Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الثلاثاء 18 يناير 2011

أعمار ضائعة

د. أحمد ابراهيم الفقيه

( مرثية للكاتب والمخرج الصديق محمد عبد الجليل قنيدي ،

  تشكل ملامح اولى لمعالجة سينمائية  لشريط عن جهوده في اخراج شريط سينمائي رحل دون اتمامه ) 

كان محمد عبد الجليل قنيدي طالبا في القاهرة يتابع دراسة جامعية في مجال الاخراج في المعهد العالي للسينما مطلع السبعينيات ، على حساب الدولة الليبية ، ضمن مجموعة صغيرة من المبتعثين الليبيين توزعوا بين معاهد اكاديمية الفنون في شارع الهرم ، وعاد في منتصف السبعينيات يحمل  في يده بكالوريس في الاخراج السينمائي وبين جوانحه املا وحماسا ورغبة في انعاش صناعة السينما في بلاده التي كانت صناعة تؤسس قاعدة لنفسها على ايدي بعض العصاميين من ابناء المهنة ، مثل المرحوم الهادي راشد ، بمعاونة بعض العائدين من المهجر مثل المرحوم محمد الفرجاني ، او الذين جاءوا بعقود عمل من الشقيقة مصر مثل المرحوم مدحت بكير . عاد محمد عبد الجليل قنيدى كما عاد بعض زملاء له ممن درسوا خارج البلاد دراسة تخصصية بامل الاسهام في  تاسيس فن سينمائي ليبي  ، خاصة في مجال الافلام الروائية ، حيث كانت الجهود عند عودته وعدد من زملائه ، تنصب في  الغالب الاعم على انتاج افلام وثائقية قصيرة، حيث باشر منذ الايام الاولى لعودته من مصر ، في البحث عن نص قصصي يحوله الى هذا الفيلم الروائي الطويل الذي يحلم باخراجه ، وكان رصيد الافلام الروائية في ذلك الوقت رصيدا ضئيلا  جدا ، كما كان المستوى الفني لهذا الرصيد الضئيل مستوى كثير التواضع لايرضي طموح فنان مثله ، ولهذا فقد كان الامل يحذوه لان يضع السينما الليبية الوليدة على طريق الانتاج المتميز الجاد الذي يتكافأ مع مستويات اخرى اكثر تقدما وصلتها البلاد في مجالات ادبية وفنية غير السينما ، مؤمنا بان الفيلم الروائي الطويل، وليس الوثائقي القصير ، هو الفن القادر على تحقيق هذه النتيجة المرجوة لبناء نهضة سينمائية ، لما يتوفر لديه من ابعاد جمالية ومضامين اجتماعية يؤمن بانه قادر من خلال توظيف طاقات ابداعات ليبية في مجالات التمثيل والموسيقى والتاليف والديكور غير التقنيات المتقدمة في التصوير والصوت والتركيب وغيرها ان يصل اليها بما لديه من افكار ورؤية اخراجية ، وكان يرى ان المهمة تقع على كاهل هذا الجيل الجديد من المخرجين امثاله الذين حصلوا على دراسة تخصصية على ايدي رواد هذه الصناعة ومؤسسيها  في مصر ، او في البلاد الاخرى التي عاد منها زملاؤه ، الا ان ما  يميز  محمد عبد الجليل قنيدي عن ابناء هذه الدفعات الجديدة ، هي انه يأتي محملا بخبرات اكثر من غيره ، فقد ذهب لدراسة السينما في مصر ، في سن متقدمة نسبيا عن زملائه ، وبعد ان استفاد من خبرة امتدت لعشر سنوات ، واستغرقت عقد الستينات بكامله قضاها ممارسا في العمل المسرحي والاذاعي ، ثم انه جاء الى مجال الاخراج السينمائي يحمل خبرة الكتابة الادبية الابداعية ، وله كتاب جميل بعنوان الا قنعة ، كنت احد الذين قرأوه مخطوطا وتحمسوا لنشره عن طريق الدولة ، وبالذات عن طريق الادارة التي كنت مديرا لها في مطلع السبعينيات وهي ادارة الفنون والاداب ، وخرج الكتاب في ذلك الوقت واعيد طبعه اكثر من مرة ربما عن طريق دار الفكر  ، كما سخر الله له احد المخرجين لاظهاره على خشبة المسرح هو المخرج المعروف محمد العلاقي ، كما لاقى النص حظوة وشعبية لذى فرق مسرحية خارج ليبيا قامت بانتاجه وتقديمه على مسارحها ، وقد حدث ان شاركت به دولة قطر في احدى المهرجانات في مصر ، وذهبت مع محمد عبد الجليل قنيدى لحضور العرض ، وكان الامر مفاجأة له لان احدا لم يستأذنه او يستشيره ، واراد ان يرفع قضية ضد الفرقة التي قامت بعرضه ، الا انني جعلته يعدل عن رفع القضية ، ويستبدلها بكتابة مذكرة للفرقة يطالبها فيها بحقوقه المادية ، ولا ادري ما حدث معه بعد ذلك . المهم ان محمد عبد الجليل قنيدي ، وجد النص القصصي الذي رآه يصلح لان يبدأ به رحلته مع الاخراج السينمائي في ليبيا ، وهي رحلة تلخص تماما محنة الانسان الذي ينخرط في العمل في مثل هذا المجال ، كما حدث مع الصديق الراحل ، ليجد العمر كله يتسرب  من بين اصابعه دون ان ينجح في اخراج فيلم واحد كما حدث معه بينما