Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الإثنين 14 سبتمبر 2009

في هجاء البشر ومديح الصراصير

الصرصور في الزنزانة

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 

الذين‮ ‬يعرفون الكاتب الروائي‮ ‬ياسين رفاعية‮ ‬يعرفونه إنساناً‮ ‬محباً‮ ‬للناس والحياة،‮ ‬دائم الابتسامة والدعابة،‮ ‬يتعامل مع العالم الذي‮ ‬حوله وكأنه عالم خلا من الزيف والكذب والتدجيل والنصب والخداع والجريمة،‮ ‬ويتعامل مع البشر كأنهم خلقوا جميعاً‮ ‬على شاكلته وفاء وصدقاً‮ ‬ونزاهة،‮ ‬أو على شاكلة زوجته الشاعرة أمل جراح،‮ ‬التي‮ ‬تشبه كائنا أثيريا‮ ‬يمشي‮ ‬على الأرض،‮ ‬وكان لابد لهذه النظرة الرومانسية الشاعرية التي‮ ‬ينظر بها‮ ‬ياسين رفاعية للمحيط الاجتماعي‮ ‬الذي‮ ‬حوله أن تصطدم بما في‮ ‬هذا الواقع من قبح‮ ‬يتناقض تماماً‮ ‬مع الرؤية التي‮ ‬ينظر بها إليه،‮ ‬وحدث ذات ليلة شتوية من ليالي‮ ‬آواخر السبعينيات في‮ ‬بيروت،‮ ‬والحرب بين الطوائف والميليشيات اللبنانية مستمرة تتقاتل فيما بينها حيناً‮ ‬ويقاتل بعضها المليشيات المسلحة الفلسطينية حينا آخر،‮ ‬وتدخل في‮ ‬مواجهات مع قوات الردع العربية القادمة من سوريا في‮ ‬أحايين أخرى،‮ ‬أن وجد‮ ‬ياسين‮ ‬رفاعية نفسه في‮ ‬مواجهة الوجه البشع لهذه الحرب التي‮ ‬لا تربطه بها أو بأطرافها أية علاقة،‮ ‬محتميا بالوسط الأدبى الذي‮ ‬ينتمي‮ ‬إليه ويحرر له صفحات وزوايا في‮ ‬الصحف اللبنانية ويراسل بمواضيعه الأدبية صحفا خارج لبنان،‮ ‬وجد في‮ ‬هذه الليلة الشتوية المطيرة أناسا ملثمين،‮ ‬مسلحين بالبنادق الرشاشة،‮ ‬يبلغ‮ ‬عددهم خمسة أو أكثر،‮ ‬يقتحمون بيته لحظة إن كان‮ ‬يعين زوجته أمل على إدخال طفله بسام وطفلته لولا لفراشهما،‮ ‬فيتقدم هؤلاء الملثمون وينتزعونه من بين أفراد أسرته‮ ‬يسحبانه إلى الباب،‮ ‬وعندما تحاول زوجته الاحتجاج ويباشر طفلاه الصراخ،‮ ‬يدفعهم الملثمون بغلاظة،‮ ‬مستخدمين قبضاتهم في‮ ‬ضربهم،‮ ‬طالبين من المرأة السكوت عن الكلام،‮ ‬ومن الطفلين السكوت عن البكاء،‮ ‬مهددين باستخدام البنادق ثم قطعوا أسلاك الهاتف‮.‬

