Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الأربعاء 16 يوليو 2008

التكوين

رحلة عـنوانها التحدي(*)

د. أحمد ابراهيم الفقيه

الطفل والاشجاروالتحدي
كنت دائما اقف مبهورا ، ومملوءا بالدهشة والرهبة ، امام الظواهر التي عرفتها البيئة القروية الرعوية البدوية التي انتسب اليها بحكم المولد والنشأة ، وهي ظاهر الاشجار السامقة العملاقة ، التي اراها تضرب جذورها وسط مناطق جبلية ، وارض صخرية جرداء ، عارية من أي غلاف نباتي ، ومن بينها اشجار مثمرة مثل اشجار التين والزيتون ، التي تنبت هنا فرادى ، ودون صاحب يغرسها ويتعدها بالعناية والرعاية كما في البساتين ، مع اشجار اخرى ذات صبغة صحراوية ، تنتشر في الشعاب مثل اشجار الطلح والسدر والاثل والبطم ، تتحدى بخضرتها ، ونضارتها ، واوراقها الغزيرة واغصانها المرفوعة كاذرع خضرا تؤدي طقسا دينيا وتصلي لخالق الكون ، البيئة القاحلة المجذبة ، وقيظ الشمس الذي يتحول في الظهيرة، حديدا مصهورا ينزل من السماء ، دون وجود لاحد يسقيها بالماء او يتعهد ارضها بالحرث والتقليب والتسميد ، لانه لا وجود لتربة عند الجذور والجذوع وانما صخور من الصوران واحجار البراكين السوداء تناطح بعضها بعضا ، ولا وجود لماء غير تلك الامطار النادرة التي تهطل مرة كل عام او عامين ، واذا هطلت فهي ضئيلة شحيحة لا تصنع سيلا ولا يبقى له اثر فوق الارض .
اقف امام هذه الاشجار مندهشا ، مستعظما قدرة الخالق على اجتراح المعجزات ، غير واع وانا اعبر مرحلة الطفولة بصلة الرحم التى تربطني بهذه الاشجار وما يجمع بيني وبينها من تشابه في المنشأ والظروف ، وما خطته لي الاقدار التي غرستني في ارض الادب ، نبتة حوشية تنمو دون ان يتعهدها احد بالرعاية والعناية والسقي والتهذيب والتشديب ، بل دون ان اتجاوز في تعليمي النظامي المرحلة الالزامية ، فقد ولدت ونشأت في ظروف تشبه مولد ونمو هذه الاشجار وسط قحط وقيظ وقسوة البيئة الصحراوية القاحلة الجرداء، وفي واحة على تخوم الحمادة الحمراء ، قلب الصحراء الكبرى ، واكثر مناطقها ووعورة وجفافا وقحطا ، حيث لا شيء غير سيوف الرمال ، ومنابت الريح الصرصر الهوجاء ، ولا ادري ماهي الصدفة التي ادخلتني دون اندادي من اطفال العائلة ، الى المدرسة الابتدائة ، بعد قضاء عامين او ثلاثة اعوام في كتاب القرية ، وهي مرحلة تشبه مرحلة الروضة في المدن ، انتهت عندها دراسة اغلب اقراني ، الذين ذهبوا لرعي الجديان ومرافقة ابائهم في الحرث والحصاد وجمع الاحطاب وحش الاعشاب للاغنام وجلب الماء من البئر . الحاصل انني دخلت المدرسة الابتدائية في القرية ومدتها اربعة اعوام ، يعتبرها الاهل نهاية المطاف