زملاء دفعته  ممن يملكون موهبة مثله ، في بلدان ذات تراث سينمائي ومؤسسات للانتاج السينمائي  صنعوا رصيدا من الافلام  تركوا بها تاريخا يخلدهم على مر العصور. والحقيقة فان اختياره لهذا النص الادبي ، الموائم والملائم لمشروعه الفني ، كان اختيارا في منتهى الذكاء وفي غاية التوفيق ، اذ اختار نصا ادبيا تتوفر فيه المؤهلات المطلوبة لصناعة فيلم له نكهة ولون وشخصية ليبية ، تسطع جلية واضحة من خلال القصة نفسها وهي لا تزال اسطرا فوق الورق ،  وعالمها الذي يدور في افق وفضاء مدينة طرابلس القديمة ، بما تحفل به من مفردات التراث الشعبي ، والتراكم التاريخي لمعطيات ثقافية وفنية ورقائق حضارية تنتمي لحضارات كثيرة ومتنوعة بدءا من العهد اللوبي القديم ثم العهد الفينيقي ومن بعده الروماني ثم العربي الاسلامي ثم العثماني ، مع تأثيرات اسبانية وايطالية ومتوسطية ، واصداء لجاليات اجنبية عاشت في طرابلس وصنعت منها المدينة الكوزموبوليتانية ذات التنوع والثراء الثقافي ، وكان هذا النص القصصي واحدا من النصوص التي كتبها رائد من رواد المدرسة الواقعية في القصة الليبية القصيرة هو الاستاذ بشير الهاشمي ، وقد استوحاها من واقع حياته في المدينة القديمة التي عرفته طفلا وعرفته شابا وعرفته كاتبا استوعب تراثها وتشرب اجواءها وتغذي ادبا وفكرا وابداعا  وموهبة من مواردها الثقافية والروحية والانسانية واستلهم هذه الاجواء وهذه الموارد في كتابة قصصه القصيرة التي تدور في ازقة المدينة القديمة واحيائها وتستقي احداثها من معيشة وتصرفات ووقائع الحياة التي عاشها اهلها،  وكانت احدى هذه القصص هي التي وجدها محمد عبد الجليل قنيدي تصلح لفيلمه القادم وهي قصة "الحب في الازقة الضيقة " لانه بجوار المناخات والاجواء المدنية والشرائح الحضارية ومفردات الثقافة الشعبية هناك قصة رومانسية انسانية مما تعتمد عليه السينما في استقطاب الجمهور العريض الذي تخاطبه ، وكان الكاتب الاستاذ بشير الهاشمي في تلك الفترة التي بدأ فيها المخرج قنيدي  مشروعه ، موجودا على قيد الحياة ، مبديا ترحيبه بالفكرة ، متحمسا للعمل على تطويرها لكي تتحول من قصة قصيرة ، الى مشرع فيلم روائي طويل ، مستعدا للمساعدة في اثراء العمل بارائه وافكاره ورؤاه حول المدينة القديمة ، وقصة الحب التي تنشأ بين نموذج شعبي من ابناء المدينة القديمة في سن الشباب ، يعمل حلاقا ، ما زال في مرحلة العزوبية يبحث عن فرصة لاكمال نصف دينه، اسمه شعبان ، وبين فتاة تسكن في احدى البيوت ذات الشرفات المطلة على نفس الشارع حيث حانوت الحلاق ، اسمها نعيمة ، وبدأ التعاون بين الكاتب الاصلي للنص وبين المخرج الذي اخذ على عاتقة مهمة وضع المعالجة السينمائية للقصة وتحويلها الى سيناريو مستعينا بالاستاذ بشير الهاشمي في كتابة الحوار ، وهي طبعا المرحلة التي تسبق المراحل التنفيذية لانتاج الفيلم ، ففي البدء كان الورق ، كما يقول اهل هذه الصناعة ، وبقدر ما يكون الورق متقنا وافيا لشروط  العمل القصصي الناجح ، تكون الفرصة اكبر واوسع امام انجاح الفيلم ، ولهذا فان الكاتب والمعد ، لم يبخلا بالجهد والوقت لتحقيق هذا المستوى الراقي للورق ،  وبمثل ما كنت التقي بمحمد قنيدي وارى انغماسة في العمل ، كنت في هذه الفترة التقي بزميلي الاستاذ بشير الهاشمي وارى حماسة للمشروع وسعادته بان يرى قصة من قصصه تتحول الى صور متحركة ، وشخصياته يتم تجسيدها على الشاشة الفضية ، وينتظر بفارغ الصبر ان يرى النتيجة تتحقق على ارض الواقع،  واسمع منه بعض الافكار التي يريد ان يثري بها العمل ويقوم باقتراحها على المخرج في مرحلة اعداد العمل ، وامله في ان يكون الفيلم تجسيدا للفكرة التي تتوخاها القصة في الاشارة الى الحب مقرونا بالازقة الضيقة وهو يلعب على نوع من التباين بين الحب في رحابته واتساعه وافاقه التي لا حد لها وكيف يمكن استيعابه في قلوب هؤلاء الناس الذين يعيشون في دفء وحميمية هذه الازقة الضيقة ، وكان الاثنان حريصان على ان ينقل الفيلم زخم الالوان الشعبية وقوتها المنعكسة في تقاليد الافراح والاعراس والمناسبات الاجتماعية فقصة الحب بين شعبان ونعيمة كما يصورها النص تحتوي على حفلات الخطوبة والزفاف وغيرها مما يثري الفيلم  بجماليات الفنون الشعبية المرتبطة بمثل هذه المناسبات .

