Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

السبت 18 ديسمبر 2010

محاولة جديدة لمخض الماء
ماذا‮ ‬يريد الليبيون أو ما الذي‮ ‬يحتاجون إليه ؟


د. أحمد ابراهيم الفقيه

تطرح بين فترة وأخرى أسئلة‮ ‬غامضة لا أحد‮ ‬يدري‮ ‬مصدرها ولا الهدف أو الغاية من طرحها تتعلق بما‮ ‬يريده الليبيون‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬أسئلة مهما كان الدافع خلف طرحها تصل إلى ميادين ومجالات النقاش العام معزولة عن سياقها،‮ ‬مقطوعة من دوافعها وأسبابها‮ ‬،‮ ‬فتظهر في‮ ‬شكل‮ ‬غامض هيولي‮ ‬إلى حد العبث والعدمية،‮ ‬لأنها تأتي‮ ‬في‮ ‬عمومها دون تحديد ولا تبرير ولا تخصيص أو إشارة إلى مجال أو ميدان‮ ‬يقصده السؤال بحيث‮ ‬يصعب أن نجد إجابة‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتفق عليها اثنان من الناس‮ ‬،‮ ‬وربما لهذا السبب نجد الردود على مثل هذه الأسئلة تتوافق في‮ ‬عبثيتها وعدميتها مع شكل السؤال المطروح‮ ‬،‮ ‬بعكس لو أن السؤال جاء‮ ‬يحدد مجالا كأن‮ ‬يقول ماذا‮ ‬يريد الليبيون في‮ ‬مجال الخدمات الصحية للدولة‮ ‬،‮ ‬أو مجال التعليم‮ ‬،‮ ‬أو مجال السلع التموينية‮ ‬،‮ ‬أو ماذا‮ ‬يريد الليبيون في‮ ‬مجال الاقتصاد‮ ‬،‮ ‬عندئذ سنسمع إجابة لا‮ ‬يختلف حولها الناس‮ ‬،‮ ‬بل لا أظن أن هناك اثنين‮ ‬يمكن أن‮ ‬يختلفا عما‮ ‬يريده الليبيون من الخدمات الصحية التي‮ ‬تقدمها الدولة للمواطنين‮ ‬،‮ ‬وسيتفقان بالتأكيد على ضرورة توفير خدمات تمنع هذا الهجيج أو الحجيج إلى مراكز العلاج في‮ ‬تونس وعمان‮ ‬،‮ ‬وبسبب هذا الغموض وهذه العبثية‮ ‬يظهر النقاش حول هذه القضايا التي‮ ‬تأخذ جهدا ووقتا وتسيل من أجلها انهار حبر المطابع وتحرق آلاف الساعات من أثير الإذاعات والفضاء الافتراضي‮ ‬في‮ ‬لإنترنيت أشبه بمخض الماء‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يجني‮ ‬صاحبه إلا العناء فلا زبدة ولا قشطة ما عدا الفراغ‮ ‬والهواء‮ ‬،‮ ‬هذه نقطة أولى‮ ‬،‮ ‬والنقطة الثانية هي‮ ‬أن الناس عندما‮ ‬يتصدون للإجابة عن مثل هذا السؤال‮ ‬غالبا ما‮ ‬يتصورون قوة جبارة موجودة في‮ ‬مكان ما‮ ‬،‮ ‬مثل كبير آلهة اليونان في‮ ‬جبال الأولمب،‮ ‬هو الذي‮ ‬سيقوم بتحقيق ما‮ ‬يريدون وهم متكئون في‮ ‬بيوتهم على آرائكهم أو نائمون في‮ ‬أحضان نسائهم فوق أسرتهم‮ ‬،‮ ‬ويمطرون هذا المؤله اليوناني‮ ‬بشتى الأوهام والأحلام‮ ‬،‮ ‬والخطأ طبعا ليس في‮ ‬إجابات الناس وتصوراتهم وأوهامهم وأحلامهم‮ ‬،‮ ‬بقدر ما‮ ‬يكمن الخطأ في‮ ‬هذه الطريقة العبثية التي‮ ‬يطرح بها السؤال،‮ ‬وإلى درجة‮ ‬ينسى فيها الناس أنفسهم‮ ‬،‮ ‬ومسؤولياتهم الشخصية والعامة نحو أوطانهم‮ ‬،‮ ‬لأن السؤال لم‮ ‬يحمل إشارة ظاهرة أو مضمرة لإرادتهم ودورهم في‮ ‬الموضوع فهو لا‮ ‬يسأل عما‮ ‬يستطيعون فعله وإنما عما‮ ‬يشتهونه ويريدونه‮ ‬،‮ ‬فيتلقون السؤال كما‮ ‬يتلقى مواطن‮ ‬يجلس في‮ ‬مطعم سؤالا من الجرسون عما‮ ‬يريد‮ ‬،‮ ‬ولعله في‮ ‬هذه الحالة‮ ‬يدرك أن عليه دفع الحساب ربما بعكس الحالة الأولى التي‮ ‬يرد فيها عما‮ ‬يريد وكأنه في‮ ‬مأدبة من مآدب الرحمن‮ ‬يقدم فيها الطعام مجانا‮ ‬،‮ ‬فالسؤال لا‮ ‬يذكرهم بهذا الدور المتروك للمواطن‮ ‬،‮ ‬وهو دور‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يمكن في‮ ‬غيابه‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يتحقق أي‮ ‬نهوض أو تقدم‮ ‬،‮ ‬حتى في‮ ‬المطالب العزيزة الثمينة التي‮ ‬تتصل بالحريات العامة والخاصة والتي‮ ‬تشكل هاجسا لشعوب العالم الثالث بسبب حضورها الشحيح‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬غيابها‮ ‬غيابا مؤلما قاسيا في‮ ‬أحيان أخرى،‮ ‬لا‮ ‬يمكن لهذه المطالب التي‮ ‬ربما تكون حقا أساسيا للبشر‮ ‬،‮ ‬أن تتحقق بدون مساهمة فاعلة ومسؤولة من هذا المواطن نفسه‮ ‬،‮ ‬لأن مثل هذه الحريات