Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الجمعة 20 مايو 2011

الدكتور احمد ابراهيم الفقيه

يشرع في تاليف كتاب عن الحقبة المظلمة في التاريخ الليبي الحديث

وهذا هو الجزء الاول من الكتاب

الطاغية في التاريخ  

مقدمة في تشريح الطاغية  

 (( احب ان اهدي هذا البحث الى اثنين من شرفاء البشر كانا اول من نبه الى خطورة الحالة التي يعيشها الشعب الليبي تحت حكم الاخ العقيد ، الاول هو استاذ علم النفس المصري الدكتور ملا ك جرجس رحمه الله ، لانه حذر اخوته الليبيين في وقت مبكر من شخصية هذا الرئيس وصارح زميله عميد كلية الطب الصديق الدكتور مصطفى الفرجاني ( اطال الله عمره) بان ياخذ الناس حذرهم من رئيسهم لانه استطاع تشخيص شخصيته السيكوباتية ،  في بواكير عقد السبعينيات والثاني هو الكاتب البريطاني الكبير ( شفاه الله من المرض الخبيث الذي اصابه اخيرا ) Christopher Hinchens

الذي زار طرابلس في منتصف السبعينيات منتدبا من صحيفة نيو ستيتسمان ، ليعود فيكتب قطعة ادبية تصف احوال الليبيين ويتكلم عنهم بالم واسف مشبها العاصمة بانها اشبه بفقاعة كبيرة يعيش تحتها شعب تخلت عنه ربات الحظ السعيد واسلمته الظروف التي تحكم بلاده الى واقع بائس ومصير مجهول )) 

المقدمة

   من المفارقات التي يصنعها الطاغية، ان يجعل الشعب يفرح لهزيمة جيشه ، ويخرج راقصا لرؤية هذا الجيش منكسرا هاربا امام جيش الغزاة ، حدث هذا مع موسيليني وحدث مع هتلر وحدث اخيرا في العالم العربي مع جيش صدام عندما خرج الشعب اثر انسحاب جيشه مهزوما من الميدان يطيح بتماثيله ويمزق تصاويره ويهتف هتافات الفرح بسقوطه، ولعل شيئا من هذا نراه يتشكل ويتبلور في ليبيا بعد صدور قرار مجلس الامن بحظر طيران الجيش الليبي فوق المدن الليبية وقاية لابناء هذه المدن من قصف جيشهم لهم ، واستعداد حلف الناتو والطائرات الراسية فوق سفن الاسطول السادس لضرب وحدات الجيش التي يقودها ابناء العقيد، التي تحاصر المدن وخروج الشعب في ثاني اكبر مدينة ليبية( بنغازي) يحتفل بصدور هذه القرارات ويعبر عن سعادته باستعداد هذه الاساطيل وهذه الترسانات العالمية لقصف مواقع وثكنات وكتائب الجيش الليبي ، وصعد الناس الى سطوح بيوتهم يستشرفون الافق ،  في اليوم التالي لصدور القرار يرقبون السماء بانتظار متى تاتي الطائرات الحربية لحزب الناتو لتبدا تحقيق وعدها بابادة جيش بلادهم وقصف مواقع، وعزز هذا الشوق لرؤية طلائع  طائرات الجيش الاجنبي ، ان الجيش الوطني كان في ذلك اليوم يزحف بدباباته ويصل قريبا من بنغازي ليباشر ضربها ودك بيوتها فوق رؤوس اهلها . مفارقة لا يصنعها الا حكم الطغيان الذي لابد ، ومهما ارتدى الطاغية من عباءات الوطنية ورفع شعارات المقاومة والثورة ومهما تكلم باسم الشعب واسم الجماهير ، ان يسفر عن وجه يمارس اقسى انواع الظلم ضد هذه الجماهير وضد هذا الشعب وضد هؤلاء المواطنين الذين كان يتكلم باسمهم ويدعي انه يحقق الانجازات والامجاد لهم، ولعل طغاة اوروبا وروسيا، ببعض العون من البيئة المتحضرة التي تحيط بهم ، قد نجحوا فعلا ، في فترة ما من حكمهم ، ببناء شامخ الصروح  ، وتشييد اضخم المحطات العالمية للقطارات واكثر المواني تقنية وتطورا ، واكثر المطارات حداثة ، بل وشقوا الطرق وبنوا المصانع واقاموا المدن ، كما حدث مع ستالين وهتلر وموسيليني ولكن هذه المسيرة التنموية غالبا ما تمت تحت اغطية من العنف والقمع وحملات التطهير ، وبسبب حماقة الطاغية لابد ان تنتهي كل هذه الانجازات الى دمار لتحل محلها انهار الدم وجبال الجماجم كما حدث مع الفوهرر ،زعيم النازية، وهو يشعل حربا عالمية يذهب ضحية لها اكثر من خمسين مليون قتيلا، وقرينه وزميله في ايطاليا الزعيم الفاشي الدوتشي موسيليني وهو يقود شعبه الى المذابح ثم الى الهزيمة واخيرا صدام وهو يقود شعبه من حرب الى حرب بدات بحرب ضروس اجرامية مع ايران ثم حرب الخليج الاولى والثانية وكان لابد لنهاية الطاغية ان تكون كما انتهى هؤلاء الطغاة وبعض افراد عائلاتهم باستثناء ستالين الذي تاخرت نهايته  لسنوات بعد وفاته عندما حطمت جماهير الشعب الروسي تماثيله واخرجت عظامه من قبره ، وانتهى النظام القمعي الذي اشاده بحجة الانتصار للخير والعدل والمساواة .                           

ولننتقل الان لبحث القواسم المشتركة لحكم الطغيان ، واعتقد ان اول هذه القواسم واكثرها  شيوعا بين كل انظمة الطغيان ، هي الفرد ، الزعيم ، الواحد الاحد الذي لا شريك   له في الحكم او يوازيه في المكانة ، بل المتأله ، ونستغفر هنا خالق الكون ، من اجل انسان مريض  يريد ان يستعير دور هذا الخالق ، ويحمل بين يديه مقدرات البشر ، فهو الذي يميت الناس ويكتب لهم الحياة ، هو الذي يوزع الارزاق فيفقر من يشاء ويغني من يشاء ، هو الذي يسعد من يشاء ويشقي من يشاء، يدخل من يشاء الى سجونه وغرف تعذيبه ، ويخرج من يشاء الى فضاء الحرية ، هو الذي يهبط بمن يشاء الى اسفل السافلين ، او يرتفع به الى اعلى عليين ، هو الذي يشير باصبعه الى انسان ما فيختفي من فوق البسيطة ،   ويخلق من انسان في حجم جرثومة او ذبابه ، كائنا كبيرا في الجاه او المال او السلطة ، فالطاغية يضع نفسه هنا في صورة كائن لا حدود لامكانياته ولا  لارادته ولا يسمح لاحد بان يقف في طريق ممارستة سلطته المطلقة الطاغية الماحقة الحارقة المارقة .

ملمح ثان يتكرر مع كل طاغية ، هو انه يحيط نفسه باسافل القوم ، واهل الضعة والهوان  ، ويذهب الى قاع المجتمع ليستعين بحثالة الحثالة ، وهو يبدا منذ بداية حكمة بابعاد واحيانا تصفية اوقتل الحلقات الاولى التي وصلت معه الى  هذه المكانة بحكم الجدارة او الشراكة في ايصاله الى الحكم ، وفور ان يصل بفضل عونهم الى تحقيق غرضه حتى يبدا بالتخص منهم، خاصة ممن هم شركاء له في الحكم ،  ثم ينثني على كل من له راي او يحاول مناقشته فيما يصدره من اوامر ، وبسرعة يختفي واحيانا يهرب كل من له راي او فكر اوقدرة على او ميل للمناقشة ، ولا يبقى معه في النهاية الا من يسميه التعبير الاجنبي:     The willing prostitute    

اي من يطيعه كما تطيع ، ويستسلم له كما تستلم العاهرة لزبونها، ولا فرق هنا بين حارس صغير او صاحب منصب وزاري سيادي ، فكلهم يستوون تحت مظلة الطاغية في انهم مجرد منفذين لاوامره وخدم صغار يطيعونه حتى في احقر  نزواته واخس و ارخص غرائزه والتاريخ حافل بمن قدموا النساء للطاغية وارضاء انحرافاته وشهواته المريضة كما صورها كاتب مثل البير كامي في مسرحيته كاليجولا او في الادب العربي  سالم بن حميش في كتابه مجنون الحكم عن الحاكم بامر الله ، اذ لا يتورع هذا الطاغيةعن انتهاك اقرب الحرمات اليه واستباحة اعراض المحيطين به ، ولهذا فهو يحتاج الى استقطاب كل رخيص مبتذل من الناس في حكمه وبلاطه ، ويصبح بالضرورة خبيرا في العثور على  المناطق والجيوب داخل المجتمع التي يجد فيها مددا لمثل هذه العينات من البشر ، وهناك منطقة من المجتمع شهيرة جدا ، تكررت في انظمة حكم الطغاة وهي تلك الفئة من قاطني الشريط الحدودي الفاصل بين تخوم دولتين او كما يسميها التعبير الاجنبي  No man`s land

وهي منطقة تشبه تلك المنطقة التي عاش فيها بطل فيلم الحدود للممثل الساخر دريد لحام ، والتعبير هنا تعبير مجازي يشير الى فئة من الناس يسمونهم في ليبيا بالعائدين،  اي العائدين من المهجر الى بلدهم الاصلي ليبيا ، ولابد من استدراك هنا واستثناء  لعدد ممن عادوا الى البلاد في مطلع الاستقلال ، لانهم مجاهدون هاربون من عسف الاستعمار الايطالي الذي طارهم وحكم على كثير منهم بالاعدام ففروا من بطشه الى الدول المجاورة ثم عادوا بمجرد انتهاء الخطر على حياتهم ورجوع الامان الى بلادهم وعاد معهم اولادهم واقاربهم،  وقد سافروا في هجرات جماعية لكل البلدان المجاورة بدءا بمصر وتونس والجزائروصولا في بعض الاحيان الى فلسطين والشام ثم الى بلدان افريقية متاخمة لبلادهم مثل تشاد والنيجر الا ان بعض هؤلاء المهاجرين بقوا في ارض المهجر واخذوا جنسية تلك المنافي وبعد ان مات الاباء ، بقى نسلهم  في تلك البلدان، وحدث بعد مضى اكثر من عقد من بدء الاستقلال الليبي  ان ظهر النفط في البلاد  وارتفع تدريجيا مستوى الدخل والمعيشة وصار مغريا لبعض الناس من دوي الاصول الليبية العودة الى وطن الاصل ، ثم جاء عهد العقيد القذافي فصار يستقطبهم خاصة من ابناء قبائل المنطقة التي ينتمي اليها ، فعاد كثيرون ممن لا يملكون ولاء للبلد لانهم لا يحسون باي انتماء له ، ولعلهم لا يملكون ولاء لبلدان المهجر لانهم عاشوا دائما باعتبارهم اغيارا ، وينطبق عليهم هنا قول ارسطو في كتابه السياسة الذي جاء فيه ان اكثر الناس خطورة هم اولئك الذين لا ولاء لهم لوطن ربما لانهم بلا وطن ولا ولاء لهم بالتالي لقانون ولا ولاء لهم حتى لعشيرة ينتسبون اليها ، وهكذا اعتمد هذا النظام كما اعتمدت انظمة اخرى على هؤلاء الناس من ضعاف الولاء والوطنية يسخرهم في كل الشرور والافات التي يتحرج منها ابناء الوطن الحقيقيين فهم من يعملون جلاوزة في السجون ، وهم من يملاون الاجهزة السرية للتجسس على بقية المواطنين ، وهم من يسيطرون على غرف التعذيب وهم من يطاردون المعارضين ويقومون بتصفيتهم باشارة من قائد النظام ، وهو ما فعله مثلا الملك الحسن في المغرب في اعتى  سنوات حكمه وصراعه مع المعارضة معتمدا على ضباط مغاربة حاربوا مع الفرنسيين وامضوا حياتهم في تلك البلاد باعتبارهم مواطنين فرنسيين ، فاعادهم الملك الى المغرب ليسند اليهم هذه المهمات القذرة بمن فيهم قائد هذه العمليات الجنرال اوفقير الذي استفحلت خطورته الى حد ان ارتد على مولاه يحاول ان يطيح به وياخذ مكانه  ، وحدث بالمقابل ان تعرض بعض المغاربة الى نفس الاستغلال من طرف الجنرال فرانكو في اسبانيا عندما استعان بالمغاربة الذين عاشوا وتربوا في المناطق المحتلة من اسبانيا في الشمال المغربي، لتكون الشريحة التي يستعين بها في تقتيل شعبه ابان الحرب الاهلية ثم  لتكون هي الكتائب التي يركن اليها في حراسته بعد ان استقر في الحكم ،  ولا يقتصر الامر على هذه الشريحة من العائدين للوطن منا ارض No-mans-land

فلابد دائما من وجود قلة خسيسة تعينهم في هذا الموضوع من اهل الطمع والمرض النفسي ممن لا حاجة لان يكونوا عائدين ، فهم من اصلاء اهل البلاد ، اختاروا الانضمام للشر في سبيل  ارضاء مطامعهم للمال والمنصب وغير ذلك ، ولابد ايضا من ذكر قلة شريفة ، من اولئك العائدين ، تورطوا في تلبية نداء العودة الى الوطن ، ثم عرفوا انه فخ ، فنأوا بنفسهم عن شراك النظام واصطفوا مع بقية ابناء شعبهم دون انغماس في المباذل والشرور التي دعاهم اليها النظام .       

