Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

السبت 18 يوليو 2009

صورة قلمية لصادق النيهوم

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 

(( كان ذلك في مطلع الستينيات

والمتفرجون الذين يقفون على ارصفة الحياة في مدينتي بنغازي وطرابلس ، يهشون الذبات امام دكاكينهم الفارغة، ويرقبون تحولات الفصول ، بأعين وافواه مفتوحة ، في حالة ذهول وغفلة ، وجدوا امامهم طفلا مشاغبا، يظهر فجأة من احدى الحواري يكتح التراب في اعينهم وافواههم ، ويملأ الشارع صفيرا وضجيجا، وكأنه يقول لهم ، استيقظوا من سباتكم ، تحرروا من عجزكم ، اتركوا الارصفة ، واقتحموا ميادين الحياة.

الحاج الزروق ، الذي تعود ان ينام وعينه مفتوحة ، والذي سيجعله الصادق فيما بعد هدفا لمقالاته الساخرة ، يفيق من سباته غاضبا ، ويصيح بتلك اللازمة التي استعارها من الصادق : "الزفت" ثم ينظر حوله متسائلا ، من اين جاء هذا الطفل اللعين؟ كأنه يعرف انه لم يكن طفلا غريبا ، فهو لا يشبه احدا الا اطفال الحاج ذاته ، غير انه ترك بقية الاطفال يسلمون اقدامهم لفلقة الفقيه ، تمرد على الشيخ الذي يعلمه الطاعة والولاء للقبيلة وحفظ التعاليم المصبوبة في قوالب تركها الاسلاف الموتى ، وانطلق وسط شوارع المدينة يصنع تلك العاصفة الصغيرة .

كان اصحاب الدكاكين الذين التصقت اقدامهم بالارصفة ، نتيجة الوقوف الطويل ، قد افلحوا في انتزاع اقدامهم من اسمنت الارصفة ، واخذوا من دكاكينهم الفارغة الواحا خشبية ، حملوها وانطلقوا يطاردون الطفل المشاغب .

ظل الصادق يعدو امامهم وهو يضحك ، يكتح التراب وهو يضحك ، كان سعيدا وهو يراهم يتحركون، يفعلون شيئا، يتركون الوقوف العاجز على الارصفة     

 

كان هذا هو ما يريده

لم يكن وهو يعدو امامهم يريد ان يقودهم الى طريق ما

كان يعرف ان هناك دائما اكثر من طريق

وكان هو فقط يسعى الى استفزازهم من اجل ان يراهم يستيقظون، يتحركون، يبحثون هم ايضا عن طريق

كان يكره الطرق المرصوفة بانفاس اسلافنا الراحلين ، وقوالب الافكار التي يغمرها صدأ السنين. كان يبحث عن الجديد ويدعو  اهل بلاده للاهتداء اليه

كان مملوءا بروح التحدي ، والابتكار ، والمغامرة ، واللعب

لا يخشى القفز فوق الاسوار ، او فوق الاشواك ، واقتحام الارض الجديدة المليئة بالاحراج والصخور ، حتى لو عاد منها مليئا بالخدوش والجراح

ولذلك كان دخوله لمعترك الحياة الثقافية والادبية في بلاده دخولا عاصفا ، ثائرا ، ازال جزءا من البلادة التي كانت تغلف الناس والاشياء ، وانشأ ضجيجا وصخبا اعاد الحياة لتلك الساحة الثقافية الخاملة

كان يحب مناكفة الحاج الزروق ، ينتزع احيانا الطاقية الحمراء التي يغطي بها راسه وكأن هذا الراس عورة لا يجب ان يراها الغرباء ، ويعبث باحجار "السيزة" التي يتحلق حولها مع اصحابه طوال ساعات الصباح ، وقد يصل به الامر الى ان يقتحم مجلس الشاي ، وهو مجلس له قدسيته في عرف الحاج ورفاقه بدوراته الثلاث التي تستغرق جلسة تزيد احيانا عن ساعة لكل دورة ، يهدر فيها الوقت وتسحل فيها سمعة الناس نميمة وغيبة  لتعبئة الفراغ ، فيلقي الصادق سطلا من الماء فوق النار التي يطهى فوقها الشاي ويفسد ذلك المجلس ، شقاوة وشيطنة واستفزازا للعادات الحميمة للحاج ورفاقه ، وكان لابد للحاج الزروق ان يغضب ، وان يطلق كثيرا جدا من كلمات "الزفت" التي لا يقولها الا في حالات الهياج والتوتر العصبي ، وقد يبحث في مثل هذه الموجات العاتية من الغضب التي تجتاحه ، عن سكينة يطارد بها الطفل الذي جاء يعبث باكثر الاشياء التصاقا بحياته ويعيث بها فسادا . كان الصادق يدعو الحاج الزروق الى حياة اخرى ، غير هذه الحياة التي تعيد تكرار واستخدام روتين قديم متوارث ينتمي الى اكثر الازمنة تخلفا وبدائية ، حياة خالية من جلسات الشاي التي تأكل افضل ساعات النهار ، ولعبة السيزة التي تأكل بقية الساعات . كان يريده ان يرتدي ملابس جديدة تناسب العصر ، ويدخل التحدي الذي يطرحه عصر العلم والعمل والانتاج واساليب الترفيه التي تمتع العقل والوجدان ، والخروج من حالة الادمان للعادات القديمة التي كانت تستخدمها المجتمعات البدائية لقتل الوقت باعتبار هذا الوقت عدوا يستحق القتل بينما يراه الصادق صديقا يستحق الاحترام والتقدير ووضعه موضع العناية والرعاية والحرص على الانتفاع به بدلا من اضاعته واهدار دمه .

كتب الصادق النيهوم ،اول ما كتب، المقالة ، التي لم تكن مقالة ذات شكل تقليدي ، لان مشروعه كان منذ اللحظات الاولى لاقتحامه هذا المجال معاديا للتقليد والتكرار والروتين ، فكان لابد ان ياتي بشيء ينسجم وشخصيته المفعمة بالثورة والتمرد ، فكتب تلك المقالة التي تقترب في شكلها من القصة ، ولكنها لم تكن قصة ، لانه اخذ من المقالة سخونتها وحرارة اقترابها من القضايا الاجتماعية والسياسة ، اقترابا مباشرا وصريحا وواضحا ، وقدرتها على ان تسمي الاشياء باسمائها الى حد القدح والتعرية والتعزير ، وفي ذات الوقت اخذ من القصة قدرتها على التصوير ورسم النماذج والشخصيات المثيرة للسخرية والدعابة ، كما اخذ من القصيدة جملتها الشعرية المليئة بالايحاءات والرموز، وصنع من كل ذلك شكلا تعبيريا جديدا،واسلوبا في معالجة القضايا، مدهشا جذابا ، ولكنه في ذات الوقت موجع، حارق ، يمتليء سخرية مريرة لاسعة، تختلط فيها اللغة الهجائية التي تدعو الى التغيير وهدم الابنية القديمة، مع الاحتفاء والاشادة بعناصر الاصالة في النماذج الشعبية التي يتحدث عنها. كان مبعث تلك المقالات ، التي كان منذ البداية يرسل بها من خارج الوطن حيث يواصل الدراسة العالية،الحب لاهله وبيئته ومحيطه والحنين الى وطنه ومجتمعه  وسوق الحشيش الذي نشأ فيه في بنغازي ، الا انه حب مبصر، يستطيع التقاط العيوب والعاهات الاجتماعية في هذه البيئة ويسلط عليها تعويذته السحرية القادرة على حرق الاشباح التي تسكن الشقوق والاركان المظلمة في هذه البيئة ، ولم يكن غريبا ان يستقبل القراء مقالاته بهذا الحماس وهذا الترحيب الذي يصعب وجود نظير له مع اي كاتب في بداية ظهوره ، فقد سحر العقول والقلوب وكان الناس يتسابقون لحجز اعداد الحقيقة التي تحمل مقالاته ، وتنفد الاعداد قبل ان ينفد عدد القراء الذين يتحمسون لقراءة ما يرسله الصادق للصحيفة كل اسبوع .

عندما انتقل الصادق النيهوم الى كتابة الادب ، رواية وقصة قصيرة ، استخدم الاسلوب الساخر اللاذع ذاته ، وطوعه لخدمة هذه الاشكال الادبية الراسخة ، ولعله اضاف اليها لونا جديدا عندما انتقى شخصيات تراثية مثل جحا وابي زيد الهلال والسلطان في الخرافات الشعبية ، والبس هذه الشخصيات اردية عصريه ، كما فعل في كثير من معالجاته الادبية . هكذا قرأناه في روايته المبكرة "من مكة الى هنا" التي كانت المختبر الاول لتلك الصيغة التي اجاد الصادق النيهوم استخدامها عندما  كان ينتقل من "الفانتازيا" الى الواقع ، وينتقل من الواقع الى مستوى "الفانتازيا" في لعبة ماكرة تغيب فيها الحدود بين الاثنين وانتقى لعمله بطلا ليبيا اسمر اللون من جذور افريقية هو الصياد مسعود الطبال. وعندما كتب فيما بعد روايتيه الرمزيتين القصيرتين "القرود" و"الحيوانات ، الحيوانات" كانت تلك الصيغة قد وصلت الى حدها الاقصى ، اذ جعل الغابة باحداثها وحيواناتها معادلا رمزيا لواقع نراه ونعرفه ونعيشه ، وكنا نستطيع دون عناء ان نمنح قروده وحيواناته ، اسماء اناس نعرفهم حق المعرفة ، وقد تصل بنا الشجاعة الى ان نمنح بعض هذه القرود وهذه الحيوانات التي تسكن الغابة اسماءنا ذاتها .

وستبقى مجموعته القصصية "من قصص الاطفال" {والتي تحمل هذا العنوان الذي لا يتفق مع اسلوبها ومحتوها لانها لم تكن قصصا تتجه للاطفال ولا قصصا تتحدث عنهم }عملا فريدا في ادبنا العربي ، بكل المقاييس . اذ تتألق في هذه المجموعة موهبة صادق النيهوم ، وبراعته في خلق تلك الاجواء السحرية العجائبية التي تغرس جذورها في ارض الا سطورة ، ولكن الفروع والاغصان تمتد لتقبض على الواقع بمثل ما تفعل نبتات الاحياء المائية التي تلتوي على فرائسها ، فنرى لحظات من حياتنا تقع اسيرة فنه القادر على اتقان لعبة المباغتة ، التي تجعل القاريء يظن انه يسافر في ارض الحلم والاسطورة ، ثم يفاجأ بان هذا السفر كان سفرا في حياته ، وتصويرا للحظات ضعفه ، وكشفا وفضحا وتعرية لكل ما كان يحرص على ان يبقيه مخفيا في مجاهل ذاته .

كانت لعبة الصادق المفضلة هي البحث عن تلك الاشياء المسكوت عنها ، واخراجها من تحت اكوام الصمت والرماد التي ندفنها تحتها .

ولعل القاريءالعربي خارج ليبيا الذي التقي بالصادق النيهوم، عبر منابر عربية واسعة الانتشار مثل مجلة الناقد ، استطاع ان يدرك الى اي مدى كان الصادق مليئا بالتمرد والمشاغبة ، مسكونا بهاجس التجديد والتجريب والمغامرة ، حتى وهو يقترب من قضايا فكرية ، تتصل باكثر الجوانب حساسية مثل الشرائع والعبادات ، التي حاول ان يعالجها بفهم وعمق واقتدار ، ودخل مع المخالفين له معارك فكرية اثبت فيها سعة العلم والاطلاع ، ولكن هذا الجانب ، خاصة ما يتصل بالفكر السياسي ، يبقى بالنسبة لي ليس الجانب الاقوى لديه، فانا احد الذين يتحفظون كثيرا على بعض افكاره واطروحاته، الا انني ارفع قبعتي تحية لنبوغه وعبقريته عندما يكتب مقالته الفنية الساخرة اوقصته الرمزية الحافلة بالامتاع، العامرة بالمعاني والدلالات والابداع الاصيل الجميل ، الذي لا يقدر على اجتراحه الا قلم في براعة ورقي وقوة الراحل الكبير صادق النيهوم عليه سلام الله ورضوانه .

العاصفة التي انطلقت من بنغازي في مطلع الستينيات ، لم تهدأ ولم يلحقها التعب والانهاك ، وهي تستأنف رحلتها في بداية التسعينات بعد سنوات من التوقف عن الابداع والانشغال بالنشر وادارة المؤسسات المعنية بالكتب المدرسية ، وظل خلال هذا العقد الاخير من حياته كما كان في بداية انطلاقه ، وعلى مدى السنوات التي اعطاها للكتابة الادبية والفكرية ، طفلا مشاغبا ، يطرح الاسئلة ، ويقلب كل الاحجار ، ويصنع العواصف ، ويكتح التراب في اوجه الواقفين ، في جمود ولا مبالاة ، على ارصفة الحياة))

كان هذا ما كتبته عشية رحيل الزميل والصديق الكاتب الفذ صادق النيهوم ونشرته في مجلة الاغتراب الادبي اللندنية في عددها الصادر عقب رحيله تحت عنوان الصادق النيهوم : رحيل العاصفة ، وكنت كتبت تابينا قبل هذه الكلمة التي تاخرنشرها لطبيعة المجلة الفصلية، في صحيفة الشرق الاوسط نشر في اسبوع الوفاة عام 1994، قدمت فيه لقراء الصحيفة نبذة عن حياته ولمحة عن سجل انجازاته في المجالات الكثيرة التي انشغل بها طوال حياته الخصبة المنتجة ، وكان يرافق التابوت الذي نقل جثمانه ليدفن في مدينته بنغازي رفيق من رفاقه الادباء هو الاستاذ ابراهيم الكوني الذي تأخر في كتابة تابين له ، او التعبير عن الحزن الذي الم به لفقد هذا الصديق الا اخيرا عند حضوره الاحتفال الذي اقامته المكتبة الوطنية في بنغازي  يومي  22-23 ابريل عام 2009

حيث القى كلمة سرد فيها بعضا من الذكريات التي جمعته مع الكاتب الراحل والذي اقام قريبا منه في جنيف في السنوات الاخيرة التي سبقت وفاته ، استهلها استهلالا فلسفيا جاء فيه

بان (( الاخلاء عندما يهجرون ديار دنيانا ويلتحقون ببيتهم الأبدي فإنهم لا ياخذون معهم في رحلتهم الى هناك حطام الدنيا سواء كان مالا أم جاهاً أم ادبا أم حتى أمجادا ولكنهم يأخذون معهم ذكرياتنا معهم أي أنهم يأخذون معهم نصيبا سخيا من حياتنا طالما آمنا مع حكماء الأجيال بان الإنسان في هذه الرحلة الثانية لايملك إلا ذكرياته أي أفكاره فهل ينتقم منا الاخلة بهذا الاختلال أم يدعوننا بعقد صفقة ؟ أحسب ان الشق الثاني من السؤال هو الأصح فهم بغيابهم إنما يغيبون نصيبا منا ، يستعيرون جزءاً من روحنا ليستبقوه في اغترابهم رهينة يحتفظون بالرهينة ليختبروا مسلكنا في العلاقة معهم لكي لا ننساهم لان النسيان في عرفهم ليس اهانة للذاكرة فحسب ولكنه خيانة لهم ، للعلاقة بهم ، ليس خيانة وحسب ولكنه إماتة ثانية لهم ، إماتة لاتقترفها الأقدار هذه المرة ولكنها الإماتة التي نقترفها نحن في حقهم ، هي الميتة الأسوأ التي لا تغتفر، انها ناموس الأموات.  جريمة لا يسكت عنها الموتى عادة فينتقمون منا بالسلاح ذاته الذي استخدمناه ضدهم ألا وهو" النسيان "))                                 

