Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الأحد 14 يونيو 2009

قصة قصيرة

مجنون سوزان تميم‮

د. أحمد ابراهيم الفقيه

بسبب الصلة التي تجمعني بصحيفة اويا ككاتب يتعاون مع قسمها الثقافي بكتابة مقالات اسبوعية وما يربطني برئيس تحريرها محمود البوسيفي من صداقة وجدت نفسي اثناء زيارة من زياراتي لطرابلس لم تزد عن بضعة اسابيع ، استلم مهمة محرر لباب مشاكل القراء ، وهو الباب الذي كان قد عهد به رئيس التحرير للكاتب المخضرم الاستاذ يوسف القويري ربما لخبرته في حل المشاكل الكثيرة التي يصنعها لنفسه من لا شيء ، فهو مستعد لان يضع نفسه في اقسى المواقف البائسة ، رغم احواله المالية المتيسرة ، بسبب اسرافه وعدم احساسه بقيمة المال الذي يقع بين يديه فمهما كان المبلغ كبيرا ، لا يبقى بين يديه الا بضع ساعات ، لتراه احيانا في اليوم التالي لاستلام مرتبه او مكافاة الكتاب الذي قبض ثمنه من شركة النشر ، يحتار في شراء رغيف خبز ، المهم فان صديقنا يوسف ، الذي لم يعطه الله سعة بال لحل مشاكله ، يعهد اليه رئيس تحرير اويا بحل مشاكل القراء ، ربما لانه يعرف ان مثل هولاء القراء الذين يصلون بمشاكلهم الى الصحف ، صنف عابث ، لا يصلح للتعامل معهم غير كاتب ينتمي لفئة البوهيميين الكولوشار ، ممن يحتقرون مظاهر الحياة التي يرى فيها الاخرون اعمدة الحكمة السبعة التي تقوم عليها صروح الحياة السليمة ، مثل يوسف القويرى الذي يرى ان مهمته في الحياة هي الاطاحة بهذه الاعمدة كلها، والعبث والاستهزاء مما يمنحه الناس الاولوية في الحياة مثل المال والمنصب والجاه ، المهم وجدت نفسي وبسبب نزلة برد الزمت صديقنا يوسف البيت ، اذا كان له بيت لانني وعلى مدى اربعة عقود كنت اعرفه يتنقل بين الفنادق غير قادر على تأمين بيت لنفسه ، المهم وجدت رئيس التحرير ينتهز فرصة وجودي في اجازة من عملي الدبلوماسي ، اتردد فيها على الاصدقاء في اويا ، مطالبا ان املا الفراغ الذي تركه غياب يوسف القويري ، خاصة وان الامر لا يتعلق بالرد على رسائلهم ، وانما للقاء بعضهم ممن يريدون لقاء صاحب الباب لمساعدتهم في حل المشاكل العاجلة التي تواجهم ، وبينهم شاب شديد الالحاح وكثير الاتصال ويريد مني رئيس التحرير ان اقابله واحاول مساعدته في حل مشاكله ، ولانني ضعيف امام الصديق البوسيفي ، وضعيف ايضا امام الصديق يوسف القويرى الذي يراني الاجدر بان احل مكانه ، فقد قبلت بالقيام بهذه المهمة مؤقتا الى ان يعود صاحب الباب الاصلي الذي لن تطول غيبته , وما ان سمع رئيس التحرير قبولي لهذه المهمة حتى داس باصبعه على زر الانتركم يطلب من امين مكتبه ان يتصل بالقاريء الذي ترك رقم هاتفه لتحديد موعد مع المشرف على باب مشاكل القراء واعطاني الهاتف لاسمع الشاب الذي بدا متلعثما يطلب موعدا ويخاطبني بالاستاذ يوسف ، فلم اشا تصحيح هذا الخطأ وسمعته يبدي استعداده للمجيء الى مقر الصحيفة بعد دقائق قليله لانه يعمل موظفا بفرع المصرف الذي يقع في حي الزهور قريبا من مقر الصحيفة ، ورغبة في الانتهاء من