Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

السبت 15 مايو 2010

فيلسوف النهضة

د. أحمد ابراهيم الفقيه

رحل عن عالمنا عميد من عمداء الفلسفة العربية وفارس من فرسان التنوير والعقلانية والتحرر الفكري هو الدكتور محمد عابد الجابري استاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس بالعاصمة المغربية عن عمر يناهز الخامسة والسبعين عاما في بيته في الرباط صباح الاثنين الثالث من هذا الشهر ، بعد حياة حافلة بالانجازات العلمية والفكرية والنضال السياسي على المستوى الوطني . وهو بلاشك صاحب مدونة فلسفية وضعته في طليعة الفلاسفة المجددين في الفكر العربي ، المعنيين بسؤال النهضة وتحديث المجتمع ودراسة الايات العقل العربي وصولا الى تاسيس ارضية جديدة لتحقيق التقدم والالتحاق بركاب العصر .

وقد تعددت اللقاءات التي جمعتني به على مدى العقود الاربعة الاخيرة كان اولها في بداية اطلالته على عالم الفكر عام 1975 في مدينة بغداد عندما شاركنا سويا في مؤتمر انتظم في العاصمة العراقية عن الفية الفيلسوف الفارابي حيث جاء في معية استاذه وعميد كلية الاداب التي يعمل ضمن هيئة تدريسها الدكتور محمد عزيز الحبابي وقدم في ذلك المؤتمر ورقة عن تاريخ المحتفى به تضمنها بعد ذلك كتابه قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي ، وظهرت فيها المعيته كباحث يستخدم ادوات حديثة في تحليل الخطاب السلفي ، ثم شاءت الصدف ان التقى بالمفكر الكبير في بداية انجاز مشروعه الفكري الذي اشتهربه فيما بعد ، حيث التقينا عام1982 بمدينة تونس ، في اطار المشاركة في المؤتمر الكبير الذي شهد حضورا مكثفا لفعاليات فكرية عربية كثيرة وكان موضوعه مقاومة الغزو الثقافي ، ساهمت فيه بورقة حول حوار الحضارات بعنوان ابنا ء الماء وابناء النار ملاحظات حول التواصل بين العرب والغرب ، وكانت مساهمة الدكتور محمد عابد الجابري في محور تأصيل الفكر العربي وقدم ورقة تؤسس لنظريته في نقد العقل العربي ، تدور حول ما اسماه امة البيان وامة البرهان مضيفا اليها بعدا تراثيا ثالثا هو العرفان ، وهي الورقة التي كانت الشرارة الاولى في موسوعته الفلسفية ذات الاربع مجلدات والمعنية بنقد العقل العربي منحازا فيها الى البرهان، باحثا عن جذور الفكر العقلاني في فكر فلاسفة مثل ابن رشد، وهي كتب تكوين العقل العربي ، وبنية العقل العربي ، والعقل السياسي العربي والعقل الاخلاقي العربي ، وكان قبل هذه الرباعية قد ارهص لمشروعه بعدد من المؤلفات التي صدرت قبلها ومهدت لها مثل كتابه الصادر في مطلع السبعينيات وهو كتاب نظرية خلدونية في التاريخ العربي الاسلامي ، الذي كان اساسا لاطروحته لنيل دكتوراه الدولة ، ثم الحقه بعد عدة سنوات بكتابه مدخل الى فلسفة العلوم ، والعقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي ، ثم توالت مؤلفاته حتى بلغت ثلاثين كتابا، تضمن الحوار بين مشرق الوطن العربي ومغربه الذي بدا مناظرة في مجلة اليوم السابع ، بين اثنين من اساطين الفكر والفلسفة هما الجابري وحسن حنفي ، حول الدين والدولة وتطبيق الشريعة ، واسهم الراحل الكبير مع مركز دراسات الوحدة العربية في انجاز اسفار تتصل بتاريخ الفلسفة والفلاسفة العرب ، وكانت آخر مشاريعه سفرا متعدد الاجزاء يتصل بفهم وتفسير القرآن الكريم اصدره تحت عنوان مدخل الى القرآن ، استثار به حفيظة بعض المتزمتين من سدنة المؤسسة الدينية. وفي تلك الورقة المؤسسة لمشروعه عن تفكيك الايات العقل العربي ، يعود الجابري الى عصر التدوين العربي معتبرا اياه النقطة المرجعية الاساسية في تكوين الفكر الذي انتجه العقل العربي خاصة فيما اصبح عنوانا لامة البيان ، لان ذلك التدوين اعتمد على الانسان البدوي والمجتمع البدوي بحثا عن النقاء اللغوي ، ليضع ذلك البدوي طابعه وبصمته واسلوب تفكيره على الاسلوب والمنهج الذي اعتمده عصر التدوين ، تسييدا للبيان على البرهان ، واعتبر الجابري ذلك العصر نقطة البدء في البحث عن المفاهيم والاليات التي ساهمت في تكوين بنية ذلك العقل ونقد تلك البنية ، باعتبار ان نقد العقل، كما يقول الجابري ، حزء اساسي اولي لكل مشروع للنهضة، وان هذه المراجعة الشاملة التي يقوم بها لآليات هذا العقل ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه ، انما تهدف بالدرجة الاولى ، الى المساهمة في وضع اسس النهوض العربي ، وتغليب قوى العقل المستنير على العقل المستقيل وقوى التنوير على القوى المضادة للعقل الفاعلة في وعي ولا وعي المجتمع العربي ، وتشييد الاعمدة لما يسمى في الاوساط الاكاديمية والفكرية المشروع النهضوي العربي ، من خلال تحليل الخطاب السلفي بمنهجية وموضوعية ، تحليلا واعيا وعميقا والقيام بعملية نقد مسئول لما تراكم عبر حقب تاريخية من جهود فكرية والاهتداء الى عناصر الفكر العقلاني التنويري الديمقراطي وسط ركام القوالب التي تكرس الجمود والثبات بل الانغلاق والاستبداد ، وكما يقول احد دارسي فكر الجابري وهو المغربي عبد الله المعقول ، انه يبحث في التاريخ من اجل الحاضر طارحا سؤال " كيف الوصول الى تحقيق الحياة التي يستحقها الانسان العربي ؟ ربما هذا هو السؤال المركزي الذي يحكم فكر الاستاذ الجابري برمته ؟ " وهو بالتالي سؤال يحيل على المستقبل ، واضعا جهده في خدمة قضايا التجديد والحرية وتغيير عقلية الانسان العربي من الجمود الى التحرر ، ومن الانغلاق الى الانفتاح ، ومن اجترار الماضي الى الحداثة والمعاصرة ، عقل عربي لا يكتفي باستهلاك المعرفة بل يعتني اولا اواخيرا بانتاج هذه المعرفة .