وسنعرض لاحقا الى ما جاء في كلمة الكوني من ذكريات ، وبين الكتاب الذين حضروا تلك الاحتفالية الكاتب الراحل محمد احمد الزوي، قبل ايام قليلة من وفاته ، دون ان يشارك بالقاء كلمة بالمناسبة ، ولكنه ادلى باقوال للصحيفة التي صدرت عن الاحتفالية قال فيها بانه يعرف اشياء كثيرة عن صادق النيهوم لا يريد ان يقولها لان الوقت لم يحن لقولها ، وانه جمعته  في احدى المراحل عندما كان مديرا للشركة العامة للنشر  علاقة وثيقة بالنيهوم عرف عنه من خلالها ما لايعرفه الكثيرون مما لا يستطيع ان يبوح به الان، واشار الى العملية الدعائية التي صاحبت ظهور النيهوم الى الرأي العام بل سبقت هذا الظهور كما يقول الزوي وكان المكلف بادارة تلك العملية الدعائية صديقه رشاد الهوني ، ولم يكن الصادق يعدم الاعوان والحواريون الذين يقومون بها بتكليف منه او تطوعا منهم بعد ان افترق عن صديقه القديم ، وجاء في نص ما نقلته الصحيفة عن المرحوم الزوي ما يأتي :((اذكر في سنة 1966 كنت اكتب في صحيفة الحقيقة , والتقيت الصحفي الأستاذ رشاد الهونى في طرابلس , وقال لي أن صحيفة الحقيقة سوف تقدم مبدعا جديدا سيكون ظاهرة فريدة وارجو أن تكون انت اول من يكتب عنه , بدأ بعدها الصادق في كتاباته في صحيفة الحقيقة , وكنت مبشرأ للناس بمولد مبدع سيكون له شأن , ثم التقيته وبقيت صداقتنا الى أن خرجت من المنشأة العامة للنشر آنذاك سنة 1987 م , نشرت خلالها (بهجة المعرفة) وسهرت معه وتجالسنا وتصعلكنا , وأعرف على الصادق جوانب لايعرفها الاخرون عنه ,حتى وان عرفوها لايستطيعون الجهر بها )) توفى الزوي في اليوم الثالث او الرابع بعد  صدور تصريحه للصحيفة ناقلا الى قبره ما كان يريد ان يقوله في وقت اخر لم يمنحه له القدر او الاجل ، ولا استطيع ان اتكهن بما كان يمكن ان يقوله، ولعل الوقت كان متاحا اثناء الاحتفالية لقول ما كان مسكوتا عنه، لو تم ، كما اقترح البعض ، اقامة حلقة نقاش في نطاق ضيق يقتصر حضورها على الباحثين ودون اعلام او صحافة او نقل على الهواء،   ترافق الاحتفالية التي تعقد في قاعة عامة يحضرها الجمهور وتنقل مداولتها على الهواء عبر اذاعة بنغازي وترصد جلساتها الصحافة بل تخصص صحيفة خاصة بالمؤتمر لنقلها ، بما لايتيح فرصة لغير كلمات التكريم والتبجيل لفقيد يكبره ويجله الجميع ، بينما يمكن لحلقة النقاش الصغيرة المحدودة ان تتولى تقييم تجربة صادق النيهوم تقييما شاملا ووضعها في محك البحث العلمي ، دون اغماط لحقه ، اومبالغة في دوره ، حيث كان ممكنا لكاتب مثل محمد الزوي ان يقول المعلومات التي قال انه لا يعرفها غيره عن النيهوم،  وان يتركها محفوظة للتاريخ في مثل هذه الحلقة الدراسية . ظهرت الفكرة ، ولكن في وقت متأخر فلم يكن متاحا تنفيذها فيما تبقى من وقت ، ولم يبق امامنا الان الا نلجا عن طريق الكتابة ، البعيدة عن البث المسموع وناقلات الصوت فنحاول من خلالها تلمس طريقنا لهذا الطرح الموضوعي الذي يذكر الايجابيات دون ان يستنكف او يتحرج من ذكر السلبيات، او على الاقل هذا ما ساحاول القيام به في نطاق ما قرات للرجل وما قرأته عنه  وما عرفته وسمعته منه ،وما اتاحته المشاهدة والمعاينة والمعاصرة على تقديم هذه الشهادة ورسم هذه الصورة القلمية عنه، واثقا ان هناك زملاء ، عرفوا الصادق اكثر مني ، يستطيعون هم ايضا الادلاء بشهاداتهم وتقديم اقوالهم بشكل موضوعي يتجاوز كلام التكريم والاحتفاليات الى تقويم تجربة كاتب من انبغ من انجبتهم هذه البلاد من كتاب في تاريخها القديم والحديث ،  ساكتب شهادتي دون ان ادعي انني ساكتبها وفق قواعد اكاديمية منهجية ، تتقصى النصوص وتضع خطوطا تحت العبارات التي تستعين بها في البرهنة على ما تقوله ، لانني لست مؤهلا لمثل هذا الدور ولا املك نسخا من كل ما قراته للراحل الكبير خلال مسيرة تصل الان الى ما يقرب من خمسة عقود ، بل انني لا املك في ارشيفى حتى ما كتبته عنه مثل المقال الطويل التي نشرته في الشرق الاوسط عقب وفاته ، ولهذا فانا اعتمد في رسم هذه الصورة القلمية على الذاكرة ، مسجلا انطباعي عن هذا الكاتب الذي احتل مساحة في عقول وقلوب القراء في بلاده ، ولازال حتى اليوم يحتلها ، كما احتل موقعا عاليا في الادب والفكر العربيين ، اهلته له قوة مواهبه وسعة معارفه وغزارة موارده العلمية ، مستعرضا هنا ما اعرفه عنه دون ان اكتفي بايراد ايجابيات ارسم من خلالها صورة وردية للراحل العزيز ، وانما ساقوم بايراد ما يدخل في خانة السلبيات في مواقفه وافكاره وسلوكه ، لكي تكتمل الصورة ، ويكتسب الحديث عنه هذه المرة صيغة موضوعية ، لم تكن تتيحها واجبات اللياقة اثناء كتابة كلمات الرثاء والتأبين ، ساعيا هنا لتقديم شهادة تتميز بالصدق والصراحة والامانة متخطية اعتبارات المجاملة والتحيز لكاتب  نعرف جميعا ثراء شخصيته وعمق تجاربه ونشترك جميعا في حبه وتبجيله .

يقول بعض مؤرخي سيرته ان صادق النيهوم كتب ونشر في الصحف بعض المقالات منذ وجوده طالبا في الجامعة الليبية ، التي تخرج منها ومن كلية الاداب فيها عام 1962 ، ولكن بدايته الحقيقية التي تواترت فيها مقالاته تواترا اسبوعيا ، لم تحدث  الا مع ظهور صحيفة الحقيقة في بنغازي التي باشرت الصدورعام 1964 بشكل اسبوعي ثم انتقلت الى الصدور اليومي في مطلع عام 1966 حيث انتظم مع اول اعداد هذا الاصدار اليومي في كتابة مقالاته  الاسبوعية للصحيفة ، وتخير لنفسه في هذه المقالات اسلوبا ساخرا لاذعا يعتمد على تقديم الصورة الكاريكاتورية لشخصيات ووجوه شعبية ، مثل شخصية الحاج الزروق صاحب دكان البقالة في بنغازي ، والحاجة مدللة ، التي تمثل النموذج الشعبي للمرأة الليبية بامتياز ، وغيرهما من نماذج وشخصيات وصور بما في ذلك الفقيه كاتب الاحجبة ورمز الاعتقاد الشعبي الديني الخاطيء الى حد انحرافه عن الدين الصحيح ليصبح مجرد فلكلور شعبي اقرب الى الشعوذة والدروشة منه الى الايمان الحقيقي ، منتقدا من خلال تلك المقالات مظاهر الحياة الشعبية في بلاده ساخرا من بعض المعتقدات التي تجاوزها الزمان ، مهاجما العادات والتقاليد البالية في كتابة هجائية قدحية مفعمة بروح الدعابة، والعبارات الرشيقة ، والبلاغة الحديثة ، التي لا تعتمد على تفخيم الالفاظ والكلمات وانما على لغة متحركة مشهدية تتوالى كتوالي اللقطات الحية في شريط سينمائي ، وافتتن القراء بقلم صادق النيهوم واسلوبه الساخر وصوره القلمية المبهرة ونماذجه الشعبية التي يرسمها ويقدمها في الوان زاهية ، وتقبلوا بحماس انتقاداته لما يمارسونه من عادات وتقاليد ، كانوا يعرفون انه انقضى زمانها ولكنهم مرتهنين لها غير قادرين على تجاوزها وخير مثال على ذلك حبس النساء والانفصام او الانفصال بين مجتمعات الرجال والنساء في عصر تهاوت فيه الجدران بين الجنسين وانطلقت المراة تغادر جدران البيت الاربعة تعانق الشمس والهواء ، وهي قضية انشغل بها صادق النيهوم وتناولها على مستويات مختلفة مقالا ودراسة ونصا ابداعيا ، وقد احدثث المقالات التي ينشرها النيهوم في الحقيقة ،مشهدا لم يكن معروفا في الصحافة الليبية ، المعروفة بمشاكلها المزمنة المتمثلة في قلة القراء وكساد اسواق البيع والشراء، اذ جعلت الناس في حواضر ليبيا يتخاطفون اعداد يوم السبت من صحيفة الحقيقة التي تنشر مقالاته ، وينتظرون صدور ذلك العدد الاسبوعي منها ، ويوصون الباعة على الاحتفاظ بنسخ لهم منه، وتكرست من خلال هذه المقالات ، التي جمعها في اكثر من كتاب فيما بعد كان اولها تحية طيبة وبعد ، شخصية الكاتب الجماهيري المحبوب صادق النيهوم ، باعتباره كاتبا ساخرا،جريئا ، يكتب المقالة الفنية والادبية، ذات الطابع الاجتماعي ، التي لا يكاد يضاهيه احد من ابناء جيله في جودتها ورشاقتها وجمال اسلوبها رغم اعتماده كما يقول النقاد الذين كتبوا عنه من امثال الناقد احمد الفيتوري انه كان لاعبا ماهرا بما يترجمه ويقتطفه من اساليب كتاب احبهم  ((من حيث تركيب الجملة التي تغترف من الأساليب الصحفية العربية البيروتية ومن الأساليب الكتابية في الصحف الانجليزية اللغة، ومن الأدب الأمريكي في مرحلة ما بعد الحرب كما تمثل في كتابة أرنست همنجواي وترجماته العربية علي يد منير البعلبكي))

الا ان الصادق رغم الشعبية الطاغية التي حظيت بها مقالاته ، والاستقبال الحافل الذي صاحب ظهوره للرأي العام ، لم يكن يرضيه ان يبقى مكرسا في ذاكرة القراء ككاتب مقالة صحفية ذات طابع ادبي اجتماعي ، وانما سعى لطرح نفسه على القراء ، كناقد ادبي له رأي وذوق وحصافة تؤهله لتقييم الاعمال الادبية بادوات الناقد الحديث ، ومن هنا جاءت دراسته التي نشرها في صحيفة الحقيقة على حلقات عن ديوان البياتي ، الذي يأتي ولا يأتي ، واعقبها بدراسة على حلقات لديوان الشاعر محمد الفيتوري عاشق من افريقيا ، كما عرج في مقالة اخرى على نقد الشاعر صاحب الجماهيرية الطاغية نزار قباني ، وسخر قلمه اللاذع في نقد قصيدة نزار التي تلقفها الرأي العربي بحفاوة وحماس هوامش على دفتر النكسة ، وكتب نقده بشكل استفزازي يمثل صورة من صور استعراض العضلات، ربما ليقول بها انه قادر على منازلة عماليق الادب واسقاطهم عن عروشهم ، كما اختار قصيدة كانت في ذلك الوقت انجيل الجماهير المصدومة بسبب هزيمة 5 يونيو ليتخذها مطية لاغراضه ، غير  عابيء بما يمكن ان تجلبه هذه المعاكسة لشاعر هو اكبر شاعر عربي معاصر، من رد فعل سيء لدى القراء واستخدم للاسف الشديد في هذا الهجوم شاعرا واعدا في ذلك الوقت مازال طالبا في الجامعة الليبية هو الشاعر الجميل ، الذي صار كبيرا فيما بعد محمد الشلطامي، ليجري بينه وبين نزار مقارنة غير متكافئة يقلبها عنثا وتعسفا لصالح الشلطامي، مع انه لا علاقة بين الاثنين فالشلطامي ينتمي لمدرسة شعرية غير مدرسة الشعر الغنائي الذي ينتمي اليها نزار قباني ، كما كتب في هذا السياق مقدمات وتعليقات لاشعار بعض اصدقائه من بنغازي تفتقر لابجديات النقد الادبي .

وبغض النظر عن الهفوات التي وقع فيها ، واساليب المجاملة التي تسيء الى التقييم الشعري ، مثل اكباره للشاعر المرحوم على الفزاني الذي يراه الكثيرون ، وانا بينهم ، شاعرا كثير الافتعال محدود الموهبة ، استطاع النيهوم ان يظهر براعة ممزوجة ببعض الحذلقة في التحليل والتفسير وهو يتصدي للبياتي وان يضع نفسه ندا لنقاد عرب معروفين في المشرق كتبوا عن هذين الشاعرين مثل محي الدين صبحي وسامي خشبة وغيرهما ، زد على ذلك ان اسلوبه الخاص المتميز المضفور من اساليب كثيرة حتى صار اسلوبا خاصا به  لا يشبه اسلوب اي كاتب اخر ، اضاف لمسة تفوق وامتياز لنقده للشعر ، ولسعة لذيذة يخلو منها دائما اسلوب النقاد الجادين الاكاديميين ، واذا اعتبرنا نقدهم اشبه بوجبة السمك التي تباع محفوظة في العلب فهو اشبه بوجبة سمك يتم تقديمها طازجة عامرة بالكمون والثوم والبهارات او هكذا كنت ارى بعض كتاباته الادبية وهكذا كنت اتذوقها واقبل عليها لكي لا ينسى القاريء انني اقدم شهادة شخصية يلعب فيها العامل الذاتي دورا اساسيا .