وقبل ان نعرج على الامراض النفسية والعقلية التي تجعل الدكتاتور دكتاتورا ، سنواصل المضي مع تحديد ملامح اخرى مشتركة في طبيعة انظمة الطغيان ولابد من القول ان الفساد بكل معانية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، له وجود عضوي في نظام الطاغية ، انه ساق من ساقي هذا النظام او من سيقان اربعة يمشي بها ، باعتباره اكثر شبها بوحش في الغابة من انسان ينتمي لابناء البشر ، وباعتباره نظاما يقوم على القهر فقد اختفت حرية القول والتعبيروالتفكير والنقاش والاجتماع والاحتجاج ، وباعتبار ان ازلام النظام خدم يعملون بلا قناعات او ضد قناعاتهم مهما كان نوعها، فلا مكافاة معنوية او نفسية كما يحدث مع  الانسان الذي ينخرط في مشروع وطني ، لان مشروع الطاغية مشروع فردي لتمجيد نفسه وتكريس حكمه ، ومن يعمل معه يعمل لتحقيق هذا الهدف الذي لا هدف اخر غيره بل وتنتفي معه كل اهداف اخرى تتصل بنهضة وبناء الاوطان، ومن هنا فلابد ان يكون ربح هذا العون من اعوانه ماديا ، ولهذا شرع الطاغية الكسب الحرام لاعوانه ، ليس فقط مكافاة لهم وهو غرض اساسي، الا ان هناك اغراضا اخرى ، يمكن ان نذكر هنا غرضين منها باعتبارهما اهم هذه الاغراض ، الهدف الاول او الغرض الاول هو تحقير هؤلاء العاملين وابقائهم في مستوى اخلاقي شديد الانحدار والدونية والسقوط ، فهذا الاجير المنخرط في تنفيذ المباذل والرذائل التي يامر بها الطاغية لا يتلقى  دائما مكافاة علنية شرعية  على عمله مهما كان العمل خسيسا ، ولكنه لابد ان يسرقها سرقة ويسطو عليها كما يفعل اي لص حقير ،  عملا بالحكمة التي قالها المتنبي والتي لابد ان يجعها اي طاغية قانونا يركن اليه  ملخصة في هذا البيت من الشعر وهو

من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميت ايلام

اما الغرض الثاني فتحت حكم الطاغية لابد ان يكون كل انسان خاضعا للسيطرة ، بمعنى ان يكون له ملف في المخابرات يحمل ادانة له في زلة ما لكي  يستطيع الحاكم جره الى المحاكم لتشويه سمعته وكشف مثالبه وعرض هذه الزلة على الناس ، خاصة بعد ان ظهر عصر الاعلام المرئي الذي ينقل الصورة الى ارجاء المعمورة وهو ما برع طغاة العصر الحديث في استخدامه ، فهذا العون من اعوانهم ، لا استمرار له الا اذا كان تحت طائلة  الاجهزة الامنية للطاغية ولذلك فهو مجبر ان يرتشي او يسرق او يرتكب الفواحش والانحرافات التي تسجل ضده وتوضع في ملفه لاستعمالها اذا اظهر اي عصيان او كفر بنعمة سيده وما عدا ذلك فهو يبقى متنعما بفساده وانحرافاته وامواله المسروقة من خزينة الدولة ما شاء له الحظ والمزاج تحت رعاية الدولة وحراسة الاجهزة الامنية والرقابية ومباركتها وتشجيعها . وهو فساد يتجاوز الحلقات الاولى حول الحاكم الى حلقات اكثر بعدا ، ولكنها لابد ان تغرق في الفساد باعتباره هواء لابد ان يتنفسه جميع اهل الحكم ، من داوئر النظام العليا الى اصغر حاجب في قرية بعمق الريف او عمق الصحراء ، بعد ان صار الفساد عصبا ضروريا وجزءا من النظام العصبي لجسم النظام ، ويتصل اتصالا عضويا بمؤسساته التي تمثل ركائز حكمه ويشيد عليها الطاغية جدران واعمدة الابنية التي يحتمي بها ، ولعله من الفضول القول بان دولة الطغيان لا تقوم على اي اساس من اسس الدولة الحديثة التي تتميز بفصل السلطات ونزاهة القضاء دع عنك حرية الصحافة والاعلام ، فالاعلام لا يكون الا ابواقا للطاغية ، والسلطات الثلاث وهي سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء ، اجتمعت في شخص الزعيم وانصهرت في جهاز واحد له افرع اخطبوطية هو جهاز الامن بكل انواعه واصنافه السرية والعلنية والاخري المتقنعة في شكل ادارات وسفارات وهيئات خيرية وكلها تصب في  سواقي القمع والقهر والقتل لصالح تمتين وتقوية سلطة الطاغية واحكام قبضته على عنق الشعب واستمرار البقاء في حكمه حاكما فردا واحدا احدا .                                                               

 تتجلى عبقرية الطاغية، في شيء واحد، وهو تسخير كل شيء بما في ذلك الماء والهواء ، وما يمشي فوق الارض او يطير في السماء، لاستمرار حكمه وضمان امساكه بزمام الدولة ، ولتحقيق هذا الهدف يسخر كل شيء بما في ذلك الاهداف والمباديء ، خاصة في بداية حكمه ، بمعنى انه يستخدم هذه المباديء والاهداف والشعارات التي يريدها الناس ، حتى يتمكن من السيطرة على البلد الذي يحكمه، ليفصح بعد ذلك من خلال سلوكه وافعاله قبل اقواله، عن حقيقة انه انسان لا مبدا له ولا هدف ولا غاية الا ممارسة جنونه في الحكم والسيطرة، اللهم الا اذا كان يملك فكرة مشوهة مثل هذه النظريات العنصرية التي تتحدث عن تميز عرق دون اخر كما رايناه يحدث مع نظام الفاشية والنازية او انظمة الحكم العنصري في روديسيا وجنوب افريقيا، فالطغاة في هذه الحالة يتميزون عن بقية اقرانهم بان لهم شيئا ممسوخا يؤمنون به، يسهم في اضفاء غطاء ايديلوجي لجرائمهم.                                                

ويفلح الطاغية دائما في البحث عن كل ما في التراث او التقاليد او العادات او العرف الاجتماعي لاستغلاله لصالح بقائه في الحكم، فهو يرتدي قلنسوة الدين ليستميل عن طريقها قطاعات واسعة من ابناء شعبه المتدينين او لتحقيق اغراض لا يمكن تحقيقها الا بان يتمسح بالدين حتى لوكان غير مؤمن به، بل من السهل ان يستخدم الدين في تنفيذ جرائمه صانعا من الدين غطاء له ، ويعرف تاريخ الاستبداد في ليبيا فصلا داميا حدث عام1793 عندما زيف احد عساكر الانكشارية واسمه على برغل فرمانا سلطانيا بتعيين نفسه واليا عل طرابلس وجاء ليلقى استقبالا وترحيبا من اعيان البلاد ورغبة في عزل الوالي القديم والسير بالوالي الجديد  تحت الحراسات ليصبح سيد قلعتها العريقة ، وعمل قبل اكتشاف تزييفه على جمع اكبر ثروة من هذه المغامرة، وعرف ان تجار المدينة المنتمين للجالية اليهودي يتمتعون بمركز مالي متميز فعمد الى اتخاذ غطاء اسلامي   لتصفية  تجار  هذه الجالية لكي يسلبهم اموالهم،   وسط سكوت   وتواطؤ من بقية السكان قبل ان يتضح زيف المرسوم الذي جاء به ، وهروبه امام الزحف العسكري الذي تحرك  ضده.                                                                                                            

وهذا الغطاء الديني هو ما يستعمله اي  طاغية لتصفية حسابه مع خصومه الذين يسميهم اعداء الدين ، المارقين على الشرع. وفي مناسبة اخرى يرتدي الطاغية قلنصوة القائد العسكري  ويتقدم الصفوف في معارك مفتعلة ليمتطي بارجة او يركب طائرة ويختار مسافة آمنة يقول منها انه الفدائي الاول والمقتحم الاول ورجل المنازلة والتصدي الاول ،  ويفتعل في وقت اخر اسلوب رجل العصر خاصة وهو يزور منتجعات اوروبية فقد نراه يتزحلق على الجليد او يجلس مع مضيفه الرئيس الاوروبي في مقصورة دار الاوبرا كما انه مهووس بدور المثقف ورجل الفكر يقود المؤتمرات الفكرية في جامعات اغدق عليها من  خزائن شعبه لتقوم بواجب المجاملة والمصادقة على اقواله او منحه شهادات الدكتوراه الفخرية ، ويرتدي في حين اخر قلنصوة رجل الفلكور القادم من اغوار التراث الشعبي ،  ليقول للناس انه رجل ينتمي لاعمق الطبقات الشعبية واكثرها تعبيرا عن الاصالة والانتماء والالتصاق بالارض وفي هذا المجال فهو لابد ان يذهب لهذا التراث ويستغل مافيه من اتجاهات لتكريس حكمه والاشادة بحكمته ، فاذا كانت هناك اشارة في التراث الديني الى الامام فهو ياتي بمن يتولى ما تحتاجه من حفريات لاخراجها والنفخ فيها ليصبح وجود الطاغية في الحياة والولاء له فرضا دينيا واذا كانت هناك خرافة تعتبر السلطان حامي الحمى فهو لابد ان يجعلها طعاما لاطفال بلاده في المناهج الدراسية واذا كان هناك تراثا في الشعر الشعبي يحتوي لونا هو المديح فهو يترك كل الالوان الاخرى ولا  يرى في هذا الشعر الا هذا اللون  تحتفي به الاذاعة وتعقد له المؤتمرات وتقدم له الجوائز وكله شعر في مدح الزعيم وغناء مكرس للزعيم ،وكثيرا ما سمعنا حملات يسميها الدكتاتور العودة الى الجذور والاصول ويعلن ثورة شعبية لتحقيق هذا الغرض كما حدث في ليبيا وقام بتقليدها ديكتاتور افريقي صغير بائس في مطلع السبعينيات اسمه توم بالباي كان يحكم  بلدا صغيرا بائسا هو تشاد، وكان الرجل ضابطا جاء بانقلاب عسكري الى الحكم ويحمل في وجه اثار عادة قبيحة من عادات القبيلة التي ينتمي اليها هي احداث جروح في الوجه لابناء القبيلة اثناء مرحلة الطفولة مثل التوسيم الذي يطبع على اعناق الابل ليكون علامة على مالكها ، المهم ان هذه  الندوب تستمر مرسومة في الوجه ، وتحدث فيه تشويها وقبحا، ويبدو ان هذا الطاغية الصغير، جاء الى الحكم يحمل عقدة بسبب هذا التشويه الكريه في وجهه، فاعلن ثورة ثقافية مولتها له جارته الغنية ليبيا ،امر بموجبها ان يعود شباب ورجال بلاده الى الالتزام بالتراث، وارغم جميع من وصلوا الى سن البلوغ دون وجود هذه التشوهات في وجوههم ، ان يذهبوا الى مراكز انشأها لهم ،  كي يبرهنوا على انتمائهم لتراث شعبهم ، فلا يخرجوا منها الا وقد تركت اسياخ الحديد  الموضوعة في اللهب خطوطا فوق وجوههم ، لكي يتساووا في حمل التشوهات مع رئيسهم ، ولعل هذه الثورة الثقافية التراثية هي التي كانت وراء قتله في فراشه على ايدي عدد من حراسه ، هكذا يستخدم الطاغية التراث ، مسخا وتشويها بل لا يستحي من احداث هذا المسخ والتشويه باية قيمة دينية نبيلة ، ليحيلها الى جزء من مؤسسة الاكاذيب التي يدعم بها عرش سلطته وطغيانه ، وبطبيعة الحال فان هناك دائما مخزونا من فقهاء السلطان القادرين على  الانخزاط في جيش الخزي والتزوير الذي يستخدمه .

ويبقى السؤال المهم هو كيف  تنعكس  تقنيات التزوير والقمع    واستراتيجيات التحكم والسلطة  والياتها   الفاعلة في بنية الحكم تتبيتا وتابيدا ، على عامة الناس في الشوارع والاسواق والبيوت ، وطبعا هؤلاء هم الشعب الذي يستهدفه الطاغية بطغيانه وبكل ما يقع داخل اجهزة السلطة  من جلاوزة ومؤسسات امنية وعسكرية ،  بحيث يضع ابناء الشعب وبناته في حالة خنوع   واستسلام ،  وهو يعمل على احداث هذا الخنوع والاستسلام     بسياسات  في التعليم والاعلام والدعاية والعلاقات العامة،  لتدجين المواطن واجتتاث اي احساس بحقوقه   وكلما استطاع ان ينقص من قيمته ويزيد من اهانته  كلما كان ذلك       ادعى لتحقيق الفائدة المرجوة  ، لانه بهذه الاساليب والاجراءات يضع المواطن في حالة يكاد ينسى فيهاحقوقه   وتنشا في نفسه حالة انفصام نتيجة الخوف  فنراه يتكلم دائما عكس قناعاته ويفعل عكس ما يؤمن به ، ويكون كارها للطاغية ناقما عليه ولكنه يحضر اعراس الطاغية السياسية ، وكما يحدث دائما مع كل من عرفهم العصر الحديث من طغاة ، هناك طقس لا تكتمل شخصية الطاغية الا به ،  فلهم جميعا  جنون خاص بالاحتفالات التي    تمتليء بحشود من ابناء الشعب ، حتى اصبحت هذه الحشود  ملمحا رئيسيا من ملامح   المشهد الذي يحبه الطاغية ، ويتيح لملكاته الخطابية ان تتجلى في اقوى صورها ، يصيح ويصرخ ويرفع راسه الى سقف الكون ، تعاليا ونفخة كاذبة خاصة في تلك  اللحظات التي يتعالى فيها تصفيق  الجماهير وهتافها    الذي يستمر احيانا لاكثر من نصف ساعة ، و هي حفلات    تتحول فيها امراض الهستيريا والعصاب الموجودة في شخصية الطاغية  الى  مزايا تزرع كهرباء الحماس في نفوس الناس الذين يشاهدونه ويستمعون اليه، بل تنتقل منه هذه الامراض الى حشود المواطنين ، تمشيا مع ما يسمى روح القطيع فنرى هؤلاء المواطنين الذين لا يحملون له في حقيقة الامر الا الكراهية والنقمة نتيجة ما اذاقهم من مهانة ومذلة وعذاب وما ادخلهم فيه احيانا في حروب فقدوا فيها اعزاء من اهلهم،  يتحولون الى اصوات تهتف واياد تصفق وحناجر تصرخ بحب الطاغية وتقوم بتمجيده . ومن خصائص حكم الطغاة انهم لا يستطيعون العيش والاستمرار الا بخلق الازمات وافتعال اجواء التوتر ، وصولا الى اثارة الحروب ، فالطاغية عادة ما يجد مجالا في مثل هذه الاجواء لارضاء عقده الاستعراضية القيادية ، واستنفار الغرائز التي تتصل بالخوف وطلب الامان واستغلالها لصالحه باعتباره رمز الوطن وحامي الحمى ، كما تتيح له فرصة الانغماس في العنف واستخدام رخصة الحرب لممارسة القتل دون حسيب او رقيب ، وتاريخ الطغاة من جنكيزان وهولاكو و نيرون الى هتلر وموسيلني وصولا الى صدام والقذافي  يشهد بحقيقة هذه الحالة الحربية التي يضع فيها الطاغية شعبه ، حتى لو وصل الامر الى استثارة حرب اهلية يكون هو على راسها يقتل فيها المواطن ابن بلده.