وسحبوا‮ ‬ياسين بالقوة إلى خارج الشقة،‮ ‬تاركين زميلا‮ ‬ من زملائهم داخل البيت لكي‮ ‬لا تجرؤ زوجة‮ ‬ياسين على طلب النجدة من الجيران قبل أن‮ ‬يبتعد أعضاء العصابة بياسين‮.‬ رموا به في‮ ‬صندوق سيارة عسكرية أشبه بغرفة مظلمة،‮ ‬ومعه أحد أفراد العصابة الملثمين‮ ‬يضع حربة البندقية في‮ ‬خاصرته،‮ ‬لكي‮ ‬لا‮ ‬يتحرك ولا‮ ‬يتكلم،‮ ‬انطلقت به السيارة وبعد نصف ساعة توقفت،‮ ‬فأخذ حارسه عصابة سوداء ربط بها عينيه وأخرجه من السيارة وسار به بضع خطوات تحت زخات المطر وأدخله بناية حيث ظل‮ ‬يسمع زخات المطر دون أن‮ ‬يشعر بها تهطل فوقه،‮ ‬وهبط به درجا إلى مستوى أكثر عمقا اختفى معه أي‮ ‬صوت لهطول المطر،‮ ‬ثم هبط درجا آخر أكثر عمقا،‮ ‬وظل هابطا حتى ظن أنهم سيخرجون به من السطح المقابل للكرة الأرضية،‮ ‬إلا أن الهبوط إلى هذا العالم السفلى انتهى،‮ ‬ووجد حارسه‮ ‬يدخله زنزانة ذات باب حديدي،‮ ‬حيث رفع عن عينيه العصابة،‮ ‬وأقفل الباب وتركه وحيدا‮.‬ حاول خلال الطريق أن‮ ‬يعرف من حارسه طبيعة هؤلاء الخاطفين،‮ ‬ولماذا‮ ‬يخطفونه،‮ ‬وأي‮ ‬ذنب ارتكبه حتى‮ ‬يستحق هذا العقاب،‮ ‬وكان جواب الحارس هو نغزة من حربة البندقية وتهديد بأنه سيفرغ‮ ‬رصاص بندقيته في‮ ‬جسمه إذا لم‮ ‬يتوقف عن السؤال والكلام‮.‬ كان هناك نوع من الإضاءة المعتمة،‮ ‬المكبوتة،‮ ‬المكتومة،‮ ‬لا‮ ‬يعرف مصدرها تتسلل عبر جزء من الباب الحديدي،‮ ‬تغطيه شبكة من الأسياخ‮.‬

يستطيع أن‮ ‬يمد بصره من خلاله إلى خارج الزنزانة،‮ ‬حيث لا شيء‮ ‬غير مساحة مبلطة‮ ‬يحدها حائط رمادي،‮ ‬حاول أن‮ ‬يتبين إن كانت هناك زنازين أخرى،‮ ‬ورفاق في‮ ‬السجن،‮ ‬فلم‮ ‬يستطع أن‮ ‬يعرف شيئا،‮ ‬أو‮ ‬يسمع شيئا،‮ ‬أو‮ ‬يرى شيئا‮ ‬غير الجدار في‮ ‬مواجهة الزنزانة،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يدري‮ ‬إن كان لونه الرمادي‮ ‬جاء بسبب العتمة،‮ ‬أم هو هذا لونه الطبيعي،‮ ‬فقد تركه مختطفوه واختفوا،‮ ‬وجد حشية من القش جلس فوقها،‮ ‬لا‮ ‬يدري‮ ‬ماذا‮ ‬يفعل بنفسه،‮ ‬رفع صوته‮ ‬ينادي‮ ‬إن كان هناك سجين آخر في‮ ‬هذا النفق‮ ‬يمكن أن‮ ‬يسمعه ويرد عليه فلم‮ ‬يسمع ردا،‮ ‬فركن إلى الهدوء،‮ ‬يردد بينه وبين نفسه النشيد الذي‮ ‬اشتهر في‮ ‬الشام أيام المقاومة الشعبية للاحتلال الفرنسي‮.‬