مرة اخرى نجد ان صادق النيهوم الذي يريد ان يشق طريقه في براري الادب والثقافة مثل القطار ، يابى ان يقف عند هذه المحطة الثانية في مسيرته ، اي محطة الناقد الادبي ،  التي راى انها تكسبه توقيرا وواجهة يضاف الى محطته ذات الشقاوة والعبث بتقاليد المجتمع والتمرد على قوالبه الجامدة وهي محطة المقالة ، وانما يواصل انطلاقه باتجاه محطة اكثر صعوبة وخطورة هي محطة الفكر، فالكاتب الصحفي والناقد الادبي يريد ان يضيف قلنسوة ثالثة يضعها فوق راسه ومسوحا ذات هيبة وجلال هي مسوح المفكر يضعها فوق جسمه ، واختار ان يبدأ باستعارة بعض المدارس الاجنبية التي استطاع الاطلاع عليها واستوعب بعض تقنياتها وعاش قريبا من منابعها ومصادرها وصانعيها في العواصم الغربية التي يكتب منها مقالاته ، وهي مدرسة التفسير الرمزي للانجيل ، وهي مدارس منتشرة وشائعة لا في الغرب فقط بل وفي العالم العربي لدي الكتاب المسيحيين , وبنقرة صغيرة على محرك البحث جوجل يستطيع القارىء ان يجد عشرات المواقع لمثل هذا التفسير الرمزي للانجيل ولكنه مازال بالنسبة للقرآن شيئا نادرا ، وفي الغرب يصل التفسير للانجيل الى مستويات اكثر تطرفا باعتبار المجتمعات هناك مجتمعات علمية تستخدم مثل هذه المدارس التي يعتبر بعضها الدين جزءا من ميثولوجيا الشعوب وخرافاتها ، فبدا النيهوم ينشر في الحقيقة مقالات عن الدين تنتسب لهذه المناهج

التي صدق الكاتب والناقد احمد الفيتوري في توصيف مرحلة الستينات في الغرب، وتنسيب النيهوم اليها قائلا

"لم يكن النيهوم ظاهرة وحدها حين خرج علي الناس بتمرده وأفكاره الجريئة ، فجيل الستينات – جيله – جيل التمرد والعبث واللامعقول والثورات والهيبز والبتلز والذي يأتي و لا يأتي والهزيمة العربية في حرب 5 يونيو ، وكان آنذاك اليسار الفرويدي متسيدا علي جبهة الفكر الإعلامية : هربرت ماركوز و اريك فروم" واضيف الى هذين الكاتبين كاتبا امريكيا ثالثا ذكره احمد الفيتوري في غير هذا المكان، هو ارنست هيمنجواي ، افتتن النيهوم  باسلوبه خاصة في العجوز والبحر ، الى درجة يمكن لكاتب مدقق ان يعيد بعض عبارات النيهوم الى ذلك الكتاب ، واعتقد ان صديق النيهوم وابن جيله الدكتور محمد وريث حاول القيام بهذه المحاولة ولا ادري ان كان قد اكملها او عدل عنها ، ويضيف احمد الفيتوري في مقالته التي نشرها اخيرا في الانترنيت:

((كتب النيهوم في القضايا الدينية الشائكة وقضايا المرأة بجرأة وقليل من التمحيص والدقة ودون مرجعية ما أو منهج ))

نعم كان هذا ديدن صادق النيهوم فيما يكتبه من بحوث ، ولم تكن دراسته عن التفسير في القرآن استثناء من ذلك حيث لم تكن هناك اشارة الى مرجع اساسي استخدمه في دراسته ووهذا ما يؤكده الباحث والاعلامي الليبي المعروف الدكتور على ابوزعكوك الذي يشير الى ذلك في رسالة خاصة تلقيتها منها قائلا

((واردت ان اضيف لك معلومة ليست متوفرة عند الغير ألا وهي أن الصادق كان يستعين بتفسير مولانا محمد على صاحب التفسير المعروف عند طائفة الأحمدية (القاديانية)، والذي أرانيه الصادق في بيته عندما أقمت عنده شهرا كاملا سنة 1968 في هلسنكي.  وكنت قد تعرفت على هذا التفسير من متابعتي للمفسرين للقرآن باللغة الانجليزية ، وطبعا لم تكن هناك اشارة في بحث النيهوم الى هذا المرجع الذي اعتمد عليه في كتاباته كما قال لصديقه ابوزعكوك ، ولا الى اي مرجع آخر .                                                                                   

الا انه استطاع  بذكاء اختيار السورة التي يبدأ بها استخدام هذا المنهج وهي سورة الكهف التي وردت فيها قصة اهل الكهف في (18) آية منها هي التي دار حولها التفسير الرمزي الذي كتبه النيهوم وهي تلك التي تتحدث عن فتية أووا الى كهف باحد الجبال هربا من سلطان جائر ، فالقصة باعتبارها ليست تشريعا وليست في اطار العبادات ولا الشعائر الدينية وانما قصة يسوقها القرآن للعظة والعبرة يمكن ان يتناولها كاتب مستخدما ما اسماه التفسير الرمزي ودون ان تطاله تهمة الالحاد او الزندقة ، ولان البحث ليس بين يدي الان وانما اقوم باستحضاره من الذاكرة فلا استطيع الا ان اقول الانطباع الذي خرجت به ايامها وهو ان الصادق حشد لهذه الدراسة كل ما توفر لديه من مهارات لغوية واسلوبية وما يملكه من ذكاء متوقد ليتفادى المزالق والمطبات الكثيرة ، ولادراكه بوعورة الدرب الذي تنكبه ، وخطورة ان يقارب كاتب القرآن بمثل هذا المنهج ، ولعله كان سيحقق نجاحا فيما اعد نفسه لانجازه ، دون ان يجنح الى الشطط فهو ينطلق من  قناعة بهذا الدين وقناعة بان القرآن كتاب الله ، ما عدا شطحة واحدة اقتبسها من مصادره الاجنبية، حيث هي قصة شائعة بين المناوئين للدين هناك، ويمكن لمن يبحث عنها في الانترنيت ان يجد مئات المقالات مثلها ، هي حديثه العابث المسيء لشخصية مريم العذراء وطفلها نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم وما كان يقتبسه من تلك المصادر الاجنبية التي تربط بين القديس يوسف النجار وبين تلك السيدة المقدسة من كلام يسيء الى قدسيتها ومعجزة انجاب ابنها دون  اب الذي تؤكده الاناجيل و  جاء واضحا في القرآن وفي سورة مريم مما يقطع بخطا وبطلان كلام النيهوم الذي قاله في مرحلة طيش وشباب مدعيا ان هذا الاب هو يوسف النجار ، ولابد انه رجع عن هذه الهرطقة في مراحل متاخرة من عمره كان يكبر فيها الاسلام ولا يتكلم الا باجلال وتعظيم لكل ما ورد في الكتب السماوية ، وطبعا لم تستطع الحقيقة متابعة نشر تلك الحلقات اذ سرعان ما ارتفع صوت المؤسسة الدينية متمثلا ذلك الوقت في الجامعة الاسلامية التي  كان يرأسها حينذاك الشيخ الفاضل عطية الديباني ، فللحفيظة الدينية في بلد مثل ليبيا سطوتها ، وللمؤسسة الدينية نفوذها، وفي الجو العام لبلد شديد الانغلاق والرتابة في ذلك العهد الملكي ما يمنع من التسامح مع مثل هذا الكاتب، فصدرت البلاغات ضده ، واعد علماء الجامعة ردا يهاجمه ، وجاءت جوقة الفقهاء من خطباء المساجد الذين طالما استهدفهم بهجائه وقدحه ، يردون له الثأر وينصبون له المحاكم، كما تصدى له زميل دراسته الناشط الاسلامي الدكتور عمر النامي ، قائلا انه لم يعرف للنيهوم اية اهتمامات دينية فمن اين له التصدي لمثل هذه المهمة ، وكان مجمل رده يتلخص في عبارة وردت في مقالة كتبها بجريدة العلم تعليقا على مقابلة اجراها الكاتب محمود الهتكي مع النيهوم  ، تعرض فيها لمقالة الرمز في القرآن حيث قال

((وهكذا يتبين أن ما يريد النيهوم أن يلفقه هراء منكر، وأن كل ما فعله هو أن عدل قليلا في عقيدة اليهود في هذه المسالة، وجاء ليزورها على القرآن من غير مستند ولا دليل))

الا انني اضيف احقاقا للحق ، ان الحكومة في ذلك الوقت ، اي الوزراء ورئيس الوزراء ، ابوا الاستجابة لتلك الدعاوى التي تريد الانتقام منه ، بل ان بعضهم عبر له عن مناصرته وتاييده لاجتهاده الا انه لا يستطيع ان يجاهر بذلك  مراعاة لرئيس وعلماء الجامعة الاسلامية ، كل ما وعدته الحكومة به هو حمايته ومنع اي اذى يصل اليه ، واذكر انني عرفت بوجوده في طرابلس ضيفا على الحكومة في افخر فندق بها في ذلك الوقت ، وهو فندق الودان ، فذهبت لزيارته في فندقه كنوع من المؤزارة ، وتناولت معه وجبة الغذاء في مطعم الفندق بحضور صديق ثالث لم اعد اذكره ، ويبدو ان هذا الصديق قال كلمة يواسي بها النيهوم فيما تعرض له من هجوم، فاردت تخفيف الموقف قائلا بان من تستضيفه الدولة في مثل هذا الفندق ، يحمد الله ان الهجوم لم يكن ساحقا ماحقا ، اذ ما اكثر من اوصلتهم مثل هذه المواجهة الى ما وراء الشمس.

وكان الانطباع الذي خرجت به من تلك المقابلة هو ان الشر لا ياتي شرا كله كما يقولون ، فرغم الهجوم وايقاف نشر المقالات فان الصادق لم يكن متألما ولا كئيبا، بل ان هذه الضجة التي اثارها وهذه المساجد التي تلهج باسمه يوم الجمعة على سبيل الهجوم ترضي جانبا في نفسه ، فهو يحب ان يكون موجودا في عين العاصفة ، خاصة انها عاصفة امنة يراقبها من تحت سقف متين هو سقف  حكومة تتعاطف معه وقراء رغم  تشبتهم بالقوالب الدينية يكبرون ويعجبون بكل من يناكف سلطة الدولة ويهاجم رموزها حتى لو استهدف الهجوم المؤسسة الدينية الرسمية                                                    

بجوار هذا النجاح الذي حققه لنفسه ككاتب مقالة فنية من طراز رفيع، وتاكيد مركزه كناقد ادبي، يضاهي مستواه ابناء جيله في المشرق العربي ، وانتقاله الى خانة المفكر بمقالاته التي تصدى فيها لتفسير القرآن تفسيرا حديثا اثار عليه سدنة المؤسسة الدينية التقليدية ، اقول بجوار هذه الانجازات والفتوحات ، كان صادق النيهوم حريصا على تقديم نفسه كمبدع ادبي ، فكتب في اواخر الستينيات روايته الشهيرة من مكة الى هنا ، التي صدرت في كتاب عام1970 ، وكتب قصصا في تلك الفترة ونشرها متفرقة في الحقيقة في اواخر الستينيات ولم تصدر في كتاب الا بعد بضع سنوات ، واعتبرتها شخصيا في اطروحتى عن القصة، وهي اطروحة منشورة في موقعي بالانترنيت www.ahmedfagih.com

بحق وصدق امتع واجمل ما كتب في مثل هذا النوع من القصة في بلادنا ، فهي قصص مستوحاة من التراث العربي ،  الا انها كتبت باسلوب مبتكر ، يعطي للقصة التراثية وهي تكتب بهذا الاسلوب المعاصر نكهة عربية ولونا عربيا رغم ما يقولون عن الاصول الغربية لهذه الفنون السردية ، وقد جمع هذه القصص وقام بنشرها في كتاب صدر عن المجلة الكشفية جيل ورسالة ، واعطاها الناشر اسما ملتبسا هو "من قصص الاطفال" لانه لا علاقة لها بادب الاطفال الا حقيقة ان الكاتب اهداها لطفله كريم ، فلعل الكاتب هو الذي اراد لمجموعته ان تحمل هذا العنوان تمويها وتتويها للرقيب كي لا ينتبه للمحتوى السياسي الذي قد يعرقل صدور المجموعة ، رغم ان صدورها كان في ذات الزمن الذي تبوأ فيه مركزه كامين للفكر، المشكلة ان هناك ناقدا اسمه سليمان كشلاف ، انخدع في هذا الاسم ، وكتب عن المجموعة مقالا شن فيه هجوما كاسحا على كاتبها المتهتك الذي يكتب بمثل هذا الاسلوب الصفيق على الاطفال او يخاطبهم بهذا الاسلوب المجافي للادب والاخلاق ، واذكر ان المقال استفزني الى حد ان قمت بالرد عليه في احدى الندوات ردا عنيفا ، استهجنت فيه ما كتبه الكاتب الذي استغربت كيف يكون ناقدا ثم يفوته انها رغم العنوان ليست قصصا للاطفال ، واعتبرت نقده للكتاب اساءة لمهنة النقد الادبي التي ينسب نفسه اليها ، وهو موقف اورثني خصومة ذلك الناقد ، وظل يناصبني العداء ويهاجمني في كتاباته الى ان انتقل الى رحمة الله ، اقول هذا الكلام في سجل الايجابيات للمرحوم صادق النيهوم واتخذه دليلا على صدق محبتي لابداعه وانتاجه الادبي، معبرا عن يقيني انه لو واصل طريقه في مجال الابداع الادبي والقصصي ، لفاز العالم العربي بكاتب مبدع من قماشة نوابغ الادب الذين وصلوا الى جائزة نوبل، مثل محفوظ وسوينكا من افريقيا.