هذه المهمة سريعا ، سالته ان ياتي وسالت رئيس التحرير ان يعطيني مكتبا فارغا ، انتقلت اليه اقرا بعض الاعداد السابقة التي ظهر فيها هذا الباب لاتعرف على طبيعة المشاكل التي ياتي بها القراء اليه ، فوجودتها مشاكل تختلط فيها المشاكل المعيشية مع المشاكل العائلية مع مشاكل عاطفية ، واحسست بالاسف لكاتب مثل يوسف القويري ، يبرع في الكتابة عن القضايا التي تتصل بجوهر الحياة واسرار النفس البشرية ، يشغل نفسه بمثل هذه المشاكل التافهة البائسة ، ولم يمض طويل وقت حتى جاء صاحب المشكلة فادخله لي حاجب الصحيفة ، ولد فوق العشرين بقليل ، طويل القامة مستقيمها ، لا يشكو جسمه من اية انبعاجات او نتوءات ، يرتدي نظارة طبية ، وربطة عنق ، له اناقة موظفي المصارف ، حيث ابلغني انه يعمل في مكتب بمفرده في قسم التحويلات ، مع اجهزة الفاكس والكومبيوتر ، وانه يقضي يومه في المصرف صباحا ، ويعود مساء على سبيل العمل الاضافي ، وانه يسكن في بيت الاسرة الذي صار بكامله له وحده ، لان والده الذي اخذ تقاعده حديثا من الدولة عاد للحياة في احدى مدن الدواخل التي جاء منها ومعه بقية الاسرة ، كنت قد اجلست الشاب على كرسي امامي وسألت الحاجب ان يطلب لنا فنجاني قهوة من البوفيه ، وانتظرت مجيء القهوة قبل ان اساله عن المشكلة محاولا ان افهم شيئا عن شخصيته ، فنظاراته الطبية وما صنعته من دوائر حول عينيه رغم نظارة بشرته توحي بانه مولع بالقراءة وعندما سالته عن ذلك اجاب بان القراءة هي هوايته المفضلة خمنت ان هذه القراءات وحياة الوحدة منفردا في البيت والمكتب لابد ان تكون لها علاقة بالمشكلة التي جاء يطلب المعونة في حلها ، وقبل ان اطلب منه تفصيلا عن طبيعة قراءاته جاءت القهوة ووجدتها مناسبة للدخول في الموضوع مبديا استعدادي لسماع ما يريد قوله ، فظل يبلع ريقه مترددا ، كان فيما يبدو قد ازعجه ان لا يجد صاحب الباب الاصلي موجودا، فقد ابلغته منذ اللحظات الاولى انني لست يوسف القويري وانما احمد ابراهيم الفقيه ، اقوم بتحرير هذا الباب مؤقتا حتى يبلى صاحبه من مرضه ، ولان يوسف القويري لم يكن يضع اسمه كمحرر لهذا الباب فقد سالته كيف استطاع ان يعرف اسم محرره فابلغني انه اتصل اكثر من مرة وسال عن صاحب الباب فابلغوه باسمه لكنه لم يتمكن من الاتصال به ، فطمأنته الى انني لست حديثا في التعامل مع مشاكل القراء وانني اكثر اقدمية من كل كتاب ليبيا في تحرير هذا الباب وانه يستطيع ان يعود الى اعداد صحيفة الحرية منذ اكثر من اربعين عاما ليجد اسمي يتصدر هذا الباب في تلك الصحيفة ، وانني سابذل جهدي على ارشاده للطريق القويم ، وبادرته بالسؤال عن المشكلة التي يبحث لها عن حل ، ففاجاني بان المشكلة التي تعذبه وتؤرقه ويريد العون والمساعدة في حلها ، هي عشقه الجنوني للمطربة التي لقت مصرعها في دبي السيدة سوزان تميم ، وان هذا الحب لم ينشأ الا بعد الضجة الاعلامية الكبيرة التي اعقبت خبر مقتلها ، حيث نشرت الصحف والمجلات صورا تظهر جمال مفاتنها وهي المفاتن التي تتفق مع ما يراه سقف