وفعلا انتهى محمد عبد الجليل قنيدي من كتابة السيناريو كما انتهى من اخذ الموافقات الرقابية وكذلك اعتماد انتاج الفيلم من الشركة العامة للخيالة ( وربما الهيئة او الادارة او غيرها من تسميات حملها المرفق الحكومي المسئول عن السينما) وجاءت المرحلة التالية لاكمال الورق وهي البدء في الخطوات التنفيذية لتصوير الفيلم ، فاختار بمساعدة المؤلف المواقع داخل المدينة القديمة التي يظهر من خلالها التراث العريق لهذه المدينة ، وقام بتوزيع الادوار وقد اختار للدور الرئيسي الممثل الكوميدي المعروف  حسن الكشيك ، وهو دور الحلاق شعبان ، واختار الفنيين الذين يعاونونه من بين  الطاقم الفني العامل بشركة الخيالة ، وكما هو معروف في الانتاج السينمائي فان هناك مدة يتم تحديدها للتصوير ، وتكتب بهذه المدة رسائل تفرغ لعدد من العاملين المنتدبين من اماكن اخرى غير الشركة المنتجة ، بما في ذلك الممثلين الذين يعمل اغلبهم في مهن خارج اطار التمثيل الذي يتعاطون معه كهواية ، ومعدل هذه المدة في اغلب حالات الانتاج هو شهر واحد ، يجب ان تنتهي خلاله مراحل تصوير الفيلم ، فلا تبقى بعد ذلك الا مراحل المونتاج وطبع النسخ واعدادها للعرض ، وما تحتاجه عمليات التسويق من دعاية وترويج وتعاقدات ، وقد يتضاعف هذا الشهر في حالات الانتاج الكبيرة ، فيصبح شهرين ، وفي بلد مثل ليبيا لا تملك تقاليد ولا بنية تحتية مكتملة لصناعة الافلام فيمكن ان يصبح هذا الشهر عدة اشهر ، ولهذا فانه لم يكن غريبا ان نرى الاشهر تمر ، ومحمد عبد الجليل قنيدي ، ما زال يكافح في سبيل تنفيذ الفيلم ، وازاحة العقبات والعراقيل التي تواجهه الواحدة تلو الاخرى ، ومؤلف الفيلم يأسف لان هذه العقبات تاخذ وقتا في تدليلها ، ولكن الامر طال وطال وتجاوز كل الاحتمالات المتوقعة لتصوير فيلم من الافلام ، لان الاشهر وصلت الى عام ، والعام اعقبته اشهر تراكمت حتى وصلت عاما ثانيا، لحق بالعام الاول