في مجال التعليم ، فلا وجود في القرية لاحد امتدت دراسته ابعد من هذه الاعوام الاربعة ، يأخذ بعدها الشهادة التي تنتهي عندها احلام الدارسين لانها تكفل لصاحبها وظيفة كتابية في السلك الوظيفي تنجيه من بطالة ومجاعة تلك الايام ، وكانت صدمة كبيرة لهؤلاء الاهل عندما اطالت الحكومة عمر المدرسة الابتدائية وجعلتها ستة اعوام، تلتها صدمة اكبر هي ان الوظائف التي كانت مفتوحة امام حملة الشهادة الابتدائية اختفت لان مدارس جديدة ظهرت بعد الابتدائية ، وشهادات اكبر منها ، صاروا يضعونها شرطا لمثل هذه الوظائف ، واذكر عندما انتقل بي والدي من القرية الى طرابلس ، لارى هذه المدينة الكبيرة لاول مرة في حياتي ، بعد ان ختمت المدرسة الابتدائية ، يبحث بين المعاهد المتوسطة عن اقصرها مدة ، وبعد الطواف الطويل ، تم قبولي في مركز للتدريب الفني والكتابي ، انشأته منظمة اليونسكو ، يمكن للدارسين فيه ، الالتحاق بالوظائف الكتابية الحكومية بعد اكمال الدراسة التي تستغرق ثلاثة اعوام . التحقت بالقسم الداخلي بهذا المركز الذي كان اغلب المدرسين فيه من المصريين والشوام ، وثلاثة او اربعة مدرسين انجليز يتولون تدريس اللغة الانجليزية التى كانت مادة اساسية في المنهج الدراسي، حيث اكملت الاعوام الثلاثة وتخرجت لانخرط في مجال الوظيفة وانا لم ابلغ السابعة عشرة من عمري . وكانت هذه الاعوام هي كل حصيلتي من التعليم النظامي ، وكل ما اتى بعد ذلك من معارف كنت التقطه التقاطا من ارصفة الشوراع ودروب الحياة .

القراءة.. القراءة
لم نكن في القرية نعرف شيئا اسمه الدراسة الجامعية ، ولم يكن هناك بين اهلها من تخرج منها ، لانه لم يكن هناك وجود لجامعة ليبية في الاربعينيات او مطلع الخمسينيات من القرن الماضي ، واذكر عندما سأل مدرس بالمدرسة الابتدائية تلاميذ فصلنا عن المهن التي يريدون امتهانها عندما يكبرون ، لم يسمع الا ثلاث اجابات ، هي شرطي ، وسائق ، ومدرس بالمدرسة الابتدائية ، لان مهنا مثل المهندس والدكتور والمحامي والطيار واستاذ الجامعة او الاخرى التي تتصل بالفن مثل الملحن والمخرج والممثل والمطرب لم تكن معروفة ، اجابة رابعة واحدة قلتها انا ، من وحي كتب المطالعة التي تضع هامشا للتعريف ببعض الادباء ، عرفت منها ان هناك مهنة اسمها اديب ، فقلت للمعلم انني اريد ان اكون اديبا ، وشد ما استغرب لمثل هذا الجواب ولعله ضحك استهزاء من قولي، فاثار بضحكه روح التحدي في نفسي وجعلني وانا في العاشرة او دونها اباشر في تاليف كتاب ينتمي لعبث الاطفال ، واحرر صحيفة حائطية اسميتها الامل ، وجدت بعض اعدادها في مخازن المدرسة بعد تلك الفترة بثلاثة او اربعة عقود .