نعم، يتنوع الطغاة في اساليبهم وغرابة اطوارهم ،وقد يختلفون في مستوى كفاءاتهم وقدراتهم ومستوى ثقافتهم ، فطغاة اوروبا الحديثة من مثل هتلر وموسيليني مثلا لهم علاقة بالتاليف والكتابة فموسيلني كان رئيس تحرير احدى الصحف وهتلر كان قد اصدر كتابه كفاحي قبل ان يصل الى الحكم ، مختلفين عن طغاة عرب شبه اميين مثل علي عبد صالح الشاويش في الجيش اليمني ، كذلك يختلفون عن بؤساء الطغاة العرب بان لهم دون شك ما يسمي كاريزما لا اعتقد ان صدام حسين او معمر القذافي او على عبد الله صالح  او عمر البشير او عبد العزيز بوتفليقة يملكونها ، بل انهم جميعا يملكون ما يمكن تسميته بالانتي كاريزما اي ماهوضد الكاريزما، لما نراه احيانا من مظاهر لا تستقطب الابهار والاعجاب بل التقزز والاشمئزاز ، وكذلك لا يملك هذه الكاريزما  طغاة اقل طغيانا واجراما مرضيا ، مثل مبارك وبن علي ،  وهذه الكاريزما التي يملكها موسيليني مثلا ويملكها هتلر هي التي تجعلهما يسيطران اثناء الخطابة مثلا على جماهير من مئات الاف المواطنين ، نصت اليهما بانبهار وتقع تحت سحر اسلوبهما الى حد التنويم المغناطيسي كما تقول الشهادات التي صدرت عن اناس من اتباعهما ، ولكن الخلاف ليس هو موضوعنا في هذا المقال وانما الاتفاق  والعوامل المشتركة بينهم واحداها ان طغيانهم لا يقتصر على المجال السياسي ، فالحاكم في الانظمة الطبيعية يقع نشاطه الاساسي في المجال السياسي وما يتصل به من مجالات اقتصادية وديبلوماسية، ويترك للمختصين  الاهتمام بمناحي الحياة الاخرى التي لا يعنيه ان يتدخل فيها او تدخل فيها الدولة الا بما تقتضيه المساعدة ، مثل الجوانب الفنية ، ففي البلدان ذات الانظمة الحرة نجد لكل مجال عدد من المختصين تكون لهم الكلمة الاولى فيه ، فهناك بجوار الحاكم الموجود في دوائره السياسية، اقتصاديون ينشطون في المجال المالي وهم المرجعية لاهل هذا المجال ، ونجد في الرياضة ناشطون وخبراء واصحاب تاريخ في اطار اختصاصهم، هم المرجع والحكم فيه ، وفي مجال الطبابة اناس من اهل المهنة يجيدون التخطيط والتوجيه، لهم الكلمة الفصل في مجالهم، وفي مجال الفن مسرحا او سينما او موسيقى او رسما اوادبا اهله واساطينه، الذين تكون لهم الكلمة الاولى التي ينصت لها الناس قبل كلمة  صاحب الحكم، وهكذا الحال مع بقية المجالات ، فهناك رجال للصناعة وهناك رجال في الفكر الاستراتيجي وهناك اهل اختصاص في مجالات ذات شعبية مثل الموضة ، بينما يختلف الامر في انظمة الطغيان، فلا راي في كل هذه المجالات مع راي الطاغية ، ولهذا اكتسبت انظمة الطغيان اسما ثانيا هو الانظمة الشمولية ، لان تحت عباءة الحاكم يختفي البشر جميعا من اهل التخصصات واهل الخبرات في كل المجالات ولا تبقى الا كلمة الطاغية في الفن والاقتصاد والسياسة والرياضة والصحة والتعليم والطبابة والصناعة والموضة ايضا، وفي رواية الكاتب النوبي الراحل ادريس علي "الزعيم يحلق شعره" التي كتبها من وحي اقامته في ليبيا ، بيان واضح لكيف يتدخل الزعيم في شان شخصي مثل الحلاقة ويفرض على الناس اتباعه فيما يراه، ولم يكن غريبا ان نرى السيد القذافي قد اخترع حلا نهائيا للمشكل السياسي وحلا نهائيا للمشكل الاقتصادي وحلا نهائيا للمشكل الاجتماعي ، كما اخترع سيارة اسماها الصاروخ تنقذ الناس من الهلاك في حوادث المرور ، واسمى نفسه مهندس النهر الصناعي العظيم ، كما اسمى نفسه الفدائي الاول والقائد الاعظم والاديب الاول وكاتب الاغاني الذي لا يشق له غبار في هذا المجال، ولا اعتقد ان الاخ العقيد ترك مجالا  لم يتدخل ويدلي برايه فيه مصرا على ان يكون له في كل باع باع ، ماحيا وماسحا اقصاء وابعادا اهل هذه المجالات لكي لا تبقى الا صورته ،  وقد لا يصدق الناس خارج ليبيا انه رفع شعارا يقول "لا نجومية في المجتمع الجماهيري" لكي يطفيء كل النجوم فلا يبقى الا نجمه ، ويهدم كل التماثيل فلا يبقى الا تمثاله ويمحو كل الاسماء فلا يبقى الا اسمه ، وربما لا يصدقون اكثر ان هناك ادارة في الامن الداخلي انشاها نظام العقيد هي ادارة محاربة النجومية، بمعنى انه لا يكتفي بان يسخر اجهزته  لمحو اسماء البشر ، بل يخصص ارتالا من افراد الشرطة لملاحقة الناس من اهل الفن والادب والسياسة ومتابعتهم وملاحقتهم والقيام بمهمة محاربة هذه النجومية لاي عنصر ليبي قد يغافل اجهزته الاعلامية ويحقق اسما من ورائها وقد حكي لى اخوة ليبيون رشحتهم هيئات دولية لمناصب رئاسية وجاءت الاوامر بايقاف هذا الترشيح وحركت ليبيا اجهزتها الرسمية وترسانتها المالية للحيلولة دون ان يصل هذا المرشح الى المنصب لانه بهذه الطريقة سيصبح له اسما عالميا يهدد راحة وقلق السيد الرئيس وفي هذا السبيل تمت محاربة عنصر ليبي من الوصول الى رئاسة الجمعية العامة لليونسكو واخر الى الجمعية العامة للايسيسكو واخر من الموصول الى منصب قيادي في البنك الدولي.                     

هناك بالتاكيد دراسات كثيرة عن كيف استطاع مجنون مثل هتلر مثلا ، ان يستقطب هؤلاء الناس الذين امنوا به وساروا وراءه وذهبوا سعداء الى حتوفهم باشارة منه ، وليس هذا هو العجب ، فقد اتضح ان اناسا كثيرين ساروا مرغمين ولاشك ان الطاغية سيقف بعد ذلك عاريا من اغطيته الزائفة التي صنعها بالمكر والحيلة والخداع ، ولكن يحدث احيانا حتى بعد ان يفتضح امر الطاغية وتظهر نتائج قراراته ويعرف الجمهور جرائمة يبقى هناك اتباع له يؤمنون به ، فكيف حدث هذا؟ كيف وقع الناس في دائرة سحر الطاغية وكيف بعد ان انقلب السحر على الساحر استمر بعض الناس يؤمنون به؟ وردا على الجزء الاول من السؤال فان اساليب صعود الطاغية غالبا ما يتخذ فيها صورة المخلص الذي يتبنى مطالب الشعب والعزم على تحقيق طموحاته واماله حتى يتمكن ويستقر في الحكم ،ويبدا في الكشف عن حقيقة اهدافه وميوله  ويباشر ممارساته الشاذة وميوله الاجرامية وهنا يدخل الطاغية في تطبيق تقنيات الطغيان ، وهو ما يمكن ان نسميه المرحلة الثانية لتاسيس دولته وتمتين اساسها وبنيانها ، فالمرحلة الاولى تعتمد على الاستحواذ على الرضا والقبول، الا ان الطاغية لا يستطيع ان يستمر في هذا الطريق ولا يمكنه ان يحكم بالرضا والمحبة لان ميوله الاجرامية ستتناقض مع مثل هذا الاسلوب ولابد ان يدخل بسرعة الى المرحلة الثانية وهي تلك التي اوصى بها ميكافيللي في كتاب الاميروتقضي بان يعمد الامير الى الاعتماد على الخوف بدلا من الحب ويباشر في اشاعة الخوف وترويع الناس وتطبيق اساليب السيطرة وهي التي يبدا بها بناء الاسس القوية لدولة الطغيان حيث السجون وغرف التعذيب الوحشي وتصفية الخصوم واستهداف اي بادرة للتعبير عن السخط واغلاق كل منافذ التعبير وحرية الراي وهدم كل الابنية المستقلة عن الدولة سواء كانت اقتصادية او فكرية او سياسية وقد يستخدم الاشتراكية باعتبار ما تقدمه من تبرير لمصادرة اموال الناس واختطاف ممتلكاتهم ، وهناك كتابان لابد من الاشارة اليهما باعتباهما كتابين لابد ان يكونا بجوار راس كل طاغية الاول كتاب الامير لميكافيللي الذي تنسب له مقولة " الغاية تبرر الوسيلة" فكل شيء مباح في عرف الطاغية لتثبيت حكمه وتنتفي هنا الاعتبارات الانسانية والاخلاقية وينتفي العدل او المساواة بل وقيم الخير والمحبة والجمال والوداد والرحمة، وهناك تقنيات يصفها ميكافيللي في كتابه الذي اهداه الى حاكم فلورانس الامير لورانزو دي ميديشي ليقدم له النصح في كيف يحكم سيطرته على الشعب  ومن هذه التقنيات كسر شوكة كبار القوم وخلق كبار يدينون له بالولاء وغيرها من تقنيات السيطرة ، الكتاب الثاني الذي ينافس كتاب الامير في مكانه عند راس الطاغية هو مسرحية فاوست  وهي المسرحية التي استقاها الشاعر الالماني  جوته من التراث الشعبي في مطلع القرن التاسع عشر واعاد كتابتها الكاتب الالماني  توماس مان في مطلع الاربعينيات ليصور فيها معاناة العالم على يد هتلر لان القصة او المسرحية تتحدث عن الدكتور فاوست الذي وقع عقدا مع شيطان اسمته الاسطورة  مفيستوفيليس   يبيع له روحه بعد مماته على ان يسخر الشيطان نفسه لخدمته اثناء حياته.  

وليس غريبا ان نرى هذا الربط بين الطاغية والشيطان في اذهان الشعوب التي تضررت من افعاله ولكن ان يكون الطاغية نفسه واعيا بحقيقة ان هناك عنصرا شيطانيا فيما يفعل ويصل الى حد ان يقع هذا التماهي بينه وبين شخصية الرجل الذي باع روحه للشيطان في قصة فاوست فهذا ما يبدو غريبا ، الا ان الطاغية في حقيقته  ليس بالضرورة جاهلا بما في نفسيته من شر وميول شيطانية واورد هنا قصة قراتها في الصحافة الامريكية عن طريق الانترنيت عن مريض سايكوباتي ارتكب جريمة قتل واودع السجن حتى حان موعد اطلاق سراحه، فجاء هذا السجين الى مدير السجن يطلب منه ان يقضي بقية عمره في السجن لانه يخشى ان وجد نفسه حرا خارج السجن ان يعود لممارسة اجرامه ويموت علي يديه احد الابرياء، فضحك مدير السجن من اوهام القاتل العجوز ورفض طلب بقائه في السجن، وبعد ايام من خروجه، حدث ما قاله السجين، فقد وجد نفسه يستفرد اثناء الليل بصبية في مدخل احدى العمارات هجم عليها بغثة وتمكن من قتلها، مما يدل على ان المريض السايكوباتي يعرف نفسه ويدرك ما لديه من ميول اجرامية، اراد هذا القاتل العجوز ان يتجنبها باستمرار وجوده في السجن ، فلم يصدقه الاخرون وقد ظنوا انهم يعرفونه اكثر مما يعرف نفسه فكان ثمن هذا الظن كارثة انسانية وصبية بريئة فقدت حياتها نتيجة ذلك، ولعل هذا الفهم لغريزة الاجرام في نفسه ، هو سر الاعجاب بشخصية فاوست لدى عدد من طغاة العصر الحديث كما تتواتر الاخبار المنقولة عنهم ، وتجدر الاشارة هنا الى كيف يحدث بسبب تراكم الخوف من الطاغية واساليبه الاجرامية الوحشية في معاملة الخصوم، النظر اليه باعتباره شيطانا من قبل الشعب ، ولكن بدلا من نبذه ورفضه واعلان الثورة عليه ، يحدث نوع غريب  من السلوك لدى هؤلاء الناس هو التحول الى عبادته اتقاء لشره كما يحدث مع بعض الملل التي تنسب لمثل هذه العبادة ويعترفون انهم لا يخافون بطش الله لانه رحيم غفور ويخشون الشيطان لانه فاجر زنيم فيعبدونه  لنيل رضاه وتجنب ما يمكن ان يوقعه بهم من اذى وتنكيل ان هم اغضبوه، وبمثل هذا السلوك وهذا التفكير يواجه اغلبية الشعب مكر وشرور وجرائم الطاغية وكنت اعرف مشاعر اديب صديق من العراق، يكره الطاغية صدام الى حد الموت ولكنه تمترس ذات عام في اذاعة النظام العراقي يكتب قلائد المديح  في صدام  التي تشبه التسابيح لخالق الكون ، ولم اكن احتاج عندما التقيت به بعد ذلك تفسيرا لهذا السلوك فقد كان نوعا من السلوك المعروف الذي يمارسه اغلب الناس بما في ذلك حشود المواطنين الذين يهتفون في الساحات لكل هؤلاء الطغاة الذين يسومونهم العذاب ، واذكر انه التقى في ندوة دولية عدد من العرب والاجانب وكنت بينهم ، ودار الحوار في الكواليس ساخنا حول بعض مواضيع الندوة السياسية وابدى الزملاء العرب اراء جريئة في الطرق التي تدار بها بلدانهم ، الا انهم جميعا عندما خرجوا للكلام امام الجمهور قالوا كلاما معاكسا لما  كانوا يقولونه في اجنحة المؤتمر خاصة فيما يتصل بانظمة البلدان التي ينتمون اليها ، وكان استغراب الزملاء الاجانب كبيرا لهذا التناقض بين ما كنا نقوله في السر وما قلناه في العلن، وكان صعبا جدا ان نشرح لهم ان هذه الانظمة العربية اصابتنا جميعا بانفصام الذات نقول ما نؤمن به في الخفاء ونقول في الجهر ما يخالف قناعتنا ويتناقض مع سابق اقوالنا اتقاء لشر الانظمة وبطشها بعد انتهاء ايام المؤتمر والعودة الى اوطاننا.            