الكون في الجمال الانثوي كما اعادت الاذاعات المرئية بث اغانيها التي تم تصويرها على طريقة الفيديو كليب ، لتضيف الى صورة المطربة من الاضواء والديكور والتكوينات والحيل الفنية ما يظهر جمالها في ابلغ صورة واكثرها اثارة ، فوجد من حيث لا يحتسب ان صور هذه المطربة وصوتها وجماليات الحركات والسكنات في اشرطتها المصورة ، تتسلل الى وجدانه ، ليجد نفسه متعلقا الى حد الهوس بهذه المرأة غارقا في حبها ، لا يستطيع ان يفكر في اي شيء سواها ، ينسى احيانا حتى ان يتناول الطعام او الشراب بسبب انشغاله بها رغم معرفته انه مولع بامرأة لم يعد لها وجود في الحياة ، ولم يعد هناك سبيل او وسيلة للوصول اليها ، وهي مشكلة يعرف مدى صعوبتها او وجود حل لها بل صعوبة ان يفاتح بها صاحبا او قريبا ، لكي لا يسيء فهم هذه المشكلة ، الا انه يعرف ان محرر باب المشاكل في صحيفة اويا ، رجل يفتح قلبه لقراء لا يعرفهم ولم يسبق له رؤيتهم ، ومر عليه عبر هذا الباب اناس كثيرون يحملون مشاكل مثل مشكلته ، فتوكل على الله وقرر ان يبحث عن حل لدى هذا الباب والمشرفين عليه ، وهاهو اخيرا يتمكن من الحضور والجلوس في مقر الصحيفة لعرض هذه المشكلة . كان قد تغلب على روح الخجل والتلعثم التي صاحبت استهلاله الحديث وصار بعد الدقيقة الاولي يتحدث بهدوء ودون عصبية ، محافظا على مظهره الانيق وشخصيته الهادئة وثباتة جأشه ، بينما رايت ان هذا المظهر الجاد لا يتفق مع هذه الخبل والعته الموجود في قصته ، فحكايته لا يمكن ان تحدث الا لعقل معتوه ، يعاني من مرض عقلي ونفسي ، وان مكانه ليس صحيفة اويا ، وانما مستشفى الامراض العقلية ، ونقمت في خاطري على يوسف القويري الذي هرب من هذا المأزق ومن محمود البوسيفي الذي اوقعني فيه ، ولكن كيف ارد عليه واطفيء نظرة الفضول والاستفسار التي تطل من عينين اراه يعلقهما بي ، وتحديدا بشفتي ، منتظرا ما يصدر عنهما من كلام . هل اقول له حقا انه اخطأ بالمجيء الى هذه الصحيفة وان المكان الذي يستحق ان يذهب اليه باحثا عن علاج لحالته هو عيادة حكيم نفسي ، ولكنني اعرف الى اي مدى يصاب الناس بالرعب عندما تقول لهم مثل هذا الكلام ، فمثل تلك الاماكن لا يصح ان يذهب اليها في عرف المجتمع الليبي الا المجانين ، الذين ظهر جنونهم واضحا للناس ، اما مثل هذا الرجل المصرفي الذي يتمتع بمثل هذا المظهر العاقل الرزين الانيق ، وهذا العمل المهم الذي يؤديه للمجتمع ، وقد استاذن ليتغيب عنه بضع لحظات ويعود اليه ، فمن يجرؤ حقا على القول او حتى التصور انه يمكن ان يكون زبونا في عيادة للامراض العقلية. ادرت بصري في الغرفة كانني ابحث عن شخص استنجد به ، لينقذني من هذا المأزق. تذكرت ان المطربة القتيلة ليست حقا مطربة بالمعني الدارج والمعروف لهذه المهنة ، وان كل ما تملكه اغنية واحدة ، فمن اين جاء بهذا الحديث عن اغانيها المصورة للاذاعات المرئية ، فذكرت له هذه الملاحظة اشغل بها الوقت حتى اعثر على شيء افضل واكثر قيمة اقوله له ، فاذا به يصحح معلوماتي بان الحقيقة هو ان