حدث بعد ان حقق صادق النيهوم هذه المكانة العالية، ان قامت الثورة في العام التاسع والستين ، واقامت في العام الموالي لظهورها ندوة عامة بمشاركة اعضاء مجلس قيادة الثورة حيث ظهر فيها صادق النيهوم محاطا بالتقدير والاحترام ، مستقطبا كلمات الاطراء والتبجيل من اعضاء المجلس ورئيسه باعتبار انهم كانوا يقيمون في بنغازي حيث مكان دراستهم وعاصروا ظهور قلم صادق النيهوم وسط حفاوة الناس واستقبالهم الكاسح له ، عدا ضابط واحد من اعضاء مجلس الثورة ، اشتهر بان له ميولا ماركسية ، كان يناقش النيهوم من منطلق مناقض لافكاره ويرى في طرحه شيئا من الانتهازية والرجعية، مما اعطى للصادق النيهوم فرصة ان يستنفر مهاراته في النقاش  وعرض الافكار ليفوز في منازلاته مع هذا الخصم المسلح بقوة السلطة ، واتاحت تلك الندوة للصادق النيهوم ، ان يكرس نفسه في دور اخر وشخصية رابعة او خامسة غير شخصياته التي ضمن الحصول عليه ، هي شخصيته كمحاور ومناقش وصاحب سحر وجاذبية في الالقاء ، وجرأة في الطرح ، وربما اضافت اليه تلك الندوة شخصية سادسة او سابعة ، هي شخصية الرجل السياسي ، وهي الصفة التي خولته فيما بعد ان يحتل منصبا خطيرا في النظام الجديد ، وهو منصب لا يعطى عادة وفي انظمة ثورية اخرى الا لكبار اعضاء التنظيم الثوري الذي قام بالثورة ،واعني به منصب امين الفكر والدعوة والتثقيف في التنظيم السياسي الوحيد المخول بوضع السياسات وادارة البلاد على المستوى الشعبي وهو الاتحاد الاشتراكي العربي . وهي ندوة لم احضرها لانني كنت اتابع دراستي في لندن ، الا انني كنت اقرا التغطيات الصحفية التي تنشرها الصحف الليبية عنها واتسقط اخبارها وما دار فيها من اقوال الليبيين القادمين الى بريطانيا ، وكان طبيعيا ان يتم في تلك الندوة انتقاء عدد  من الشخصيات التي اصبحت من اعمدة النظام الثوري الجديد وكان في مقدمة هذه الشخصيات الكاتب الكبير الاستاذ صادق النيهوم .وعندما استلم النيهوم منصبه الكبير في الاتحاد الاشتراكي كنت قد عدت الى طرابلس وكان المنصب قد استدعى منه الاقامة في طرابلس بعد ان كان مقيما في هلسنكي ، او عائدا في زيارات موسمية الى مدينته ومقر اهله بنغازي . وصار منظرا مألوفا ان نرى صادق في مظهره الذي لا يتغير مرتديا بنطال الجينز وبلوفر رمادي طويل العنق شتاء ، او اخر صيفي اقرب الى التي شيرت في غير الشتاء ، وقد اطال شعره في اعتدال ودون ان يبقيه مشوشا مهووشا ، انيقا رغم ملابسه الكاجوال ، حليق الوجه دائما ، كثير الابتسام ، شديد الترحيب والتواضع عند اللقاء مع محبيه او من يصادفه من المعجبين ممن يتقدمون لتحيته ، وكان يقيم في ذلك الوقت في اقامة فندقية من الدرجة الفاخرة ، دارة صغيرة عبارة عن غرفة وصالون وشرفة محاطة بالارض المعشوشبة بمدينة الاندلس السياحية قريبا من بحر قرقارش ، وكان كثيرا ما يستقبل الاصدقاء والمريدين هناك ، وقد زرته في تلك الاقامة اكثر من مرة ، لاجده محاطا بهؤلاء الاصدقاء والمريدين ، وهو يتخذ مجلسه على العشب امام دارته الصغيرة ، متربعا فوق الارض وسط  الحلقة التي يصنعها هؤلاء المريدون ، ذكرني بما كنت اراه حيا او منقولا عبر الشاشة الصغيرة ، من منتجعات وجلسات الهيبيين في بريطانيا ، ينفث رئيس تلك الحلقة واستاذها ، الدخان الابيض من سيجارته ، ويتوغل في المتاهات التي ينقلها اليه خياله المدعوم بطاقة العشب المخلوط بالسيجارة ، لا يكاد يشاركه احد الكلام ، لانه لا يريد ان يقطع هذا الاسترسال الجميل الفاتن ، وهذه الافكار التي تنساب على لسان قائلها بصوته الجهوري الخلاب، واسلوبه البارع في الالقاء ، وطريقته المسرحية في الاداء والحركات التي لا يقدر عليها الا كبار اهل التمثيل ، مسيطرا بهذه الافكار والملكات على اسماع وانظار وعقول وقلوب السامعين ، فلم يكن غريبا ان نقرأ في تلك الفترة من مطلع السبعينيات المقالات الكثيرة في الصحف التي تشير الى ما اسماه صديقنا الدكتور خشيم "الظاهرة النيهومية" قاصدا مقلديه في الكتابة , وتشير مقالات اخرى الى مقلديه في الحياة سلوكا ولباسا واسلوب حياة ، وقد تأثر مراسل صحيفة الساندي تايمز بمثل هذا المشهد اثناء زيارته له في تلك الاقامة الفندقية الاندلسية ، وكتب مقالا في الملحق الملون لتلك الصحيفة  في  احد اعدادها عام1973عن يوم قضاه صحبة صادق يصور فيه مارآه ، ونقل لقرائه ما حدث عندما كان يجلس قرب حوض السباحة مع صادق وداهم المكان شرطي يطارد الشباب من ذوي شعر الرأس الطويل ، ليزج بهم في سيارته ويأخذهم الى حلاق الشرطة يقص لهم شعورهم ، واراد الشرطي عندما راى صادق بذلك الشعر الكثيف الطويل ، ان يقبض عليه ، فلجأ صادق الى تقديم مشهد كوميدي ، هو ان يجري امامه على اربع مرسلا ثغاء مثل الخروف ، قائلا ، باع ، باع ، باع ، انا خروف ، باع ، باع ، باع ،انا خروف وهذا الشرطي يريد ان يجز فروتي ، واثناء ذلك يقول الصحفي حضر ضابط يتبع الجيش ، ويحمل مسدسا ، هو يوسف الدبري صديق النيهوم ، فطرد الشرطي ، واطلق الصحفي الانجليزي  على صادق تلك الصفة التي يطلقونها  هناك على امثاله من اصحاب السلوك المتحرر الذي يعبث بتقاليد المجتمع ، هي صفة " الهيبي" ،  واشار اليه في واحد من عناوين المقال " الهيبي الغامض وراء معمر القذافي " ولاشك ان الصحفي اخطأ مرتين في هذا العنوان ، فهو حتى وان صدقت عليه صفة الهيبي ، فلا وجود لغموض حوله ، باي مقياس من المقاييس ، والخطأ الثاني ، انه لم يكن وراء القذافي ، ولكنه كان امامه وبين يديه ، يتلقى في ذلك الوقت توجيهاته باعتباره مسئولا اعلى في تنظيم سياسي يعمل الصادق مديرا للدعاية والعلاقات العامة فيه ، هو الاتحاد الاشتراكي العربي .

المهم ان مسار صادق النيهوم ، اختلف كثيرا بعد الثورة ، واختفت باختفاء صحيفة الحقيقة تلك المقالات اللاذعة ذات اللسعة الحارقة التي كان يكتبها كل اسبوع ، ولم يعد لمواصلة تفسيره الرمزي للقران الكريم ، وكان كل ما صدر له اثناء تقلده لمنصبه كامين للفكر ، كراس صغير طبع طبعة محدودة لا تزيد عن مائتي نسخة ، كتبه في اطار مسئولياته الوظيفية اسماه "نقاش "  لتوزيعه على كبار المسئولين في الدولة وتنظيمها السياسي ، وهو يحسب في حساب حسناته السياسية ، لانه كان يرد فيه على افكار كانت مطروحة في اطار نهج الثورة الذي رسمه مجلس قيادتها وحدده الاعلان الدستوري بان القرأن هو شريعة المجتمع ، وتبعا لذلك فلابد من تطبيق الحدود والاخذ في القضاء بالعقوبات المنصوص عليها في القرآن مثل الجلد وقطع اليد ورجم الانسان حتى الموت  في حالات الادانة بالجرائم التي تستحق هذه العقوبات ، وقد وقف صادق موقفا معارضا لمثل هذا التفسير والتطبيق واصدار مثل هذه الاحكام في دولة تنتمي للعصر الحديث ، وكان هذا موضوع كراس النقاش مستخدما مرجعية من القرآن نفسه في الدفاع عن افكاره قائلا بان القرآن الذي نص على هذه الحدود ، نص في ايات اخرى على العفو والاصلاح مع التفضيل لمثل هذه العفو خاصة في تلك الاية التي تتصل بقصاص القتل ، باعتباره العقوبة الاقصى ، عندما جاء في كلام الله سبحانه وتعالى " فمن عفى واصلح فأجره على الله " وهناك مساحة بين العفو والاصلاح ، وعقوبة اقامة الحد ، هي عقوبة السجن التي كان يقترحها كبديل لا يتناقض مع شريعة المجتمع.

اما في مجال الابداع الادبي فلم يعد ابدا لكتابة مثل تلك القصص القصيرة التي دشن بها طريقا جديدا في القصة باضمومة "من قصص الاطفال" وكان كل ما انجزه روايتين صغيرتين جدا ، ينتميان للادب الرمزي ، ويحاكيان رواية جورج اوريل المسماة "مزرعة الحيوانات" ، احدهما محدودة القيمة اسماها الحيوانات واخرى اكتملت لها عناصر القوة والمتعة اسمها "القرود" ، وقد عاد ولفترة قصيرة بعد ان ترك منصب امين الدعوة، لكتابة عدد من المقالات بدعوة من مجلة بيروتية سناتي على ذكرها لاحقا .  اما الان فساقف عند محطة لها علاقة قوية بشخصيتنا في هذا السياق ، وهذه المحطة هي المؤتمر الاول للادباء في عهد الثورة المنعقد في فندق الجزيرة في مدينة بنغازي في مطلع عام 1973وحضره صادق النيهوم وافتتحه قائد الثورة ، وكنت بحكم منصبي في ذلك الوقت كمدير لادارة الفنون والاداب ، من قام بتنظيم المؤتمر والاشراف عليه ، وقد اشار الزميل الروائي ابراهيم الكوني في الكلمة التي القاها في احتفالية المكتبة الوطنية بصادق النيهوم الى هذا المؤتمر ولفت الانتباه الى حادثة الصدام وسوء الفهم  بين صادق النيهوم وزملائه الادباء في ذلك المؤتمر وهي الحادثة التي يصفها الكوني بقوله " استطيع ان أقول  ان سوء الفهم ذاك القى بظلاله الثقيلة على علاقته بالوسط الثقافي منذ ذلك التاريخ حتى ساعة رحيله " وخلاصة ما حدث ان صادق النيهوم  نهض اثناء جلسة من جلسة المؤتمر ، وتكلم بصفته امينا للدعوة والفكر والتثقيف بالاتحاد الاشتراكي ، داعيا اعضاء المؤتمر للانضمام جميعا الى هذه الامانة، وهو الامر الذي اعتبره بعض اعضاء المؤتمر اشبه بشغل المقاولات يقوم به كاتب كبيرلحساب التنظيم السياسي الوحيد في البلاد ، وكان يستطيع بدلا من هذا الاسلوب المقاولاتي ، ان يوزع نموذجا صادرا من امانته يرحب فيه بمن يرغب الانضمام للعضوية بشكل فردي ، وكما ذكر ابراهيم الكوني ، فقد تصدى له في تلك الجلسة كاتب يحظى باحترام الادباء لنضجه وسنه وكفاءته هو الاديب الراحل عبد الله القويري ، قائلا بان الادباء الليبيين الذين انخرطوا في المشروع الثوري ، وكان لهم فضل التبشير به قبل ميلاده ، ليسوا بحاجة الى مثل هذا التوظيف او هذا الالحاق . بالنسبة لي ، فساشير الى موقف اخر غير الموقف الذي استحضره الكوني في كلمته ، موقف لا اهمية له، في السياق العام للمؤتمر، لانه جزء من نقاشات دارت عبر يومين اوثلاثة ايام ، لا يستحق الوقوف عنده الا لما يحمله من دلالة، اثارث انتباهي في تلك اللحظة ، فقد اخذ النيهوم ناقل الصوت يدلي برأيه في الموضوع المعروض ، كغيره من اعضاء المؤتمر ، وكعادته في الاستطراد ، واستنباط الافكار بطريقته الطريفة التي تفاجيء المستمعين ، عرج على ذكر الصلوات الخمس ، قائلا ان هذه الصلوات التي يفرضها الدين الاسلامي على اتباعه ، لا يجب النظر اليها كواجب او تكليف يؤديه الانسان ، وانما كمكافأة يقدمها الله لعباده كل يوم خمس مرات ، وهو امر يجب ان يكون مصدر غبطة وفرح وامتنان من كل انسان ازاء هذه الهدايا اليومية الالهية . كلام جميل دون شك ، لكنني اذكر انني تلقيته بمزيج الدهشة والاستغراب وهو يرد على لسان صادق النيهوم ويقوله بانفعال وحماس واستغراق ولهجة من يقول ليس في الجبة الا الله ، وكانت سببا لكي اراجع موقفي من افكار هذا الكاتب الصديق واطروحاته الفكرية ، وكيف يخلط بين ما يقوله عن ايمان واقتناع ، وبين ما يقوله لمجرد الاستهلاك والكلام المجاني ، لعلمي بان الصلاة التي يتكلم عنها بهذا الحماس والاكبار، ليست جزءا من ممارساته ، واذكر انني بعد سماعي لقوله هذا ، ولكي اقطع الشك باليقين ، سألت كل من كان لصيقا بصادق النيهوم، عارفا ببرنامجه اليومي في بنغازي ، من اعضاء المؤتمر ، ان كانوا قد رأوا صادق يدخل مسجدا , وعرفت منهم ان احدا لم يره يمارس شعيرة الصلاة داخل المسجد او خارجه ، وكان يجاهر في كتاباته قبل ذلك بعدم ارتياحه للفقهاء وخطباء المساجد ، وكان طبيعيا ان اجد كلامه غريبا لانه لم يكن مرغما ان يقول مثل هذا الكلام ، ولا موجب او مناسبة لقوله ، ولا حاجة لرجل مثله ان يقول كلاما طالما لا يؤمن، به ولا يتطابق من بعيد او قريب مع سلوكه وممارساته . وكما قلت كانت هذه جملة عابرة ، اضاءت لي جزءا من شخصية صادق ، التي يأخذها الاداء المسرحي والانجذاب خلف الفكرة الى الحد الذي ينسى معه نفسه وينسى انها تتناقض مع سلوكه في الحياة ، ولكن كلمة اخرى ، او بالاحرى مفردة وحيدة واحدة ، حافظ النيهوم على الالقاء بها في المنتديات السياسية وامام القيادات الثورية والعسكرية، لم تكن تأتي في حديثه عرضا ، وانما عن سبق اصرار وترصد وتصميم ، وبالحاح ومثابرة وتواتر ، منذ ان جعلها منطلقا لملاحظاته في ندوة الفكر الثوري ، هي مفردة "الشورى" باعتبارها تشير الى المنهج الديمقراطي الاسلامي الذي يجب ان يكون بديلا لكل توجه ديمقراطي او ليبرالي اخر ، لان كل التوجهات الاخرى ذات مصدر اجنبي غربي عدا هذه الشورى التي يبشر بها ويدعو اليها اينما ذهب وفي اي منتدى تكلم .وكانت تلك المفردة التي لا يعقب عليها بشرح او تعليق اوتفسير،والتي صارت في فمه علكة يمضغها في كل مجلس واجتماع ، توقظ في ذهني اشارة استفهام عما اذا كانت لصادق النيهوم اجندة غامضة لاستخدام مثل هذه الكلمة الملتبسة ، التي لا نعرف لها تفسيرا ، ولم يقدم الاختصاصيون لها شرحا مقتبسا من التاريخ الاسلامي ولا يعتبرونها اكثر من كلمة ينفع تطبيقها على اي شكل لا ينفرد فيه الحاكم بالسلطة ، ومحاولة مني مرة ثانية لقطع الشك باليقين قمت بالبحث في كل المصادر المعتمدة كي اجد ما يجسد هذه الكلمة في شكل او نظام تم تطبيقة في اية دولة من الدول يكون مرجعا يمكن الاهتداء به في فهمها فلم اجد ، وعندما اعادها في بعض مداولات مؤتمر الادباء وجدتها فرصة اثناء لقاء خاص في احدى غرف الجزيرة ، لاوجه له سؤالا واضحا عما اذا كان في ذهنه مفهوم واضح لهذه الكلمة ، طالبا ان يشرح لي ما يقصده بهذه المفردة التي يقولها بهذا الالحاح والتكرار دون ان يسعى في يوم من الايام لتقديم تصور عملي لها ، لانه لا وجود في الحقيقة لمثل هذا التصور العملي لديه او لدى غيره ، فهي كلمة اقترنت ببداية الدولة الاسلامية ، التي بدأت دولة قرية ، يقودها نبي كريم يتلقى الوحي من رب الكون ، وكان هذا النبي من السماحة والاريحية والتبصر بان يستشير صحبه ورجال عصره في تلك الشئون التي قال عنها في حديث شريف يخاطب به قومه "انتم ادرى بشئون دنياكم" وورد ذكر الشورى في  القرآن الكريم في هذا السياق ، ولم ترد باعتبارها مصطلحا كما يوحي بذلك كلام النيهوم ، ولم يكن مفهوما في ذهني سبب الحاحه على هذه الكلمة ، حتى بعد ان سالته ولم يفدني باية اجابة عنها ، بل ربما زاد ذلك في حيرتي ، اذ ظل بعد ذلك اللقاء يرددها ، وحدث ربما بعد سبع سنوات من هذا التاريخ ان تم لقاء اخر للأدباء في وقت تبدلت فيه الظروف ، وفي معسكر تثقيفي في جنزور،  شاركت فيه بالقاء محاضرة عن الفنون كما فعل ذلك النيهوم والاستاذ المصراتي وغيرهما، وجمعتنا حلقات نقاش مختلفة ، ادار احداها صادق النيهوم ، تعرض فيها النقاش لمبدأ الشورى ، واعترف صادق النيهوم ، وكنت موجودا اتبادل معه نظرات الدهشة ، انه لا وجود لتصور محدد او نظام مكتمل لما نطلق عليه الشورى ، وتساءلت عندما جاء دوري في الكلام قائلا الا يحق لنا ان ننسب الى الشورى كل نظريات الحكم التي تجعل من الشعب مرجعية لها ومصدرا للسلطات ، وتعتمد في ذلك على مجالس تشريعية وشعبية ومؤسسات برلمانية وهيآت حكم محلى او مركزي او فدرالي ، تعتمد في اختيار المواطن لمن يتولى المسئولية ويدير الشأن العام ، نعم ، كان ما اراه، ان الشورى مبدأ اوسع لا يضيق بهذه الانظمة الديمقراطية الموجودة في الشرق والغرب من ديمقراطية اثينا المباشرة ، فيما قبل الميلاد ، الى الماجنا كارتا في بريطانيا التي وضعت حدا للحق الالهي للملوك ، بل ان هناك مجالس برلمانية وشعبية في دول عربية واسلامية تطلق على نفسها مجلس الشورى , ولا خطأ ولا تناقض مع الشريعة في ذلك ، فمن اين افترض صادق النيهوم في الاطروحات التي بدأ بتقديمها منذ ندوة الفكر الثوري هذا التناقص بين الشورى وبين الديمقراطية الدستورية البرلمانية ، وقبل ظهور النظرية الشعبية الجماهيرية في الحكم ، لنقول ان الكلام كان تمهيدا وتبشيرا بهذه النظرية . لا ادري وهو يعترف في ذلك المؤتمر بعدم وجود شكل لتلك الشورى التي شغل بها الرأي العام ، أن كان الرجل قد استنفد اغراضه وقضى مصلحته وانهي تنفيذ الاجندة التي سعى اليها ام لا ، لانني لا اصدق ان غايته لم تكن الا الابهار والاثارة والظهور بمظهر الموالاه لافكار الثورة ذات المنحى الايماني الاسلامي ، كما لا اشارك من يقول ان الاجندة بالنسبة لهذا الذي عاش متشردا في هلنسكي يعابث  كما كان يكتب في مقالاته باعة  السجق المتجولين ويحاول ان يحصل منهم على وجبة غذا او عشاء، هو النفاذ الى خزائن الدولة الجديدة لوضع بعض الملايين في ارصدته يعيش بها مليونيرا في عواصم الغرب، وهو ما حدث دون وجود دليل قاطع عما اذا كان هو الذي سعى الى هذه الملايين ام هي التي سعت اليه.