النهم للقراءة ، كان هو البديل للدراسة النظامية ، وقد قادني هذا النهم منذ اعوام الطفولة الاولى الى التهام كل ما وجدته من كتب اطفال في مكتبة المدرسة ، وكانت تحتوي على كل طرح المطابع في هذا المجال ، المكتبة الخضراء ، وسلسة اولادنا ، وكل ما كتبه الاساتذة كامل كيلاني ، ومحمد عطية الابراشي ، وسعيد العريان ، وما ترجموه من القصص العالمية مثل قصص هانز كريستيان اندرسون ، وما اقتبسوه من قصص الف ليلة وليلة ، منتقلا بعد ذلك الى قراءة كل روايات التاريخ الاسلامي لصاحب الهلال جورجي زيدان ، وكنت احيانا اقضي الليل قائما لانني لا اريد ان اترك الرواية قبل انهائها ، وانهيت مرحلة الدراسة الابتدائية بقراءة كتب المنفلوطي وترجماته ، واستطيع ان اقول ان الفرسان الثلاثة الذين غرسوا في طفولتي روح الابداع وشحنوا وجداني بعوالم الخيال والجمال هم كامل كيلاني وجورجي زيدان ومصطفى لطفي المنفلوطي ، ويمكن القول ايضا انني قبل ان اغادر القرية بدأت اتعرف على المحدثين من الكتاب في مجال القصة امثال احسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله باعتبارهم كتاب الادب الرومانسي في تلك الفترة من مطلع خمسينيات القرن الماضي ، وعقب انتقالي الى طرابلس اكتشفت اقرب كاتبين الى نفسي من كتاب القصة والرواية ، وهما نجيب محفوظ ويوسف ادريس.

تراث البادية
لابد قبل الانتقال من مرحلة الحياة في القرية ، التي عشت بها حتى بلغت الرابعة عشرة من عمري ، من الاشارة الى مصادر اخرى للتكوين الثقافي غير المطالعة ، هي الثقافة الشعبية الثرية التي تزخر بها قرية على مفترق الطرق التي تعبرها قوافل الصحراء ، بدءا من الخرافات التي نسمعها من نساء العائلة بما في ذلك السيرة الهلالية ، الى اغاني الافراح ، الى تلك التي تصاحب عمليات الحرث والحصاد ودرس السنابل والورود على الماء وطحن الحبوب بالرحى ، والاشعار الشعبية التي يتناقلها الناس عن مؤلفيها من فحول شعراء البادية مثل المريمي والزناتي وابن وحيدة وغيرهم ، ورغم اقامتى مع اسرتي داخل القرية ، في منزل كبير به كل المنافع ، ويعلوه برج يرتفع اكثرمن عشرة امتار فوق الارض بناه الاجداد لصد الغزوات القادمة من الصحراء ، الا انني حصلت على نصيبي من الحياة في البادية ، التي تنتقل اليها اسرتي في بعض المواسم ، للاقامة في الخيام، وسط ثغاء الشياه ورغاء الابل ونهيق الحمير ، وعواء الذئاب القادم من القفار المحيطة ، وشاركت في المناشط والالعاب التي يؤديها الاطفال بالبادية والاعمال الهينة التي تسند اليهم وشاهدت الناس في كدحهم اليومي حرثا وزرعا وجنيا للمحاصيل ، وانطبعت في ذهني مظاهر الحياة البدوية، وما يرافق افراحها واتراحها من تراث وطقوس وفنون ، وانبهرت ببهاء الصبح عند ابلاجه في تلك البطاح ، وعاينت الحزن الشفيف الذي تبعته في النفس مشاهد الغروب وزحف العتمة على الدنيا الفسيحة الشاسعة الواسعة فتجعلها كتلة من العماء والسواد ، واحسست برهبة تلك المفازات اللامتناهية التي لا يحدها حد ، وعرفت ما يعنيه المتنبي عندما قرأته فيما بعد ، وهو يصف تلك المفازات الصحراوية المرعبة الخادعة ، بقوله " يهماء يكذب فيها السمع والبصر " فالاشياء فعلا تأخذ في الصحراء احجاما غير احجامها الحقيقية ، والاصوات تتنوع وتتباين فيبدو فيها صوت الريح كماثم تنوح فيه النساء الثكالى ، ودعك من سراب الصحراء الذي يصنع من انعكسات اشعة الشمس على الحصى انهارا وبحيرات كاذبة من الماء ، وعن هذه الفترة من حياتي في الريف والبادية والقرية ، انجزت كتابا عنوانه " الانتماء لاشجار النخيل ".