‮- ‬ياظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما‮.‬ ليس بعد الليل إلا فجر مجد‮ ‬يتسامى‮.‬ ورغم أنه لم‮ ‬يكن سجينا في‮ ‬سجن فرنسي،‮ ‬ولم‮ ‬يكن عضوا في‮ ‬تنظيم من تنظيمات المقاومة ضد الفرنسيين أو‮ ‬غيرهم،‮ ‬فقد حاول أن‮ ‬يستمد من هذا النشيد الذي‮ ‬ينتمي‮ ‬لجيل قديم،‮ ‬وعصر قديم،‮ ‬شيئا من الصبر على محنته،‮ ‬متألما لمصير زوجته وطفليه الصغيرين،‮ ‬وما تركهما فيه من هم وكرب وقلق على مصير الأب والزوج،‮ ‬حاول أن‮ ‬يدعي‮ ‬أنه‮ ‬يريد شرابا،‮ ‬أو خروجا إلى الحمام،‮ ‬فطرق بقوة على باب الزنزانة،‮ ‬وصاح‮ ‬ينادي‮ ‬الحارس،‮ ‬لكن أحدا لا‮ ‬يجيب،‮ ‬ظل جالسا ثم حاول الاتكاء عله‮ ‬يصيب شيئا من النوم فلابد أنه في‮ ‬جزء متأخر من الليل الآن،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يستطع،‮ ‬مضى الوقت دون أن‮ ‬يستطيع تقدير كم مضى منه،‮ ‬ولا‮ ‬يملك قياسا للوقت بعد أن أخذوا منه ساعته عندما أفرغوا جيوبه مما كان فيها من أوراق وعملات ورقية ومعدنية ومفاتيح،‮ ‬حتى مناديل الورق أخذوها،‮ ‬أما الإضاءة المعتمة فقد ظلت محافظة على مستواها،‮ ‬لا تتغير،‮ ‬ولا‮ ‬يعرف منها إن كان الوقت ليلاً‮ ‬أو نهاراً،‮ ‬ولم‮ ‬يعرف أن الصبح قد حان،‮ ‬إلا عندما انتبه إلى حارس من حراسه الملثمين،‮ ‬يمد‮ ‬يده من خلال أسياخ الحديد ويسلمه رغيف خبز صغيرا وكوب ماء،‮ ‬باعتباره فطورا ويختفي‮ ‬ويبقى‮ ‬ياسين محاطا بالصمت والعتمة داخل رطوبة الزنزانة،‮ ‬لا‮ ‬يدري‮ ‬ماذا‮ ‬يفعل بنفسه،‮ ‬حيث لا صحيفة ولا كتاب ولا مذياع ولا ورق ولا قلم،‮ ‬ولا كائن آخر‮ ‬يتبادل معه الكلام،‮ ‬هو والحيطان الأربعة والفراغ‮ ‬والقلق والضجر والهواجس السوداء عما إذا كان سيرى العالم الخارجي‮ ‬مرة أخرى،‮ ‬وهل سيعود إلى بيته ويرى أسرته،‮ ‬أم أن مصيره سينتهي‮ ‬داخل هذا النفق،‮ ‬عندما تمتد ماسورة بندقية لتفرغ‮ ‬رصاصاتها في‮ ‬جسمه وينتهي‮ ‬الأمر،‮ ‬فالحياة الإنسانية لدى أعضاء هذه المليشيات لا معنى لها،‮ ‬والقتل العشوائي‮ ‬جزء من ممارساتهم في‮ ‬هذه الحرب،‮ ‬فلماذا‮ ‬يكون هو استثناء للأبرياء الذين‮ ‬يقتلونهم،‮ ‬خاصة وإنهم خطفوه من بيته مما‮ ‬يعني‮ ‬أنهم‮ ‬يعتبرونه عدوا،‮ ‬فكيف لمن لا‮ ‬يوفر حياة عابري‮ ‬الطريق أن‮ ‬يوفر حياة عدو من أعدائه‮.

‬ لم‮ ‬يستطع النوم أن‮ ‬يكون علاجا لهذه الهواجس السوداء،‮ ‬فقد حاوله‮ ‬ياسين،‮ ‬لكنه‮ ‬يأتي‮ ‬متقطعا دون انتظام،‮ ‬فينام برهة قصيرة،‮ ‬ويستيقظ ويبقى‮ ‬يقظا لعدة ساعات حتى تحين وهلة أخرى‮ ‬ينام خلالها ثم‮ ‬ينهض فلا‮ ‬يشعر أنه نام أكثر من بضع دقائق،‮ ‬حتى عندما تذكر في‮ ‬اليوم الثالث أو الرابع أنه إنسان لديه معدة تفرز الطعام ومثانة تفرز الماء المالح من جسمه وسأل الحارس الذي‮ ‬جاءه بالرغيف أن‮ ‬يقوده إلى الحمام،‮ ‬قاده‮ ‬تحت فوهة البندقية إلى باب‮ ‬يحاذي‮ ‬زنزانته،حيث‮ ‬يوجد مرحاض بدائي‮ ‬وأعاده دون أن‮ ‬يتبين‮ ‬ياسين وجود أية زنزانة تجاور زنزانته فهو مجرد نفق أو جب وجدته به هذه الزنزانةالتي‮ ‬تشبه حفرة أخشى ما‮ ‬يخاه أن تكون‮ ‬قبره الذي‮ ‬يتوي‮ ‬فيه وتدفن فيه عظامه إلى الأبد‮. ‬إن عزله بهذه الطريقة‮ ‬يوحي‮ ‬بأنهم‮ ‬يضعونه في‮ ‬قائمة أكثر الأعداء خطراً‮ ‬،‮ ‬وإذا كان السجن الانفرادي‮ ‬هو أقسى أنواع السجون‮ ‬،‮ ‬فهو هنا في‮ ‬أقسى أنواع السجون الانفرادية لأنه محروم لا من مجرد تبادل الحديث مع البشر،وإنما من سماع أي‮ ‬صوت‮ ‬يدل على وجود حياة في‮ ‬الكون،وزيادة في‮ ‬تكثيف الحصار فإنه حتى السجان الذي‮ ‬يأتيه بالرغيف‮ ‬غير مسموح له بأن‮ ‬يتبادل معه أي‮ ‬حديث،‮ ‬فهو‮ ‬يؤدي‮ ‬مهماته في‮ ‬صمت،ولايجيب على أي‮ ‬سؤال للسجين ولايفتح فمه إلا بعبارة قصيرة‮ ‬يطالبه بواسطتها أن‮ ‬يبقى صامتاً‮ ‬لكي‮ ‬لايجلب لنفسه الأذى وكأن هناك أذى في‮ ‬العالم‮ ‬أكثر مما هو فيه‮.‬ وجالساً‮ ‬فوق حشية القش‮ ‬يحدق في‮ ‬الفراغ،‮ ‬في‮ ‬وقت‮ ‬يسبح فوق الزمن،لا ملامح له،ولا هوية،تطوح به الأفكار والهواجس بعيداً‮ ‬وقريباً‮.