وجدير بالقول ان كثيرا من طغاة العصر الحديث وجدوا في النظرية الاشتراكية بما تبيحه من اجراءات التاميم والمصادرة والاستيلاء على ارزاق الناس واملاكهم ، نظرية  ترضى ميولهم للاستبداد والسيطرة على مقدارت  المواطنين والتحكم تحكما مطلقا في كل حاجاتهم واحتياجاتهم فاتخذوها غطاء لتدمير ابنية المجتمع الاقتصادية والمالية  التي يمكن ان تنشا بعيدا عن سيطرتهم لان اي كيان اقتصادي يخرج  عن تلك السيطرة يمثل تهديدا لهم ويمكن ان  يشكل عونا او موردا لنشاط  سياسي ضدهم  فاغلبهم تبنوا النظام السياسي الوحيد الذي يتيح  للحاكم الفرد ان يستفرد بالشعب ويفرض عليه ارادته وهو نظام الحزب الواحد ، ولا مانع من اعطاء هذا الحزب  اي اسم براق  ليكن اسمه الاتحاد الاشتراكي وليكن  المحتوى المزيف الممنوح له انه يضم التحالف المقدس لقوى الشعب  صاحبة المصلحة الحقيقية في النظام او الثورة او الوطن ، او اي شيء اخر  ، وليكن في  مناسبة اخرى الحزب القائد او الاتحاد القومي او مؤتمر القوى الثورية او الهمبكية البزرميطية، فاصدق تعبير عنه هو التعبير الذي كان يطلقه المصريون على الاتحاد الاشتراكي وهو تاطير الفراغ ، فهي هياكل  كرتونية  لاقيمة لها ولا فعالية الا   كونها اطارا يتحرك من خلاله الزعيم ، ويلم له الحشود  ويساهم في  تغييب وعي الناس وترويج الدعاية  للنظام وادارة  عمليات العلاقات العامة له داخليا وخارجيا واستقطاب اهل الرخص والنفاق  ممن يركضون وراء الفتات الذي يرميه الزعيم لافراد عصابة المنتفعين ، وهي عصابة تكبر وتتسع   كلما طال عمر الزعيم في الحكم وظن الناس ان لا فكاك من حكمه ، فالعمل على استقطاب الاعوان واهل الولاء ، هي واحدة من  المهمات الاساسية لهذا الحزب او التنظيم او الكيان الوحيد الذي لا مجال لوجود منافس له  ، ولا تنظيم غيره الا اذا كان تنظيما باهتا كما هو الحال في وسوريا الاسد او في عراق صدام حسين عندما كان حزب الرئيس وفي كلا البلدين هو  حزب البعث ، او كما كان الحزب الحاكم في تونس تحت سيطرة بن علي ، او الحزب الوطني الحاكم في مصر تحت سيطرة مبارك، ويتم انشاء احزاب رمزية  صورية كما فعل حافظ الاسد وفعل صدام حسين ، تسند رئاستها لعدد من ازلام الرئيس او عناصر مخابراته  يقودها الحزب القائد باعتبارها بعض دكاكينه لحفظ الشكل العام ، المهم يكون هذا التنظيم او هذا الحزب وسيلة الزعيم الطاغية، لتغذية الولاء له ، والطاعة العمياء لتوجيهاته ، والمصادقة على كل ما يوقوله ، وطبعا فان باب العطايا والهبات غالبا ما يكون مفتوحا لتاكيد وتعميق وتمتين هذا الولاء وهذا الانصياع المطلق للسيد الزعيم وتحت هذا الاطار يتم انشاء ما يشبه رياض الاطفال ، ومعسكرات لتلاميذ المرحلة الابتدائية ، لينخرط في شي اسمه اشبال وبراعم الحزب او التنظيم ، حيث يغذونهم مع حليب امهاتهم شعارات الحزب و دروس الولاء للقائد والطاعة له ، وهي وسيلة حتى وان لم تكن ناجعة مع الجميع ممن يكبرون ويكبر وعيهم ويدركون مع الوصول الى سن البلوغ زيف ما كانوا يلقنونهم اياه ، فان عددا كبيرا من هؤلاء الاطفال الذين تستمر معهم انظمة البرمجة حتى في المراحل المتقدمة من العمر ، تنجح هذه البرامج في قولبة افكارهم وتحجر رؤاهم الى حد مرضي يصبح معه صعبا ان يتحولوا عن هذه الافكار والرؤى  مهما رأوا من جرائم هذا الطاغية وما تقوله الشواهد الكثيرة الموجودة فوق ارض الواقع عن ظلمه وجنونه واقترافه لكبرى الكوارث ضد شعبه ، والذين شاهدوا افلاما عن هتلر وموسيلني وبعض طغاة الكتلة الشرقية الواقعة خلف الستار الحديدي راوا بالتاكيد مشهدا يتكرر في هذه الافلام هو خشية الاباء والامهات من اطفالهم في مدارس النازي او الفاشي  من ان ينقلوا اسرار البيت او احد المعارضين من افراد الاسرة الى المخابرات وهو ما حدث في حالات كثيرة عندما كان هذا البرعم او هذا الشبل من براعم واشبال الحزب او التنظيم يتجسس على اهله وقد يقود امه اوابيه الى السجن،واعرف كما يعرف غيرى ان بعض الانظمة الاستبدادية في العالم العربي،    تعمد الى ملاجيء الايتام واللقطاء لتقوم بتربيتهم على طاعة الزعيم وحيث انهم بلا اهل ويعيشون خلف جدران اربع لا يختلطون الا اختلاطا محدودا بالعالم الخارجي، فهم لا يتنفسون الا كلمات الزعيم ولا يتغذون الا على خطاباته ولا يشاهدون الا صوره ويبرمجون بحيث لا يعرفون لهم ابا او اما الا الزعيم وهناك حالة معروفة في تونس ايام بورقيبة عندما كانوا يسمون جميع ساكني الملاجيء ابناء وبنات بورقيبة، الا ان بورقيبة باعتباره رجلا حقوقيا وصاحب سجل في النضال الوطني لم يكن يستغل هؤلاء المساكين لاغراض سياسية ، وقد رايت فرقا تونسية للفنون الشعبية تزور طرابلس ويتكون جميع اعضائها من اولاد وبنات بورقيبة وكان مشهدا جميلا ان يراهم الانسان يشكلون اسرة واحدة بعد ان قامت زيجات بين اعضاء الفرقة واتقنوا مهنتهم يقدمون الفن الشعبي التونسي بكفاءة وجدارة باعتبارهم بداوا التدريب عليه منذ الصغر وتفرغوا له وصارت تجمعهم رابطة واحدة مع كل فرق الرقص الشعبي في تونس هي رابطة الولاء للاب الحاني السيد الرئيس، لكن زعماء الانقلابات العسكرية التي يتزعمها في كل الحالات واحدا من اهل الزي الكاكي والثقافة الضحلة، لا يكتفون بما اكتفي به بورقيبة، ولا يرضون بغير الانصهار الكامل في شخصية الزعيم والموت فداء له، فهم اولا يصنعون من هؤلاء الاولاد والبنات قنابل موقوته تتفجر في  خصوم الزعيم ، ولا يوجهونهم توجيها فنيا لملء فراغ نشا بسبب تردد بعض الناس والعائلات في دفع ابنائها وبناتها عبر هذا الطريق ، وانما يبدأون معهم منذ بداية النشأة في التوجيه العسكري للانخراط في سلك الشرطة السرية او كتائب الحراسة والمهمات الخاصة، وقد سمع الناس المندوب الليبي في الامم المتحدة السيد عبد الرحمن شلقم يهزأ باسلوب النظام في حشد المؤيدين ويقول ان الحكومة عمدت الى ان تملأ الساحة الرئيسية في طرابلس بقاطني الملاجيء ودور الرعاية ولكن الذين سمعوا هذا لكلام لا يعرفون الخلفيات التي تشرح ماقاله المندوب وهو ان ابناء وبنات هذه الملاجيء التي يدخلها اطفالا لقطاء واطفالا يتامي منذ سن الولادة ، يتربون هذه التربية الممنهجة المبرمجة القائمة على مطلق الولاء للزعيم ، ولان الزعيم قد بقى في الحكم الان ما يقرب من اثنين واربعين عاما ، فيمكن عبر هذه السنين حسبة كم فوج خرج وانضم الى  كتائب الحراسة وانضم الى فرق خاصة للجيش ويعرف الذين انخرطوا في حرب اتشاد وهي حرب مضى عليها الان  ما يقرب من ثلاثين عاما ان مجموعات عسكرية مكونة من هؤلاء الايتام هي التي كانت تقوم بمراقبة افراد الجيش وهي التي تقوم بتصفية من يعصى الاوامر او يرتد اثناء الزحف بل وهم بالتاكيد من تتكون منهم كثير من الكتائب الامنية التي تجابه الثوار بعد انطلاق الثورة ضد نظام العقيد .                                      

من يشكل الاغلبية في كل شعب من الشعوب، هم العوام ،اي ذلك الانسان البسيط صاحب الفهم المحدود، والافق المحدود  الذي يقتصر فهمه على القرية واهلها ومشاكلها ، اذا كان قرويا او الحي  الذي يعيش فيه من احياء المدينة ، ملتفتا فقط لاموره المعيشية ، وقد لا يقرأ الصحيفة ولا يعرف الى الكتاب سبيلا، وهذا الكم الهائل من الناس الذي يشكل الاغلبية هو الذي يريده الطاغية وهو الذي يتجه اليه عندما يخطب وهو الذي يزرع صوره في كل مكان ويصل بابواق دعايته في كل ركن من اجل الوصول اليه ، والتاثير في عقليته واجتذابه اليه ،ولعل من خصائص انظمة الطغيان والزعيم الاوحد ان تنشيء لنفسها اضخم ما تستطيع انشائه من الة للدعاية يتزعمها عنصر او عناصر من نوعية جوبلز في المانيا النازية يجيد احتراف مهنة الكذب ويعتمد  على نظرية تقول بان الكذبة اذا تمت اعادتها المرة تلو المرة فانها تاخذ في اذهان العامة صفة الحقيقة، او تكون بديلا عن الحقيقة ، ولهذا فان هذه الالة تغرق البلاد في بحر من الاكاذيب والافتراء ، وتغرق الخصوم بكل النعوت السلبية وتلصق بهم كل المثالب والعيوب ، فلا حقيقة ولا صدق ولا شرف ولا فضيلة الا اقتصرت على الزعيم ، ولا شيء غير الزعيم ، وتلتقي الدعاية التي يروجها كل زعيم على نفسه في اضفاء صفة القداسة فهتلر كان يسمى في بعض الاغاني هتلر المقدس ،وتصفه بصاحب الرسالة المقدسة للبشرية جمعاء باعتباره مسيحا  جديدا وهو ما اقتدى به اعلام صدام حسين واعلام القذافي الذي تسميه احدى الاغنيات عظيم الشان وتصرف الالة الاعلامية الاموال الطائلة وتنفقها على كتاب اجانب يصدرون كتبا سماه احداها رسول الصحراء واسمته صحيفة شهيرة نبي يحمل بندقية وعرضت دار الاوبرا البريطانية العريقة عملا اوبراليا اسماه كاتبه الهندي ومؤلفه الموسيقى الهندي وكلاهما تلقيا رشوة بما يزيد عن عشرين مليون دولار لكل منهما القذافي الاسطور الحية ،ولا تشير الزحف الاخضر الى الكتاب الاخضر الا باعتباره الوثيقة المقدسة ، وكانه الانجيل او القرآن او الثوراة وتقرا الاذاعات مقاطع منه قبل النشرات في الصباح والمساء والليل ، اكثر مما تقرأ القرآن الكريم وطبعا هذه الالة الاعلامية الجهنمية التي اعتمد عليها هتلر وموسيليني في النصف الاول من القرن الماضي ، تعززت بعد ذلك بامكانيات علمية ومعرفية هائلة هي هذه القنوات التلفزية التي بدأت محلية وصارت دولية تنتشر في كل  انحاء الكرة الارضية بقوة الاقمار الصناعية وطبعا الصحافة المطبوعة ايضا عبر الاقمار الصناعية غير اعلام الانترنيت واعلام الاسطوانات المضغوطة واعلام اخر للاطفال من خلال الالعاب الاليكترونية والبلي ستيشن واجهزة الحاسوب وغيرها تعمل غسلا للامخاخ وبرمجة للعقول مستهدفة هذا المواطن ، اي المواطن البسيط ، ومن نافلة القول ان مثل هذه الانظمة التي يديرها حاكم فرد ، تعمد منذ البداية الى تكريس الجهل ، وافساد التعليم ، وتغييب الوعي ، وتستمر ميزانيات الدولة في انتشار مزيد من الجهل ، وقد تعمد تمويها وخداعا الى تقديم بعض برامج محو الامية ، لانه ليس المهم ان يكون المواطن اميا ، ولكن ان يكون مع ذلك جاهلا، ولم يكن غريبا ان نرى نظاما مثل نظام القذافي يدعو الى ما يسميه التعليم المنزلي ، اي الغاء المدارس الابتدائية ، قائلا ان الانفاق على هذه المدارس مضيعة للمال فالطفل تعلمه امه ، مع انه يدرك ان اكثر من نصف نساء ليبيا جاهلات اميات ، كما عمد في مناسبة اخرى الى الغاء اللغة الانجليزية من كل المستويات الدراسية ومراحلها من الروضة الى الجامعة ، بحجة ان التربية القومية وغرس الروح العربية تتناقض مع تعليم اللغة الاجنبية ، ولكي نعرف ان الامر كذب وتدجيل ولا علاقة له بالروح القومية ، فان جميع ابنائه وكذلك ابنته يتكلمون انجليزية بطريقة لا تختلف عن الطريقة التي يتكلمها اهل اللغة انفسهم مما يؤكد انهم باشروا تعلمها من مرحلة الروضة الى مرحلة ما بعد الجامعة ، ولابد هنا من الاشارة الى ان اغلب الطغاة لا يرتاحون لبلد يعتمد على نظام المواطن الفرد مثلما هو الحال في البلدان الليبرالية التي تعطي للفرد هامشا ودورا وصوتا في صناديق الاقتراع ، لان هذا يتعب الطاغية في تكوين الاجماع الذي يريده على شخصه ومنهجه والرضا بنزواته وافكاره واحيانا احلامه التي يراها في المنام ويسعى لتطبيقها في الصباح كما كان يفعل عيدي امين، ولهذا فهو حتى لوجاء عن طريق صناديق الاقتراع كما فعل هتلر، فانه لابد ان يسحق دولة الفرد وارادة الفرد ويسعى لتاسيس دولة الجماهير كما تسميها هذه الانظمة التي يتحول فيها البشر الى كتل واكداس ويفقدون فرديتهم وتمايزهم ، لان الزعيم لا يريد ان يسعى لارضا الناس فردا فردا ولا يريد الاعتراف بتمايزهم واختلافهم وتنوع الافكار والاراء لديهم ، انه يريد كتلا صماء عمياء ، بكماء عن اي شيء اخر غير الهتاف والعواء كما تفعل الحيوانات ، وقد لا يعلم القراء من خارج اهل البلاد ان الاذاعة المرئية الليبية ، قبل عصر القنوات الفضائية، كانت تخصص حصصا لاذاعة هتاف الجماهير ، اي كتل بشرية لا تفعل شيئا الا اخراج اصوات اشبه بالعواء وكانها مجموع حيوانات  متراصة في قفص كبير تعاني عطشا اوجوعا وتنتظر مجيء الموكول بتغذيتها وتمضي في مواصلة الصراخ بلغة خفية مجهولة لا يعرفها ولا يستمتع بها الا السيد الزعيم الذي سخر ارقى تقنيات العصر وخبراته التقينة والاعلامية وانجازات عصر المعرفة والذكاء الاصطناعي لشيء واحد هو تكريس حكمه وتعميق الولاء لشخصه بدلا من تسخيرها لما اخترعت من اجله وهو توعية الناس وتثقيفهم وتحقيق  الوصول بهم الى استيعاب ثقافة العصر واللحاق بركب التقدم والحضارة كبقية المجتمع الانساني ، بل واكثر من ذلك فهو ملأ هذه الوسائل المعرفية بالاكاذيب التي تهدف الى تغطية الكوارث التي يصنعها لاهله بشكل ياخذ معنى عبثيا مثل الذي يقتل انسانا قائلا له ان هذا القتل سيكون مصدر فرح وسعادة له وازدهار لاحوال عائلته واقاربه ،  وعلى المواطنين الذين يذبحون على يد الطاغية ان يصدقوا اعلامه الذي يقول هذا الكلام ويصنع نهضة عظيمة للوطن لا وجود لها الا في الاذاعة والتلفاز ويشنف اذان الناس بغناء التمجيد لنهر على سبيل المثال لا وجود له الا في الخيال وجنات  تجري من تحتها جداول الماء في مكان لا وجود فيه الا لصحراء قاحلة جرداء خالية الا من اغراد الرمال والاحجار البركانية السوداء ،هكذا كان اعلام جوبلز النازي واعلام من جاء بعده من ابناء قبيلة جوبلز ونسله في العالم الثالث، الفرق بينه وبينهم ان جوبلز كان يعتمد على  دولة صناعية يستند اليها فيما يقوله من اكاذيب عن الفتوحات الهتلرية والانجازات النهضوية وعلى بعض المصانع والمنشآت الموجودة على ارض الواقع، تقدم للمواطن مبررا  لتصديق هذه الاكاذيب بينما سلالته العربية العالمثالثية لا تملك الا الارض اليباب ، ومهما كان حجم البناء الذي يبنيه الديكتاتور ، ومهما كان حجم الانجاز الذي يحققه فهو لابد ــ واقول لابد لانها لازمة مع كل طاغية  في كل العالم وعبر كل مراحل التاريخ ــ ان يحطم هذا الانجاز مهما طال به الامد ، ويحطمه لا بسبب غزو خارجي هو الذي جلبه الى بلاده ، وانما يحطمه عامدا متعمدا تحت غطاء الحرب او حرمان العدو منه او تبرير اخر ، تخرج التعليمات لسلاح طيرانه اذا كان من طغاة عصر الطيران او نيران المنجانيق اذا كان قبل ذلك العصر لحرق ودك وتدمير تلك المنجزات ، واذا كان نيرون احرق روما وشمشون قال علي وعلى اعدائي فان من جاء قبلهما او جاء بعدهما من سلالة الطغاة ، لم يكن اقل منهما شأوا في الهدم والتدمير ، ولابد  من لحظة تاتيه ليقول  فيها انا ومن بعدي الطوفان ويمكن لتصديق هذا الكلام النظر الى الطغاة صغارا وكبارا وما تركوه خلفهم من دمار بدءا بجينكيزخان وهولاكو وصولا لمن عاصرناهم في عالمنا الحديث من طغاة، وشاهدنا باعيننا على شاشات التلفار كيف ترك صدام حسين العراق وكيف ترك زياد بري الصومال وكيف ترك عيدي امين اوغندا وكيف ترك توم بالباي تشاد وكيف ترك بول بوت كامبوديا وكيف ترك صامويل دو ومن بعده تشارلز تيلرليبيريا وكيف ترك بوكاسا افريقيا الوسطى وكيف ترك ميلوزفيتش بلاد الصرب، اي كلهم تركوا هذه الاوطان خرابا ودمارا وحربا تستعر بين اطراف كثيرة ، دون ان ننسى الاشارة  للظروف التي صنعها كل من مبارك مصر وبن علي تونس قبل خروجهما وما تشهده الان اليمن على يدي علي عبد الله صالح او ليبيا على يد العقيد القذافي وربما سوريا على يد بشار الاسد والجزائر علي يد ابو تفليقه .          