لا توهب ولكنها تكتسب بالكدح والكفاح والتضحيات،‮ ‬وكان أقل ما‮ ‬يمكن أن نتوقعه من مواطن‮ ‬يخوض في‮ ‬الرد على سؤال عما‮ ‬يريده الليبيون،‮ ‬هو أن‮ ‬يتحدث عن طهارة الوطن ونظافة اليد واختفاء الفساد من أجهزة الدولة ومؤسساتها وسيادة قيم الشرف والأمانة في‮ ‬المعاملات التي‮ ‬تتم بين الناس‮ ‬،‮ ‬وهو أمر‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحسمه المواطن دون عودة إلى الحكومة أو انتظار إرادة عليا تتدخل لتفرض هذه الطهارة‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يحتاج الأمر‮ ‬إلا أن‮ ‬يتعهد هذا المواطن أمام نفسه بأن‮ ‬يلتزم بالأمانة والنزاهة وهو‮ ‬يؤدي‮ ‬عمله ويخدم وطنه‮ ‬،‮ ‬بمثل هذا التعهد البسيط‮ ‬يتفق عليه الليبيون‮ ‬،‮ ‬لا باعتباره واجبا‮ ‬يؤدونه ولا التزاما للدولة‮ ‬يلتزمون به‮ ‬،‮ ‬وإنما باعتباره جزءا من‮ ‬شرف ابن آدم وكرامته‮ ‬،‮ ‬من حقه أن‮ ‬يضمن سلامة الضمير لنفسه‮ ‬،‮ ‬أقول بمثل هذا التعهد البسيط‮ ‬يمكن فعلا أن‮ ‬يتحرر الوطن من أخطر الأمراض التي‮ ‬تهدد البناء والتنمية‮ ‬،‮ ‬وتمنع أي‮ ‬تطور،‮ ‬وتضيّع على المجتمع فرصة أن‮ ‬يلحق بالمجتمعات الأخرى التي‮ ‬سبقته في‮ ‬مضمار التقدم والحضارة‮ . ‬ولكيلا أكون في‮ ‬هذا المقال مثل ندابات الشؤم‮ ‬،‮ ‬أكتفي‮ ‬بالنواح‮ ‬،‮ ‬معددا المثالب والرزايا‮ ‬،‮ ‬سأترك الحديث عن الصياغات السابقة‮ ‬،‮ ‬بجوانبها السلبية،‮ ‬وسأقترح البدائل التي‮ ‬يمكن تضعنا على طريق أكثر أمانا واستقامة‮ ‬،‮ ‬وسأبدأ بأن أضع صيغة أخرى لنفس السؤال‮ ‬،‮ ‬دون أن تطلب هذه الصيغة من الليبيين الإجابة عما‮ ‬يريدون‮ ‬،‮ ‬لأن أسئلة النهضة والتقدم المعنية بتحقيق مستقبل أفضل للمواطن وأبناء الوطن‮ ‬،‮ ‬ليست دائما مجالا مفتوحا لمن لا‮ ‬يملك علما ولا‮ ‬يعني‮ ‬بالقضايا العامة ولا‮ ‬يشغله الهم العام ولا‮ ‬يعرف إلا السعي‮ ‬اليومي‮ ‬لانتزاع لقمة عيشه‮ ‬،‮ ‬تحت أي‮ ‬ظرف من الظروف‮ ‬،‮ ‬دون انتقاص من قيمة ما تقوم به هذه الشريحة من المواطنين‮ ‬،‮ ‬ولا طعن في‮ ‬حيثيتها ولا أقول ما تقوله كتب التراث عن الدهماء والرعاع مما‮ ‬يحمل‮ ‬شيئا من القدح والتعزيز‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يعنيني‮ ‬هنا ما تقوله أطروحات علم النفس عن روح القطيع‮ ‬،‮ ‬لأن للموضوع جوانب أخرى لست معنيا الآن بنقاشها‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬أشير إلى حقائق مسلم بها‮ ‬،‮ ‬مثل القول بأن هذه الأسئلة تطرح حصريا على أهل الفكر والثقافة والمعنيين بدراسة تاريخ الدول والمجتمعات في‮ ‬نهوضها وتقدمها أو في‮ ‬انحسارها وتراجعها الحضاري،‮ ‬من هنا أضع السؤال في‮ ‬هذه الصيغة التي‮ ‬تقول ما الذي‮ ‬يحتاجه الليبيون ؟ بدلا من سؤال ماذا‮ ‬يريد الليبيون‮ ‬،‮ ‬وما‮ ‬يحتاجونه هنا‮ ‬يقبل مقاربته بمثل هذه العمومية وعدم التحديد‮ ‬،‮ ‬والتوجه به لمن‮ ‬يملك الجدارة بالإجابة عنه من المعنيين بالهم الوطني‮ ‬والمشاركين بإسهاماتهم الفكرية في‮ ‬القضايا العامة من ذوي‮ ‬الثقافة وأهل الخبرة التخصصية في‮ ‬الاجتماع أو الاقتصاد أو العلوم السياسية أو الإنسانية أو القانون أو الفلسفة أو الفكر و الأدب أو كتاب أعمدة الرأي‮ ‬أو الباحثين والدارسين الجامعيين في‮ ‬تاريخ الأمم‮ ‬،‮ ‬وأقول في‮ ‬مستهل إجابتي‮ ‬على هذا السؤال‮ ‬،‮ ‬باعتباري‮ ‬واحدا من المنشغلين بقضايا النهضة والكتابة عنها خلال عدة عقود،‮ ‬إن الليبيين بالتأكيد‮ ‬يعرفون جزءا من هذه الاحتياجات الملحة التي‮ ‬يتطلعون إلى تحقيقها‮ ‬،‮ ‬مثل الانتفاع بالثروة التي‮ ‬تدرها معادن هذه الأرض‮ ‬،‮ ‬وضمان وصول هذه الثروة إلى أهل البلاد دون تفرقة ولا استثناء ولا إلغاء ولا إقصاء‮ ‬،‮ ‬وهو ما تنادي‮ ‬به أصوات من داخل السلطة الثورية وتدعو إليه،‮ ‬ولكن هذا وحده لا‮ ‬يكفي‮ ‬،‮ ‬بل لا‮ ‬يكفي‮ ‬أيضا الحديث عن الآليات التي‮ ‬تضمن وصول هذه الثروة بشكل عادل لكل الناس،‮ ‬لأن هناك مشكلة أكثر تعقيدا من هذه الصيغة البسيطة الواضحة للإجابة عن السؤال‮ ‬،‮ ‬وهذه المشكلة تتعلق بما‮ ‬يمكن أن أسميه ثقافة الفقر‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬أخلاق وسلوكيات وأسلوب تعامل مع الحياة‮ ‬،‮ ‬أعتقد أنها ضاربة الجذور في‮ ‬عقل الحاكم و المحكوم‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬عقل العساكر والأهالي‮ ‬كما‮ ‬يقول التعبير المصري،‮ ‬في‮ ‬عقل الطليعة الموجودة في‮ ‬السلطة‮ ‬،‮ ‬ممن نالهم النصيب الأوفر من الثروة‮ ‬،‮ ‬وبين الأغلبية الموجودة على الأرصفة‮ ‬،‮ ‬وليس‮ ‬غريبا ولا عجيبا أن نجد لثقافة الفقر هذا النفوذ والسلطان على عقول الليبيين وقلوبهم‮ ‬،‮ ‬لأنها ثقافة قديمة راسخة تجذرت في‮ ‬الطبقات السفلى من نفوسنا‮ ‬،‮ ‬والطبقات السفلى من مجتمعنا‮ ‬،‮ ‬والطبقات السفلى من أرضنا‮ ‬،‮ ‬على مدار عشرات من القرون عاشها أهلنا وسط بيئة شحيحة مقفرة‮ ‬،‮ ‬وأرض جرداء‮ ‬غبراء‮ ‬قاحلة‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يعرف وجهها اللون الأخضر إلا في‮ ‬أوقات نادرة‮ ‬،‮ ‬تضربها رياح القبلي‮ ‬،‮ ‬ويسحقها قيظ الشمس‮ ‬،‮ ‬ويناضل أهلها لا من أجل أن تكون في‮ ‬حياتهم حياة‮ ‬،‮ ‬وإنما فقط من أجل البقاء على قيد الحياة‮ ‬،‮ ‬كفاح ونضال وعمل شاق مرهق من أجل ضمان حبات من التمر‮ ‬،‮ ‬أو حفنة من الشعير‮ ‬،‮ ‬أو كوب‮ ‬من حليب الماعز أو الإبل‮ ‬،‮ ‬من أجل ضمان ألا‮ ‬يموت‮ ‬الناس جوعا والبقاء أحياء من قلة الموت كما‮ ‬يقول التعبير الشعبي،‮ ‬وكل ما عدا هذه الحفنة من الشعير أو هذه الحبات من التمر‮ ‬،‮ ‬إنما هو ترف‮ ‬،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك كوب الشاي‮ ‬الذي‮ ‬كان أهلنا‮ ‬يصنعونه أحيانا من أعشاب الروبية ويحلونه بحبة تمر‮ ‬،‮ ‬أو الحذاء،‮ ‬الذي‮ ‬ظل أغلب الناس في‮ ‬أريافنا محرومين من انتعاله‮ ‬،‮ ‬بل الملابس نفسها تكون ترفا إذا زادت عن قميص واحد‮ ‬يرتديه المواطن لعدة أعوام‮ ‬،‮ ‬وإذا كنا هنا نقصر حديث الحرمان على إنسان البيئة البدوية‮ ‬،‮ ‬فلا مجال لإنكار حقيقة أن جذور المجتمع الليبي‮ ‬بأكمله إنما هي‮ ‬في‮ ‬هذه البيئة البدوية الصحراوية‮ ‬،‮ ‬فالمدن كانت على الدوام‮ ‬،‮ ‬وإلى تاريخ قريب‮ ‬،‮ ‬شيئا عارضا وطارئا في‮ ‬حياة الليبيين‮ ‬،‮ ‬ورغم وجود مراكز‮ ‬حضرية قديمة‮ ‬،‮ ‬على الساحل الليبي‮ ‬،‮ ‬فقد كانت تترك لأفواج الغزو الأجنبي‮ ‬،‮ ‬وعساكره‮ ‬يقطنونها‮ ‬،‮ ‬بينما ظلت الصحراء هي‮ ‬موطن الشعب الليبي‮ ‬،‮ ‬ولا تكاد هناك قوة من قوى الغزو والاحتلال عرفها العالم قديما وحديثا إلا وجاءت تريد أن تأخذ رطل اللحم من بدن هذا الوطن‮ ‬،‮ ‬فعملت على إرسال قوتها لاحتلاله‮ ‬،‮ ‬ليكن اسمهم الفينيقيين‮ ‬،‮ ‬أو الإغريق باسمهم المعروف أو باسم أقدم لهم و هو البيزنطيون‮ ‬،‮ ‬أو الرومان‮ ‬،‮ ‬أو الوندال‮ ‬،‮ ‬أو الفراعنة أو البطالمة‮ ‬،‮ ‬دعك من قوى أحدث من تلك الأمم القديمة مثل الإسبان وفرسان القديس‮ ‬يوحنا من أتباع الحملات الصليبية‮ ‬،‮ ‬ثم الأتراك العثمانيين‮ ‬،‮ ‬بأثرهم المدمر على ترسيخ التخلف ونشر الرعب في‮ ‬القلوب‮ ‬،‮ ‬ثم الطليان والإنجليز والفرنسيين والأمريكان‮ ‬،‮ ‬وغير هؤلاء من قوى الاحتلال التي‮ ‬لم تترك ملجأ بالنسبة لأهل الأرض إلا الانتشار في‮ ‬الصحراء والاحتماء بها منهم،‮ ‬بل وتكررت الحالات التي‮ ‬تبعوهم ولاحقوهم في‮ ‬هذه الصحراء الشحيحة البخيلة‮ ‬،‮ ‬كما فعل الولاة الأتراك‮ ‬،‮ ‬لانتزاع نصيب من رزقهم الضئيل الفقير‮ ‬،‮ ‬ولم تكن ثورات المعدمين الفقراء التي‮ ‬قادها‮ ‬غومة المحمودي‮ ‬،‮ ‬وسيف النصر عبد الجليل‮ ‬،‮ ‬والشيخ عبد النبي‮ ‬،‮ ‬ضد أولئك الولاة الظالمين‮ ‬،‮ ‬إلا مثالا على المحنة التي‮ ‬عاشها هذا المواطن والمعاناة التي‮ ‬قاساها عبر العصور‮ .‬