خلال توليه لمنصبه الخطير في الاتحاد الاشتراكي العربي ، حافظ صادق النيهوم على مظهره المتقشف الفقير، وملابسه الكاجوال التي صارت جزءا من شخصيته الى آخر عمره ، وقد اعطاه هذا المظهر "الهيبي"صورة الرجل الزاهد في السلطة والجاه والمال، وقد اشار ذات مرة الى لباسه المتكون من بنطال وكنزة صوفية خشنة ، وكنت واقفا اسمع ما يقوله ، الى انه لا يملك من حطام الدنيا غيرهما ، وربما قطعتي غيار لهما ، ولا يريد ولا يطلب من احد اكثر من ذلك ، ولكن الدولة اغدقت عليه فيما بعد ما جعله يصعد الى مصاف واحد من اغنياء العالم .

يقول صديقه ابراهيم الكوني ، انه سافر عندما ترك امانة الفكر، للاقامة في بيروت ، ولا ادري شخصيا الظروف التي قادته الى مغادرة البلاد ،  ربما كان احداها انه لم يكن يجد نفسه في هذا المنصب السياسي وهو منصب  امين الفكر ولم يكن – حسب اعتقادي الشخصي – مرتاحا للرجل الذي كان امينا عاما للتنظيم  وهو ضابط  من ضباط الجيش  عمل قبل انتسابه للجيش مدرسا بالمدارس الابتدائية ،ولا اعتقد ان مستواه الفكري غادر هذه المحطة، الى ان تم عزله اثر احدى المؤمرات في منتصف عام 1975 ، وترجيحا يمكن ان يكون اختياره للاقامة في بيروت ،علاقة بالمشاريع الصحفية الاعلامية التي تاسست بتمويل ليبي هناك ، وكانت تحتاج بالضرورة لرجل له علاقة بالتنظيم السياسي الحاكم يتابع ويشرف ويراعي سياسة الدولة الممولة في التنفيذ ، ومن هذه الدور الصحفية دار السفير ، ودار الكفاح العربي ، ودار بيروت المساء ، ودار المسيرة للنشر ذات الاتجاه الناصري ، ومعهد الانماء العربي ، ودور ومؤسسات صحفية واعلامية اخرى تابعة لاحزاب تقدمية ومنظمات فلسطينية نشات بعون ودعم من ليبيا مثل الاتحاد الاشتراكي والتنظيم الناصري وغير ذلك من احزاب وتنظيمات ، وقد اعادته هذه الرحلة البيروتية الى القلم الذي هجره بضع سنوات ليكتب لاحدى المجلات ولعلها مجلة الاسبوع العربي في عهد رئيس تحريرها الراحل اسعد المقدم ، عددا من المقالات وضعته لاول مرة خارج الاطار المحلي الذي تمتع فيه بالصيت والشهرة ، ولاشك ان لتلك المقالات فضل تعريف القاريء اللبناني والقاريء في المشرق العربي بوجود هذا القلم البديع الساحر الذي جاء باسلوب مبتكر حصر عليه وحده ، واكترى له دارا هناك ، ولعله كان ينوي اقامة طويلة في بيروت لولا ان افسدت عليه هذه الاقامة، وقبل اكمال عامه الاول، حرب شرسة بائسة باشرت بالتهام ذلك المشروع الليبرالي الجمالي التنويري الذي اسمه لبنان السبعينيات ، كما لا ادري شيئا عن طبيعة المضايقات التي ذكر صديقه ابراهيم الكوني انه تعرض لها هناك قائلا بان مبعثها الحسد والغيرة ، الا ان المفاجأة الكبيرة بالنسبة لمتابعي صادق النيهوم ، هي ان ذلك الزاهد  المتقشف ، صاحب المظهر الفقير والمبدأ البسيط في المعيشة  مثل ناسك هندي ، يدخل مع الدولة في صفقات تجارية ذات طابع ثقافي ترصد له عشرات الملايين من الدولارات ، في وقت كانت فيه العشرات تعادل المئات بمقاييس اليوم ، وينتقل من حياة الزهد والتقشف ليعيش في مدينة جنيف اغلى حواضر العالم في ذلك الوقت ، حياة يعجز عن المداومة عليها عتاة المليونيرات ، لانها تحتاج لمدد من الملايين لا ينفد ، وكان هذا المدد طوع بنانه وتحت تصرفه وهو ينشيء داري التراث والمختار ، ويصدر موسوعات تاريخنا وتراثنا وعالمنا وصحراؤنا واطفالنا ووطننا واطلس الرحلات وموسوعة الشباب المصورة وبهجة المعرفة وغيرها من اعمال، وينتج لحساب القوات المسلحة الليبية برنامج الجيش المسلح وبرنامج لكي لا ننسى ليتم عرضهما في الاذاعة المرئية وينتج لهذه القوات موسوعة السلاح المصورة ويترك النيهوم الكتابة خلال هذه السنوات التي امتدت لاكثر من اثنثي عشر عاما ، اي منذ انتقاله الى جنيف عام 1976والى عام 1988 عندما صدرت في لندن مجلة الناقد ليستانف مع اول اعدادها رحلته مع الكتابة من جديد ، وتفرغ قبل هذه العودة للكتابة، تفرغا كاملا لاعمال شركاته مشرفا اداريا وماليا وعلميا على اصدار هذه الموسوعات التي كان كثير منها لحساب كليات عسكرية محلية ، ذات كلفة غالية بسبب ما تحتاجه من طباعة راقية ورسوم توضيحية بالالوان ، وسمعت من معاون له من لبنان هو الصديق الاستاذ زهير الشريف ، الذي انتقل من بيروت للعمل والمعيشة مع صادق في جنيف ، لتولى الشئون الادارية في شركاته ، وهو موجود الان على قيد الحياة ، ان التحويلات كانت تتواتر من ليبيا وفاء للصفقات التي كان يعقدها صادق ، وانه اقترح عليه استثمارها في شراء اصول ثابتة تامينا لمستقبل الشركة ، وذكر بالتحديد حادثة المطبعة التي تطبع فيها شركة النيهوم الكتب والموسوعات في سويسرا ، حيث كانت معروضة للبيع ، ووصل كما يقول السيد زهير الشريف تحويل للشركة قيمته ثلاثة عشر مليونا من الدولارات ، يغطي ثمن شراء المطبعة ، فابلغ صادق بان فرصة شراء المطبعة ، ستكون صفقة رابحة لانها توفر للشركة مصدرا دائما للتمويل وتحقيق الربح ومكانا لطبع اعمال الشركة ، التي لن تعجز عن جلب مزيد من الاعمال لتشغيلها ، ويقول ان الفكرة اعجبت النيهوم وتحمس لتنفيذها ، الا انه في اليوم التالي تراجع ، وسط دهشة العاملين الذين كانوا يؤيدون الفكرة ، ولم يعرف الاخ الشريف السر في هذا التراجع الا فيما بعد ، عندما عرف بما حصل لرجل آخر اقام بعض المشاريع المماثلة في ايطاليا بتمويل ليبي هو الاستاذ الكاتب محمد بازامة رحمه الله ، وفي لحظة خصام مع جهة رسمية ليبية ، جاء من شركة الاستثمار الخارجي من استولى على المطبعة والمكتبة والمخازن التي يملكها باعتبار ان الرجل انشأها باموال ليبية ، ولم يكن صادق يريد ان يتكرر معه ما حدث لزميله ، فوضع الاموال في اصل ثابت ، يجعل من السهل الاستيلاء عليها ، في حين يصعب الوصول اليها اذا بقيت اموالا . ويؤكد كل من زار الاستاذ صادق في جنيف ، وعرف عن قرب اسلوب معيشته ، انه كان كريما مع الجميع ، يقوم باستضافة شركائه في العمل ويصرف عليهم بسعة ، واقول شركائه اشارة الى بعض الشركاء المؤقتين الذين تقتضي وجودهم بعض الصفقات فالصفقة احيانا لا تعقد الا اذا وضع مسئول الجهة التي تقوم بعقدها  وتمويلها احد اقاربه او صحابه  ليكون شريكا في جني الارباح ، ولم يكن ممكنا لصادق النيهوم ،حرصا منه على مرور الصفقة، الا ان يقبل بهذا الشريك الذي سيشاركه في ارباحها ويمضى بعدها الى حال سبيله ، ويروى عنه انه كان يحتفظ ببيتين ، بيت لاسرته وحياته الخاصة ، وبيت لاستقبال الضيوف والاصدقاء والشركاء ، ربما كان ملحقا او قريبا من مقر العمل ، ولابد من التعرض هنا لمسألة مهمة في حياة صادق النيهوم ، وكانت سببا رئيسيا للتعجيل بموته وهو في السابعة والخمسين من عمره، وياتي ذكرها هنا بلا حرج ، لان صادق النيهوم نفسه لم يكن يتحرج من ذكرها ، بل يعتبرها مصدرا من مصادر الالهام وتحريك الخيال ، وقد ذكر في اللقاء الصحفي الشهير الذي اجراه معه ابراهيم الكوني عام 1969عندما سأله عما يحب ، انه يحب باعة النبيذ وباعة الحشيش ، وهو موضوع حديثنا ، وهذا الحشيش الذي قد يوحي ذكره بالتحريم والتجريم في ثقافتنا وتشريعاتنا ، يباع لمستهلكيه على الارصفة في بعض البلاد الاسكندنافية ، دون تحريم ولا تجريم ، حاله حال حشائش اخرى يشتريها الناس للعلف او للطبخ ، ويعتبره اهل الفن هناك ضرورة لممارسة الفنون ، وهي اجواء ومجتمعات تربي بداخلها النيهوم وتأثر بها واكتسب من اهلها هذه العادة التي تحولت معه الى ادمان ، لقد ولد صادق النيهوم وقضى اعوام طفولته في حي في بنغازي اسمه سوق الحشيش ، واستطاع وهو يصل سن النضج ان يؤسس هذه العلاقة بين اسم هذا الحي وبين المادة التي تشترك في الاسم معه ، علما بان الحشيش في اللهجة الدارجة غالبا ما يشير الى الاعشاب وبالذات عشبة الشاي ،  ولعله لم يكن ليكتب ما كتبه من مقالات ، وينتج ما انتجه من افكار لولا هذه الاعشاب ، وكان بعض من يقصدونه في جنيف يجدون فوق الاكل والشراب والاقامة فائضا لا ينفد من هذه الاعشاب السحرية لمن يحب ان يتعاطاها رغم ما تحتاجه من اموال طائلة لشرائها ، واذكر انه كان اثناء اقامته في طرابلس في مطلع السبعينيات ، يواجه احيانا ازمة في امداده بهذه المادة ، وفاتحني ذات مرة ، ان كنت اعرف احدا يعينه على وجود كمية من تلك الاعشاب لانها نفدت منه ، ولم يات ذلك الطلب بسبب حميمية العلاقة ولكن بسبب قوة الازمة التي خاطب بشأنها كل من يعرفه ، بامل انه كلما اتسعت الدائرة كلما كانت الفرصة في العثور على مطلبه اكثر قربا للتحقق ، وكان فعلا كئيبا فارقته الابتسامة الى الحد الذي جعلني ابحث بين اصدقاء في الوسط الصحفي خاصة من الخبراء القادمين من دول مجاورة  من ذكرني بوجود كمية ضئيلة متبقية من سهرة قديمة ، فاخذت الصادق في سيارتي ومررنا علي بيتي لاخرج له تلك القطعة الصغيرة التي رفعت عنه الكآبة واعادت الابتسامة والبشاشة الى وجهه وقد قلت ان هذه الهواية تسببت في التعجيل بموته ، ولكن ليس بشكل مباشر ، فهى لا تقتل الذين يتعاطونها باشكال اخرى مثل صديق كان يقوم بطهيها مع الشاي مازال عائشا رغم انه اكبر سنا من النيهوم ويتعاطى هذه المسائل لاسباب طبية منذ امد اقدم من النيهوم ، فالشاي كان بالتأكيد اسلوبا اكثر امانا من الاسلوب الذي اختاره صاحبنا وهو تفريغ لفافات السجائر من تبغها فوق صحيفة يضعها فوق حجره او فوق طاولة امامه ثم يخلط ذلك التبغ بفتات الحشيش واعادته الى اللفافة بعد تنقيتها من اوراق التبغ الخشنة ، الى ان يصنع منها علبة  او علبتين مليئتين باللفافات يستهلكهما مع اصدقائه ،  حتى يحين موعد تعبئة اخرى فور نفاد تلك اللفافات ، وتكاد صورته في ذهني عندما استحضرها اليوم ترتبط ارتباطا كاملا بذلك المشهد الذي يعكف فيه صادق على تعبئة اللفافات لانه اكثر الصور التي رايته فيه تكرارا واكثرها التصاقا بالذاكرة ، وكان يسرف اسرافا كثيرا في تدخين هذا النوع من السجائر ولا شك ان للثراء الواسع الذي اصابه دخلا في مضاعفة استهلاكه منها ، ويذكر لي صديق عاش معه في لندن ابان اعداد برنامج الشعب المسلح ، وشاركه الاقامة في منزل واحد ، هو الاعلامي الكبير الاستاذ عبد الفتاح الوسيع ، ان النيهوم كان يصحو من نومه ليتناول لفافة تبغه على الريق مع فنجان الشاي وقبل ان يضع في معدته لقمة واحدة ، وهذه السجائر وما فيها من تبغ التي لم يكن يشربها حبا في التبغ ولكن فيما امتزج بها ، هي التي اهلكت رئة الاديب ، الى حد اجراء عملية لبتر الرئة عندما اصابها المرض الخبيث، وما تبقى من تلك الرئة لم يكن قادرا على المقاومة اكثر من عامين ، فنفذ اليه المرض مرة اخرى ليعيش ايامه الاخيرة على التنفس الصناعي ، واذكر انني قمت باتصال به عندما علمنا بوجوده مريضا في جنيف مع بعض الاصدقاء بينهم الفنان الاستاذ احمد فكرون عن طريق الهاتف من الفندق الكبير ، ولم يكن يستطيع الرد علينا مباشرة ، وتم ابلاغنا بمعاودة المهاتفة لانه يرغب في الحديث الينا ، ربما لانه كان لابد ان ياخذ جرعة كافية من كمامات الاوكسجين ، وعندما لم نستطع  الحديث معه في مهاتفة ثانية ، تركنا صديقنا الفنان احمد فكرون يقوم بالمحاولة حتى استطاع ان يتكلم معه ، لينقل اليه تحياتنا وتمنياتنا له بالشفاء ، وينقل لنا وصية صادق وهو على فراش الموت وكانت هذه الوصية هي " ابتعدوا عن التدخين ".