‬وترسم له سيناريوهات نهايته الفاجعة القريبة،رأى وهو في‮ ‬هذه الحالة شيئاً‮ ‬يتحرك داخل الزنزانة،فانتبه إليه بكل جوارحه،كان صرصوراً‮ ‬صغير الحجم،تسلل كما‮ ‬يبدو من أسفل الباب،سار بجوار الحائط المقابل لمكان جلوس‮ ‬ياسين،وعندما التقت نظرات الصرصور بنظرات‮ ‬ياسين،وقف هذا الكائن الصغير ذو الأجنحة الكثيرة‮ ‬يتأمل‮ ‬ياسين بعينيه الكبيرتين اللتين تشعان ألقاً‮ ‬وذكاء.لم‮ ‬يهرب ولم‮ ‬يبد أي‮ ‬نوع من الخوف،بل ركز قرني‮ ‬استشعاره الطويلين باتجاه‮ ‬ياسين،‮ ‬كأنه‮ ‬يستطيع بهذه الطريقة أن‮ ‬يستقبل الذبذبات الصادرة عنه والقيام‮ ‬بشرحها وتحليلها وفك شفرتها ليحدد على ضوئها علاقته بهذا الكائن الإنساني،ويبدو أن النتيجة كانت إيجابية وأن الذبذبات التي‮ ‬تلقاها تخبره بأنه كائن‮ ‬يستحق الترحيب والاهتمام فأتى بحركة تدل على اطمئنانه وترحيبه بالتعرف على جاره في‮ ‬هذا الجب،‮ ‬وذلك بأن رفع جناحيه الأماميين بلونهما البني‮ ‬الداكن اللامع،‮ ‬وصار‮ ‬يصدر عن طريق احتكاكهما صوتاً‮ ‬موسيقياً،‮ ‬يجعل‮ ‬ياسين‮ ‬يدرك أن الوقت صار ليلاً،لأن الجنادب والصراصير لاتصدر عادة مثل هذا الصوت إلا أثناء الليل،وهو الوقت المفضل لديها للنشاط والحركة.أحس‮ ‬ياسين بتعاطف مع هذا الجار الوحيد في‮ ‬النفق العميق الذي‮ ‬يحتله بمفرده لايرافقه فيه أحد،وها قد جاء هذا الرفيق متطوعاً‮ ‬يؤنس وحدته،‮ ‬فهو بالتأكيد لم‮ ‬يحضره إلى هذا المكان رجال ملثمون انتزعوه من بين امرأته وأطفاله.