لمعشوقته اكثر من اغنية وان اللبس يكمن في الفرق بين شريط واغنية فهي حقا لم تنتج من اغانيها الا شريطا واحدا احتوى عددا منها وليس اغنية واحدة كما فهمت ، اذن فالرجل يتابع بدقة سجل حياة معشوقته القتيلة ، وواصلت البحث في ذهني عن شيء اقوله يحمل اجابة او حلا لمشكلته ، محاولا ان اجد الهاما في عناوين الكتب المصفوفة فوق الرف، ولمحت بين الكتب غلاف واحد منها يتحدث عن البودية مددت يدي اليه افتحه ، واقول لصاحبي كلاما بعيد الصلة عن مشكلته ، وانما عن مثل هذه الكتب التي تحظ على التامل وتثير العقل والخيال لولوج العوالم الداخلية للانسان واساله ان كان حبه للقراءة يشمل مثل هذه الكتب ، فقال ان القراءة تمثل بالنسبة له ما يمثله التلفاز لبقية البشر ، فهو لا يدمن مثلهم مشاهدة البرامج المرئية التي يشاهدونها بحثا عن التسلية ، لانه يبحث عن هذه التسلية في القراءة ، وانه لا ثقل له على قراءة كتب الفكر والفلسفة ، ولكنه يقرا المجلات الفنية ، ومجلات المنوعات ، والقصص الرومانسية مثل قصص عبير ، وقصص الاثارة البوليسية مثل قصص اجاثا كريستي ، وسالني في نهاية رده عما اقصده من سؤاله عن قراءة هذه الكتب ، فقلت رابطا بين المشكلة التي جاء يبحث لها عن حل وبين الكتاب الذي يتحدث عن البودية وعن مدرسة فلسفية من مدارسها هي فلسفة الزن ، وان في تصورى ان مثل هذه الفلسفة يمكن ان تصنع له كوة في الجدار ينفذ منها الى حل ، لانه لا وجود لعلاج جاهز لمشكلته مثل الحبوب التي تبيعها الصيدليات للقضاء على الصداع او المغص المعوي او الام الركبة او المفصل ، وان علاجه لابد ان يكون جزءا من بحثه عن ذاته ، فحالته مثل حالة رجل يسير متجها الى مكان ما ، الا انه اخطأ ومضى مع زاروب صغير يتوه به عن طريقه ويبعده من هدفه ولا بد من البحث في خرائطه واستحضار ذاكرته حتى يخرج من متاهته و يهتدي الى الطريق الصحيح . ودون ان اجد في نفسي اذنى اسف او احساس بالذنب لانني اضعت على الصحيفة كتابا من كتبها مددت له يدي بالكتاب اطلب منه ان يقرا فيه ما يعينه على الاهتداء عن طريق التامل والنظر في الذات وما ينعكس عليها من تاثيرات بسبب دروس الزن التي تحث الانسان على النظر في زرقة السماء وبهاء النجوم وموج البحر ، وسيجد باذن الله الحل الذي يبحث عنه وتناولت الكتاب اقرا عليه جملا مقتبسة من تعليمات هذا المذهب البوذي في التأمل ومناجاة الذات ومعايشة الانسان لافكاره ومشاعره ووجدانه ، متاملا في ذات الوقت الطبيعة ليتحد بها وتتحد به ، حيث تقول احدي هذه العبارات
(سلمت نفسي للماء، وبدون تفكير سمحت لنفسي أن تأخذ شكل الماء)
وجملة اخرى يقولها حكماء هذا المذهب هي
( نعيش في النسيان , ونموت في الحلم)‏