الرحيل الى المدينة
كان لابد وانا انتقل الى مدينة طرابلس عام 1957 ان ابحث عن اترابي ممن يشاركونني هواياتي الادبية ، ووجدتهم في فرقة للتمثيل انشأها في ذلك العام الصديق الشاعر والكاتب المسرحي عبد الحميد المجراب ، وتضم بين اعضائها كتابا صاروا فيما بعد رفاق طريق على درب الكلمة هم نجم الدين الكيب ، وبشير الهاشمي ، ويوسف الشريف ، وعبد الله هويدي ، وعلى الحاراتي ، قبل ان تتوثق صلتي بادباء من ابناء جيلى خارج الفرقة مثل على فهمي خشيم و محمد احمد الزوي ومحمود نافع وخليفة التكبالي ويوسف القويري وعبد الكريم الدناع وفوزي البشتي والصيد ابوديب واحمد الحريري وادباء اكبر سنا مثل على الرقيعي وخالد زغبية وكامل عراب وامين مازن ، وكان هؤلاء الادباء الذين ينتمون الى المدينة او وفدوا اليها في مراحل مبكرة من حياتهم ، هم نافذتي على الادب ، اعاروني الكتب من مكتباتهم ، وارشدوني الى عيون الادب المترجمة الى العربية مثل تلك التي كانت تصدرها دار اليقظة في الشام ، للادباء الروس ، فتعرفنا على تولستوي وديستويفسكي وجوركي وتشيكوف وجوجول وترجنيف ، وعن غير هذه الدار تعرفنا على كتاب مثل سارتر وهيمنجواي وجي دي موبسان واميل زولا وديكنز مما كانت تنشره دار الاداب او روايات الهلال واذكر انني شاركت في تأبين ارنست هيمنجواي عند رحيله في مطلع الستينيات ، ولم اكن احتاج لمن يدلني على الادب العربي فقد كان المركز الثقافي المصري ، بمقره القديم بشارع المغاربة ، كريما في اعارتي ما احتاجه من الكتب، وكا ن تركيزي على الابداع القصصي والمسرحي ، بدءا من توفيق الحكيم ومحمد فريد ابو حديد ويحي حقي ومحمود تيمور وصولا الى الاجيال التالية لهؤلاء امثال نجيب محفوظ ويوسف ادريس ومحمود البدوي ويوسف الشاروني وعبد الرحمن الشرقاوي وسعد مكاوي وعبد الرحمن الخميسي وغيرهم وكان لادب المهجر نثرا وشعرا مكانته المرموقة في وجدان ابناء جيلي ممن قرأوا انتاج جبران خليل جبران وايليا ابي ماضي وميخائيل نعيمة كما كان لادب الانسة مي باسلوبها الرومانسي وروحها الشفافة وجمال انوثتها ابلغ الاثر في نفسي ، وكان ارتباطي وثيقا بالشعر الحديث الذي يكتبه شعراء الحداثة بدءا من نزار قباني وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري في الشام والعراق الى شعراء وادي النيل صلاح عبد الصبور واحمد عبد المعطي حجازي ومحمد الفيتوري ومحي الدين فارس وتاج السر حسن وجيلي عبد الحمن دون ان ننسى شعراء اخرين مثل شاعر العامية صلاح جاهين وشاعر الكلمة الغنائية كامل الشناوي وشعراء الفحولة والجزالة اللغوية مثل الجواهري و عمر ابو ريشة وبدوي الجبل ومحمود حسن اسماعيل الذين اسعدني الحظ بالتعرف اليهم في مطلع حياتي الادبية عند مشاركتي في بعض المنتديات الادبية .
