة فهي ايضا كثيرا ماترشح منها نعرات عنصرية اما جهلا واما عن معرفة وقصد‏,‏ وتتحول من مادة نافعة‏,‏ الي مادة ضارة تعمل ضد المقاصد والاهداف التي ارادها لها المجتمع وارادتها لها الدولة التي تنفق علي هذه البرامج‏,‏ وهذه الصحف‏,‏ بل انني اقول ان الحيز الممنوح لهذه البرامج لابد ان يخضع ايضا للمراجعة لا مجرد المضمون‏,‏ واستقطاع مساحة علي خريطة القنوات والمحطات الاذاعية من هذه البرامج الدينية لتمنح لاهل الفكر والعلم والثقافة واصحاب المعارف والتخصصات غير الدينية‏,‏ لكي تصبح الكلمة لاهل الاختصاص العلمي بدلا من هذه الفتاوي الدينية التي يقوم بها اناس دون تأهيل ويريدون اقحامها في كل شيء ربما في الفيزياء والكهرباء والكيمياء بعد ان افسدوا بها فنون الادب من شعر ورواية وقصة ومسرح وتدخلوا أيضا بافتائهم في الغناء والموسيقي والتمثيل والفلكور وغيرها‏,‏ فوجب الحد من هذا الانفلات الافتائي اذا جاز التعبير‏,‏ واعطاء العيش لخبازه‏,‏ والمهمات لاهلها من اصحاب الاختصاص‏,‏ ولتكن هناك سياسة نتفق عليها جميعا انقاذا لأوطاننا من الفتنة والانقسام ومنعا لها من الانهيار‏,‏ بالسماح والمرور والبقاء فقط لدين التنوير والتسامح والبهاء والجمال والحوار واحترام الآخر والايمان بحق الاختلاف والتباين وقطع الطريق في الاعلام والصحافة ومنابر المساجد علي اهل التعصب والجمود والتزمت‏,‏ لان الله لو شاء لخلقنا علي دين واحد وعنصر واحد وربما شعب واحد‏,‏ ولكنه ارادها حياة قائمة علي التنوع والتباين لانه بمثل هذا التنوع والتباين والاختلاف تزداد الحياة زخما وقوة وخصوبة وازدهارا وعمقا وجمالا‏.‏


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home