ولانني لم ازر مدينة جنيف طوال سنوات اقامة النيهوم بها ، فلم يكن متاحا لي ان اقف على مستوى الحياة الذي يحياه الا من اخرين، ولكي لا يكون الحديث عن اسلوب معيشته الباذخ في جنيف ، رجما بالغيب ، لابد من ذكر هذه الحادثة الطريفة التي تشير الى هذا الاسلوب، علما بانني لا استنكر ولا استكثر على مثله من النوابغ ان ينعموا بارقى واعلى مستوى معيشي ، بدلا من ان يظل هذا الاسلوب وقفا على النصابين والافاقين الدوليين من رجال الاعمال مثل بطل كتاب المرحوم الطيب صالح المسمى المنسي ، بل ان النيهوم ليس فقط كاتبا نابغة ، وانما ايضا ينتمي الى بلد نفطي غني ، ومن حق هذا المجتمع الذي اجمع على حبه ، ان يترجم هذا الحب الى عطايا من المجد والمال تضاهي عطاء النيهوم من الفكر والابداع ، ومصدر العتب عليه الوحيد ، هو مظهر الزاهد المتقشف ، الصوفي ، الهيبي ، الذي اتخذه مظهرا للحصول على هذا الثراء كما يتهمه المناوئون له، وهذا المستوى المعيشي الذي يضاهي مستوى اصحاب الملايين . والحادثة الطريفة هي انني كنت في روما ، ازور صديقا مليونيرا يعيش هناك هو محسن الطمزيني ، وهو تاجر معروف وصاحب ثراء وشركات ، ويسكن قصرا فوق احدى هضاب روما ، يمتد عشرات الاف الامتار ، استضافني فيه ، واملك عرضا دائما منه ، بان اقيم في واحد من اجنحة القصر متفرغا للكتابة ، لم استطع في الماضي الاستفادة منه ، وهو الذي قال لي ان اسعد لحظات حياته هي التي يتحرر فيها من مشاغله وينتقل فيها الى سويسرا ليقضيها مع صديقه صادق النيهوم هناك والسهر ليلا في نادي شهير يسمى نادي المليونيرات يقع على التخوم الفرنسية السويسرية ، وعلى الجانب الفرنسي منها ، ثم فتح وانا اجلس بجواره هاتفا لاخينا صادق في جنيف ، يعتذر له عن تاخره في الذهاب اليه ، وفهمت من ردوده ان الصادق يعاتبه لان شلة اصدقاء النادي يفتقدونه ، ويريدون الا يتخلى عن مواصلة السهر معهم  ، وقبل انتهاء المكالمة اخبر الطمزيني صديقه على الطرف الاخر ان بجواره صديقا يبلغه التحية هو احمد ابراهيم الفقيه ، فما كان من صادق ، الا ان قفل السماعة منهيا المكالمة ربما دون ان يرد التحية الذي ابلغني الطمزينى مجاملة انه ردها، لان صورته عائشا في مجتمع المليونيرات لم تكن هي الصورة التي يريد ان يعرفه بها زملاء مهنته من ادباء ليبيا ، بعد كل ما اشاعه عن نفسه من زهد وتطهر ، واقول هنا استدراكا وتصحيحا لاي انطباع خاطيء ،ان صادق النيهوم كان يفي بالتزاماته مع الدولة ولم يكن كغيره ممن اهتبلوا فرصة خروج الاموال بهذا الكرم الحاتمي من خزائن الدولة الليبية ، فاخذوها دون تقديم مقابل وانما جاهد وابدع واصدر للدولة كتبا وموسوعات ثمينة ستبقى على مدى الزمن مصدرا للمعرفة والتثقيف ويشهد كل من تعامل معه بانه كان دائما صادقا في وعوده كريما مع العاملين معه حريصا على ان ياخذ كل من عمل معه حقه كاملا ، بل كان قادرا على حماية هؤلاء العاملين لانني اعرف حالة رجل كان يتعاون معه  طاردته سحابة من الشك ، وجاءت الى صادق النيهوم اشارة امنية بان يبعد هذا المساعد من مساعديه من شركته  فتشبت به ودافع عنه وسعى لاقناع تلك الجهات بحسن سجل وكفاءة ذلك المعاون ، رافضا في اية دقيقة ان يتخلى عنه ويمكن لهذا الشخص الذي يعرف نفسه ان يتقدم لقول هذه الشهادة حول رقي ونبل المعاملة التي يعامل بها النيهوم العاملين معه ، وربما جاء امتناعه عن الكتابة الادبية والفكرية طيلة هذه السنوات ، كنوع من الالتزام بالعمل الذي تعهد بانجازه للدولة واستغرق فيه استغراقا كاملا ، الى حد نسى فيه حقه على نفسه ككاتب ومبدع وجنى جناية كبيرة على مواهبه وملكاته الفنية .

وتوضيحا لجانب عائلي في صورة النيهوم ، انقل ما قيل ان النيهوم ادلى به من حديث صحفي عن والده قائلا فيه ان اكثر فترة يقضيها معه هي خمس دقائق ، لغياب القضايا المشتركة بين الاب وابنه ، واريد ان اشكك في صدور هذا التصريح عنه الا اذا كان المقصود هو تلك العلاقة المحاطة دائما بالتحفظ بين الاباء والابناء في التربية الليبية ، لانني اعرف ان النيهوم كان قريبا جدا من ابيه الزعيم العمالي المكافح والرجل الوطني العنيد رجب النيهوم، خاصة ان له اما توفيت في مرحلة مبكرة من عمره وتزوج والده امراة كانت اما ثانية له منحته عددا من الاخوة والاخوات احاطوه بدفء حبهم وحنانهم طوال حياته ، وصار صادق بعد وفاة الام اقرب الى هذا الاب ذي الابعاد الانسانية الجميلة الخصيبة ، وهو اب بدأ حياته بحارا وصائد سمك ، مليء بالحكايات وروح الابوة ، في شخصيته ملاحة وطرافة ويتمتع بذكاء وقاد ،يمكن لكل من رآه وعرفه واستمع الى احاديثه الندية الطلية ان يدرك الدور الكبير الذي لعبته الجينات في توصيل هذا الذكاء وهذا الظرف وهذه الفصاحة لابنه صادق ، والصدفة وحدها جعلتني اقضي سهرة طويلة مع الحاج رجب ، عندما اجتمعنا في بداية اعوام الحصار الجوي في سفينة من السفن التي كنا نسافر بها كبديل للطائرة حيث قضينا ليلة في البحر، استهلكنا اغلبها في حديث ونقاش مع والد الصادق ، والحاج رجب هو صاحب الطرفة التي اشتهرت في مرحلة من المراحل ، والتي تقول ان المخ البشري ينقسم الى ثلاثة مناطق ، منطقة مسئولة عن انتاج الافكار ، ومنطقة ثانية مسئولة عن وضع الخطة ورسم التصور العملي لتنفيذها، ومنطقة ثالثة للقيام بهذا التنفيذ ، ونظريته تقول ان الله حرم الليبيين من وجود هذه المنطقة الوسطى اذ ليس في ادمغتهم غير المنطقة الاولى المسئولة عن انتاج الفكرة والاخيرة المسئولة عن تفيذها دون مرور بتلك المنطقة المعنية بالتخطيط ووضع تصور للتنفيذ ، ويضرب امثلة يقتبسها من حياته عندما تاتي فكرة رحلة يريد اصدقاء الدردشة في المقهي القيام بها الى منتزه سياحي او نقطة في الجبل تبعد مسيرة ايام، واذا باحدهم ودون تفكير قد احضر السيارة ليكون اعضاء هذه الجلسة بعد دقائق في الطريق الى قضاء تلك الاجازة، التي يضع لها البشر في بلدان اخرى خططا لتنفيذها بعد عام اواكثر، ولعل هذه الحكمة الطريفة تفسر كثيرا من المشاريع والاعمال العشوائية التي انعكست لا في سلوكنا وانما في سياسات الدولة نفسها ، هذه مجرد حادثة عابرة رايت اقحامها في رسم هذه الصورة عن الكاتب الراحل ، لانها تتصل بانسان جميل مكافح وزعيم عمالي مشهود له بالامانة والكفاءة وصاحب سجل مشرف في الكفاح عن رفاقه المنتمين للطبقة العاملة كانت تخشاه حكومات العهد الملكي وتعمل له الف حساب، هو والد صادق النيهوم الذي رحل عن عالمنا بعد ايام قليلة من رحيل ابنه النابغة .

سجل صادق النيهوم  في النزاهة وهو يتعامل مع الاخرين كان سجلا مجيدا كريما لا تشوبه شائبه  كما اسلفت ، حادثة واحدة ظلت بالنسبة لي اشبه باللغز لعلنا نجد لها حلا ذات يوم ، فقد توفرت لدى صادق النيهوم اثناء عمله في هذه الموسوعات الكثيرة عن ليبيا وتاريخها وتراثها ، رسوم كان يرسمها كما تقول التوقيعات الموجودة على بعضها، وكما يعرف اهل الاختصاص ممن كانوا قريبين من هذه الاعمال ، رسام انجليزي اسمه جاك كيسي ، ولعل ذلك الرسام الذي كان كبيرا في السن والتجربة ، قد استعان ببعض تلاميذه في التنفيذ والتحبير، وهناك كتاب انتجه صادق النيهوم عن جهاد الليبيين ، حمل لوحات للمعارك التي جاء ذكرها في الكتاب وورد فيه بوضوح ذكر جاك كيسي باعتباره الرسام الاساسي لتلك اللوحات ووردت اسماء معاونيه كما ورد اسم رسام ليبي بصفته كمستشار يرجع اليه هذا الرسام اذا ما احتاج لمعرفة تفصيلة لما يرسمه من مشاهد الليبيين مثل زخرفة في سرج او عقدة لم يحسن فهمها في ملابس شعبية لامراة او رجل ، وهو الرسام الاستاذ عوض عبيدة ، الذي اختاره الاستاذ صادق وعمل على جلبه من بنغازي الى لندن وجنيف حيث يتم تنفيذ هذه الاعمال . وبعد ان انتهى العمل في هذه المشاريع وتوفى الرسام جاك كيسي ، جاء صادق النيهوم الى طرابلس حاملا عددا من اللوحات المرسومة بطريقة اكاديمية كلاسيكية تقليدية تختلط فيها المدرسة التعبيرية بالرومانسية ، تماثل تماما تلك المرسومة في كراس مركز الجهاد الحامل لرسوم جاك كيسي  واضعا اسمه لا على اللوحات فقط وانما على غلاف الكتاب،  واقام بتلك الحصيلة الكبيرة من اللوحات معرضا دائما في الفندق الكبيرعام1985، ونشط في سحبها وطبعها على الاكلمة وقطع السجاد، ونشطت الة العلاقات العامة التي يملكها في بيعها لقيادات شعبية وفنادق تتبع القطاع العام وشرائها من قبل اقسام الضيافة  الخاصة بكبار رجل الدولة واهدائها الى الضيوف الرسميين ، لكن اللوحات التي كان بعضها يحمل اسم جاك كيسي كما يقول رسامون وفنانون ليبيون مشهورون ، ومشهود لهم بالخبرة والكفاءة امثال فتحي العريبي الذي يضع اقواله على هذا الرابط بالانترنيت :