وبعد امتلاكي ناصية النشر تعرفت في ليبيا بعدد من ادباء الجيل السابق وكبار صحفييه امثال احمد قنابة وعلى مصطفى المصراتي وعبد الله القويري وخليفة التليسي وعبد اللطيف الشويرف وعبد السلام خليل وعبد القادر ابو هروس ومحمد فريد سيالة وفؤاد الكعبازي وكامل المقهور وعبد ربه الغناي وحسن السوسي وعلى صدقي عبد القادر وعلى ابوزقية ومحمد الشاوش ومحمد فخر الدين وفاضل المسعودي ومحمد عمر الطشاني وعبد الهادي الفيتوري ويوسف هامان وكانت الصحافة قد فتحت لي صدرها لابدا وانا دون العشرين اباشر نشر قصصي ومقالاتي ، ومنحتني صحيفة طرابلس الغرب فرصة ان اكتب عمودا يوميا من اعمدة الرأي عنوانه " لا تسرع الخطى " كما شاركت في كتابة البرامج الصباحية اليومية للاذاعة في عهد الاساتذه صالح الشنطة وعبد العزيز الرحيبي وشارف الترهوني ومن بعدهم مصطفى بن شعبان ، وكان لابد لكتابي الاول ان ينتظر بضعة اعوام ، حتى اكتملت لي مجموعة قصصية اسميتها " البحر لا ماء فيه " نالت الترتيب الاول عام 1965 ضمن الجوائز التي خصصتها حكومة ذلك الزمان للاعمال الادبية ، ولاقت هذه المجموعة ترحيبا كبيرا من الاوساط الادبية وحققت لي اعتراف المجتمع الادبي محليا وعربيا بمكانتي الادبية واحتفى بها كتاب وادباء كبار من امثال الدكتور عبد القادر القط وفاروق منيب في صحيفة الجمهورية وفاروق عبد القادر في روز اليوسف والدكتور نيقولا زيادة في لبنان واسهم في تقديمها كاتبان احببتهما وربطتنني بها صداقة عميقة استمرت الى حين انتقالهما الى دار البقاء هما الدكتور يوسف ادريس والشاعر صلاح عبد الصبور.

الرحيل الى القاهرة
كانت اولى رحلاتي خارج ليبيا ، هي الرحلة الى القاهرة . جئتها في مطلع عام 1962 موفدا في دورة تدريبية بالمعهد العربي لتنمية المجتع ، التابع لمنظمة اليونسكو ومقره قرية سرس الليان بالمنوفية ، وهناك التقيت بعدد من كبار اساتذة الجامعات المصرية الذين كان لهم ابلغ الاثر في تكويني الثقافي ، اذكر منهم الدكتور سعيد عبده ، والدكتور عبد الحميد يونس ، والدكتور رشدي خاطر ، والدكتور عبد الفتاح الزيات ، والدكتور لويس كامل مليكه والدكتور حامد عمار والدكتور محمود الشنيطي ومدير المركز الاستاذ محمد سعيد قدري ، كما انغمست خلال عامي 62ــ 63 في الحياة الادبية والفنية خارج المعهد فلم تفوتني مسرحية من مسرحيات تلك المرحلة الخصبة بانتاج نعمان عاشور وميخائيل رومان وسعد الدين وهبة وتوفيق الحكيم وغيرهم مع ما اضافة مسرح الجيب من اطلالة على الادب الطليعي في العالم مع ما قدمه المسرح القومي من عيون الادب العالمي لتشيخوف ودورينمات بريخت ، ولم اترك ندورة او محاضرة استطيع ان احضرها الا حضرتها وتعرفت على عدد كبير من الادباء المصريين ما تزال علاقاتي