‮ ‬ثقافة الفقر إذن‮ ‬،‮ ‬ثقافة عميقة‮ ‬،‮ ‬متأصلة‮ ‬،‮ ‬ضاربة الجذور في‮ ‬تربة الوطن ونفوس أهله‮ ‬،‮ ‬وكان أمرا مؤسفا بالتأكيد أن‮ ‬يتحقق للبلاد نوع من الرخاء‮ ‬،‮ ‬إن لم نقل الثراء‮ ‬،‮ ‬كما‮ ‬يتحقق لها أن تتحرر نهائيا من كل صنوف المحتلين والمستعمرين والغزاة‮ ‬،‮ ‬وتبقى لثقافة الفقر هذه القوة والسطوة و السيطرة على سلوكيات الناس،‮ ‬ضاربة عرض الحائط بكل ما تقوله مدارس علم النفس بأن في‮ ‬الإنسان جبلة أو سليقة أو فطرة فطره عليها الله هي‮ ‬حب التقدم إلى الأمام وجبلة التطلع إلى المستوى الأرقى في‮ ‬المعيشة وتحقيق الرفاه ومتعة الحياة،‮ ‬وهذه النزعة إلى‮ ‬التطور هي‮ ‬المسؤولة عما حققه البشر من صعود في‮ ‬مدارج الحضارة‮ ‬و انتقالهم من حياة الكهوف إلى بناء البيوت ثم بناء المدن والمجتمعات وتطوير ما‮ ‬يستعملونه من أدوات‮ ‬وما‮ ‬يستخدمونه من وسائل الإنتاج إلى هذه المستويات العالية التي‮ ‬وفرت‮ ‬لهم حياة أكثر‮ ‬يسرا وهناء ورخاء‮ ‬،‮ ‬إذن فثقافة الفقر هذه ليست قدرا‮ ‬،‮ ‬ولا‮ ‬يجب أن تكون قدرا‮ ‬،‮ ‬ومن حقنا وواجبنا أن نسعى جميعا لتجاوزها وتحقيق هذا التحول الأساسي‮ ‬والضروري‮ ‬الذي‮ ‬تحتاجه بلادنا ويحتاجه مجتمعنا ويحتاجه الإنسان في‮ ‬هذه الأرض‮ ‬،‮ ‬من ثقافة الفقر إلى ثقافة الرخاء‮ .‬