اضافة صغيرة  لابد منها ، تتصل بهذه الجماعات التي يعمل الطاغية على برمجتها والسيطرة عليها ، اذ ان هناك فئة ، ليست  بالضرورة ممن تعرضوا لهذه البرمجة ، لان لديها دائما ميلا لان تمضي في طريق التبعية للطاغية والانصياع له ،  لان في نفوسها تشوهات  تجد فرصتها للتماهي مع خطاب الطاغية وتجد تنفسيا لتشوهات الطاغية فيما يريده من سلوكيات وما يتطلبه من ولاء وما يدعو له من اجرام وانحراف وتوحش ، وليس ادل على وجود مثل هذه الفئة من هذه الجماعات التي نراها تتخلق وتعلن عن وجودها وتشبتها بافكار الطاغية ومنهجه المريض في السلوك والعمل اعواما بعد هلاك الطاغية وتدمير مشروعه وردم افكاره تحت جبال الادانة والعار ورغم كل ذلك نجد هذه الجماعات تطل براسها  وتعلن عن حضورها باعتبارها استمرارا وانبعاثا لمشروع الطاغية فور هلاكه واحيانا بعد هذا الهلاك باعوام وعقود وربما قرون ، فدعنا من اتباع الحاكم بامر الله فقد يكون في الامر شيئا من اللبس والخلط بين عقيدة من العقائد وشخصية هذا الطاغية ، ودعنا من هايلا سيلاسي في اثيوبيا واتباعه من زنوج كندا وامريكا فقد يكون للامر علاقة بالهوية والجذور ولكن ماذا عن اتباع هتلر في الغرب وسجل هذا الطاغية والدماء التي اسالها  والمحارق التي نصبها للبشر ما تزال ذكراها حية في اذهان شهود بعضهم ما زال حيا ، وماذا عن موسيليني بكل ما يرمز اليه من جنون ودموية ومع ذلك نرى له اتباعا في ايطاليا نفسها التي تجرعت على يديه نتائج هذا العته والجنون والاجرام ، اذن فان هناك بشرا تشوهت نفوسهم وطمس الله ما فيها من خير، ترتضي دون حاجة الى برمجة ولا حاجة الى ارتباط بمصلحة او مقابل رشوة ان تنخرط في مسيرة الطاغية وتبقى على ولائها له اثناء حياته وبعد موته. وساغامر في ختام هذا الجزء من خصائص الطاغية بالاتيان على حقيقة، قد يصعب تاكيدها، لانها غالبا ما تبقى غاطسة في اسرار دول اخرى، لا تريد ان تفضح ممارساتها ، ولا سبيل لوجودها في ارشيف الطاغية ، لانه لا يحتفظ في ارشيفه على دليل ادانة له ، وهذه الحقيقة هو ان الطاغية لابد ان يكون عميلا لجهة ما ، حتى لو كان يسعى لرئاسة قوة عظمى تصنع العملاء والاتباع وتجعل من الدول الاخرى ذرات تدور في فلكها، لان الجنون الغريزي الذي يدفع به للوصول للحكم، يجعله على استعداد لدفع اي ثمن والرضوخ لاي شرط ، والانطلاق في كل اتجاه يمكن ان يجد فيه عونا للوصول او الحكم حتى لو كان هذا الاتجاه العمل لصالح مخابرات اجنبية او الاتصال بجهات مشبوهة ، وهناك حالات كثيرة يثبت فيها العمالة لدولة اجنبية اوصلت العميل لحكم بلاده كما هو الحال مع اورتيجا الذي كان لعمالته للمخابرات المركزية الامريكية دور في الوصول به الى الحكم ، وبينوشيه وهو الضابط الذي قفز على حكم  تشيلي عندما كانت امريكا تبحث عن بديل للحزب الشيوعي الذي جاء بانتخابات حرة ورئيسه الليندي الذي قتل قتلا في قصر الحكم، وحالة بينوشيه تنطبق على كثير من عتاة العسكريين الذين جاءوا لحكم تلك البلدان التي تسميها الولايات المتحدة الحديقة الخلفية لها وكانت تؤمن في ذلك الوقت بضرورة تامينها من شرور الشيوعية او الولاء المشبوه لعالم اليسار ويتحدث عميل امريكي عمل في العالم العربي اسمه مايلز كوبلاند صاحب كتاب لعبة الامم عن الدور الذي لعبته امريكا في جلب عملاء لها عن طريق الانقلابات العسكرية .  وليس الامر خاصا بمثل هذه العمالة الامريكية ولكن الحديث يدور عن كثير من هؤلاء الطغاة وعن كيف استعانوا بمحافل ماسونية وجمعيات سرية بل وعصابات مافيوزية لايصالهم الى الحكم واعتقد  ان مزيدا من الحفريات في  العوامل التي انجحت بعض الانقلابات العسكرية في البلدان العربية سوف يسفر عن  كثير من العجائب والغرائب التي احاطت بمجيء هذه الانقلابات وعلى راسها هؤلاء الطغاة الذين اسهموا في تدمير الوطن العربي وعرقلة نموه على مدى اكثر  من ستين عاما.

نقطة اخير تتصل بعتاة الطغاة ذوي الميول الاجرامية ، انهم يحبون ان يراهم الناس في صورة صانعي الكوارث ومثيرى الرعب لدى الدول الاخرى  او كما يسميه التعبير الانجليزي  The hell raiserوهو ذلك الذي يفتح بوابات الجحيم على الاخرين، فما فعله هتلر بدءا من غزوه لبولندا واجتياحه لفرنسا وعزمه فيما بعد على الانتقال لفتح بلاد الروس لم يكن الا انسياقا وراء رؤيته لنفسه باعتباره فاتح بوابات الجحيم للاخرين حتى لو كانوا اكثر من مجرد قطاعات من شعبه كما فعل وهو يفتح افران الغاز او معسكرات الاعتقال لليهود والغجر بل دول لها مكانة على خريطة العالم ولها احيانا مستعمرات واتباع، وهذا طبعا ما فعله ترويعا وارهابا صدام حسين وهو يبدا حربه على ايران عندما ظنها في موقع الضعف بعد ان تقوض نظام الشاه وانهكت الثورة قوى ايران العسكرية والامنية فظنها فرصة مناسبة لنقض الاتفاق الذي عقده مع الشاه دون اعتبار للويلات التي سببها لشعبه كما سببها لبلاد فارس ، او  لحظة الترويع الكبرى التي هزت العالم عندما اراد في لحظات ان يبتلع دولة مجاورة له هي دولة الكويت ويضعها بين فكيه بحكامها واعلامها وبرلمانها واناشيدها ويطمسها ارضا وشعبا ويجعلها المقاطعة او المحافظة التاسعة عشرة  او ما شابه ذلك برئاسة على الكيماوي ، لكنه طبعا يكتشف فيما بعد انه ليس وحده من يفتح بوابات الجحيم وليس وحده من يصنع العواصف وانما هناك في العالم قدرات اكبر من قدرته وقوى لديها من قوة النار ما يحرق نيرانه ومن عواصف الصحراء ما يهزم عواصفه ، ولعل هذا ما لم ينتبه اليه القذافي وهو يفتح نيران ترساناته العسكرية التي ظل يحشدها لمدة اكثر من اربعين عاما ، على الخارجين على طاعته من ابناء شعبه ، فجاءته قوات التحالف العالمي كما جاءت قبله لصدام تذيقه ملعقة مما عاش كل منهما وعلى مدى عقود كثيرة يذيقه للاخرين.  وقد يجدر بنا هنا ان نسال ان كان لهذا الطاغية ورجوعا الى التناقض في شخصيته ، وجه يقابل وجه فاتح بوابات الجحيم ، هل يمكن بمثل هذه البطولات في الترويع واعمال الشر ، ان يكون قادرا في بعض اللحظات على القيام باعمال الخير، واعتقد ان هذا سؤال يمكن ان يجيب عليه اناس كثيرون ممن استفادوا من كابونات النفط التي كان يوزعها صدام على اشتات لا حصر لهم من البشر ، ويمكن ان يجيب عليه بالنسبة للقذافي كثير من شيوخ القبائل الافريقية الذين يسمون انفسهم الملوك والسلاطين التقليديين وجعلوا الاخ العقيد الملك الاعلى لهم بسبب ما اغذقه عليهم من العطايا والهبات ، بمعني ان للطاغية احيانا وجه وضيء لا يراه عادة ابناء شعبه ويمكن ان يشرق على اقوام خارج حدود الوطن الذي يحكمه.لكي لا نقول ان كل ما يفعله الطاغية ينتمي الى عالم الرعب والكراهية والشر والجريمة .   