وثيقة مع الاحياء منهم حتى اليوم . كانت فترة وجودي في القاهرة ، فترة حاسمة في ثقافتي وتكويني ، لانها اخرجتني من اغلفتي المحلية ، وجعلتني على تماس مع الهموم العربية وعرامة المشاعر القومية خاصة وان مصر كانت في ذروة نشاطها القومي ، كما كان المعهد الذي قضيت فيه تلك الفترة يضم طلابا من جميع الاقطار العربية تجمعني بهم فصول الدراسة كما تجمعنا حفلات السمر وممارسة الهوايات وجمعيات النشاط الاجتماعي حيث كنا نقيم جميعا في القسم الداخلي للمعهد ، وكان انهماكي في الحركة الثقافية كبيرا عند عودتي الى ليبيا، يسوقني حس قوي بالمسئولية ازاء تنمية وتطوير الواقع الثقافي ، الى حد نسيت فيه واجبي نحو نفسي كمبدع ، واتجهت الى المساهمة في انشاء وتحرير مجلات ادبية مثل الرواد ، وليبيا الحديثه ، والاشراف على الابواب الثقافية في صحف مثل الرائد وطرابلس الغرب والحرية والميدان والحقيقة والطليعة وغيرها، وقيادة حملات صحفية مثل حملتي من اجل الاهتمام بالجنوب الليبي ، وعودة الاعتبار للمجاهدين الليبين و الكفاح من اجل الارتفاع بمستوى المرأة والمطالبة برعاية الدولة للفنون وانشاء فرقة للمسرح مثل المسرح القومي الذي تلقيت تدريبا على ايدي كبار مخرجيه من امثال فتوح نشاطي وكمال يسين وعبد الرحيم الزرقاني ونبيل الالفي .
وقد وضعتني هذه الحملات في حالة مواجهة مع السلطة وعرضتني للمثول امام المحاكمة التأديبية ، كما انشأت فرقة مسرحية هي فرقة المسرح الجديد كنت اقوم بكتابة المسرحيات لها والقيام باخراجها ، وكنت غارقا في دوامة العمل لا اكاد ارفع رأسي منه ، حتى جاءت صدمة الهزيمة عام 1967تدق ناقوس الفجيعة في حياتنا ، وتنعي لنا عالما من الاحلام التي تقوضت والامال التي اجهضت ، وكان كل ما اردته تلك الايام هو ان اهرب من هذا الواقع ، واستبدله بواقع جديد مخالف للواقع العربي ، وجوه جديدة، وافكار جديدة، ومعالم جديدة واناس يتكلمون لغة غير اللغة التي استهلكناها في منصات الخطابة والشعارات الرنانة الكاذبة، ومظاهر غير المظاهر المألوفة التي يغطيها اينما اتجهت رماد الهزيمة ، وتحقق لي هذا الهروب عندما التحقت ببعثة لدراسة المسرح في بريطانيا بترتيب من المجلس الثقافي البريطاني عام 1968.

السفر الى لندن
وبسفري الى لندن ، انفتحت امامي ابواب الادب والفن في تلك المدينة ، لانهل من معينها منذ اول يوم ، حيث اسعفتني معرفتي باللغة الانجليزية على سرعة التواصل مع مختلف المجالات الثقافية ، خاصة وانني ادخل الى هذه المجالات من ارحب واوسع ابوابها وهو باب المسرح ، ابو الفنون الذي تعتبر لندن العاصمة الاولى له في العالم اجمع بلا منازع لتمتزج هذه الروافد الجديدة ، مع روافد الثقافة العربية التي استقيتها من من منابعها في الوطن العربي .