‮ ‬وهنا أصل إلى الرد على سؤال ما الذي‮ ‬يحتاجه الليبيون‮ ‬،‮ ‬كبديل طرحته لسؤال ما الذي‮ ‬يريده الليبيون‮ ‬،‮ ‬وأجازف بقوله سواء تنامى وعي‮ ‬الليبيين بهذا الاحتياج‮ ‬،‮ ‬أو ظل‮ ‬غائبا تحت سيطرة العادة والتقليد والروتين‮ ‬،‮ ‬رهين‮ ‬القوالب الجامدة في‮ ‬السلوك والتفكير‮ ‬،‮ ‬وما‮ ‬يحتاجون إليه في‮ ‬مضمار الانتقال من ثقافة الفقر إلى ثقافة الرخاء‮ ‬،‮ ‬هو وضع شيء من قيمة الحياة في‮ ‬حياتهم‮ ‬،‮ ‬وقيمة الحياة تعبير متداول في‮ ‬ثقافات أهل التقدم‮ ‬،‮ ‬يسمونه باللغة الإنجليزية‮ ‬Quality of life وهذه القيمة أو الكواليتي‮ ‬،‮ ‬لابد من الاعتراف بأنها مفقودة في‮ ‬حياة الليبيين‮ ‬،‮ ‬ويتجلى هذا الفقد‮ ‬بشكل واضح وجلي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬عزوفهم هذا العزوف المرضي‮ ‬والشاذ عن الاهتمام بالفنون والآداب‮ ‬،‮ ‬فهذه الفنون والآداب‮ ‬،‮ ‬من موسيقى وغناء ورقص ورسم ومسرح وسينما وشعر وقصة ورواية‮ ‬،‮ ‬تعتبر بمقاييس الحضارة هي‮ ‬المقياس الذي‮ ‬تقاس به درجة التخلف أو التقدم الحضاري‮ ‬للشعوب وهو ليس مقياسا مستوردا من ثقافات أخرى ولكنه مقياس تعترف به الإنسانية‮ ‬كلها ويقول‮ ‬به عالم الفكر والاجتماع العربي‮ ‬ابن خلدون‮ ‬،‮ ‬بل ويمضي‮ ‬هذا المقياس ليقول إن هذه الفنون والآداب هي‮ ‬التي‮ ‬ترفع الإنسان عن المستوى الحيواني‮ ‬،‮ ‬لأننا في‮ ‬هذا المستوى نلتقي‮ ‬مع كائنات الغابة في‮ ‬الحاجة للأكل والشرب والسكن والدفء والآمان كما نلتقي‮ ‬في‮ ‬عوامل المرض والصحة‮ ‬،‮ ‬ونلتقي‮ ‬في‮ ‬الحياة العائلية والاحتياجات الغريزية كالجنس‮ ‬،‮ ‬ونلتقي‮ ‬ربما في‮ ‬خصال أخرى تتصل بالكدح والعمل والإنتاج‮ ‬،‮ ‬إلا أننا نصبح بشرا نفترق عن الحيوان عندما نقرأ كتابا أو نشاهد مسرحية أو نقيم حفلة موسيقية أو نرسم لوحة أو نستمتع بمشاهدتها‮ ‬،‮ ‬وهذه الحياة الفنية الفكرية الثقافية متاحة لكل شعوب الأرض‮ ‬،‮ ‬ولا سبيل لالتماس العذر في‮ ‬قلة عدد الشعب‮ ‬،‮ ‬فسكان أثينا وهم لا‮ ‬يزيدون عن سكان طرابلس‮ ‬يملكون اثنين وخمسين مسرحا تعمل طوال أيام السنة‮ ‬،‮ ‬وعدد المسارح في‮ ‬إسرائيل بسكانها الذين لا‮ ‬يزيد عددهم عن سكان بلادنا‮ ‬يصل إلى ثلاثة أضعاف هذه المسارح‮ ‬،‮ ‬ولم تكن مصر كلها تملك كثافة سكان مدينة طرابلس منذ قرن ونيف من الزمان عندما كانت لها شوارع متخصصة في‮ ‬المسارح والعروض الفنية هي‮ ‬روض الفرج والأزبكية وشارع عماد الدين‮ ‬،‮ ‬ودعك من الإحصائيات التي‮ ‬تتحدث عن نشر الكتب وتوزيعها فالأرقام مخجلة مقارنة ربما بأكثر الدول فقرا في‮ ‬العالم‮ ‬،‮ ‬وإذا كان معدل القراءة‮ ‬الحرة للمواطن العربي‮ ‬لا‮ ‬يزيد عن عشر صفحات مقابل عشرة كتب للمواطن البريطاني‮ ‬في‮ ‬العام‮ ‬،‮ ‬فإنني‮ ‬لا أعتقد أن معدل القراءة للمواطن الليبي‮ ‬يزيد عن صفحة واحدة للأسف‮ ‬،‮ ‬وتقول بعض البحوث إن أهل المهن من مثقفي‮ ‬ليبيا مثل المحامين والمهندسين والأطباء‮ ‬،‮ ‬ممن‮ ‬ينتمون إلى الطلائع المستنيرة،‮ ‬هم أيضا لا‮ ‬يقرؤون خارج مجالات تخصصهم لأن ثقافة الفقر هي‮ ‬التي‮ ‬شاركت في‮ ‬تربيتنا أطفالا ومنعت الكتاب عن‮ ‬يد هذا الطفل صغيرا وصارت‮ ‬غربته عن الكتاب‮ ‬غربة أبدية حتى وهو‮ ‬يصل أعلى مراحل التعليم،‮ ‬ولانتقل من حديث الفن والأدب باعتبارهما لا‮ ‬يقعان في‮ ‬دائرة الاهتمام العام لكل الناس‮ ‬،‮ ‬وأتكلم عن السكن‮ ‬،‮ ‬وهو شيء‮ ‬يتصل بحياة البشر جميعا‮ ‬،‮ ‬وأضرب مثلا بزملاء الدراسة من أهل بريطانيا‮ ‬،‮ ‬ممن تواصلت علاقتي‮ ‬بهم‮ ‬،‮ ‬إلى هذه الأيام وهم‮ ‬يصلون سن التقاعد‮ ‬،‮ ‬وأجد أن بهجة حياتهم في‮ ‬هذه السن‮ ‬،‮ ‬تتركز في‮ ‬حديقة البيت‮ ‬،‮ ‬فهي‮ ‬التي‮ ‬يقضون فيها جزءا من‮ ‬يومهم ويعتنون بأزهار‮ ‬يزرعونها فيها ويستمتعون بها عند طلوعها كما‮ ‬يستمتعون بنباتات وأشجار الحديقة وما‮ ‬يطرأ عليها من تحولات شتاء وربيعا وصيفا وخريفا وطبعا هي‮ ‬مكان