Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الثلاثاء 14 سبتمبر 2010

أمراض الساديزم
في المحطات المرئية
 
د. أحمد ابراهيم الفقيه
 
لا أدري إن كانت هناك دراسات علمية عن نصيب الشعوب العربية من الأمراض النفسية، وما هي أكثر الأمراض انتشاراً في هذه البلاد، كما هو الحال مع الأمراض العضوية، فهناك كما تنشر وسائل الإعلام حصر وإحصاء لعدد حالات الاصابة بأمراض الإيدز وأمراض السرطانات والعياذ بالله ،  ونسبة انتشار السكري وضغط الدم العالي أو المنخفض والأمراض التي تصيب الكبد والكلى والمعدة وغيرها من اعضاء الجسم وقانا الله من شرها ، إلا أنني لا أتصور وجود حصر وإحصاء بمثل هذه الصورة للأمراض النفسية عدا تلك الحالات التي بلغت حداً من السوء أوصلها للإقامة في المستشفى، ولكن لا وجود ولا إمكانية لوجود احصائية بالمصابين بأمراض البارانويا وأمراض الشيزوفرانيا وأمراض الماسوكيزم وأمراض الساديزم، واعتقد أن المرض الأخير، وهو الرغبة في إيذاء الآخرين وتعذيبهم هو مرض عربي بامتياز، وهو الاكثر انتشاراً واستفحالاً بين كافة الشرائح في المجتمعات العربية وكنت شخصياً أظن أن المستوطنة الكبرى لهذا المرض هي شريحة موظفي الحكومة لما نتعرض له جميعاً من تصميم على الإيذاء والتعذيب في أبسط المعاملات التي تدفعنا الأقدار لخوضها معهم، إلا أن انتشار المحطات الفضائية وما تبثه من برامج الاتصال بالجمهور، أثبتت أن مرض الساديزم لا يستشري وينتشر بين الموظفين الحكوميين فقط، ولكنه على الدرجة نفسها من الانتشار لدى بقية المواطنين من أهل الشارع والرصيف، حتى لوكان هذا المواطن عتّالاً أو متسولاً أو كناساً أو ماسح احذية، هؤلاء الناس جميعاً رأيناهم لحظة أن تهبط عدسة إحدى هذه الفضائيات تنقل آراءهم، كيف يتحولون إلى كائنات لها أنياب زرقاء قادرة على نهش لحوم الآخرين، وليس غريباً بعد ذلك أن يكون أبطال الأحاديث الفضائية والناطقون باسم الرأي العام في البرامج الحوارية، أولئك الذين يسميهم الراحل الساخر عمنا محمود السعدني، ذوي الطابع الحنجوري، اما شاعر العامية المصرية وملك ملوك الشعراء الساديين عمنا أحمد نجم، فهو يسمي هؤلاء الناس من جمعية اللعاب الأسود، محبي الجلوس في الصف الاكلنجي الكلمنجي، والأكل الذي يقصده هنا ليس الأكل الصالح للاستهلاك البشري، وإنما ولائم لحم البشر أنفسهم، وصاروا بعد انتشار الفضائيات يأكلون هذه اللحوم علناً أمام ملايين البشر على الشاشات الصغيرة وحواراتها المنقولة عبر الاقمار الصناعية الدائرة في قبة السماء، قريباً من ملائكة الرحمن وعلى علم منها، دون حياء ولا خجل، وهم عصبة اشتهرت بالدفاع عن مصاصي الدماء العرب، في كل زمان ومكان، وعلى مدى تاريخ المجازر التي يقوم بها سلاطين الأمة العربية ضد شعوبها، إلا أن أكبر مناحاتهم على هذه الفضائيات يذخرونها لزعيم من زعمائهم وشيخ من شيوخ طريقتهم في الذبح والسلخ وحفر المقابر الجماعية التي دفن فيها نصف سكان شعبه المقبور المغدور صدام حسين ، ويثنون بعد ذلك بإظهار مشاعر الاجلال والاكبار لزعيم مجرمي القاعدة الشيخ، كما يسمونه، أسامة بن لادن، وتمجيد الجرائم التي يرتكبها أعوانه في العراق وغير العراق، ولعل اشهر برامج الشاشة الصغيرة، المتخصص في أكل اللحم البشري، حيث يبدأ فيه الضيوف بأكل لحم بعضهم بعضاً قبل التحول بما تبقى فيهم من أنياب لأكل الآخرين، برنامج اسمه التوجه المعاكس، وأعترف بأنني من المتابعين لهذا البرنامج، تلبية لنصيبي من السادزم، وإرضاء للمشاعر المرضية التي لا أنكر وجود نسبة منها عندي، كأي مواطن عربي تربى في هذه الأجواء وتنسم هواءها الملوث بهذا المرض منذ طفولته، ولكي لا أكون منتقداً لمحطات الآخرين وأنسى برامج المحطات الفضائية في بلادي ليبيا، فسأخص من برامجها برامج تذاع بحجة إضحاك الجمهور وتسلية المشاهد والترفيه عليه.