وعندما عدت الى طرابلس بعد ثلاثة اعوام كان مجتمع الثورة الجديد يؤسس نفسه على انقاض المجتمع الملكي القديم ، فاندفعب بقوة اقتحم ميادين العمل الثقافي ، فعملت مديرا للمعهد الوطني للتمثيل والموسيقى واستعنت بخبرات كبيرة من مصر في وضع قواعد جديدة له نقلته من معهد مسائي الى معهد يقدم شهادات معترفا بها ويتفرغ الطلاب للدراسة فيه ، كما توليت رئاسة تحرير صحيفة الثورة وتطويرها واستلمت مسئولية مدير عام ادارة الفنون والاداب ثم اسهمت في تأسيس المؤسسة العام للصحافة وعملت رئيس تحرير لصحيفة الاسبوع الثقافي ورئيس تحرير لمجلة الثقافة العربية في ذات الوقت ، دون ان اتخلى عن اثراء الحياة الادبية والفنية ، فانصرفت فترة من الوقت لتأسيس اتحاد الادباء والكتاب، وعملت امينا عاما له بعض الوقت ، وقمت بتأليف واخراج عدد من المسرحيات من بينها المسرحية الغنائية هند ومنصور التي كانت تدشينا للمسرح الغنائي في ليبيا ، ومسرحيات اخرى مثل زائر المساء وصحيفة الصباح وغيرهما ، وعلى وفرة هذه الاعمال فقد قمت بانجازها في مدة وجيزة لا تزيد عن ستة اعوام ، عدت بعدها للسفر والتجوال الذي شمل اغلب بلاد العالم ، مستهلا الرحلة السندبادية بالعمل مستشارا اعلاميا في لندن ، ومسئولا عن بناء قاعدة اعلامية وثقافية في وقت اشتدت فيه المعارك الاعلامية بيننا وبين دوائر الخصوم ، حيث توليت رئاسة المجلس الثقافي العربي ، وتوليت رئاسة تحرير مجلة ازيور الثقافية والفجر العربي السياسية وفلسطين الحرة النضالية وكلها باللغة الانجليزية كما اشرفت على مجلة تصدر بالعربية هي الملتقى واسهمت في الاشراف على مجلة يصدرها مكتب الجامعة العربية باللغة الانجليزية هي شئون عربية . وعرضت لي مساح لندن عددا من المسرحيات هي الغزالات وزائر المساء واخيرا غناء النجوم ، كما صدرت لي خمس روايات مترجمة الى الانجليزية عن كبرى دور النشر في لندن ونيويورك وخمس مجموعات قصصية ومجموعة مسرحيات ، وصارت لندن مقرا ثانيا لي بعد طرابلس ، لا اغيب عنها حتى اعود اليها خلال العقود الثلاثة الماضية ، وقد بلغت سنوات اقامتي في لندن اكثر من عشر سنوات ، واقمت كذلك في مدن عربية غير طرابلس هي الرباط والقاهرة ، وبيروت التي كانت اقامتى بها متقطعة اثناء طباعة مجلة الثقافة العربية بها في السبعينيات ، وتجددت الصلة بعد انتهاء الحرب الاهلية ، وتشرفت بتمثيل بلادي في اثينا ، عاصمة اليونان رئيسا للبعثة الدبلوماسية بها واقمت بتلك المدينة الجميلة خمس سنوات انتقلت بعدها لاكون رئيس البعثة السياسية الليبية في رومانيا التي اكتشفت غزارتها بالمناطق السياحية الجميلة التي لم اعهد لها مثيلا في البلاد التي زرتها ، واستضافني اتحاد كتاب الصين مرتين لحضور ندوة اولى عن روايتي حقول الرماد وندوة ثانية عن الثلاثية الروائية بعد ترجمة هذه الاعمال واعمال قصيرة اخرى الي الصينية وقد اصدر الاتحاد كتابا عني يضم وقائع الندوتين ودراسات اخرى عن اعمالي نشرتها صحف الصين . وفاتني ان احضر ندوات اخرى عن اعمالي المترجمة في براغ وموسكو ووارسو ، الا انه لم يفتني حضور ندوات بعدد الكتب التي صدرت في لندن وهي اكثر من عشرة كتب وندوا ت كثيرة شهدتها طرابلس والرباط وبيروت وتونس والجزائر والقاهرة التي شرفتني بالنصيب الاكبر من هذه الندوات في الاتيلييه ونادي القصة ومعرض الكتاب وكانت اخر هذه الندوات تلك التي اقامها بكرم واريحية المجلس الاعلى للثقافة عن انتاجي الادبي في مجال الرواية والمسرحية والقصة القصيرة وقد امتدت لمدة يومين وشارك فيها اكثر من خمسة عشر كاتبا واديبا .