 http://www.kraassi.com/rewag_tashkeeygraph_1.htm

وكما يقول الاستاذ الفنان الليبي العالمي على العباني ، الذي شاهد توقيع جاك كيسي فوق بعض المستنسخات ، مثنيا على كلام فتحي العريبي ، ان تلك اللوحات كلها حملت فيما بعد توقيع الفنان عوض عبيده ، ويعترفون ايضا ان الاستاذ عبيده فنان قديم اقام اول معرض له في بنغازي عام 1948  ولكنهم يضيفون انه ينتمي الى مدرسة في الرسم هي الفن التلقائي ، او الناييف ، اي فن الفطرة والسليقة ، باعتباره كان رجلا عصاميا لم يلتحق باكاديميات تتيح له دراسة الاساليب التي رسمت بها هذه اللوحات التي تنتمي لمدارس تقليدية كلاسيكية ذات مستويات اكاديمية في تنفيذها , ويذكرون كتأكيد على هذا المعني حادثا صار طرفة من طرائف هذا الزمان ، وهي ان الملك المغربي الراحل حسن الثاني ، اصابه الانبهار عندما زار ليبيا ، وراى في الفندق الذي نزل فيه في بنغازي ، نسخا من هذه اللوحات ، فظنها من رسوم الرسام الفرنسي يوجين ديلاكروا ، الذي رسم لوحات لاجداده من سلاطين المغرب في القرن التاسع عشر ، فقد وجد فيها ذات المنحي التعبيرى الرومانتيكي المبهر الذي رسم به الرسام الفرنسي لوحاته ، فصاح مستنجدا باعوانه ان كان ديلاكروا قد زار ليبيا ورسم اهلها في ذلك الزمان لان ماهو معروف عنه ان رحلته اقتصرت على المغرب والجزائر ، فاجابه هؤلاء الاعوان بانه لا علاقة للفنان  ديلاكروا بهذه الرسوم  لانها من تصوير فنان ليبي اسمه عوض عبيدة ، وكانت فرحة الملك غامرة عندما ابلغوه بان الرسام على قيد الحياة ، اذ هاهو رسام له موهبة ذلك الفنان الفرنسي القديم واسلوبه يستطيع ان يرسم له لوحات يكمل بها ما انقطع من سيرة ملوك الاسرة العلوية التي ينتمي اليها ، تبقيه خالدا مع اسلافه الميامين ، ودعاه ضيفا على الديوان الملكي في المغرب ، واستقبله هناك استقبالا حافلا باذخا واقام لرسومه معرضا في الرباط ، لم يتخلف عنه احد من علية القوم هناك ، وكنت فخورا وانا ارى من بعيد مسرح محمد الخامس وهو يستقبل تلك الافواج من السيارات الفخيمة  التي تحمل الوزراء ونساء العائلة المالكة في حليهن واثوابهن المخملية يهبطن من سيارات يحيط بهن رجال القصور يقبلون امامهن الارض ويسيرون بانحناء يقودونهن لمدخل المعرض وقد فاحت العطور تغمر تلك المناطق المحيطة بالمسرح ، اقول فرحت حتى وان لم اكن مدعوا ، ارقب المشهد من سيارتي ، حيث كنت في ذلك الوقت مقيما بالرباط ، وسمعت صدفة بتنظيم ذلك المعرض في اللحظات الاخيرة ، ولانها مدينة صغيرة فلم يكن غريبا ان تصادف مروري من هناك في تلك اللحظة التي تم فيها الافتتاح الكبير لمعرض يقوم تحت رعاية صاحب الجلالة ، وكان الملك جاهزا لان يختار الفنان الليبي افخم مكان في المغرب لاقامته من اجل رسم اللوحات الملكية التي يريدها صاحب العرش ، ولكن الاستاذ عبيدة سرعان ما بحث عن عذر يعفيه من المهمة ، وادبر راجعا الى بلاده ، تاركا الملك يعاني الحسرة وخيبة الامل . والحقيقة فانني لا اقول ذلك على سبيل الجزم ، وانما اعيد قول ما سمعته وقراته ، لعدد من الفنانين والشهود ، واذا كان للفنان فتحي العريبي جانب شخصي يتصل بصور شمسية اعطاها للمرحوم صادق النيهوم ، ويطالب بحق الملكية من ريع هذه الرسوم المستنسخة عن صوره ، فان الفنان على العباني رجل لا منفعة له في هذا الموضوع ، وهو رجل يملك من النزاهة والامانة والشفافية ورقي الاخلاق ما يجعله مستحيلا استحالة كاملة ان يقول شيئا عن غير قناعة ، او لم يقم بفحصه وتمحيصه ومراجعته الى حد لا مجال فيه لذرة شك ، ولا اقول على لسانه شيئا الا حقيقة انه راى توقيع جاك كيسى  على احدى هذه المستنسخات التي روج لها النيهوم وباعها باسم الفنان الكبير الاستاذ عوض عبيدة. واضيف الى ذلك ان على العباني واشاركه انا ايضا هذا الراي لا نحمل للرسام الليبي المكافح العصامي الاستاذ عوض عبيدة الا التقدير لابداعه وتاريخه ، ولا الومه شخصيا على سكوته عمن روج لهذه اللوحات وسوقها باسمه ، حتى ان لم تكن حقا من انتاجه ، فلعه تم اقناعه بان دوره الاشرافي المرجعي مع الرسام الاصلي يبيح له حق وجود اسمه فوقها ، واذا صح ان للاستاذ صادق النيهوم هذا الدور فانني اقف عاجزا عن تفسير مسلكه وترويجه لعمل ، قد يغيب فهم ابعاده على رسام قديم من جيل الاباء مثل الاستاذ عوض ، ولكنه لا يمكن ان يغيب عن رجل معاصر امضى نصف عمره في الغرب مثل النيهوم ، وادراكه انه ازاء عملية تزييف فني لا شبهة فيها ولا عذرله في ارتكابها ، وتوريط دولة في التعامل بهذه اللوحات واهدائها الى رجال دول اخرى باعتبارها انتاج فنان ليبي ، هل فعل ذلك لمجرد انه اراد لشركته ان تتربح من هذا الموضوع ، وهل كان حقا بحاجة الى مثل هذه المكاسب والمداخيل التي تاتيه عن طريق عملية تزييف فنية وتاريخية بهذا الحجم ، وهل كانت شركته ستدفع حقوق ملكية لاهل رسام اللوحات جاك كيسي وهو الذي لم يكن قد مضى على وفاته ما يكفي من الاعوام التي تسقط فيها حقوقه فاراد تفادي دفع هذه الحقوق المكلفة ، وهل وضع اسم توقيع فنان ليبي فوقها يتيح لها رواجا اكبر مع الدولة الليبية لا يتيحه اسم فنان اجنبي، كل هذه اسئلة ذهبت مع صاحبها الى القبر ، لاننا لن نجد من يجيب عليها باليقين الذي يمكن ان يفعله هو ، واذا كان هناك من يعرف الاجابة فانه لن يفعل وسيتشبت بالاجابة التي يصر خبراء الفن في ليبيا على تفنيدها وانكارها .

وكما اسلفت ، فان صادق النيهوم ، لم يعد للكتابة باسمه ، وتحت توقيعه ، ونشر مقالات تحمل افكاره ، وتنطق باسلوبه المتميز الفريد، الا مع صدور مجلة الناقد في لندن عام 1988، عن دار صديقه الناشر والكاتب المعروف الاستاذ رياض نجيب الريس ، وهناك سؤال مازال معلقا حتى اليوم ، وقد طرحه امامي المثقف الكبير الاستاذ علي عميش، اثناء احتفالية النيهوم في المكتبة الوطنية ، وهو يتعلق بمدى صحة الاشاعة التي تقول انه كان مشاركا في تمويل تلك المجلة ، ويطلب مني ان كنت استطيع تاكيد هذه الاشاعة او نفيها ، فابلغته بانني سمعت بها مثله ، ولا املك ما يؤكدها فالمجلة صدرت باسم دار رياض الريس ، ولم تحمل اسم شريك له فيها ، الا ان ايقافها الذي جاء متوافقا مع وفاة النيهوم، يلقي بظلال الشك على وجود شبهة تمويل لها من جانبه، ربما يزكيه ان المجلة بدأت منذ عددها الاول حفية بالنيهوم ، تضع مقالاته دائما في الصدارة وتتيح مساحة كبيرة لمناقشتها وخلق حوار حولها، وطبعا فقد كان للاستاذ صادق من الامكانيات المادية ما يتيح له تقديم هذه المساعدة للمجلة التي روجت لافكاره وللدار التي نشرت كتبه وللصديق الذي اتاح له فرصا جديدة للشهرة والذيوع كمفكر عربي كبير ، وهو ليس عيبا يؤخذ عليه ، او يؤخذ على صاحب الدار، اذا كان قد حدث ، حتى اذا راى صادق لظروف تخصه عدم الظهور بمظهر الشريك في اصدار المجلة ، فهذا كله شيء عرضي بجوار ما احتوته هذه المقالات ، وهي مقالات استمرت في التواتر كل شهر على مدى السنوات التي عاشتها مجلة الناقد وهي سبع سنوات،او اقل قليلا ، وصدرت هذه المقالات في كتب عن نفس الدار التي تصدر الناقد تحت عناوين "اسلام ضد الاسلام" و "الاسلام في الاسر" و"صوت الناس" "ومحنة ثقافة مزورة"، واحتوت بجوار نصوص النيهوم كل ما دار حولها من حوار وما تلقته المجلة من ردود تعارض اوتؤيد ، ولا زالت هذه الكتب مصدر سجال كبير ، ووصل الامر الى حد مصادرتها في بلدان من بينها لبنان ، ثم تم السماح بتداولها بعد ذلك ، فهي تتصل في اغلبها بقضايا تشغل الناس واهمها قضية الدين والحياة واسلوب الحكم ، واقول وانا الكاتب الذي احب صادق النيهوم كاتبا وانسانا ، وتابعه منذ بداياته الاولى في كل حرف كتبه قبل مرحلته الجديدة مع الناقد ، وكنت مفتونا باسلوبه، شديد الاعجاب بطرحه ،ارى فيه ولا زلت نابغة من نوابغ ليبيا في الابداع الادبي ، وخاصمت من اجله اصدقاء من كبار النقاد ذكرت منهم المرحوم سليمان كشلاف ولم اذكر اخرين ، اقول انني كنت استنكر كل ما امكنني الاطلاع عليه فيما نشره في مجلة الناقد من مقالات ، متخذا سمت المفكر صاحب الاطروحات الجديدة ، ولم اكن اجد في مقالاته هذه ما كنت اجده في مقالاته القديمة في الحقيقة من بهجة ومتعة ، وهي التي كان ينشرها في العشرينات من عمره ، قبل ثلاثين عاما ، واعتبر يوم نشرها في العدد الاسبوعي من الحقيقة يوم عيد ، واقول ايضا انني كنت اقبل على مقالاته بعد ان عاد من غيبته الطويلة لينشرها في الناقد ، بامل ان اجد فيها شيئا من عبق النيهوم وسحره ، وقد اجد فعلا في اسلوبه بعض ذلك العبق ولكنه لا يمثل غير واحد في المائة في غمرة ذلك الفكرالمعادي لكل توجه سليم وكل فطرة نقية ، والذي يتوهم وجود عالم غير العالم الحقيقي للبشر ، لاعنا كل كلمة تشير الى الديمقراطية او الحرية او الحكم الليبرالي في العصر الحديث ، باعتباره انتاج مجتمعات غربية مناوئة لنا ، بعيدة عن تقاليدنا وعادتنا ، وتراثنا الاصيل النبيل ، الذي يجب ان نعود الى جذوره المغروسة في ارض الجامع ، بشكله المانع وسره الباتع وامره الكامل الناجز ، وهو جامع غير الجامع الذي نعرفه ، ويعرفه اهل الاسلام ، او من يتحدثون باسمه من كتاب ومفكرين ، اتخذوا على الوجه الاغلب موقفا عدائيا من افكاره وشطحاته ، جامع معلق في الهواء ، يرى فيه اشياء لا يراها الا هو ، فاصحاب التقوي يرون فيه مكانا روحانيا تشع منه انوار الهداية والخير والايمان ، وغيرهم ممن لا يرقون الى تقواهم يرونه مكانا للعبادة يقصده المسلم ، مثل مكان اخر للعبادة يقصده الهندوسي واخريقصده البوذي او النصراني او اليهودي ، فكما يقول المثل المصرى محمد نبي ، وموسى نبي ، وعيسى نبي وكل من له نبي يصلي عليه ، الدين لله والوطن للجميع بكلمات اخرى ، انه يرى الجامع الذي في ذهنه  محلا للتفاعل واحتدام الرأي والراي الاخر وفضاء للنقاش الخلاق الذي يجمع المسلمين ، ونقول له ان اوطان العالم العربي وغير العربي  من اوطان اسلامية ، ليست كلها اسلام تحبذ المجيء للجامع فهناك نصف اقطار العالم العربي تملك نسبة من شعوبها تدين بالمسيحية على مختلف مذاهبها وشعب عربي مثل المغرب به جالية يهودية كبيرة استوطنته منذ سقوط الاندلس ، ثم ماذا عن اختلاط الملل في بلدان اسلامية مثل نيجيريا واندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنجلاديش وسنغافورة وغيرها ولم يحدد لنا الاستاذ صادق مصدر هذه الفكرة ولا باي نوع من المناهج في التفكير توصل اليها  ولا ادري كيف وجد في عقله الكبير ما يكفي من المبررات لطرحها ، هذا الطرح الساذج الغريب الذي ليس له صلة بالواقع قائلا  بنوع من الجزم والحزم والتحديد القاطع ما يلي:

"لابد من العودة للجامع فهو بداية ديمقراطيتنا .. هو الحل لمشاكلنا .. هو المحرر للإسلام الأسير والمسلمين المستضعفين .. هو البديل عن المصطلحات الديمقراطية الرأسمالية .. إنه مقر مفتوح في كل محلة يرتاده الناس" ونحن الذين نرتاد الجوامع ، ونعرف ما لم يكن يعرفه صادق النيهوم عنها، ندرك اننا ندخل يوم الجمعة الى الجامع ، نصلي صلاة الجماعة ، وننصت للخطيب يلقي خطبته من فوق المنبر ، حيث لا تعليق ولا رد ولا كلام الا كلمة آمين نرددها خلفه حتى يقيم الصلاة وينتهي منها ، فنقول من خلفه السلام عليكم ورحمة الله ، ويذهب كل انسان الى حال سبيله ، ولهذا فانني شخصيا لا اعتقد ان هناك عاقلا يمكن ان يقبل هذا البديل الذي يريده لديمقراطيات العصر الحديث ، ولا اقول طبعا ما قاله المفكر المعروف الاستاذ جلال كشك ، رحمه الله، في معرض رده الشهير على كتاب اصدره النيهوم عن دار رياض الريس بعنوان الاسلام في الاسر ،وهو رد نشر ابانحياة النيهوم  ، واعادت نشره هذه الايام بعض مواقع الانترنيت ، تحت عنوان  يحمل من التجني وسوء الادب ما يعاقب عليه القانون هو "مناقشة نصاب ثوري" ، متهما فيه النيهوم بانه مجرد كاتب نصاب التحق بالنظام العسكري في ليبيا خادما له ، ومبررا لهذا النظام قمعه وحجبه للحريات ، وغلطة الاستاذ كشك هنا ، ان المثقفين الليبيين التحقوا بالنظام باعتباره مشروعا ثوريا وليس نظاما عسكريا ، وكان الاستاذ كشك هو من اول المثقفين والمفكرين المصريين الذين جاءوا الى ليبيا يباركون ويهنئون واقام فترة طويلة في ضيافة وزير الاعلام في ذلك الوقت الاستاذ صالح ابويصير ، وكان بامكان الراحل الكبير الاستاذ كشك ، ان يناقش افكار النيهوم ويقوم بنقدها وتفنيدها دون اتهام له بانه كتب ما كتبه مملأة للنظام الليبي ونفاقا له ، فقد جاء في الاقتباسات التي اخذها من كتاب النيهوم، ما يستحق ان يرد عليه بموضوعية يسجل بها نقاطا ضد الكلام الغريب الذي يحاول النيهوم ان يضع به حواجز داخل الفكر الانساني ويحجب مكتسابه عن جزء من العالم في شيء من ضيق الافق الذي لا يتفق مع شخصية النيهوم وخبرته الحياتية المنفتحة على افاق انسانية وعالمية لا محدودة ، عندما يقول:

"الصحافة والدستور والحرية لا مكان لها في المجتمع العربي أو الإسلامي المعاصر أو العالم الثالث خلف جبل طارق لأنها نظام خاص بالغرب وحده، شرط قيامها هو وجود نظام رأسمالي غربي وهو لا يمكن تقليده أو فهمه أصلا إلا في مجتمع صناعي يشكل فيه رأس المال قوة قادرة على ردع الإقطاع ويشكل فيه العمال قوة قادرة على ردع رأس المال"

ويمكن وفقا لهذا المنطق وتمشيا مع هذا السياق ان نعتبر نظام الرق الذي ما زال يمارس في بعض مناطق  موريتانيا ودارفور باعتبارهما ينتميان لمجتمعات عشائرية عربية اسلامية ، هو ما يجب اعتماده وتعميمه على شعوب ومجتمعات الامة العربية والاسلامية ، كما ان صادق النيهوم لا يقول هذا الكلام لصالح طرح جديد في الحكم مثل السلطة الشعبية والنظام الجماهيري ، الذي يدعو كل افراد الشعب للانخراط في ممارسة السلطة ، وانما لصالح جامع يحاول الكاتب بافتعال وتعسف ان يلوي عنقه ليكون متفقا مع نظريته في نوع من الحكم المناهض لكل المؤسسات الدستورية والليبرالية التي يحتكم اليها تسعة اعشار العالم ، منكرا على الشعوب العربية والاسلامية ان تكون شريكا في التجربة الانسانية بشمولها وتراكم منجزاتها في الحكم عبر الاف السنين ، ويأخذ جلال كشك على صادق ، انه يلجأ احيا الى امثلة تجافي الحقيقة ، يدسها على القاريء دسا ، عندما يعتبر وجود قرابة في الشبه بين ما يطرحه وبين نظام الحكم في سويسرا ، ويشرح السيد كشك باسهاب اليات الحكم التي يعتمدها الاتحاد السويسري والتي تتفق مع كل المنطلقات الغربية في الحكم الليبرالي الديمقراطي الدستوري الذي يعاديه . ويكيل جلال كشك التهم والشتائم التي تصل الى حد كبير من القذف والسب للكاتب الليبي الذي اسماه نصابا ،  استغرب معه، كيف لم يقم صادق النيهوم برفع دعوى قضائية ، كان سيكسبها بالتاكيد لان الرجل وصل الى حد اتهامه بالولاء لجهات صهيونية ، وهو ظلم واجحاف في حق كاتب وطني حتى النخاع ، لا يحمل غير الولاء لوطنه ولكل حبة رمل من تراب بلاده وقد تجلى هذا الحب والولاء لبلاده في كل كتاباته التي تناولت الشأن الاجتماعي المحلي ،  اما عداءه للصهيونية فلا يحتاج الى دليل لكثرة ما كتب مهاجما العدو الصهيوني وممارساته القمعية ونظريته العنصرية المعادية للانسانية ، ويقول صديقه ابراهيم الكوني ، انه رغم اغراءات ان يأخذ جواز سفر اجنبي مثل الجواز التي تتيحه له اقامته الطويلة في سويسرا ، او الاخر الذي يتيحه له زواجه من سيدة فنلندية ، ورغم وصوله في بعض المصادمات مع اطراف ليبية ذات صفات رسمية الى حد الخوف على حياته كما يؤكد الكوني ، فانه ظل حتى يوم عودته في تابوت ليدفن في بلاده ، محافظا على جواز سفره الليبي الاخضر اللون .