ومن كلامهم ايضا( ان الزن يحمل الضوء الى وجودنا ويساعدنا في رؤية كينونتنا الحقيقة ومعرفة اللامتناهي فينا) لم اكن ادري صراحة لماذا شغلت نفسي بالموضوع ولماذا اتخذت هذا الكتاب اداة اتوسل بها حلا لمشكلة الرجل او تواصلا معه ، اللهم الا اذا اعتبرت المسالة مجرد لعبة ذهنية ربما عبثية ايضا للتسلية وازجاء الفراغ تماثل الوجه العبثي لمشكلته ، واعيا انه كان يمكنني ان اقول له كلاما اخر اكثر منطقا وعقلانية ، اذ لا يمكن لرجل ان يحب امراة انتهى وجودها في الحياة وصارت عظامها رميما تحت الارض ، ولا يمكن مرة اخرى لرجل ان يحب امراة لم يرها الا خيالا على الشاشة او صورة فوق الورق ، لان هذا الخيال وهذه الصورة لا تستطيع ان تقول شيئا عن اخلاق تلك المرأة ولا تكشف شيئا من روحها ولا تعطي فكرة كاملة عن شخصيتها وخصائص هذه الشخصية التي لا تظهر الا من خلال التعارف الشخصي والاتصال بها والتواصل بينه وبينها قلبا وروحا ، وليس مجرد صورة لا تقول شيئا عن صاحبها ، ولكنني وجدت ان هذا الكلام المنطقي لا يناسب هذا الوضع غير المنطقي لمشكلة الرجل وان الحيلة في استخدام هذا الكتاب لن تؤدي بالضرورة غرضا في حل مشكلته ولكنها قد تنجح في تلطيف الجو بيني وبين هذا الرجل الاحمق وادخاله في دائرة من التفكير الذي يدعو الى التأمل ومناقشة الذات ومراجعتها وهي تنطلق في مسارب غريبة موحشة ، كهذا المسرب الذي انطلق فيه فكر الرجل وعقله . مما اراحني قليلا ان الرجل بدا حقا غارقا في التأمل ، مما اوحي لي ان هذا الاختيار العشوائي للكتاب وموضوع الكتاب قد احدث تاثيرا فيه ، ولكنه عندما تكلم بدا انه ما زال عائشا مع افكاره المسبقة ، وليس مع الافكار التي طرحتها عليه من خلال الكتاب وتكلم كلام عقلاء ، يعشقون عشقا طبيعيا ، رغم غرابة ولا معقولية قصة العشق التي يحملها:
ــ الحب كما تعلم ، لا يعرف لحضوره سببا ولا بنتقى لمجيئه وقتا ولا يعترف بشروط ولا يحتاج لمنطق غير منطقه الخاص ، انه يحدث فقط ، فالانسان لا يحب انسانا لانه احسن انسان او اجمل انسان او لانه متاح وموجود وقادر على وصاله ، ولكنه هو الاجمل في عينيه وهو الافضل بالنسبة له وله وحده، به يبدأ الوجود واليه ينتهي ، بل هو الحب الحقيقي ذلك الذي لا يستهدف منفعة ولا ينشد وصالا ولا يريد اخذا مقابل ما يقدمه من عاطفة ولا ينتظر من محبوبه مردودا مقابل حبه الدافق المعطاء .
ــ ماشاء
قلت له ردا على كلماته
ــ لك هذا الفهم وهذه البلاغة ، وتاتي تبحث عن حل عندي او عند السيد يوسف القويري ، وها انت لديك الحل ، لانه لا وجود لمشكلة طالما انك ارتضيت بهذا النوع المثالي من الحب الذي لا ينتظر صاحبه شيئا بالمقابل فليكن ،هناك من يحب القمر وكتب في القمر اجمل قصائد المديح ، وهناك من احب ليلى العامرية او فينوس الهة الجمال ، او كليوباترا ملكة القلوب في سالف العصور ، او بلقيس التي اسرت قلب نبي من انبياء الله ، وجعلوا هذا الحب مصدر الهام لشعرهم ، فلماذا لا تفعل انت ايضا مثلهم؟ ليكن حبك لهذه الفتاة الجميلة التي ماتت غيلة وغدرا ، مصدر الهام لك في الحياة ، وقوة دافعة تحرك وجدانك باتجاه مزيد من العمل والعطاء والابداع ، اليس هذا حلا عبقريا ، ثم انه حل جاء منك انت ولا فضل لي في العثور عليه ، وافضل الحلول دائما هي تلك التي تنبع من قلب صاحب المشكلة لا تلك التي تاتي عن طريق النصح والنقل والاستشارة .