ولعلنا وصلنا الان الى ما اشرنا له سابقا وهو التحليل النفسي لشخصية الطاغية، وتجمع  الكتب والتحليلات التي تناولت شخصية ادولف هتلر باعتباره عميد الطغاة في عصرنا الحديث ، على انه شخصية سايكوباتية ،  وهو  تشخيص لحالة تنطبق على اغلب الطغاة الذين عرفهم العالم خاصة عتاة الطغاة ، ولذلك فسنقوم بتخصيص مساحة للتعرف على هذه الخصائص التي يتميز بها الانسان السايكوباتي، وهي حالة مرضية جعلت بعض البلدان تضع لها نصا قانونيا يقضي بالحجر على كل من تشخص حالته بانه شخصية سايكوباتية لخطورة المسلك الذي يسلكه هذا الشخص كما حدث في بريطانيا التي اصدرت منذ سنوات قليلة مضت قانونا يقضي بهذا الامر ، ولابد من القول ان معظم المجرمين الكبار الذين يسكنون سجون الحالات القصوى من شروط الامان ، ومن يصلون الى غرف الاعدام بسبب جرائمهم البشعة ، هم من المصابين بهذا المرض النفسي كذلك عدد من اخطر المجانين القاطنين في مناطق الحجر المحكم في مستشفيات الامراض العقلية، وغالبا ما يكون هذاالطاغية رجلا وصل الى سدة الحكم بدلا من الامساك به من طرف حراس العيادة النفسية لوضعه في السترة الحديدية والانطلاق به ليحجز في احدى الغرف المحكمة الرتاجات والمغاليق ،  ولنبدا بالقول ان هذا المرض لا يعني مرضا واحدا وانما مجموعة من الامراض النفسية التي قد تتباين مع بعضها البعض فهو مصاب بعقد النقص كما هو مصاب بعقد العظمة والمكابرة وهو شخص تسكنه البارانويا التي تجعله مليئا بهواجس الخوف والتمويه والمداراة ، كثير الشكوك والريبة والحالة التي يضربون بها المثل  في عقدة البارانويا ما فعله عطيل بديدمونة، عندما ادى به هذا المرض الى قتلها اثر دسيسة من خصومه وشبهة واهية لا وجود لدليل واضح عليها فذهبت المسكينة ضحية ضعفه النفسي ، وفقد هو حبيبته ثم فقد حياته بسبب سلوكه المحكوم بامراض البارانويا،  بينما يملك هذا المريض بامراض السايكوباتية  في ذات الوقت عقد الاستعراض والظهور ، وهو مرض وثيق الصلة بانفصام الذات والشيزوفرينيا  الا ان شخصيته ليست مقسومة الى حالتين كما في دكتور جيكل ومستر هايد وانما تعدد الشخصيات التي قد تتناقض مع بعضها، وهو بالضروة مريض بالسادية ولكنها سادية من نوع خاص لا يسد حاجة صاحبها او يرضي حالته المرضية  ان يأخذ سوطا ويضرب به خادما كما يعالج بعض حاملي هذه الامراض انفسهم ، وانما يحتاج لاكثر من ذلك لارضاء جنونه ، ومع هذا المرض يظهر مرض اخر في شخصيته يكاد ان يكون مناقضا له هو مرض المازوخية الذي يعني الاستمتاع بالاذي وتعذيب الذات وجلدها  وهو ايضا يختلف فيما يبدو عن المازوخي العادي الذي قد يرضيه ان تاخذ عشيقته سوطا تجلد به ظهره فيرتاح ويؤدي واجباته السريرية معها هانئا سعيدا بعد هذه الجلدات كما نرى في افلام نفسية تتحدث عن مثل هذه العاهات ، وهناك امراض نفسية كثيرة اخرى سناتي عليها واحدة بعد الاخرى وسنرى كيف ان لها تجلياتها لدى كل طاغية نعرفه او نعرف سيرته، وينسب علماء النفس هذه العاهة الى عطب وتشوهات في المخ لم يتم تشخيصها بالشكل الذي يمكن ان يساعد الطب في وجود علاج لهذا العطب او التشوه ، ويكاد هناك اتفاق على ان هذا التشوه في المخ ينتج عن خلل يحصل للانسان في مراحل عمره الاولى دون استبعاد وجود عامل جيني وراثي ، ونعرف جميعا ان فرويد ينسب اغلب الامراض النفسية الى السنوات الاولى من عمر الانسان ، ولعل هذا الخلل في شخصية الطاغية قد بدا منذ اول سنة لوجوده على الارض، وهو خلل يتصل بنمو هذا الطفل نموا تتواشج وتتوافق فيه وتنسجم كل انواع النمو التي يحتاجها هذا الكائن الانساني بمعني ان نموه الجسمي يرافقه في ذات الوقت وبذات الدرجة نموه العقلي كما يرافقه وبتوافق وانسجام نمو جهازه العصبي ونموه الانفعالي والعاطفي ، وهو ما يحدث لكل انساني طبيعي، ما يحدث للشخصية السياكوباتية ان خللا يحدث لهذا التوافق والهارموني في هذا النمو فيتخلف نضجه العاطفي والانفعالي عن نضجه او نموه العقلي والبدني مثلا ، اي الهارموني في هذه الانواع من النمو يحدث بها اضطراب وفقدان توازن ينعكس على شخصية الطفل، الا انه لا يظهر عليه ظهور المس على الممسوس او ظهور التخلف العقلي على المتخلف عقليا، فمن ميزات الشخص السايكوباتي انه يمكن ان يتصرف بمنتهى العقل والتهذيب، وقد لا يعلن مرضه السايكوباتي عن نفسه اعلانا قويا الا في لحظات الفوران والغضب، ولكنه مع ذلك قد لا يظهر ظهورا قويا الا بعد اعوام من سن البلوغ حيث يخرج الشخص من عوالم الطفولة والصبا بما فيها من براءة وبعد عن المواجهات الى العالم الواسع بتحدياته ومواجهاته عندئد اذن يمكن ان تخرج شخصيته الاجرامية او شخصيته العنيفة في مواجهة من يحاول ان يقف في طريقه، الا ان هناك مناسبات ظهرت الحالة السايكاباتية على اناس في مرحلة الطفولة يعرفون بالكذب والنشل والسرقة وقد عرف عن واحد من ملالي الثورة الخمينة اسمه خلخالي واشتهر بدمويته انه كان يتفنن اثناء طفولته في مطاردة القطط وشنقها وخنقها ومن بين الكتب الكثيرة التي تخصصت في عرض وشرح هذا المرض يمكن اعتبار كتاب قناع العقلانية لصاحبه هارفي كليكلي من اهم ما كتب عن الاشخصاص المبتلين بهذا المرض ، حيث يؤكد في هذا الكتاب ان المظهر الخادع لهذا المريض ليس الا قناعا للجنون الاجرامي الذي يتلبسهHervey Cleckley's     The Mask of Sanity

 بالنسبة للطاغية طبعا يحتاج الامر الى ان يصل هذا المريض السايكوباتي الى موقع يتأمر فيه على اناس حتى لو كان  رئيس غفر ، عندئد ستظهر امكانية التنفيس عن عقده ويبدا الناس الذين يقعون تحت سيطرته بتلقي انواع ما يتقنه من تعذيب وايذاء كانت في حالة كمون قبل وجوده في موقع المسئولية، وقبل ان اشير لاعمال فنية تناولت شخصية السايكوبات، ساشير الى مسلسل امريكي شاهده الناس على الشاشة الصغيرة في دول العالم وبينها العالم العربي ، هو مسلس الرجل الاخضر ، وعنوانه الرئيسي

The incredible hulk  

ويعني العملاق الخارق او المسخ  وقد صنعوا منه العابا في الحاسوب وغيره وشخصية هذا الرجل الاخضر تشبه تماما  ما يحدث من تغيرات للرجل السايكوباتي فهو رجل يتصرف بشكل طبيعي ويعيش مع الناس في امان وسلام  حتى اذا مرت به لحظة عصبية انفعالية شديدة القوة والثاتير ينقلب هذا الرجل المسالم الى رجل اخر بشكل عضوي في هذه الحالة اي ان قميصه يتمزق لانه يضيق على هذا المسخ المهول الذي تحول اليه فنرى رجلا عملاقا عنيفا قادرا على تدمير الانسان الذي اثاره غضبه ويكتسي جسمه بالاخضرار ويصبح اشبه بغول بدلا من شكله الانساني ، وما ان يحقق انتقامه وتنتهي تلك الحالة حتى نراه يركض الى مكان خفي لتعود اليه شخصيته الطبيعية ويعود لارتداء ملابس طبيعية ويذهب الى مكان اخر يبحث فيه عن عمل يتفق مع احدى مهاراته الكثيرة، ولا اجد اقرب من هذه الشخصية لتصوير المريض السايكوباتي الذي نراه يتنكر في هيئة انسانية طبيعية بل احيانا في شخصية انسان شديد التهذيب والتحضر كما نرى في افلام تصور عتاة المجرمين ممن يسمونهم سفاح الجماعات، وكيف يصطاد هذه السفاح ضحاياه خاصة اذا كان هؤلاء الضحايا من النساء باساليب يتحول فيها الى انسان يسحر المراة باجادة الرقص وشدة تهذيبه ومبادرته لاستضافتها وتقبيل يدها والاسراع باشعال لفافة تبغها والبقاء واقفا حتى يراها تجلس والانحناء لها او لاية امراة عند التحية ، حتى تنبهر بشخصيته وجمال اسلوبه ليستدرجها بعد ذلك الى المكان الامن الذي يقوم فيه باغتصابها وقتلها، فهو هنا يرتدي قناع الرجل الحضاري ليمارس القتل والاغتصاب والرعب ، والمحاكم التي تحاكم مثل هذا المجرم لا  تعفيه من جريمته باعتباره مجنونا ، لان ذلك ينطبق على من فقد عقله ، لكن السايكوبات ليس فاقدا للعقل ولكنه انسان فاقد للضمير ، فهو انسان بلا ضمير ، بمعني ان لا رادع يردعه عن ارتكاب اي شيء ، متبلد الاحساس ، متحجر القلب ، يخلو من احساسات الندم او الاسف لما يبدرمنه وما يقوم به من ظلم او يقترفه من جرائم بحق الابرياء ، اطلاقا لا يعرف مثل هذا الالم او الندم ، كما تقول الكتب التي تتحدث عن السايكوبات ولنبدأ في تحديد اهم خصائص الطاغية السايكوباتي :

* يستمد السايكوباتيك اقصى انواع المتعة من التنكيل بالاخرين وانزال الالم والعذاب بهم ومثال ذلك في ذاكرة اهل هذا الزمان الرئيس صدام حسين ، الذي ادخل العراق في سلسلة من الحروب ، لكي يستمتع بخروج جنازة من كل بيت فهذا هو ما يجلب له متعة لا يستطيع الاستغناء عنها، مثله مثل المدمن الذي تصبح هذه الجنازات حقنة يومية لارضاء حاجاته المرضية ، ولذلك فما ان تنتهي الحرب في جهة حتى يشعلها في جهة اخرى ، وهو ما يؤكد ان وجود المريض السايكوباتي في الحكم ،يعني بالضرورة امتلاكه رخصة للقتل دون محاسبة ولا رقابة ولا عقاب ، يمضي في القتل،  ما ظهر منه الى العلن ، وما تم في اقبية مجهولة، لن تظهر حقيقتها الا بعد انتهاء عهد النظام ، واحيانا يلجأ هذا الحاكم عند اقتراب اجله الى توريث الحكم لابنه حتى لوكان يقود نظاما جمهوريا من جل ان يبقى الصندوق الاسود لجرائمه مخفيا،كما فعل الطاغية السوري حافظ الاسد وطغاة صغار في افريقيا مثل عمر بونجو في الجابون وقبله كابيلا حاكم الكونجو كينشاسا.

* السايكوبات شخصية متمحورة على الذات لا يرى في مرايا الارض والسماء الا صورته، نرجسي ، لا يطيق ان يذكر اسم معه ، مصاب بامراض العظمة التي تجعله ينتفخ مثل بالون فارغ مليء بالهواء ، ويصرف الاموال الطائلة التي ينفقها من خزائن الشعب على مؤتمرات واحتفاليات وصور وافلام وكتب تتحدث عن نواحي عبقريته تزييفا وكذبا ، وفي اتجاه اخر يعمد الى طمس كل جهود البشر الاخرين ، والذين يعرفون ليبيا يعرفون ان لا اسم يظهر مع اسمه فهو يمنع المذيع ان يذكر اسمه ويمنع اللاعب الرياضي اثناء وصف المباراة ان يشار اليه بغير الرقم الذي يحمله، فاسمه ممنوع كما هو ممنوع ظهور اسماء اي صاحب منصب في البلاد . ولعل هذه الحالة النرجسية هي اقل الحالات ضررا في طبيعة السايكوبات لانها غالبا ما تتحول الى حالة كاريكاتورية ،  ذات جوانب مؤسفة لكنها تدعو الى الضحك والسخرية ، غير جوانبه الكثيرة الاخرى ذات النتائج الكارثية التي تدعو الى الالم والحزن .                                                        

*  يشير الباحثون في شخصية السايكوبات ان لديه ميزة تميزه عن خصومه ، قد تؤمن له في حالات كثيرة النصر عليهم ، على الاقل في مرحلة من مراحل الصراع كما كان الحال مع هتلر في بداية المحارق وبداية الحروب ، وهذه الميزة ان السايكوبات لا ضمير له يردعه عن ارتكاب اي شيء، بعكس خصومه من البشر العاديين الذين لابد ان تحد الاعتبارات الانسانية من افعالهم ، فقد اظهرت محاكمة صدام حسين حول جرائمه في قرية الدجيل انه من اجل القضاء على حلقة صغيرة من خصومه ممن ارادوا التامر ضده ، كان مستعدا لابادة قرية كاملة وقصفها بالطيران دون اعتبار لموت اطفال ونساء ورجال لا علاقة لهم بتلك الحلقة من اعدائه . وعندما اراد القذافي تصفية امره مع الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز لم يعمد الى ما عمد اليه اعداء الملك فيصل عندما ارسلوا قاتلا يستهدفه شخصيا ، وانما دبر مؤامرة تقتضى ضرب موكب الملك عبد الله بصاروخ كان بالضرورة سيقضى على مئات الناس الابرياء ممن تصادف وجودهم في موكبه او قريبا منه ، لولا ان الله سلم وتم كشف المؤامرة . 

* كل ما يمكن ان يظهره السايكوبات الطاغية من مشاعر ، خاصة في خطاباته المليئة بالشعارات ، مجرد كوموفلواج  للتمويه والتسويف والمخادعة ، ويمثله صاحب كتاب قناع العقلانية ، بمثل الوحش الذي يستخدم كل الحيل لاصطياد فريسته ، فهو يختبيء في الدغل ، ويقطع على فريسته الطريق ، ويسعى للاستفراد بها ، ويلجا   الى كل الوسائل من اجل ان يتمكن من افتراسها ، هو لا يعرف عاطفة ، ولا هدفا ، الا الوصول الى مايريد ، وما يريده الطاغية طبعا الحكم والسيطرة وامتلاك رخصة القتل دون حسيب ، ولا يسمح باحد يقف في طريقه، ولن يتردد في ازاحته بالقتل او غيره ، حتى لو كان ابنه او شقيقه ، انه لابد  ان يقوم بتصفية من يقف ضد تنفيذ رغباته ، وقد عرض في برنامج تلفزي سينمائي تقدمه السيدة القديرة درية شرف الدين فيلما نفسيا يقوم فيه البطل باشعال حريق في بيت تقطنه زوجته واطفاله ، وسالت ضيفها الطبيب النفسي عن كيف لانسان ان يحرق زوجته واطفالها ، فكانت اجابته هو ان البطل شخصية سايكوباتية ، ومن اجل الوصول الى غرض الحصول على امراة اخرى يتعشقها ، يقوم بقتل اسرته التي راها عقبة في طريق تحقيق هدفه.  

* احدى خصائص الشخص السايكوباتي انه لا يرى النتائح لافعاله ، ولا يهتم بحسابها ، فهو يتصرف حسب ما تمليه النزوة التي تراوده تلك اللحظة ، اذ يستطيع صدام وهو يغتاظ من الصدر ان يبعث بمن ينتزعه من بيته ويقتله ، دون اعتبار لما يمكن ان يثيره هذا الفعل من انقلاب جزء كبير من الراي العام عليه ويورثه احقادا لا حصر لها ولا نهاية ، كما يستطيع في لحظة غضب اخرى ان يقتل اصهاره الاثنين وزوجي ابنتيه لانهما خرجا عليه ، وقد عادا اليه ثائبين ، ولكن غضبه لن يجد متنفسا الا بقتلهما ، رغم ما يورثه هذا القتل من حقد اطفاله عليه وترمل ابنتيه وزرع الدمار داخل بيته ، وهذا طبعا ما حدث مع القذافي وهو يامر باخفاء امام اخر اسمه الصدر ايضا هو الامام المناضل السيد موسى الصدر، ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب الاستاذ الصحفي عباس بدر الدين وظل وعلى مدى اكثر من ثلاثين عاما يدفع ثمن هذا العمل دون ان يستطيع انهاء المشكل .