اللقاء أثناء اعتدال الجو بأقاربهم ومكان احتفالاتهم العائلية واللعب مع أحفادهم‮ ‬،‮ ‬وكنت صراحة أجلس صامتا عندما نلتقي‮ ‬لا أشارك في‮ ‬هذا الحديث لأن تجربتي‮ ‬مع الحدائق كأي‮ ‬ليبي‮ ‬تكاد أن تكون صفرا‮ ‬،‮ ‬بسبب خلو بيوتنا من مثل هذا الترف الذي‮ ‬لا تطيقه ولا تحبه ثقافة الفقر‮ ‬،‮ ‬وكان بإمكاننا أن نعتمد أسلوبا في‮ ‬البناء‮ ‬يضمن مثل هذه الحديقة‮ ‬،‮ ‬ولكن لأننا نفكر بعقل وأسلوب تلك الثقافة‮ ‬،‮ ‬لم نستطع إطلاقا تصور أن نكون أصحاب بيوت لها حدائق‮ ‬،‮ ‬وطبعا فإنني‮ ‬هنا لا أتحدث عن القلة المحظوظة من أصحاب مزارع المتعة‮ ‬،‮ ‬لأن المزارع التي‮ ‬عرفتها في‮ ‬طفولتي‮ ‬كانت مصدرا للشقاء والكدح باعتبارها مصدر رزق لأهلنا‮ ‬،‮ ‬وإنما أتكلم عن ثقافة السكن التي‮ ‬تهم كل الليبيين،‮ ‬وطبعا هناك من‮ ‬يملك جوابا جاهزا عن الفرق بيننا وبين أهل تلك البلاد متمثلا في‮ ‬وفرة الماء لديهم وندرته لدينا بما لا‮ ‬يكفي‮ ‬لإقامة حدائق في‮ ‬كل البيوت‮ ‬،‮ ‬وأقول ردا على ذلك‮ ‬،‮ ‬إننا لو كنا نفكر وفق ثقافة الرخاء‮ ‬،‮ ‬لما وجدنا مانعا‮ ‬يمنع مدن الساحل على الأقل من أن تستفيد من مياه البحر المحلاة‮ ‬،‮ ‬ننشئ بها مثل هذه الحدائق للبيوت‮ ‬،‮ ‬ويمكن إنتاج مياه للسقي‮ ‬فقط بتقنية بسيطة‮ ‬،‮ ‬وطالما رأيت بيوتا في‮ ‬بعض الجزر‮ ‬ينتجون ماء الغسل وري‮ ‬الحديقة‮ ‬،‮ ‬بمحركات منزلية خاصة بهم‮ ‬،‮ ‬،‮ ‬وأترك الحدائق ووفرة أو ندرة المياه‮ ‬،‮ ‬لأسأل هنا،‮ ‬ألا نملك وفرة في‮ ‬مياه البحر نفسها‮ ‬،‮ ‬وأقصد دون تحلية‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬مالحة أجاج كما خلقها الله‮ ‬،‮ ‬أليس مخجلا مع هذه الوفرة الوافرة للشواطئ ومياه البحر ألا نستطيع أن نستخدمها في‮ ‬بث هذه القيمة داخل حياتنا‮ ‬،‮ ‬ودعك من المنتجعات والمدن السياحية الساحلية مثل مدن الساحل الشمالي‮ ‬في‮ ‬مصر المخصصة للراحة والاصطياف والترفيه‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬يقطع الناس المسافات من الحواضر الكبيرة للاستمتاع بها‮ ‬،‮ ‬وإنما أتحدث عن شيء لا‮ ‬يكلف سفرا لأبناء حواضرنا ولا انتقالا ولا إجازة للأسرة أو لرب الأسرة‮ ‬،‮ ‬وسأضرب المثل مرة أخرى ببلد عربي‮ ‬هو سلطنة عمان‮ ‬،‮ ‬فقد زرت منذ أربعة أعوام عاصمة هذه السلطنة‮ ‬،‮ ‬مسقط‮ ‬،‮ ‬وكانت مفاجأة جميلة لي‮ ‬أن أجد بجوار الميناء الكبير الذي‮ ‬يضم سفن الشحن وسفن الركاب‮ ‬،‮ ‬ميناء آخر لا‮ ‬يقل عنه حجما خاصا فقط باليخوت‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬تلك السفن الصغيرة التي‮ ‬تضم‮ ‬غرفا بحجم شقة صغيرة بمنافعها‮ ‬،‮ ‬للاستعمال العائلي‮ ‬الخاص بقاطني‮ ‬مدينة مسقط‮ ‬،‮ ‬وكان العدد كبيرا جدا بحيث أستطيع أن أقول إن هناك‮ ‬يختا لكل عائلة تسكن هذه المدينة‮ ‬،‮ ‬مع أنهم شعب لا‮ ‬يملك موارد ليبيا النفطية‮ ‬،‮ ‬ولكنهم بالتأكيد‮ ‬يملكون ثقافة تجاوزت سلوكيات وأخلاق الفقر‮ ‬،‮ ‬واستطاع المواطن هناك‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يضع شيئا من قيمة الحياة‮ ‬ ‮ ‬في‮ ‬حياته‮ . ‬Quality of life نعم‮ ‬،‮ ‬هذا في‮ ‬اعتقادي‮ ‬،‮ ‬ما‮ ‬يحتاجه المواطن الليبي‮ ‬،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يجب أن تسعى القوى المستنيرة ممن هي‮ ‬في‮ ‬السلطة أو خارجها لتعميق وعي‮ ‬المواطن به‮ ‬،‮ ‬وإدخاله في‮ ‬السياسات والبرامج والمخططات التي‮ ‬تضعها الدولة‮ ‬،‮ ‬وتحفيز الأمانات والمؤسسات الرسمية أن تضعه ضمن أولوياتها‮ ‬،‮ ‬وضعُ‮ ‬شيء من قيمة الحياة في‮ ‬حياة المواطن الليبي‮ ‬،‮ ‬لأن نجاحنا في‮ ‬وضع هذه القيمة‮ ‬،‮ ‬سيعود بالنفع والفائدة على حياتنا وحياة عائلاتنا ويضع النشء الجديد من أبنائنا وبناتنا على طريق الحياة الأجمل والغد الأفضل الذي‮ ‬نريد،‮ ‬وهذا هو رأيي‮ ‬فليتفضل‮ ‬غيري‮ ‬من أهل الرأي‮ ‬والفكر والثقافة مشكورين بإبداء آرائهم‮ .‬