صادق النيهوم ، كما اراه اليوم وكما رايته بالامس مبدعا من طراز المبدعين العباقرة ، وقلما برع براعة مذهلة في كتابة الخاطرة والمقالة والصورة القلمية قل نظيره في الادب العربي المعاصر ، بالاضافة الى جودة ما كتبه من كتابات قليلة في السرد القصصي والروائي ، عدا ذلك فان صادق النيهوم لم يكن في اعتباري مفكرا له شأن ،واذا اردنا الاشارة الى شيء من الطرافه التي اعجبت بعض الناس في اطروحاته الفكرية ، فهي طرافة تنتسب الى موهبته الادبية وقريحته الفنية الوقادة ، وليس الى عقله التحليلى ، وعمق معارفه الدينية او السياسية او الاقتصادية ، بل ان بعضها يصب في خانة النقصان ، وليس في خانة الاضافة ، اي انه عمل ينتقص منه ويسيء اليه اكثر مما يضيف اليه رصيدا في ميزان حسناته كصاحب قلم وصاحب راي . صادق النيهوم لم يكن مفكرا ، ولم يكن فيلسوفا ، ولعله حقا اساء الى نفسه عندما هجر مواهبه الفنية والادبية وشاءت له ظنونه ان يطرح نفسه كمفكر وفيلسوف ، لانه لم يكن يحتاج الى هذه الصفة ، ولم تكن لتزيده قيمة حتى لو اتقنها ، فله في  ابداعه ما يغنيه عن طلب المجد في اي مكان آخر .

نقطة اخرى لابد من ذكرها ونحن نستحضر الهالة التي احاطت بصادق النيهوم اواحاط بها نفسه ، والتي تتحدث عن رسائل الماجستير والدكتوراه التي حصل عليها وحديث ثالث عن مناصب جامعية تقلدها في الغرب لتدريس الاديان المقارنة ، كلها امور لم يتقدم احد باي دليل عليها، وعلي نص لاطروحه قدمها ونال عنها احدى هذه الشهادات ، بل ان احد المتابعين لانتاجه ، العاملين على رصده وجمعه واظهاره للناس ، والمجاهرين بحبهم للنيهوم كاتبا وانسانا هو الاستاذ الباحث سالم الكبتي ، ينكر على صادق ما قاله في احاديثه ومراسلاته فيما يخص دراسة يقول انه اكملها "عن الرمز في القران" (( و نشرها (بأربع لغات أخرى) غير العربية، كما ورد في حواره مع الهتكي في (الرائد) بعد عام من تلك الرسائل، ولكن : أين ومتى وكيف ؟ فذلك ما لم يفسره النيهوم أو يفصح عنه، مع ملاحظة عدم وجود ما يؤكد حتى الآن حضوره أو مشاركته في مؤتمر المستشرقين بميونيخ وتقديمه للدراسة في أيٍّ من جلساته)) هذا نص ما قاله الاستاذ الكبتي ، كذلك لا صحة لما قاله النيهوم لصديقه عبد الفتاح الوسيع ، من انه نال شهادة في الدراسات العليا من القاهرة سواء كانت دكتوراه او ماجستيرا ، وما حدث مما تواتر عنه ، انه ذهب باعتباره معيدا في الجامعة الليبية ، في بعثة الى القاهرة عام 1963، والتحق بجامعتها لتحضير شهادة الماجستير على يد الدكتورة سهير القلماوي ، وعندما ارادت الاستاذة على عادة بعض الاساتذة مع تلاميذهم ، ان تستعين به في حمل حقيبة او حزمة من الكتب، لم يقبل منها ذلك ، ولعله رد عليها ردا قاسيا ، تاركا فكرة اكمال دراسته العليا في جامعة القاهرة ، وكتب في احدى رسائله لاصدقاءه يذكر هذا الموقف ، ولعله بعد ان عاد الى بنغازي استطاع تغيير بلد البعثة الدراسية الى المانيا ، حيث سافر الى هناك ، قبل ان ينتقل للاقامة في  هلسنكي ، ويبدو انه فعل ما فعله من قبل سلفه توفيق الحكيم عندما ذهب لتحضيررسالة الدكتوراه في باريس ، فانصرف الى الادب والفن والكتابة ونسى الرسالة ، وفي كلا الحالتين كسب الادب اثنين من كبار المبدعين ، بدل ان يكسب استاذين في الجامعة ، ولا وجود لدليل على انه حصل على دكتوراه في الاديان المقارنه وانه قام بتدريس هذه المادة في اية جامعة في الغرب والشرق ، كما يقال ويتواتر عنه  لدى الحديث عن سيرته الذاتية ، ان هي الا جزء من الهالة التي احاط بها نفسه واراد ان يحيطه بها مريدوه ، ولكنها في الحساب الختامي الا تضيف شيئا له ، ولا تنتقص منه شيئا ، فهو اكبر من مثل هذه الشهادات واكبر من مثل هذه المناصب الاكاديمة التي فاز بها اناس لا يملكون واحدا على الالف من مواهبه .

واذا اردت ان اضيف لمسة اخيرة فهي عن جمال شخصيته ، وعذوبة احاديثه في الجلسات الخاصة ، وصفاء ونقاء ابتسامته ، التي تشع من خلال اسنان شديدة البياض والبهاء ، وتبدو عند ظهورها كانها ومض البرق في لمعانه واشراقه ، وقد ضمني معه اكثر من اجتماع ولجنة ، بعضها اثناء التحضير لانشاء المؤسسة العامة للصحافة ، وبعضها اثناء التحضير لخطة اعلامية ، وكان رغم سعة اطلاعه ومعارفه ، لا يترك الامور دون تحضير ، فياخذ نفسه بجدية واجتهاد ، ويأتي للاجتماع حاملا معه المراجع والافكار التي اعدها قبل الاجتماع ، واذكر انه قدم لنا ذات مرة خريطة للبث الاذاعي اورد فيها احدث ما وصل اليه اصحاب الاختصاص في العالم من تقسيمات لاوقات هذا البث ، بمعني نسبة لحصة الطفل ونسبة لحصة المرأة وربة البيت ونسب لفئات عمرية اخرى ، ثم نسب وحصص لفئات اجتماعية بمعني حصة للمتعلمين وحصة لغيرهم من عمال وحرفيين اقل تعليما ، ثم جزء كبير تبقيه الخريطة دون توزيع لانه مخصص ، اما لاغلب المشاهدين مثل الاخبار ، او لكل المشاهدين بمختلف مستوياتهم يتحلقون فيه حول الجهاز ، في بيوتهم على تباين اعمار ومدارك اهل البيت وهي تلك المساحة التي تسمى في التعبير الاجنبي   assembly point مثل برامج المنوعات والبرامج الفكاهية والتمثيليات الشعبية ، وقد اجتهدنا في تطويرها وترتيبها وبقيت كما اعتقد رهينة الادراج كغيرها من اعمال لجان انعقدت قبلها وبعدها . وهو مثل اسوقه للتدليل على حماسه للعمل العام ، واحترامه لمثل هذه اللجان التي ينخرط فيها ، وعظيم احساسه بالمسئولية والوفاء بالالتزامات التي يتعهد بها.

مررت عبورا بما يقوله الزوار الذين ذهبوا لزيارته في جنيف ، وما عادوا به من انطباع عن كرمه وترحيبه بكل من يزوره ، وكان آخر لقاء لي معه قبل اشهر قليلة من وفاته ، عندما جاءني الصديق الكاتب محمد المغبوب ، يقول بانه اجرى كشفا طبيا اظهر بان لديه اكثر من كيس دهني في الرئة ويريد ان اعينه في البحث عن سبيل للعلاج في الخارج ، فخطر في بالي الاستعانة بزميلنا وصديقنا صادق النيهوم ، وكان موجودا في طرابلس مقيما كما هي عادته في الفندق الكبير ، فهاتفته واخذت موعدا وذهبت يرافقني الصديق المغبوب وصديق ثالث كان يجلس معنا واراد تحية النيهوم والتعرف اليه هو الكاتب حسين المزداوي ، الى غرفة صادق حيث استقبلنا بتلك الابتسامة العريضة الجميلة المضيئة وبما يتمتع به من تهذيب وذوق ومجاملة ، فابلغته فور الانتهاء من اداء واجب التحية والتعريف والتقديم ،  عن مشكلة صديقنا المغبوب الذي يبحث عن العون الذي يتيح له فرصة عرض نفسه على اطباء في الخارج ، ولعل المغبوب اضاف انه سبق ان اقام في جنيف ويستطيع ان يتدبر تذكرة سفر ومصاريف بضعة ايام للاقامة ولكن ما يقلقه هو نفقات الفحص واجور الاطباء، وكنت صراحة اطمع ، في ان اسمع من الاستاذ صادق ما يفيد باستعداده لتغطية هذا الجانب من قبل الاطباء والعيادات التي تتعامل مع شركاته ، الا انه افاض في شرح امراض الرئة وخطورتها واهمية الاستعجال باستكمال الفحوص لان ما يمكن ان يكون سهلا علاجه اليوم او بتره سيصبح صعبا اذا تكاسل الانسان في متابعة الفحص واجراء الكشوف ، الى حد ادهشنا بما يملكه من معارف تقترب من معارف الانسان المتخصص ولم نكن نعلم اذ ذاك انه سبق ان اجرى قبل عام او اكثر ، عملية خطيرة على الرئة تم بتر جزء كبير منها، وانتهت المقابلة دون ان نسمع منه ما نريد سماعه، ولم يكن لنا حق ابداء اي احساس بخيبة الامل في هذه المقابلة ، فشكرناه على حسن نصيحته واكتفى صديقنا المغبوب بالذهاب الى العيادات المحلية تعينه في التخلص من هذه الاكياس،و والذهاب الى تونس ، وهو البلد الذي تسعفه موارده الخاصة بالذهاب اليه، لما يحتاجه المرض من فحص واعادة فحص وعلاج.

اذن فالنيهوم رجل لا نستطيع وضعه في خانة واحدة ، ولا يمكن الحكم عليه من موقف عابر ، اثناء زيارة له في الفندق . كان صادق النيهوم رجلا كبيرا خارج كل القياسات والاحجام ، وكان مبدعا خارج خطوط الطول والعرض التي يتم على اساسها تصنيف المبدعين ، وكان ظاهرة صنعت لها اتباعا ودراويش ومريدين وحواريين ومقلدين حقيقيين ومزيفين ، وكان انسانا ترك بصمة وابقى خلفه تراثا لا شك في اهميته وخطورته واذا اردنا ان نجمل هذا التراث في حوصلة سريعة فيما اسماه زميلنا الكاتب القصصي ابراهيم حميدان  في  مقالة صغيرة عما يمكن ان يبقى من النيهوم فاننا نقول انه يمكن ان ببقى منه للتاريخ اكثرمما قاله الكاتب الصديق ، فقد حدد ثلاثة كتب تحمل مقالاته هي التي يرشحها للبقاء لانها تحمل لمسته الفريدة في كتابة المقالة الساخرة التي يراها وحدها انجاز هذا الكاتب الكبير وهذه الكتب هي (تحية طيبة وبعد ) ، ( فرسان بلا معركة ) ، ( من قصص الأطفال) اذ يشترك معي في اسقاط ما ينسب الى الجانب الفكري من انتاج تركه الاديب الراحل  خلفه ، الا انني اضيف الى ماقاله  الزميل الكاتب، ان النيهوم سلك مناهج لم يكملها سيبقى له فضل ابتداعها وريادتها فهو الناقد الذي استخدم مناهج مبتكرة في النقد في دراسته لديواني البياتي والفيتورى ، وطبعا فان مراجعته لاثنين من الدواوين لا تصنع ناقدا ولكنها تصنع دورا في بذر البذور التي لم يكملها ويستطيع غيره اكمالها بعد ان رحل ، كما ان ما تركه من اعمال السرد القصصي والروائي قليل الى الحد الذي لا يؤهله لاخذ مكانته كاحد كبار صانعي القصة والرواية ولكنه ايضا بذر بذورا دون ان يكمل زراعة الحقل الذي يستطيع غيره اكمال حرثه ، وتحسب له في مجال الدراسات الدينية تفسيره الرمزي للقرآن الذي ترك فيه بحثه في سورة الكهف وهذا ايضا قد لا يتيح له مكانا بين دارسي القران وفق النظريات الحديثة ولكنه هنا ايضا هو زارع بذور لم يكمل ،لظروف كثيرة، اكمال زرعها لكنه وضع اساسا لمن يتولى بعد رحيله اكمال الزرع اما مقالاته الفنية الاجتماعية فلاشك ان الزمن سيمحو صورة الحاج الزروق والحاجة مدللة بحيث لن يجد من يتماهي ويتوحد مع صورة تلك النماذج الشعبية التي كانت نتاج مجتمع شديد الجهل والتخلف لم ينل حظا من التعليم والتحضر الا ان اسلوبه المبتكر الذي تناول به تلك الشخصيات سيظل يشير الى اثار كاتب له فرادة الاسلوب وتميزه، وكل ذلك ليس بالحصاد القليل، فتحية الى هذا الكاتب النابغة الليبي الاصيل ، وسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا ، وغمره الله برضاه ورضوانه ورحمته .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home