* الشخص السايكوباتي صاحب قدرات كبيرة على تعبئة الناس نحو الشيء الذي يريده ، مستخدما الغش والكذب والتزوير ، مستعينا بقدراته الخطابية ، التي يغطي بها افعاله ، بل واكثر من ذلك يدين بها خصومه اذ يكفي ان ينعت هؤلاء الخصوم الذين يسعون لتعريته وكشف اكاذيبه وفضح افعاله الاجرامية ، بالخيانة والعمالة للاعداء ، ليجد من يصدقه دون دليل ، ويردد اقواله حول هؤلاء الخصوم , وهكذا يصابون بالعمى عن  رؤية افعاله المشينة . بل احيانا يقودهم هذا السايكوبات الى حتوفهم ، كما فعل في اواخر السبعينات رجل اسمه جون جونس صنع مع مجموعة من الاتباع الامريكان ، الذين ابوا الاستجابة لعناصر من الدولة حاولوا انقاذهم من هذا المجنون وهم في كاليفورنيا ، واصروا على الهروب معه الى غويانا وعندما استحكمت حلقات الحصار حوله امر هؤلاء الاتباع وكان عددهم اكثر من تسعمائة شخص بشرب السم ، فقاموا بتنفيذ اوامره وماتوا معه في مجزرة من ابشع واغرب ما شاهد العالم من مجازر ، يقوم فيها الضحية بمساعدة القاتل على قتله.

* الشخص السايكوباتي لا يكف عن الكذب ، وهو يكذب بيسر وسهولة ودون ان تطرف له عين او ترشح من جبينه نقطة عرق واحدة ، يكذب كانه يتنفس ، وهو لا يكذب مضطرا كما يفعل المتهم الذي ينكر جريمته طلبا للنجاة ، انه يكذب كذبا مجانيا في اغلب الاحيان ، يكذب لان الكذب يشكل مصدر سعادة له ، يكذب ليبتهج ويرى نفسه قد خدع الناس وانتصر على ذكائهم، والشواهد تقول ان الطغاة اكثر طغيانا من السايكوباتيين الاخرين ممن هم اقل منزلة ، لان هناك دائما من يمكن ان يعترض على كذبه، بينما الطاغية وهو يخطب من منصة عالية، وبين حشود من اتباعه والموالين له ، او الجماهير التي ترتعب من بطشه وقهره، لا تستطيع اعتراضا على ما يسوقه من اكاذيب ، بعضها كما قلنا لمجرد المتعة التي يحصل عليها من قول الكذب ، وبعضها طبعا للتغطية على اخفاقاته بتحويل هذه الاخفاقات والهزائم الى انتصارات او تحويل الجرائم والاحن والمحن التي يعرض لها اهل بلاده الا مكارم وفتوحات ومنجزات، وخلاصة القول انه يكذب استجابة لحاجة نفسية مرضية . 

* المريض السايكوباتي ، لا حدود لقسوته ، ولا رادع لقيامه بارتكاب افظع الممارسات وايقاع الاذي بمستويات لا يرضاها الحس الانساني ، لانه شخص لا يعرف الرحمة ، ولا يملك الحس الذي يملكه بقية الناس والذي نسميه عاطفة ، تمد رباطا بينه وبين اخوته في الانسانية ، لانه لا وجود عند السايكوبات لهذه الرابطة ، ولا وجود لرادع من دين او ايمان لانه لا ايمان له ولا علاقة باي دين الا عبادة نفسه وعبادة شيطان مصالحه ، ولهذا فانه لا احد يستغرب المدى الذي يصل اليه في تعذيب ضحاياه او الوسائل التي يلجا اليها وهناك شهادات تقول بان بعض الطغاة العرب كانوا يشرفون بشكل شخصي على تعذيب ضحاياهم ولعله لم يكن غريبا ما كان يقال عن عيدي امين انه كان ياكل اكباد ضحاياه او بوكوسا الذي كان يضع لحم اطفال في ثلاجة منزله ممن رفضوا اوامره بشراء ملابسهم المدرسية من حانوت يملكه وثابت عن صدام حسين انه قام باطلاق النار في مكتبه على اثنين من وزرائه اثناء انعقاد جلسة لمجلس وزرائه.                        

* احدى خصائص المريض السايكوباتي ، التقلب ، فهو لا يثبت على حال ، ويقول اليوم شيئا، يمكن ان يقول عكسه في اليوم التالي ، ولا يتورع اذا كان حاكما من اصدار الوعود التي لا ينفذها ، ويتنكر لها بعد قولها ، وهو تقلب ناتج عن اضطرابه النفسي ، وعن حقيقة انه شخص بلا مبدأ ولا ايمان بشيء الا اذا كان مشوها ممسوخا،مثل الايمان بالعنصرية والتفوق العرقي الذي يقول به بعض الطغاة لانفسهم واقوامهم ، لكي يمنحهم هذا الايمان رخصة بتقتيل وذبح وحرق الاقوام الاخرى ، ولهذا فالسايكوبات لا يوثق به ولا يعتمد عليه ولا يفي اذا وعد ولا يحفظ العهد اذا عاهد ولا تقوده الا نزواته وغرائزه وامراضه ومنافعه الشخصية .

* المريض السايكوباتي ، لا يملك قدرة على مراجعة اخطائه والاستفادة منها فلا يقوم بتكرارها ، فهو يشتهر بالاصرار على تكرار نفس الاخطاء ، ربما لانه لا يتعظ بما يفعل ولا يشعر بحرج اوخجل او ندم ، فتكراره للاخطاء ربما يكون جزءا من هذا التركيب المرضي لشخص لا يملك ضميرا ، وهذا يجعل السايكوباتي بعد ان يصل الى مرحلة العتو في اجرامه وطغيانه ، يتوقف تماما عن اي نمو لفكره او عقليته ولا مجال لان يحدث له اي نوع من التحول في شخصيته ، لان هذا المرض لا يصاحبه نضج عقلي ولا يصاحبه وصول الى مرحلة من الفهم او الرجوع عن غيه ، وبعد ان قلنا هذا الكلام نقول ايضا ان الشخص السايكوباتي لا وجود حتى الان لعلاج له ، ولا امل له في الشفاء بسبب ان الاطباء لم يصلوا بعد الى اية علاجات يمكن استخدامها لاستئصال التشوهات في عقله ، وهناك الان دراسات حقلية وكلينيكية قائمة على تشريح مخ المريض السايكوباتي بامل الوصول الى نتائج تؤدي الى العلاج .

* هناك اضطراب في الحياة الجنسية للشخص السايكوباتي ، ولهذا هو لا يثبت على حالة واحدة ولا قدرة له على الحياة مع شريك او شريكة واحدة ، وقد لا يكون له قدرة على الثبات على سلوك جنسي واحد ، فهو قد يكون متذبذبا بين السوك السوي والمنحرف ، وربما تتباين السلوكيات حسب درجة العتو والقوة للحالة المرضية ، ولكن الثابت من كل الشواهد ان الشخص السايكوباتي لا وازع اخلاقي له ، ولن يتورع عن ارتكاب كل المباذل والانغماس في ممارسة الغرائز وتجريب كل ما ماهو رخيص ومبتذل وخسيس وتشمئز منه النفوس السوية لانه لا يملك نفسا سوية يمكن ان تشمئز . انه لا يطيق البقاء على حالة واحدة ، ولا يطيق الاخلاص لشريك واحد ولا يرى الناس في ضوء الشراكة الانسانية وانما يراهم كادوات يستخدمهم لقضاء مصالحه ، وسيكون هذا الشريك او الرفيق معرضا للرمي بعد الاستعمال مثل الاشياء المصنعة للاستخدام المؤقت ، ويمكن اضافة قضية اخرى تتصل برؤيته للجنس ، باستخدامه وسيلة للسيطرة واذلال الاخرين حتى من معاونيه الذين يستمتع بانتهاك حرماتهم ، وقراءة لمسرحية البير كامي كاليجولا تعطي فكرة كاملة عن اسلوب الطاغية السايكوباتي في استخدامه المشوه والمرضي للعامل الجنسي ، بالنسبة لنفسه وللاخرين.  

* شيء مشترك بين الطغاة السايكوباتيين هو عدم الاعتراف بمسئوليتهم على ما اقترفته ايديهم، انه ينسبون المسئولية الى غيرهم ، ويجتهدون في البحث عن اكباش فداء لافعالهم ، ولن نستغرب اذا ما وجدنا الطاغية يحاكم ضابطا ميدانيا خسر المعركة لانه استجاب لتعليمات القائد الاعلى ، بل حدث ان وقف ذات مرة الاخ العقيد في ميدان الشهداء بطرابلس وفي حفل عام ، يضع مسئولية الحرب التي قام بها ضد تشاد على الشعب الليبي ، قائلا لهم انكم كلفتم خزينة بلادكم 24 مليار دولار بهذه الحرب الغبية التي خضتموها ومثل هؤلاء الطغاة لن يتعلموا ومهما مضى عليهم الوقت في الحكم كيف يتحملون المسئولية او يعترفون بها.            

* الرعونة ، وهي احدى خصائص الطاغية برغم قدرته الفائقة على نسج خيوط المؤامرات واحكام حلقاتها، الا انه مع ذلك ، يتصرف في عديد الامور من وحي اللحظة ، ودون تفكير ، او تخطيط ، او نظر الى العواقب ، وطبعا سبق وان تحدثناعن غياب الاعتبارات الاخلاقية او الانسانية او الدينية ، فهو يستجيب استجابة سريعة وفورية لهذه الرغبة او النزوة التي تقولها له نفسيته المريضة فيقوم بتنفيذها ، حتى لو ادى الامر الى ان يلاقي فيما بعد الصعوبات او يتكلف الاموال اويفقد صداقات او تحالفات ، لانه لم يحسبها ولم يعمل تخطيطا يحميه من نتائجها ، واذا اردنا ان نضرب مثلا من تاريخنا الحديث ، ومثلا له اصداء عالمية ، فهو قرار صدام حسين بغزو الكويت ، ومدى ما كلف نفسه وكلف بلاده من معاناة وخسائر وما جلب من كوارث ، وانتهى مرغما على الخروج من الكويت بفواتير من دم شعبه ومن سلاح جيشه ومن خزينة دولته ، ظل يواصل بعد عشرة اعوام دفعها دون ان يفي بها ، وكلفته في النهاية خسارة حكمه وخسارة حياته وضياع بلده ومقتل اولاده، اما الوجه الثاني لهذه الرعونة فهو العناد، الذي يجعله برغم كل الحسابات التي تقول بفساد تفكيره وكارثية الموقف الذي يتخذه، يصر عليه ولا يقبل مراجعة ولا مناقشة فيما راه، ونعود الى صدام وغزوه للكويت وكيف تجمعت قوى العالم الكبرى ووضعت ترساناتها العسكرية وامكانيات حرب النجوم التي تملكها في خدمة حرب اخراجه من الكويت، وجاء المجتمع الدولي ممثلا في الامين العام للامم المتحدة وبعض رؤساء دول تربطه بهم علاقات سابقة يريدون تجنب الكارثة ويطالبونه باخراج قواته من الكويت بشروط  وضمانات تكفل لجيشه السلامة ولبلاده تفادي العقوبات او دفع ثمن هذه الجريمة الا انه اصر وعاند ولم يتحرك حتى جاءته الضربة القاصمة التي ابادت جيشه واخرجته ذليلا مهانا .          

* عندما تتيح الفرص للعالم ان يرى الطاغية السايكوباتي على حقيقته بعد ان تنحسر عنه القوة ويقع في شر اعماله ويتجرع مرارة هزيمته ونهاية عهده، يحصل الفرز الذي كان يجب ان يحصل قبل ان يصل هذا الطاغية الى الحكم (اي تنفيذ القانون الذي اعتمدته في السنوات الاخيرة المملكة الممتحدة بالحجر على المريض السايكوباتي، قبل ان يصل الى الحكم ويتحكم في رقاب شعب يذيقه المهالك والاذى) وهذا الفرز يظهر مدى عزلة المريض السايكوباتي عن المجتمع ، والجسور المهدمة بينه وبين رفاقه في الانسانية ، اقول تظهر هذه العزلة وهذا الفرز ، في اخر مراحل الحكم للطاغية السايكوباتي ، حيث يقف في طرف والعالم كله في الطرف المقابل ، كما حدث مع هتلر وموسيليني ثم مع صدام حسين ، وربما مبارك وبن علي ، وهما من ذوي الشخصية السايكوباتية ربما غير الاجرامية بالطبيعة والتشوه الخلقي ، واخيرا كما نرى اليوم مع العقيد اليمني والعقيد الليبي وقريبا انشاء الله مع بشار الاسد وعبد العزيز بوتفليقة وعمر البشير. انها لحظة كاشفة نرى فيها المريض السايكوباتي على الخريطة الانسانية ، هو في طرف ، وكل البشرية في طرف اخر ، لهول ما اقترفه هذا الطاغية وهول ما راه العالم من سلوكايته الداعية للاشمئزاز والاستنكار والادانة.           

* خداع النفس والتواصل المرتبك مع الواقع المعاش والرؤية الضبابية لهذا الواقع ، اشياء مشتركة لدى الطغاة ، وقد راينا صدام حسين كيف كانت قوات الغزو تحاصر المواقع التي كان يهرب اليها ليجد رهطا من اعوانه يخطب فيهم خطب الانتصار ودحر الاعداء ، ووزيره لشئون الاعلام المسمى الصحاف الذي كان يردد اقوال رئيسه ، اصبح مسخرة وكاريكاتيرا وهو يتحدث عن سيده المنتصر ، سيده معبود الجماهير ، وحبيب الملايين ، وجيش العلوج الذين يركضون منهزمين مدعورين تحت ضربات الجيش الصدامي العظيم، حتى كاد هذا الوزير ورئيسه يقعان في الاسر وهما في الميدان يواصلان الكذب والتدجيل.     

* وعودة الى صدام في اتخاذه مثلا يتصل بقضية اخرى هي عجز الطاغية السايكوباتي عن رؤية المستقبل، وفشله في وضع الخطط التي تضمن له النجاح حتى على المدى القصير ، فقد جاءت النداءات لصدام بان هناك قوة غازية لا قبل لجيشه بمواجهتها ، وهي تاتي تلبية لنداءات من ابناء شعبه لا يريدونه ان يستمر في حكمهم ، وتجنيبا لشعبه ويلات الغزو ، وانقاذا لنفسه واسرته واعوانه من عواقب هذا الاجتياح المهول، يجب ان يرحل وقدم له المرحوم الشيخ زايد عرضا بالاقامة في بلاده موفور الكرامة مضمون الراحة  بحيث يحقق لنفسه النجاة ولشعبه حقن الدماء وابطال الغزو، الا انه لم يستطع رؤية مصير كان ينتظره ، وظل عاجزا عن رؤية الواقع وفهم ما كان يستطيع حتى كفيف البصر استشعاره وهو يسرع الخطى نحوه حتى سقط  صريعا كل من ابنيه عدي وقصي فور حدوث الغزو ،ثم سقط هو نفسه بين ايدي خصومه. نعم انه انسان نراه احيانا مقطوع الصلة بالواقع ، لا يستطيع رؤيته الا رؤية ضبابية ، ولا يوازي عجزه عن رؤية الحاضر الا عجزه الاكبر عن رؤية المستقبل ، الى درجة يمكن معها القول انه لا يحمل مفهوما ولا وعيا بالمستقبل .            