‏fagih@hotmail.com‏
_________________________

ملاحظة من الكاتب : كان زميلنا الدكتور فوزي عمار قد نشر المقال واستدعى نقاشا عاما حوله من قبل عدد من المفكرين والمثقفين الاكاديمين من داخل ليبيا وخارجها في الوطن العربي وتلقى هذه الردود التي ارجو ان تكون بداية نقاش حول شان من شئون حياة شعبنا وشعوب المنطقة العربية . وهذه نصوص الردود التي وردت متجها بالشكر لاصحابها وللصديق الدكتور فوزي الذي اهتم بارسالها لي :

* * * * *

لقد قرأت المقال ولاكثر من مره واعتقد ان الكاتب بذل جهدا كبيرا فى اعداده

ووجدت انه ينطبق على بعض ان لم تكن كل دول العالم الثالث

شعرت وکان الکاتب یتحدث عن البحرین

عبدالرحیم نقی

مدیر عام الغرف الخلیجیة

المنامة- البحرین

* * * * *

 قرأت مقال الدكتور الروائي المبدع أحمد إبراهيم الفقيه فوجدت فيه دقة لا يحسنها إلا كبار الكتاب في التقاط 

أحد أهم مواطن الخلل في بناء الشخصية العربية و ليس الشخصية الليبية فقط. و بهذه المناسبة أود القول أن مظاهر القناعة التي تصل إلى حد الرضا بالكفاف رغم الثراء الفاحش لبلاد مثل العراق تمثل منطلقا ً لطمع الحاكمين من جهة و مسكنة المحكومين من جهة أخرى. و لعل من المصادفات العجيبة أنني اشتركت قبل فترة وجيزة في ندوة حرة ضمت جمعا ً من المثقفين و الأكاديميين: أدباء و رسامين و مهندسين و موسيقيين، فكان هناك شبه إجماع على أن أحد أهم أسباب تخلفنا و استهانة الحاكمين بنا هو هذا الشرط الإنساني الذي أسماه أستاذنا الفقيه
quality of life
 
و أعتقد أن هذه المقالة تستحق أن ينوه عنها  و يعاد
نشرها في صحفنا العربية مع الاهتمام بمناقشة ما ورد فيها من آراء عسى أن يلتفت الجميع إلى هذه القضية الجوهرية و أن يتخذ منها المثقفون منطلقا ً لعمل منهجي منظم يدفع بالإنسان العربي إلى الاهتمام بالحياة على هذه الأرض بقدر اهتمامه
بالحياة في الآخرة. مع اعتزازي و تقديري لك و للدكتور الفقيه

الدكتور باقر جاسم محمد     
جامعة بابل/ كلية الآداب
   

 * * * * *

عزيزي فوزي

شكراً جزيلا على اهتمامك

 سبق وأن كتبت :  أن السؤال الصحيح أهم بكثير من الاجابةا الصحيحة على السؤال غير الصحيح.

ولكن ماهو السؤال الصحيح في مثل هذه الحالة؟ هل من المهم أن نعرف مايريدالمواطن الليبي أو ما يحتاجه؟ أو أن نسأل ما يمكن للمواطن الليبي أن يقوم به؟

في اعتقادي أن القضية ليست ما نريد أو نحتاج.... هذه قضية يمكن أن يلعب الخيال دوره فيها..... قال أحد الطلبة في نهاية محاضرة أكاديمية أنه يريد أن يصف المالدة بمعنى أن ينجح فيها.....كان ردي سريعاً وحاسماً أنا ايضاً اريد 10 مليون دولار وأن أعيش على شاطئ البحر في هونولولو!!!!!! من السهل دائماً تحديد الاحتياجات فالناس تحتاج إلى سكن لائق ، ومركوب مناسب وغذاء صحي ....الخ لاحظ لائق ، مناسب وصحي أمور يختلف الناس في تحديدها باختلاف المكان والزمان والطبقة الاجتماعية والتعليم والثقافة ....الخ. أما ماذا يجب أن نفعل  لنحيا حياة ذات مستوى معين فهذه قضية اخرى.

الثقافة ليست ثوب نلبسه ونخلعه وفق الظروف والمعطيات ..... في رأي المتواضع هي شئ نكتسبه ... في أحد الدول الاوربية القريبة عرفت أن طلبة الثانية ابتدائي يكلفون بقراءة كتاب مبسط كل اسبوع ويطلب منهم تقديم تقرير بنهاية الاسبوع... هل نستطيع أن نغرس حب القراءة في ابناءنا في المدارس؟ هل نستطيع أن نلزم المدرس والمدرسة بالقراءة حتى يستطيع أن يواكب تلاميذه؟ هل نستطيع أن نربي جيل جديد يحترم الفن ،ويعشق الطبيعة ويعطي قيمة للزهور؟

أعتقد اننا إذا عرفنا ما يجب علينا فعله سنكون قادرين على تحقيق كل ذلك وأكثر...

هذا رأي متواضع لكنه يستحق أن ينظر اليه....

أصدق تحياتي لكم ولجهد استاذنا الكبير د. احمد الفقيه

د احمد جلاله

المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي

طرابلس- ليبيا

* * * * *

بسم الله الرحمن الرحيم

أولا: الشكر دائما موصول إليك أخي فوزي لثقتك الغالية التي اعتز بها وكذلك صحبتك. حيث انك دائما تعرف كيف تجعلنا نتكلم عن أمور دائما نتحاشى الخوض فيها وهذا يحسب لك.

ثانيا: مشروع هذه المقالة مهم إذ كان الهدف نبيل, وليس ردة فعل لان العمل بردة الفعل غير صائب غالبا, وأنا اعتقد ذلك لان كاتب المقال إنسان يشهد له بذلك.

ثالثا: مضمون المقال وتغطيته للموضوع فيه ضعف بين ويتضح ذلك من خلال التسلسل في طرح القضايا, والقفز من سؤال الحياة اليومية للمواطن الليبي إلى الفن والأدب والفقر والمقارنات مع مجتمعات أخرى قد لا تكون في محلها. ومن لوم الضحية( المواطن ) أو أحياننا لوم النظام. فالسؤال المطروح ماذا يريد الليبيون وما الذي يحتاجون إليه؟  اعتقد انه سؤال ليس في محله أو غير واضح. فمن الذي طرح السؤال هل الليبيون أم من؟ وماذا يريد الليبيون من من؟ من الدولة ؟ من ليبيا؟ من من؟ وهل ليبيا لغير الليبيون أيضا؟ لان صيغة السؤال توحي بان هناك أناس غير الليبيين ولكنهم لم يطرحوا هذا السؤال؟

رابعا:أريد أن الخص لك اغلب الرؤى حول عملية التقدم والتنمية بليبيا, وهم خمسة رؤى أو قل مجموعات, تعبر عن ماذا يريد  الليبيين وهم:

1-   فريق (المحبطين) وسموا بذلك في ضوء مشاعر الإحباط لديهم إزاء كل من الدولة والقطاع الخاص, فلم تكن لدى هذا الفريق أراء معينة بشان إي نموذج تنموي تطويري يساعد البلاد على التحسن, ولكنهم فريق يرى على الأرجح أن البلاد على حافة أزمة.