وأخص بالحديث هنا برامج من هذا النوع اذيعت في شهر رمضان الماضي في القناتين الليبيتين الاولى والثانية وباسم الكاميرا الخفية لإحدهما واسم العدسة الخفية للثاني حيث يأتي صاحب البرنامج منهما كما في إحدى حلقات الكاميرا الخفية في الاولى، للمواطن في مزرعته أو يأتيه كما في العدسة الخفية في الثانية، وهو يمشي في الشارع ويضعه في كابوس تستغرب معه كيف لم يعمد هذا المواطن الى قتل صاحب البرنامج الذي يتعمد الاساءة اليه والاضرار به الى حد القتل، فهو يدعي للاول أنه جاء بأمر حكومي يأخذ منه المزرعة التي يملك ويعيش مع اسرته فوق ارضها ويعيش من كدحه وعزقه وغرسه لزرعها ، والثاني يتهمه بانتهاك عرض السكان الذين يخرجون مستنفرين لقتله، والأكثر ارهاباً ورعباً أن أصحاب البرنامج الاول يرتدون ملابس الشرطة، وهذا الذي يحمل أمراً بمصادرة المزرعة يأتي ومعه أعوان من الشرطة، حيث لا مجال أمام الرجل إلا أن يصدق أن حياته قد تحطمت ويصل الحد ببعضهم إلى درجة البكاء، بل انني علمت من بعض الناس ان هناك من اغمي عليه فعلا وهناك من تعرض لازمة قلبية نقل على لى اثرها الى غرفة العناية المركزية ، الا ان هذه امور لا نراها على الشاشة ولا يسمح اصحاب  هذه الكاميرات الخفية بكشف هذا الجانب المرعب القاتم السود الى الناس ، مستغلين حقيقة ان الليبيين لا يعرفون حقوقهم ولا يشتكونهم الى المحاكم لانصافهم من  هذا الاجتراء على حياتهم والمطالبة بتعويضات تصل الى ملايين الدينارات بسبب هذا الرعب المدعوم من اجهزة اعلامية رسمية تتبع الحكومة .

وفي إساءة رهيبة للشرطة يأتون بمواطن أخر إلى مركز الشرطة ويهددونه بالتعذيب ويضعونه في طابور ينتظر دوره أمام غرف التعذيب التي يصدر منها الصراخ البشع لضحايا التعذيب، وهو طبعاً تمثيل في تمثيل وكذب على هذا المواطن المسكين، ولا أعتقد أن القارئ الذي لم يشاهد مثل هذه الحلقات يمكن أن يصدق أنه يمكن أن تصل درجة الرعب والارهاب والانحطاط والسخف إلى هذا الحد، ولكنني اعتمد على مشاهدين شاهدوا هذه الحلقات ليتقدموا لإدانة مثل هذه الممارسات الارهابية عن طريق صاحبي هذين البرنامجين، ولا أريد أن أستعرض كل الجرائم التي ارتكبت في هذين البرنامجين باسم التسلية والاضحاك وكل ما أقوله أنني أستغرب كيف لم يقم هؤلاء المواطنون من ضحايا الكاميرا الخفية الرمضانية في الإذاعتين برفع قضايا ضدهما تطالبهما بالتعويض بمئات آلاف بل ملاييين الدينارات،  لأنني على يقين أن أمراض السكر أو الضغط قد أصابتهم من جراء الكوابيس التي تعرضوا لها، ولن أكذّب أي خبر يقول إن بعضهم تعرض بعد هذا البرنامج لذبحة صدرية أو سكتة قلبية أودت إلى هلاكه لرعب ما رأيته إلى حد أنني شخصياً لم أعد أطيق إكمال أية حلقة من حلقات هذين البرنامجين وأقفل التلفاز أو أحيل المؤشر إلى محطة أخرى هرباً من هذه البرامج الكابوسية الاجرامية التي أرادها أصحابها جهلاً وسخفاً أن تكون تسلية ودعابة وإضحاكاً للجمهور ولكن على الطريقة السادية المرضية، وهي بالتأكيد أكبر نسبة من السادية رأيتها تعرض على شاشة من شاشات التلفاز، وقانا الله وإياكم منها. واستدراكاً أقول إن هناك برنامجاً ثالثاً من هذه النوع اسمه "وسع بالك"، أعتقد أنه نجا من مثل هذه الاساليب، واستطاع أصحابه بعد خبرة سنوات طويلة الوصول إلى صيغة في التعامل مع الجمهور بطريقة طبيعية حسب ما رايته من حلقات، غير قادر ان اتصور ان هناك كاميرا خفية ليبية يمكن حقا ان تنجو من امراض الساديزم المنتشرة بكثرة في الاوساط الاعلامية اكثر من غيرها.