إنه لايعرف الصراصير إلا حشرات‮ ‬يكرهها البشر ويشترون المبيدات لقتلها وتنظيف البيوت من وجودها،وربما سمع شيئاً‮ ‬عن قذارتها والرائحة الكريهة التي‮ ‬تفرزها أجسادها إلا أنه هنا لايستطيع تمييز الروائح الكريهة،لأن الزنزانة أساساً‮ ‬لها رائحة زنخة وهواء ثقيل فاسد لاتستطيع أي‮ ‬رائحة طيبة أو كريهة اختراقه،ولهذا فهو لايشعر بأي‮ ‬ضيق من وجود هذا الصرصور،وإنما بالفرح لوجوده والترحيب بكائن حي‮ ‬يضفي‮ ‬لمسة حياة تنزع العدم والموات عن هذا المكان وكتعبير عن هذه الألفة التي‮ ‬نشأت بينه وبين الصرصور،‮ ‬وكرد على ماشعر بأنه أنشودة مودة أنشدها له الصرصور قام برفع‮ ‬يديه في‮ ‬الهواء كالجناحين‮ ‬،‮ ‬كما فعل الصرصور بجناحيه،وصار‮ ‬يخفق بهما ويغني‮ :‬ طلوا أحبابنا طلوا هللوا أصاحبنا هللوا وانتبه إلى أنه لأول مرة منذ دخوله هذا الجب المعتم العميق الرطب لم‮ ‬يزايله المزاج السوداوي،ولا الشعور بوطأة هذه الأجواء الكئيبة داخل الزنزانة وهذه اللحظة التي‮ ‬يجد فيها نفسه‮ ‬يرقص ويغني‮ ‬أغنية مرحة بفضل هذا الصرصور الوديع الجميل‮.‬ انتظمت فيما تلا ذلك من أيام حركة مجيء الصرصور وذهابه،فهو‮ ‬يأتيه ليلاً‮ ‬ولاينصرف منه إلا صباحاً‮ ‬وعن طريقه بات‮ ‬ياسين‮ ‬يعرف حركة الليل والنهار،وصار‮ ‬يترك له شيئاً‮ ‬من فتات الخبز الذي‮ ‬يشكل الغذاء الوحيد الذي‮ ‬يزوده به سجانوه،فكان الصرصور‮ ‬يشاركه هذا الغذاء ويقترب منه ويقف فوق أصابعه فيحكي‮ ‬له‮ ‬ياسين خيبة أمله في‮ ‬البشر ويشكي‮ ‬له قسوتهم وظلمهم‮ ‬،‮ ‬لأنه لايذكر أنه فعل شيئاً‮ ‬يستحق من أجله هذا العقاب‮ ‬،‮ ‬وفوق هذا وذاك فلا أحد‮ ‬يأتي‮ ‬ليحقق معه ويعرف حقيقة التهمة التي‮ ‬خطفوه من أجلها وإنما‮ ‬يتركونه في‮ ‬هذه المحنة وهذه‮ ‬الحيلة ويتركون زوجته وطفليه في‮ ‬هذا الرعب بحيث لايعرفون شيئاً‮ ‬عن مصيرهم ومصير رب أسرتهم،لامصدر رزق لهم إلا ما‮ ‬يأتي‮ ‬به من كتاباته التي‮ ‬توقفت الآن ومعها توقفت موارد هومصدر رزقه،والصرصور‮ ‬يستمع في‮ ‬انتباه وتعاطف لما‮ ‬يقوله‮ ‬ياسين وينظر إليه بعينين حزينتين تكاد تترقرق فيهما الدموع‮.‬

وبعد مرور ما‮ ‬يقرب من أسبوعين من وجود‮ ‬ياسين في‮ ‬هذا الجب،فاجأه الصرصور بأن جاء‮ ‬ينشر جناحيه مغنياً‮ ‬،يقفز نحو الباب،ملحاً‮ ‬على هذه الحركة التي‮ ‬أعادها أكثر من مرة وإنه‮ ‬يريد من خلالها أن‮ ‬ينقل رسالة إلى صديقه‮ ‬ياسين الذي‮ ‬أحس فعلاً‮ ‬بأن الصرصور‮ ‬يريد أن‮ ‬يقول له شيئاً‮ ‬فظل‮ ‬يتابع الغناء والحركات حتى فهم بأن هذه الرسالة لايمكن أن تعني‮ ‬إلا شيئاً‮ ‬واحداً،أحس به الصرصور بما لديه من قرون استشعار تستطيع أن تلتقط الذبذبات لما‮ ‬يقوله ويقوم به الآخرون من أفعال أو‮ ‬يدور في‮ ‬أذهانهم من أفكار وهذا الشيء هو قرب خروجه من هذا الجب،وعندما أبان له‮ ‬ياسين هذا التفسير الذي‮ ‬توصل إليه لم‮ ‬يجد إلا التأكيد والموافقة على ماقاله،ثم التفت إليه بعد ساعة من دخوله مستأذناً‮ ‬في‮ ‬مغادرة الزنزانة على‮ ‬غير عادته في‮ ‬مثل هذا الوقت‮ ‬،‮ ‬إلا أن‮ ‬ياسين فهم منه أن لديه مهمة سريعة‮ ‬يريد أن‮ ‬يوديها ويعود‮. ‬وفعلاً‮ ‬لم‮ ‬يغب سوى وهلة صغيرة عاد بعدها ومعه جميع أفراد أسرته،صرصورة أدرك‮ ‬ياسين أنها زوجته،وعشرة صراصير صغيرة بدا واضحاً‮ ‬أنهم أطفاله‮ ‬،‮ ‬وهو أمر فهم‮ ‬منه‮ ‬ياسين أن صديقه الصرصور،وتأكيداً‮ ‬لعمق العلاقة التي‮ ‬تربط بينهما،أراد‮ ‬أن‮ ‬يقدم له أسرته،‮ ‬التي‮ ‬أحضرها لتشارك في‮ ‬وداعه فقد رفع كل فرد من أفرادها أجنحته وصار‮ ‬يغني‮ ‬الأغنية التي‮ ‬بدأها رب الأسرة ليودع بها صديقه،وبقيت أسرة صديقه الصرصور طوال الليل معه تغني‮ ‬وترقص له وتسليه حتى انقضى الليل وحان موعد انصرافها،وبالدموع تملأ عينيه نشر الصرصور كل أجنحته فيما بدا واضحاً‮ ‬أنها تحية الوداع وغادر الزنزانة ومعه أفراد أسرته‮.‬