2-   فريق ( المؤمنين بدور الدولة المركزي) حيث يعتقد أفراد هذا الفريق أن الشيء الوحيد الذي تفتقده البلاد للتغلب على تحدياتها الراهنة هو فريق صغير من صناع القرار الرسميين يحسمون جميع القضايا المجتمعية.

3-   فريق (المناضلين) وهم الذين يضعون ثقتهم في المواطن المتوسط ( أفراد الطبقة الوسطى) وذلك إذا ساندت الحكومة على نحو صحيح هؤلاء المواطنين , فأنهم سيقودون البلاد إلى مستقبل أفضل.

4-   فريق (الحمائيون ) الذين يرون ضرورة مساندة السياسات الحمائية مثل الإعانات والدعم وفرض التعريفات الجمركية وغير ذلك من السياسات الإستراتيجية كنوع من الحماية للاقتصاد الوطني. ( جماعة عقد الستينيات والسبعينيات)

5-   فريق ( جماعة الاقتصاد المنفتح) وهم يميزون أنفسهم عن باقي الفرق لإيمانهم بضرورة وأهمية الروابط الدولية في التجارة والتعاون التعليمي والانفتاح على الأخر ولكنها تشعر بالإحباط تجاه سياسات الدولة وخصوصا نوعية مساندتها للقطاع الخاص مع تصميمها على المضي قدما على ما عقدت العزم عليه.

واترك لك تحديد أين تجد نفسك في هذه المجموعات. وأسف عن الإطالة وعن أسلوب الكتابة أن لم أوفق في  قراءة هذه المقالة.

مع خالص تحياتي,,,,,,,,,

محمود عمر

بنغازي

* * * * *

أخي الدكتور فوزي

سرني عودة التواصل الفكري فيما بيننا وخاصة بعد قراءة مخض الماء وماذا يريد الليبيون

في البداية لا بد ان نتفق على بعض المصطلحات مصطلح الليبيون كشعب  والحكومة  كادارة السلطة للدولة وهنا ينبغي التفريق بين الدولة والحكومة فالدولة هي الشعب والاقليم والحكومة و لا شك ان تعليقاتنا يراد بها ماذا يريد الليبيون من الحكومة او السلطة التنفيدية للدولة الذي يشكل الشعب الاساس فيها وفي وجودها، 

 لا اريد ان اعلق على ما تفضل به الدكتور محمود حول هذه المقالة ولكن سوف اعلق على التصنيف الذي قسم الفيئة المثقفة الى مجموعة منهم المحبط والشاد الى الخلف والمتشبتون والرسماليون الجدد  ونحوه.

من المؤسف ان نبحث  عن المنقد للازمة التي نعيشها بيمنا في الحقيقة ليس هنالك ازمة في ليبيا الا ازمة اخلاق ،  اولا وهذا الشيء ساهم في تفاقمه وازيده الشعب والحكومة ،  

على سبيل  المثال عدم التقيد باحترام  اشارة الشارة الضوئية الحمراء وعدم احترام قواعد المرورألا يشير الى وجود ازمة اخلاق حقيقية ؟؟؟؟، 

 الرشوة كانت في  السابق عيب اجتماعي واخلاقي وديني وقانوني فكان موظف الدولة يستحي ان يطلب الرشوة للاعتبارات السابقة اما اليوم فباتت الرشوة عيبا قانونينا  ومجرم من قبل القانون ومعاقب عليه ولكن وضع القانون ليخترق هكذا   

 وبالتالي فانا ك ليبي ادعوا

اولا اليالتمسك بالاخلاق لانها اساس التحضر والتقدم 

 ثانيا ينبغي ان نبتعد عن حلم البحث عن المنقد والمخلص لان اعتقادنا بالتغير بقدرة شخص ما  فهذا يعني خلل في في التفكير العلمي السليم ولا بد ان نؤمن بان التغير ياتي اذا استطعنا ان نبني دولة المؤسسات لا دولة الاشخاص اي التفريق بين الثابت والمتحول والاعتماد على البناء المؤسسي في كافة القطاعات بحيث تغير الاشخاص المؤهلين بمؤهليين غيرهم لا يشكل ازمة في سير  قطاعات الحكومة  

ثالثا فنحن لحاجة الى اعادة تقيم التجارب السابقة والخروج بنظام متين ومتماسك بداية باعادة الثقة في انفسنا والثقة في كوادر الشعب وادخال الخبراء الحقيقيين من يعيشون في الضل ويتحدثون باصوات منخفضة ونسمع صوتهم ونلغي الحقد والحسد ونفكر بشكل جماعي لا فردي او قبلي  وتسليم زمام امور الدولة الى ذوي الخبرة والمعرفة لا الى دوي الثقة،

فلا نريد ان نكون اناس متكلمون فالمطلوب ان نقوي انفسنا في تخصصاتنا حتى يؤتا الينا  لان الخروج من اي ازمة يتطلب التاكتف والتكافل جميع الشرائح وخاصة شريحة االمعلميين من يشرفون على التعليم والتربية والاهتمام بالاعلام واتباع سياسة التسريب الاعلامي المقنع والقدرة على قبول النقد والتغيير الى الافضل لا التسفيه والتحقير  

مثال ان ازمة الطبيب الليبي هي الدعاية المغرضة وزوال الثقة بين المريض والطبيب فنحن بحاجة ماسة الى بناء الثقة من جديد بين الطبيب والمريض من خلال الجواب الفلسفي هل الطبيب حينما يعالج مريضا يشعر  انه يتعامل مع مرض ام مريض؟؟؟

 وهنا الفارق بين ان تتعامل مع مريض من هو وبين مرض يتحدى الطبيب   

وبالتالي سيبدي ما مبجهده بدون ان يكون هنالك خوف من ماهية المريض .

المهم ان نعرف ماذا نريد وما ينبغي ان نفعل لتجاوز الازمة

اسف على الاطناب

ولنا قريبا لقاء

د سالم الشوين

 كلية القانون  غريان

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home