وصار الامر فعلا مدعاة للقلق ، وتضاءل الامل لدى الكثيرين ممن يتابعون التجربة بحب وتعاطف ، في امكانية اكمال الفيلم خاصة وان العام الثاني صار يلحق به عام ثالث ثم رابع ، وكنت ارى المخرج فاراه ما زال مصمما على المضي في مشروعه فقد انفق من الجهد والوقت ما لا يجوز ان يضيع هذرا كما كان يقول ولابد من اتمام الفيلم مهما كانت المشاكل التي لابد من مواجهتها والتغلب عليها ، الى ان جاءت العقبة الكأداء التي كان من الصعب تجاوزها وهي القبض على بطل الفيلم حسن الكشيك مع افراد مجموعة متهمة بالتأمر ضد النظام الثوري في البلاد ، وادخاله السجن والتحقيق والمحاكمة ، مما جعل مصير الفيلم ازاء قضية كهذه مصيرا مجهولا ومعلقا بالنتائج التي تسفر عنها التحقيقات والمحاكمات خاصة وانها قضية امن للثورة تقتضى وقتا وتحاط بما تستحقه من سرية وتكتم ، وكان الموقف صعبا بالنسبة للمخرج ، خاصة بعد ان طالت فترة التحقيق وطال غياب بطل الفيلم وراء الاسوار ، فاختيار بطل جديد ، يعيد الفيلم الى مربع الصفر ، والاستمرار معه سوف يعطله الى حين خروجه اذا خرج من مثل هذه القضية الشائكة ، ولا ادري كم مضت من السنين وحلم اكمال الفيلم ما زال يراود مخرجه حسب ما بدا لي فقد كنت بعيدا عن البلاد مقطوع الصلة بصديقي القديم محمد قنيدى لا ادري حقيقة الموقف الا تكهنا وتخمينا ، فسيكون صعبا ان يقتنع باعتبار الفيلم تجربة مجهضة يجب ان يطرحها خلف ظهره ، ولاشك ان خيطا من الامل مازال يراوده في ان يستأنف المسيرة مع الافراج عن بطل فيلمه ، الذي يمكن ان تكون ترشحت معلومات عن الظروف المخففة التي تحيط به باعتباره حتى وان كان يعرف بعض اعضاء المؤامرة فانه لم يكن ضليعا هو شخصيا في التآمر ، المهم انه في تلك الفترة انتقل الى رحمة الله مؤلف القصة الاستاذ الكاتب بشير الهاشمي دون ان يتحقق حلمه في رؤية قصته تعرض على الشاشة كما كان يأمل ولا ادري مدى تأثير ذلك على محمد عبد الجليل قنيدي، فهو بالتاكيد احس بصدمة الفقدان لهذا الشريك في الفيلم الا ان التأثير الذي اقصده هو الخاص بموقف قنيدي من الفيلم بعد غياب المؤلف ، فقد يراه دينا في عنقه ان يكمل المسيرة التي بداها مع هذا الصديق ، ويصل بالعمل الذي انفق فيه الراحل جزءا كبيرا من الجهد والوقت الى خواتيمه السعيدة ، وطبعا فان غياب المؤلف لم يكن ليؤثر من ناحية اخرى في عملية انتاج الفيلم اذا عادت الكاميرا للدوران في تصويره واتمامه ، ومر بعد ذلك ما يكفي من السنين لانقضاء مدة السجن التي استحقها الفنان حسن الكشيك ، وتم الافراج عنه ، وعاد دون قيد او حضر من المحكمة او من الامن على حقه في ممارسة نشاطه في التمثيل ، وانتعش بالتأكيد  امل مخرج الحب في الازقة الضيقة في استئناف الفيلم الذي بدأ في تصويره منذ عشرين عاما، الا ان هذه الكمية