بعد برهة صغيرة جاء الحارس الملثم‮ ‬يفتح الباب الحديدي‮ ‬وبدلا من الرغيف جاء‮ ‬يحمل عصابة سوداء ربط بها عيني‮ ‬ياسين وخرج‮ ‬يقوده عبر السلالم المؤدية إلى سطح الأرض،ثم إلى خارج العمارة‮ ‬،حيث شعر‮ ‬ياسين أنه صار في‮ ‬مكان مفتوح‮ ‬بسبب الهواء الذي‮ ‬يطوف به من كل جانب،‮ ‬والشمس التي‮ ‬تخترق بأشعتها سواد العصابة،وتصنع وهجا لايرى من خلاله شيئاً‮ ‬ولكنه‮ ‬يعرف أنه في‮ ‬مواجهة الشمس الوهاجة،بكل ما‮ ‬يدخله ذلك من فرح على قلب إنسان دفن حياً‮ ‬تحت الأرض لمدة أسبوعين.ـ أدخلوه صندوق السيارة المظلم التي‮ ‬انطلقت به دون أن‮ ‬يدري‮ ‬ياسين شيئاً‮ ‬عن محطتها القادمة إلا أن ما فهمه من حركة الصرصور‮ ‬يقول أنه في‮ ‬طريق إلى الإفراج وليس أمامه إلا أن‮ ‬ينتظر ويرى ما‮ ‬يحدث،ولم‮ ‬يكن ما حدث مخالفاً‮ ‬لما كان‮ ‬يرغبه ويتمناه‮ ‬ياسين،‮ ‬أوقف السائق السيارة في‮ ‬زقاق متفرع من شارع السادات حيث‮ ‬يسكن‮ ‬ياسين ونزعوا عنه العصابة قائلين له بأنهم اقتربوا الآن من بيته،حيث‮ ‬يستطيع أن‮ ‬ينزل،واشترطوا عليه لكي‮ ‬يضمن سلامته وسلامة زوجته وطفليه،ألا‮ ‬يفتح فمه بشئ ولا‮ ‬يكتب‮ ‬شيئاً‮ ‬عما حدث لأن المقصود كان‮ ‬ياسيناً‮ ‬آخر وليس هو،فليحمد الله أن الأمر انتهى عند هذا الحد،وأنه عاد أخيراً‮ ‬إلى بيته سالماً‮ ‬وهو مصير لم‮ ‬يحدث إلا لعدد نادر جداً‮ ‬من المخطوفين‮ .‬

اختفت السيارة مع أحد المنعطفات،ووقف‮ ‬ياسين لدقيقة أو أكثر‮ ‬يحاول أن‮ ‬يدرب عينيه على النظر في‮ ‬العتمة‮ ‬،‮ ‬ويستجمع مداركه ليأخذ الاتجاه الصحيح نحو بيته،يهزه شوق شديد لرؤية زوجته وطفليه وتملأ ذهنه ذكرى صرصور جميل قدم له الونس والألفة في‮ ‬ذلك العالم الموحش المؤلم القاسي‮ ‬المختفي‮ ‬في‮ ‬عمق الأرض‮.‬


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home