المشكلة في رمضان هذا العام  انه سجل مستوى متدنيا فيما يسمى برامج المائدة ، لدرجة ان تحولت هذه البرامج الى تهريج وهتشيات ، ربما هي الاسوا في تاريخ الاذاعات المرئية مع رمضان ، مع الاعتراف دائما بوجود عدد من الممثلين المضحكين ممن يملكون الموهبة والحضور بدءا بيوسف الغرياني واسماعيل العجيلي وسعد الجازوي وحاتم الكور وخالد بن كافو والنجمة الساطعة خدوجة صبري لكي اسمي المشاهير منهم الا ان وضعهم في اطار بائس وانتاج ضعيف ومستويات انتاجية وفنية متدنية يجعلهم دائما في مرتبة متخلفة من العطاء والابداع وعودة الى اكثر البرامج بشاعة ومقتا ورعبا برامج الكاميرا الخفية التي تشمئز منها النفوس وترتعش لهولها الابدان اقول ان بعض المرئيات ذات الميزانيات الضئيلة والبرامج الفقيرة عمدت الى اعادة هذه البرامج السادية من امثال برامج الكاميرا الخفية او العدسة اللي مش هية ( ودعك من خالتي مشهية وما تثيره في النفس من مشاعر تحتاج الى مقال مستقل) ، اقول ان هذه المحطات المرئية مثل الرياضية عمدت الى اعادة هذا التراث السادي ، الذي يكرس الانحطاط والتخلف وينبيء عن عاهات عقلية ونفسية لدى منتجيه ، ومحطات اخرى اضافت اليه برامج اخرى تم تصنيعها هذا العام هي ايضا نوع من الكاميرا الخفية تحت مسميات اخرى ، ولكنها لا تقل شناعة ولا فظاعة ولا رعبا ولا سادية وماسوكية عن البرامج القديمة مما يجعلني استصرخ الضمائر واتوسل لعقول وقلوب المسئولين الاعلا ميين وغير الاعلاميين في ليبيا وحواضرها وبيدها ، في مدنها وقراها ، ان يمنعوا عنا وعن انفسهم هذا البلاء ، ويتوقفوا عن تمويل واحتضان هذه البرامج المرعبة المسماة الكاميرا الخفية لان الليبيين اثبتوا بما لا يدع مجالا للشك انهم لا يجيدون صناعة مثل هذه البرامج ولا يملكون الحس الفكاهي الذي يستطيع التفريق بين اللعب والجد والحق والباطل والابيض والاسود في مثل  هذا النوع من التسالي ، لانها تتحول على ايديهم الى كوابيس ويتحول المذيعون فيها الى  مردة وعفاريت لنشر الرعب وسلالين للقلوب وقانا الله شرورهم وكوارثهم  والى رمضان جديد  تكون المحطات الليبية قد خلت من لعنة  الكاميرات الخفية وشرها المستطير والعياذ بالله من كل شيطان رجيم وكل عدسة خفية ليبية. ومبارك انتهاء شهر الصيام وقدوم عيد الفطر المبارك داعين لله ان يضع الا يضع في طريقنا فريقا من فرق الكاميرا الخفية الليبية يسمم حياتنا ويجلب النكد والبلاء لمعيشتنا انه سميع مجيب الدعاء.         

 fagih@hotmail.com

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home