احسست في الحقيقة بان حملا قد ازيح عن كاهلي وان الرجل يستطيع ان يمضي الى حال سبيله حاملا هذه القناعة معه ، متدبرا امره مع نفسه، دون حاجة لان يسعي لتصدير مشاكله الى الاخرين ، وملاحقتهم طالبا حل هذه المشاكل ذات الطابع العبثي كما يفعل معي الان ، او مع الصاحب الاصلي لهذا الباب السيد يوسف القويري ، ورأيت انها لحظة مناسبة لانهاء اللقاء ، ساقف ناظرا الى ساعتي بحجة انني لابد من ان الحق بموعد ما ، او اي شيء من هذا القبيل ، وقبل ان اهم بالوقوف ، رايته هو الذي يقف وكانه قد وصل الى حل يرضيه ، ويمد لي يده يشكرني لانني لم ابخل عليه بالعون والمساعدة ، فوضعت يدي في يده اودعه وارد على كلمات المجاملة التي قالها بانني لم اساعده ولكنه هو الذي ساعد نفسه بنفسه ، ثم سمعته يقول بانه لا يريد بعد ان حصل التعارف بيننا ان يتوقف عند هذا الحد ، وانه سيواصل الاتصال بي ليطلعني على القصائد التي سيباشر كتابتها من وحي هذه العاطفة المقدسة التي اشعلت نارها في قلبه ، ثم انطلق ساحبا باب الغرفة خلفه ، قبل ان اتمكن من ابلاغه ان للشعر والادب في هذه الصحيفة ابوابا لها مشرفون اخرون يستطيعون الحكم على مستوى القصائد التي يكتبها ، وارمي بعبء الاتصالات التي سيلاحقني بها على الزملاء في القسم الثقافي امثال كامل عراب و احمد بللو واحمد الغماري ونهلة العربي ، وستكون مشاكله هذه المرة اكثر يسرا من مشكلته السابقة فهي مشاكل تتصل بالتعبير والنحو والبلاغة وهي بالتاكيد اهون كثيرا من تلك المشكلة العاطفية الجنونية التي جاء يرمي بها كجثة كلب ميت تحت قدمي.
عموما هذا ما سافعله ، قلت بنفسي اذا عاد يطرق بابي ، ولكنه لم يعد خلال الفترة التي كنت اتردد فيها على الصحيفة ، ثم غادرت طرابلس بعد انتهاء اجازتي لاعاود الانغماس في روتين العمل الدبلوماسي الذي اقوم به خارج البلاد ، لكنني واصلت الاطلاع على ما يردني من اعداد صحيفة اويا ، لارى اذا ما حملت صفحاتها اصداء المشكلة التي يعاني منها مجنون سوزان تميم ، او اذا ما كتب حقا شعرا يصل الى مستوى النشر في الصفحة الثقافية، ولكنني لم اجد شيئا ، الا ان نظرة خاطفة على بريد القراء ، اكدت لي ان الرجل ما زال يعاني من حمل تلك المشكلة ، ويبدو انه اقتنع ان قصة حبه المرضي لسوزان تميم سوف تقدم له الالهام ليكون شاعرا من شعراء هذا الزمان فقد حمل البريد مقطعا من قصيدة بقلمه، يقول فيها :
من خلف زوابع الشوق اناديك
لهفي عليك يا سوزاني
افديك ، بكل العمر افديك
امد اليك يدا ظمآى الى العشق
تنشد لمس ايديكي
فارجوك اجيبيني
من خلف ستائر الغيب اجيبيني
ومن عمق وادي الموت يا حبي اغيثيني
ظمآن يا روحي لقطرة ماء الحب من رياك تحييني
فبالله اجيبني
اغيثيني
بقطرة حب منك ترويني
بقطرة حب منك تحييني

لم اجد في المقطع الشعري ما ينبيء بقوة وخصوبة القريحة التي انتجته ولم اجد انه حقق اية استفادة تذكر من كتاب فلسفة الزن ، ولكنني وقفت اتامل المفارقة التي تحملها اسطر تنادي امراة ماتت ان تحيي العاشق الولهان بحبها وتعرض عليها في مفارقة اخرى وهي في اللحد ان يفديها العاشق بعمره ، فربما كانت المفارقتان ، مبررا لمحرر بريد القراء ان ينشر هذا المقطع ، راجيا لمجنون سوزان تميم ان يكون حقا قد وجد راحته وعلاجه في قرض مثل هذا الشعر السقيم .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home