الهائلة من السنين قد تركت اثرها بالتأكيد في بطل الفيلم حسن الكشيك ، بحيث لابد من تغيير في السيناريو ، يغطي هذه الفترة التي انسلخت من عمره ، وعاد محمد عبد الجليل قنيدي ينظر في المعالجة لاستيعاب التحولا التي طرأت على بطل الفيلم، والاخرى التي طرأت على مواقع التصوير ، علاوة على التعامل مع ما طرأ من تغييرات للاوضاع الادارية داخل القطاع الحكومي الذي يتولى الانتاج ، وما حدث من تبدل للمسئولين ، ولا ادري الى أي مدى استطاع تدليل ما صادفه من عقبات ، لاعداد المشهد للتصوير من جديد بعد مضي كل هذه السنين ، كما لا اعلم المشوار الذي قطعه في سبيل الوصول الى هدفه ، خاصة وان هناك عقبات على مستوى التقنية ، فاطقم العمل الفني التي رافقته لم تعد بالضرورة مستمرة في العمل في الخيالة كما كانت بل ان ادوات العمل السينمائي في مجال الصورة والصوت التقاطا وعرضا لحقها الكثير من التغيير وجاءت اجيال جديدة من الاختراعات لابد من وسيلة للتعامل معها واخضاع ما جرى تصويره وتسجيله منذ اكثر من عشرين عاما لهذه التقنيات الجديدة مما يحتاج الى مهارة وخبرات ومؤهلات خاصة ، ما اعرفه ويعرفه كل من اقترب من محمد عبد الجليل قنيدي انه لم يفقد الامل لحظة واحدة في انه يمكن ان يكمل الفيلم الذي سيدخل به تاريخ الاخراج السينمائي ، ويضع به بصمته على هذا الفن ، ما يقوله العاملون في شركة الخيالة هو ان فيلم الحب في الازقة الضيقة قد انتهى بالنسبة لهم باعتباره عملا لم يكتمل وقفل ملفه وانتهى اخر عمل فيه في العام 1986، الا ان هذه الحقيقة الخاصة بالانتاج كما تظهر من وجهة نظر الشركة المنتجة لم تكن تمنع المخرج ان يواصل الامل والجهد في ان يتجدد العمل في انتاج الفيلم رغم تقادم السنين  ولكن عقبه كأداء اخرى كانت بانتظاره وهو ان بطل الفيلم الفنان حسن الكشيك ، نام ذات ليلة سليما معافي ، وجاء احد افراد اسرته يوقظه بعد ان رآه يتاخر عن موعد استيقاظه المعتاد ، ولكن حسن الكشيك ابى ان يستيقظ  ابدا ، لان الرجل كان قد اسلم الروح اثناء نومه وانتقل  بغثة ودون تمهيد او اندار من دار الفناء الى دار البقاء رحمة الله عليه ، وصعق محمد قنيدي بنبأ رحيل بطل فيلمه وصاحب دور الحلاق شعبان الذي صور عددا كبيرا من المشاهد التي تشكل الجزء المنجز من هذا الفيلم ، والمشكلة انه بطل الفيلم الذي يصعب ايجاد بديل له يواصل اكمال ما بدا ،  و لم يعد ممكنا الاستفادة من تلك المقاطع التي تم تصويرها ، وان حلم اكمال الفيلم قد دفن نهائيا مع دفن جثمان الفنان الراحل حسن الكشيك ، وان محمد قنيدي اذا اراد ان يستفيد مما انجزه من اعداد لقصة هذا الفيلم فليس امامه الا ان يبدأ التصوير مع بطل جديد ، مستانفا من نقطة الصفر ، او يترك قصة الحب في الازقة الضيقة ويبدأ البحث عن قصة جديدة وموضوع جديد.