* طبعا لن ادعي انني استطيع في هذه العجالة الالمام بكل جوانب شخصية المريض السايكوباتي التي كانت موضع كتب كثيرة عدت الى بعضها في اقتباس هذه النقاط والى كتابين هما الكتاب الذي ذكرته سابقا وكتاب اسمه

The psychopath by James BlairــDerek MitchelــKarina Blair

وهناك خاصية اخرى من خصائص المريض السايكوباتي ، ذكرتها اغلب المصادر ، رغم انها ليست ذات ابعاد عامة ، وانما تتصل بسلوك محدد ، هو ان المريض السايكوباتي يحب القيام بعمليات الهدم وتدمير الابنية ، ويبدو في حالة انتشاء وهو يركب الة بلدوزر ويقوم بهدم بناء ما، رغم انه يعرف ان هذا البناء قد يحتاج الى ان يقوم احد ما باعادة تشييده بعد الهدم ،ولكنه يقوم به بحثا عن النشوة ويمكن العودة الى سلوكيات حكام كثيرين من هؤلاء الطغاة الصغار في عالمنا العربي وهم يركبون الة البلدوز ويتولون الهدم وقد كان الشاعر الفلسطيني الراحل معين بسيسو مخدوعا ومعذورا وهو يكتب كراسا اسماه البلدوزر لانه راى رئيسا عربيا يركبه ليهدم الحدود  كما قالت الدعاية ، بينما كانت الحدود موجودة  قبل ركوب الرئيس البلدوزر وبعد ه ،  كل ما في الامر ان الذين جاءوا في اليوم التالي لعبور الحدود لم يجدوا ابنية يستظلون تحتها ولم يجدوا دورات مياه يذهبون اليها ولم يجدوا حانوتا يشترون منه علبة مشروب ، ووجدوا فقط حراسا متجهمي الوجوه ، لانهم يعملون بين انقاض الابينة التي قوضها الرئيس ، تضربهم الرياح وتحرقهم الشمس يؤدون مهمتهم ببطء واشمئزاز ينعكس سخطا والما وضجرا على العابرين، وهو ما حدث فعلا على بوابة الحدود بين ليبيا ومصر ، وحدث مرة اخرى على بوابة الحدود  بين ليبيا وتونس ، عندما اكتفى السيد الرئيس بهدم الابنية وظلت الاجراءات الروتينية كما هي بل اكثر شدة ومعاناة وروتينا من ذي قبل ، وتكرر مشهد البلدوزر الذي يقوده الرئيس عشرات المرات عدا مرات اخرى اكتفى فيها باصدار الاوامر وقد تقوضت بسبب هذه الاوامر ،ابنية من تراث الانسانية كما هو الحال مع مقر مجلس الوزراء في طرابلس الذي كان تحفة فنية بما كان فيه من فسيفساء وجداريات ، كما تعرض للهدم فنادق تارخية كانت تزهو بمعمارها البديع وبزبائن من كبار شخصيات العالم السياسية والفنية مروا بها وهي فنادق كل من المهاري والجراند هوتيل والودان في طرابلس ، ومساجد ذات طابع اثري مثل زاية الكتاني التي اقام محلها جامع القدس ومولاي محمد الذي ازاله واقام محله بناء جديد وعمارات ميدان الشهداء التي ازالها ومعها  جامع سيدي احموده  ومكتبة الاوقاف وقاعة المطالعة العامة كما يذكر الليبيون بالم وحسرة لان هذا الهدم ازال جزءا من ذاكرة الوطن ، وقد وردت اكثر من اشاعة ان هناك مخططا لازالة قلعة طرابلس ومتحفها     المسمى السراية الحمراء ، الا ان اهل الخير لجأوا الى حيلة انقذت السرايا من الهدم عندما اقنعوا هذا السيد المهووس بالهدم بانهم سيخصصون جزءا من السراية يسمونه المتحف الجماهيري يحتوي بعض اثار السيد العقيد واثار انقلابه وسيارة كان يقودها قبل الانقلاب وصوره الشخصية منذ ان جاء للحكم وبذلك انقذت السرايا الحمراء من الهدم.                  

ساكتفي بهذا القدر عن شخصية االمريض السايكوباتي باعتبارها الشخصية التي يتميز بها اغلب طغاة العالم ، وهذا المريض، كما نعلم الان،  كان يجب ان يذهب الى مكان معزول في مستشفى الامراض النفسية فاذا به يحتل سدة الحكم في بلد منكوب ، يتحكم في مصائر شعب بائس ، ويحطم ما تم تشييده في هذا البلد المنكوب ثلاثا ورباعا وخماسا ، وهو ما حدث لكثير من اقطار الوطن العربي التي جاءها انقلابيون ، يقودهم انقلابي اكثر منهم شرا ، غالبا ما ينتهي بتصفيتهم ، ليتولى هو الامور ، دون ان يمر باي اختبار ، او يتعرض لاي امتحان ، ويعرف عنه الشعب اي شيء ، هذا ما حدث مع حكام في بلد مثل السودان بدءا من عبود ثم النميرى ثم هذا المطلوب من محكمة الجنايات الدولية السيد عمر البشير ، وتكرر الامر مع  سوريا ومع العراق ومع الجزائر ومع تونس ومع ليبيا ومع اليمن ومع مصر التي تناسل فيها ورثة انقلاب 23 يوليو حتى انتهى النسل برحيل حسني مبارك ، الى حد ان اصبح المحكومين بضباط الانقلابات ينظرون بعين الحسد لشعوب عربية اخرى تحكمها انظمة تقليدية عشائرية يعود بعضها الى عصور القرون الوسطى وملكيات الحق الالهي ، ولكنها في النهاية تستند الى مرجعية من المرجعيات ، حتى لو كانت العرف ، او تقاليد العائلات الملكية ، او اي منظومة اخلاقية لان هذه الانظمة الهجينة التي لا اصل لها ولا اب ولا ام ، انظمة لقيطة ، حقيرة ، جاءت من الظلام وستعود باذن الله الى الظلام . نعم للاستبداد جذور تمتد الى فجر المجتمعات الانسانية وبداية انشاء الدول، وكاد ان يكون في يوم من الايام اسلوب حكم تخضع له اغلب شعوب العالم ، ورغم ظهور عصر النهضة في اوربا منذ اكثر من خمسة قرون الا ان نظام الحق الالهي للملوك الذي يجعل الملك ظل الله في الارض ويجعل الكلمة التي تصدر من فمه قانونا تخضع له رقاب البشر ، ظل متواجدا ، الا  اننا نعرف كيف ان هذا الحق الالهي صار يتاكل بعد ان تلقي ضربات كثيرة بدءا من الماجنا كارثا في القرن الثالث عشر في بريطانيا الى الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الى اعمال مفكري الحرية والتقدم الانساني امثال جان جاك روسو صاحب العقد الاجتماعي وفولتير ومونتوسيكو وغيرهم من المبشرين بعصور الانفتاح في فرنسا وبعض مفكري الاقطار الاخرى في العالم ، ولم يكن العالم العربي خاصة في مرحلة انحسار العهد العثماني وسيطرته على مقدرات العالم العربي بعيدا عن هذه الدعاوي التي كان احد ابطالها صاحب كتاب طبائع الاستبداد عبد الرحمن الكواكبي في القرن الثامن عشر وسبقه صاحب كتاب تخليص الابريز رفاعة رافع الطهطاوي وصولا الى رموز عصر النهضة في اوخر القرن الثامن عشر وكان الكواكبي اكثر هؤلاء المفكرين انتباها الى ان الطغيان الذي تعاني منه الاقطار العربية هو اس البلاء وهو اصل كل المشاكل والافات وكان يرى بصدق ان الطغيان يعيد انتاج نفسه وعندما يتصدر الحكم انسانا طاغية فان الطغيان ينتشر في كل ما دونه من مستويات.

( الحكومة المستبدة تكون طبعاً مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي, إلى الفرّاش, إلى كنّاس الشوارع, ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً, لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته, وأنصار دولته, وشرهون لأكل السقطات من أي كان ولو بشراً أم خنازير, آبائهم أم أعدائهم, وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه, وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته, فكلما كان المستبد حريصاً على العسف احتاج إلى زيداة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه, واحتاج إلى مزيد الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة, واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة, وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفةً وقرباً, ولهذا لا بد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة)

وهذا الكلام الذي قاله عدو الاستبداد عبد الرحمن الكواكبي منذ اكثر من قرن وعشرين عاما، ظل يتم تطبيقه الى يومنا هذا ومن يدرس تجربتي العراق وليبيا واعتماد هذين النظامين على حثالة البشر واكثرهم ضعة وضعفا وجهلا ومذلة يعرف الى اي مدى كانت رؤية هذا الرجل صائبة شديدة العمق والادراك ، وكانت المفارقة الحارقة المرة المؤلمة ان هذه الاوضاع الاستبدادية ، تهيمن على مقدرات الشعب العربي في اغلب اقطاره ، في وقت تحررت فيه اغلب شعوب العالم من حكومات الطغيان والاستبداد ، وتهاوت المنظومة الاستبدادية التي حكمت امريكا اللاتينية ، واختفى منظر الجنرالات الانقلابيين الذين سيطروا على مقدرات ذلك الجزء من القارة الامريكية لامد طويل ربما بعون ومباركة من الولايات المتحدة الامريكية ، وتهاوى بعد ذلك نظام الاستبداد في الكتلة الشرقية الاشتراكية التي عاشت اعواما خلف الستار الحديدي تحت انظمة شيوعية تدين بالولاء للدولة الام الاتحاد السوفيتي ، فقد جاءت رياح التغيير تقوض البناء الضخم لتلك الدولة الام التي شارك في تشييدها طغاة ومستبدون من امثال ستالين ومساعده بيريا وصاحب نعمته لينين ، كما تصدع البناء الاستبدادي الذي شيده صاحب الثورة الثقافية الدموية في الصين ماوتسي تونج وانظمة العمالة التابعة لها في بلدان مثل لاوس وكامبوديا وفيتنام ، رغم بقاء الحزب الماركسي في الصين كرابطة رمزية اكثر منه واقعا فعليا ، وتحررت دول المنظومة الاشتراكية باجمعها ، وانخرطت في طريق الحرية تختار حكوماتها وتبني انظمتها الديمقراطية القائمة على صناديق الاقتراع والاختيار الحر  من قبل المواطنين لمن يحكمهم ، ولم تكن القارة الافريقية بعيدة عن التغيير فتقوضت انظمة كثيرة كانت تتبع سياسة الحزب الواحد والزعيم الدائم ومضت في مسيرة كبير تبني انظمتها الحرة ، عدا جيوب صغيرة ظلت على هامش الوطن العربي تعيش في النظام العالمي الاستبدادي ربما بتمويل وتشجيع من انظمة عربية مثل الجزائر وليبيا والعراق في عهد صدام. 

الى  ان هبت في مطلع هذا العام 2011  رياح الحرية بشكل قوي وعاصف جارف انطلقت في البدء من تونس حيث نظام جنرال من اهل المخابرات اسمه زين الدين بن علي اقام في بلاده دولة تحتكم للبوليس في كل مناحي حياتها وحياة مواطنيها وانشطتهم ، فكل شيء في نظامه يبدأ بالبوليس وينتهي اليه ، معتمدا على هذه المؤسسة القمعية الاجرامية في تثبيت اركان حكمه الى ان جاء يوم ، راى مواطن بسيط من بلدة سيدي بوزيد في تونس اسمه محمد البوعزيزي انه لن يستطيع ان يحتمل رزالات البوليس ، وكان عون من اعوان الشرطة جاء لاهانته ومصادرة العربة التي يبيع فوقها الخضار ، وتقدمت رفيقته من اعوان الشرطة فصفعت محمد البوعزي على وجهه ، صفعة لم يكن يستطيع ان يردها لها، لانها هنا تمثل السلطة وتمثل القمع الذي يرتدي زيا رسميا ، فما كان منه الا ان ترك عربته وما فيها من خضار مرمية على الارض وذهب امام البلدية التي تضم مديرية الشرطة وظل يصرخ معبرا عن احتجاجه وقبل ان تاتي ايدي الشرطة تجره الى الداخل افرغ زجاجة وقود فوق جسمه واشعل عود ثقاب ليبدأ الحريق الذي اطلق لهبا لم يتوقف عند تلك البقعة امام المبني البلدي في سيدي بوزيد وانما امتد الحريق ليقضى على الابنية الهشة  التي ظن طاغية ذلك النظام انه يستطيع ان يحمي به نفسه ، واحرق الطاغية واعوانه وازلامه وجلاوزة نظامه ، وامتد حريق الثورة التي اشعلها البوعزيزي الى مصر بعد ان فعل ما فعله بتونس ، فتقوضت خلال اسابع قليلة ابنية نظام الرئيس مبارك ، وازال ركام ستين عاما من مواريث القمع ، واحرق المؤسسات الكرتونية التي احتمى بها سيد النظام واعوانه وازلامه ليقود مصر الى عهد جديد ، ولم يكن يظن احد ان هذا الحريق سوف يطال معاقل القمع والاستبداد في سوريا وليبيا والاردن واليمن والجزائر ، ولكن السنة لهبه طالت الجميع ، تعد بتقويض هذه الانظمة الاستبدادية الاجرامية جميعها ، وبزوغ عصر جديد في العالم العربي .

ولا اريد ان اقول ان عالما ، مثل العالم العربي ، كانت له حضارة عريقة اسهمت بقوة وجدارة في التدرج الحضاري للانسانية ، كان عارا ان يبقى راقدا رقدة الموتى في احضان الطغيان وهو الذي انطلقت منه مقولات خالدة تؤسس لحياة الحرية والكرامة التي يستحقها المواطن كتلك التي اطلقها عمر بن الخطاب منذ اكثر من اربعة عشر قرنا  " متى استبعدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا " بل اذهب الى ابعد من ذلك زمانا ، الى عصر المعلقات التي تعرض على استار الكعبة قبل ظهور الاسلام والى قصيدة زهير بن ابي سلمي  ، التي ورد فيه بيت يستحق ان يكون شعارا للحرية يليق بالبشرية جمعاء ، حيث يرى في هذا البيت الذي ورد في معلقته الشهيرة ، ان الانسان يكون انسانا بلسانه الذي يتكلم به ، وهو الذي يميزه على الكائنات غير الناطقة، ثم عقله ( ويسميه هنا الفؤاد ) الذي يفكر به والذي يميزه عن كائنات لا عقل لها ، فاذا جاء من عطل هذا الانسان عن الكلام بما يعني  مصادرة حرية التعبير وعطل هذا الانسان عن استخدام عقله بمعني مصادرة حرية التفكير ، فان الانسان يكون قد انتهى ، ولم يعد انسانا وانما هيكل من عظم ولحم ودم فقط  انه يقول في هذا البيت العبقري.

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم                     

fagih@hotmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* سبق لى نشره في صحيفة اخبار الادب القاهرية


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home