Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الخميس 19 مارس 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

إنطباعاتي عن أمريكا

1. من يومياتي الأمريكية (*)

د. أحمد ابراهيم الفقيه

شاهدت كما شاهد غيري علي الشاشة الصغيرة رجالا ونساء أمريكيين في ولاية كاليفورنيا فقدوا وظائفهم ومساكنهم‏,‏ فأقامت لهم السلطات المحلية خياما في الحدائق العامة يعيشون بها هم وأطفالهم‏,‏ وسمعت بعضهم يتحدثون‏,‏ وهم يتجولون بين أشجار وجداول الحديقة الجميلة‏,‏ عن محنتهم باعتبارهم ضحايا الأزمة الاقتصادية التي أنتجتها الرأسمالية في جوانبها السلبية‏,‏ ولحظات تغولها وتوحشها‏,‏ وهو أمر موجود ويتم الآن العمل علي استئصاله وإزالة آثاره‏,‏ ولاحظت أنهم يتكلمون دون مرارة أو إحساس بالألم والقهر‏,‏ وإنما بأمل في المستقبل‏,‏ ويقين من انتهاء المحنة التي يعيشونها قريبا‏,‏ فهم يعرفون أن بلادهم هي بلاد الفرص المفتوحة والمتاحة دائما مهما اشتدت الأزمات‏.‏ وقد كنت شاهدا علي حالات كثيرة‏,‏ لمهاجرين عرب التقيت بهم في أثناء هذه الرحلة التي استمرت قرابة شهرين‏ ، وأجريت خلالها سبع محاضرات وندوات وحوارات مع الجمهور‏,‏ عدا المنتديات والتجمعات التي زرتها وخالطت أعضاءها‏,‏ بما في ذلك مركز الحوار‏,‏ والمنتدي العربي بالأمم المتحدة‏,‏ وجامعات في نيو إنجلاند‏,‏ وولايات أوهايو‏,‏ وفيرجينيا‏,‏ وميريلاند‏,‏ والعاصمة واشنطن‏,‏ عدا مدينة نيويورك وجامعتها التي ذهبت بدعوة منها‏,‏ ودعوة لاحقة من مركز كيندي‏,‏ مما أبقاني كل هذه المدة‏,‏ ورأيت من العرب المهاجرين‏,‏ وغير العرب طبعا‏,‏ من تصدق عليهم الكلمات التي وضعتها الشاعرة ايما لازوروس علي لسان تمثال الحرية الموجود مقابلا للبحر في نيويورك علي شكل سيدة ترفع في يدها مشعلا‏:‏ ادفعوا لي بالمتعبين‏,‏ الفقراء‏,‏ الجموع الخانقة المتشوقة لتنسم الحرية‏,‏ المرفوضين البؤساء الملفوظين إلي الشواطئ‏,‏ أرسلوا لي بالمتشردين‏,‏ التائهين في العاصفة‏,‏ الذين أرفع لهم مشعلي بجوار هذا الباب الذهبي‏.‏

نعم‏..‏ صدق وعد سيدة الحرية‏,‏ علي من رأيت من هؤلاء المهاجرين الذين أبلغني أغلبهم كيف أنهم جاءوا منبوذين هاربين من قمع وفقر وبؤس الحياة في بلدانهم إلي العالم الجديد‏,‏ فوجدوا فرصة لحياة كريمة ميسورة لهم ولعائلاتهم‏,‏ وكانت الأمثلة تكر أمامي مثل حبات المسبحة‏,‏ تشبه بعضها بعضا‏,‏ إحداها أسرة مسلمة‏,‏ تركية الأصل‏,‏ تقيم علي تخوم مناطق الشيشان‏,‏ لحقها ضيم من جراء المتحاربين هناك‏,‏ عرضها للتشرد وفقدان ما تملك من متع وسكن وأموال‏,‏ وأنقذتها جمعية خيرية أمريكية جلبتها إلي ولاية أوهايو‏,‏ وقد أراني أحد أعضاء هذه الجمعية‏(‏ وهو بالمناسبة مواطن بلدياتي اسمه إسماعيل الغولة صار الآن أمريكيا‏)‏ كيف تبدلت أوضاع هذه الأسرة من حال إلي حال خلال عامين فقط‏,‏ منذ جاءت تعاني العوز والبؤس‏,‏ وتجهل الحديث بلغة البلاد‏ ، حيث تستعد الآن لافتتاح مجمع بأربعة مطاعم‏,‏ سيضعها في مصاف الأغنياء‏,‏ وسألت شابا من أبناء الأسرة عن كيف حدث ذلك؟ فقال‏:‏ إن الأسرة المكونة منه وزوجته ووالده ووالدته وأخت وأخ أصغر منه‏,‏ وجدوا جميعا عملا اقترن لدي بعضهم بالدراسة‏,‏ وتم توفير ما يكفي لتأجير بيت متهالك قديم لمدة عشرين عاما بمبلغ زهيد اشتركت الأسرة بكل أفرادها في ترميمه‏,‏ وتم بما تبقي من المبلغ المدخر دفع عرابين لتأثيث المطاعم الأربعة التي سيكون أحدها مطعما للبيتزا‏,‏ والثاني مطعما تركيا‏,‏ والثالث للوجبات السريعة كالهمبورجر‏,‏ والرابع ربما يكون إيطاليا أو مخصصا للأكل الأمريكي والأوروبي‏.‏