ولا ادري الان ماذا حدث لمحمد عبد الجليل قنيدي خلال هذه المدة التي تفصل بين رحيله خلال شهر مايو الماضي  ورحيل بطل فيلمه حسن الكشيك قبل عام مضى ،  فلاشك انه عاني امض وامر لحظات اليأس وهو يرى حلمه يتقوض ويرى نفسه وقد امضى عمرا كاملا بامل ان يكمل فيلما يحقق به رؤيته في الاخراج السينمائي ويترك بصمة في سجل العمل السينمائي الليبي وصحائف المهنة التي قضى جزءا من شبابه يدرسها ، دون ان يكمل هذا الفيلم .

احسست ذات يوم بمدى غربته وهو يتحدث عن ورشة ميكانيكا للسيارات شارك في انشائها لتكون موردا لتحسين مستواه المعيشي ، ويحاول ان يخدع نفسه قائلا انه يامل ان تدر عليه دخلا يساعده في تمويل فيلم من انتاجه ، فقلت له متاسفا ان تمويل الافلام قد يتحقق عن طريق مصنع لانتاج السيارات وليس عن طريق ورشة لاصلاحها سعتها بضعة امتار.

شارك محمد عبد الجليل قنيدى مع فرق المسرح الاهلية في عملية انتاج لمسرحيات شعبية دون ان يكون له مساحة متفردة في التمثيل او الاخراج او خلافه وانما هي عمليات جماعية كنا جميعا نرضى من خلالها هوايتنا ، ولعله اسهم في بعض البرامج الاذاعية تمثيلا واخراجا واسهم في اكثر من فيلم تسجيلي قصير ربما كان احداها من اخراجه كما ترك مسرحيته الوحيدة الفريدة التي سبق الحديث عنها ، لكن الحلم الذي سخر له حياته وبددها تبديدا من اجل تحقيقه هو انجاز ذلك العمل الفني الذي ابى ان يكتمل فيلم "الحب في الازقة الضيقة" ، رحم الله الصديق الفنان والكاتب الراحل الاستاذ محمد عبد الجليل قنيدي، املا ان تجد هذه الحياة التي انفقها يركض وراء مشروع انتاج هذا الفيلم مخرجا سينمائيا من الاجيال الجديدة يستنبط منها قصة تدور عن قصة هذا الفيلم الذي كان اشبه بغزالة هاربة مضى الصياد يركض خلفها عمرا كاملا وسقط ميتا دون ان يتحقق حلمه في اصطيادها وختاما استحضر هذا المقطع الشعري واستشهد به ، باعتباره يصور ابلغ تصوير مثل هذه الحالة للشاعر احمد عبد المعطي حجازي:

بالله يامن ستلقى

في ذات يوم حبيبي

اخبره اني انتظرت

الى الصباح ومت .

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home