تكريم
لم تتاخر بلادي عن تكريمي ، فقد استلمت من قائد الثورة اول شهادة تقدير عن دوري في النهضة بالادب الليبي عام1970، في اول عيد للثورة ، وفي العيد العشرين استلمت منه وسام الفاتح العظيم ، ومنذ عامين فقط شملني التكريم الذي حصل عليه كوكبة من الادباء الليبيين والعالميين بينهم روجيه جارودي ، من جائزة القذافي العالمية لحقوق الانسان ، وبوأتني بلادي اعلى المراكز حيث ثم اختياري عضوا في اللجنة البرلمانية الدستورية لوضع دستور اتحاد الجمهوريات العربيةعام 1973كما تم اختياري منسقا عاما للقيادات الاجتماعية في احدى اكبر المناطق الادارية في ليبيا هي شعبية مزده ، وهو واحد من اعلى المناصب الادارية في الدولة ، وحالت ظروفي الخاصة عن الاسمرار في هذا المنصب ، كما حالت ظروف مثلها عن استلام منصب امين ( وزير) الاعلام والثقافة عندما ثم تصعيدي لهذا المنصب من قبل جماهير الكتاب والادباء والصحفيين العاملين في الاجهزة الاعلامية .
آخر ما صدر لي اسطوانة ممغنطة تضم ستين كتابا من تأليفي ، وعشر كتب اصدرها نقاد وباحثون اكاديميون عني وترجمات للغة الانجليزية ضمت اثنتي عشر كتابا ، هي حصيلة ما جمعته من انتاجي الادبي.
اما اخر ما انتهيت من كتابته فهو اثنى عشرية روائية ، هي اول رواية بهذا الحجم و من هذا النوع الملحمي في الادب العربي ، باشرت نشرها مجلة ايلاف الاليكترونية وقرينتها الورقية الصحراء المغربية ، ارجو ان تصدر في كتب خلال الصيف القادم . كما انجزت قصصا نشرت بعضها صحيفة الاهرام هذا العام في هجاء البشر ومديح الحشرات والبهائم تصدر هي الاخر في كتاب عما قريب ، ارجو الا يعتبرها القراء تشاؤما وعدمية ، وانما خبرة حياتية قادتني لمعرفة انواع من البشر ، نبلاء وانذال ، ومعرفة اخرين تصورتهم انذالا وهم نبلاء ، او تصورتهم نبلاء وهم انذال ، وصدق رايته في ثياب الكذب ، وكذب ارتدى اقنعة الصدق ، واختبرت حقيقة بيت الشاعر المتنبي الذي يقول :
ومن عرف الدنيا طويلا تقلبت      على عينه حتى رآى صدقها كذبا

التحدي كان عنوان الرحلة منذ البداية
وانظر خلفي متأملا حصاد هذه المسيرة فاجد خمسة عشر رواية ، وعشر مسرحيات ، وخمسة وعشرون قصة للاطفال والفتيان ، واكثر من مائة قصة قصيرة ، والاف المقالات الموزعة بين ثلاثين كتابا ، ومئات البرامج المسموعة والمرئية التي لا احتفظ بتسجيل لها ، ومشاركة في مئات المؤتمرات العربية والدولية واعداد لا تحصى من جوازات السفر ، تحمل تأشيرات دخول الى اغلب مدن العالم
تزوجت وانجبت ثلاثة اولاد وابنتين انجبوا حتى الان اربعة احفاد .
ومازال التحدي مستمرا ولن ينتهي الا بسقوط آخر ورقة في شجرة العمر .
والحمد لله اولا واخيرا .
_________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في مجلة "الهلال" القاهرية ، يوليو 2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home