هكذا هي أمريكا شعارها من جد وجد‏..‏ ولا تعقيدات في التراخيص‏..‏ وكل اليسر في الإقراض والتمويل‏,‏ ولا داعي للحديث عن عرب المؤهلات مثل الأطباء‏,‏ فهم في الصف الأول من أهل اليسر واليسار‏,‏ ودخلت بيوت بعضهم التي تشبه القصور‏,‏ اللهم لا حسد‏,‏ إنما الحديث عن غيرهم من عرب جاءوا فقراء بلا مؤهلات‏,‏ ووجدتهم يركبون السيارات الفاخرة‏,‏ ويدخلون أبناءهم المدارس الراقية‏,‏ ويسكنون الشقق الجميلة‏.‏ وكنت قد أوردت في المقالة السابقة مقارنة بين نيويورك كما رأيتها منذ ثلاثين عاما في زيارة أولي‏,‏ وبين زيارتي هذه الأيام دون أن أتمكن بسبب ضيق المساحة المتاحة من ذكر شيء مهم يتصل بهذه المقارنة‏,‏ ففي تلك الزيارة كان التنبيه يأتي متكررا من مصادر كثيرة‏,‏ من بينها المرشدون السياحيون‏,‏ والأصدقاء الدبلوماسيون الذين اتصلت بهم‏,‏ عن ضرورة الحذر والاحتراس من الولوج إلي الأماكن غير الآمنة‏,‏ وبينها مناطق في قلب نيويورك يقولون إنها تقع تحت سيطرة العصابات التي تبيع المخدرات‏,‏ وتتاجر بالرقيق الأبيض‏,‏ وتعج باللصوص والقتلة‏,‏ وأحياء أخري في الضواحي بينها بطبيعة الحال حي هارلم موطن الزنوج‏.

‏ وقد وجدت في هذه الزيارة أنه لا أثر لتلك التحذيرات ولم أسمعها من أحد ممن التقيت بهم‏,‏ لأنه لم تعد هناك مثل هذه الأحياء‏,‏ فقد استطاع عمداء المدينة المتعاقبين تحريرها من هذه العصابات‏,‏ ويأتي علي رأسهم عمدة نيويورك الشهير‏,‏ صاحب الأصل الإيطالي السيد جولياني‏,‏ الذي ربما كان لبعض أهله صلة بالعائلات القادمة من باليرمو ممن جلبوا المافيا إلي أمريكا‏,‏ فهو خبير بالأساليب والتقاليد التي تعمل بموجبها المافيا‏,‏ واستطاع عندما أعلن عليها الحرب أن يتعامل معها بعنف وقسوة‏,‏ ويأمر شرطة الولاية بتصويب بنادقهم لينالوا مقتلا من خصومهم‏,‏ حتي أهلكهم‏,‏ وهو ما فعله مع مجرمي حي هارلم حتي حرر ذلك الحي من المجرمين‏,‏ فانتهت من نيويورك تلك العصابات‏,‏ وهبطت معدلات الجريمة في السنوات الأخيرة إلي معدلات قياسية وغير مسبوقة في انخفاضها‏,‏ وأقل كثيرا من غيرها في مدن أخري برغم طبيعتها المختلفة عن كل مدن العالم كمدينة أخلاط من البشر‏,‏ وأقوام ينتمون إلي كل الأعراق والألوان والديانات مما لا وجود له في أي موقع آخر في العالم‏,‏ وهو شيء له جوانبه الإيجابية الكثيرة‏,‏ وله بطبيعة الحال التأثيرات الجانبية التي لا غرابة في وجودها‏.‏
________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الأهرام" ، الأربعاء 18 مارس 2009


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home