وجدير بالقول ان الاستاذ الجابري قرن القول والكتابة والتنظير بالعمل والسلوك والممارسة ، فكانت حياته امتدادا لافكاره ، وانخرط منذ بداية الشباب مناضلا في صفوق المكافحين من اجل الاستقلال في المغرب وكان واحدا من جيل المؤسسين لحزب الاتحاد الاشتراكي زميلا لكبار مناضليه امثال المهدي بن بركة والفقيه البصري واليوسفي ، الى ان وصل الى عضوية المكتب السياسي الذي يدير الحزب قبل ان يستقيل متفرغا لمشروعه الفكري ، وعندما وصل الحزب الى اتفاق مع الملك على تشكيل الحكومة برئاسة اليوسفي ، عرض رئيس الوزراء منصب وزير الثقافة على الاستاذ الجابري فاعتذر عن قبول المنصب الوزاري من اجل الا يشغله عن مواصلة مشروعه الفكري كما اعتذر عن مناصب اخرى كثيرة خارج وداخل المغرب كانت ستدر عليه دخلا يساوى اضعاف مرتبه الجامعي ، اعرف ان من بينها منصب امين المؤسسة العربية الفكرية بالاردن تحت رعاية الامير الحسن ، كما اعتذر عن جوائز تصل الى مائة الف دولا مثل جائزة صدام ومراكز شرفية مثل الاكاديمية المغربية حرصا على استقلاله العلمي ، وكان يفعل ذلك في هدوء ودون اثارة ولا اعلان من طرفه الا ما رشح ووصل الناس عبر الجهات التي تقوم بعرض هذه المناصب والجوائز عليه . كان انسانا كبيرا بمثل ما كان مفكرا تنويريا من دوي القامات السامقة ، عليه رضوان الله.

fagih@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home