Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الأحد 13 ديسمبر 2009

رحيل العميد

في رثاء مؤسس الحداثه في الادب الليبي المعاصر الدكتور خليفة محمد التليسي

د. أحمد ابراهيم الفقيه

رحل عميد الاسرة الادبية ، والاب الراعي والحاني على ابنائه المقيمين في هذه الخيمة المضروبة في البيداء للاعتناء بزرع بذور الحضارة وغرس شتلاتها في هذا الفراغ المهول المسمى ليبيا ، رحل متعهد الارض البور الذي بدأ البستنة وعزق الارض منذ الاربعينات عندما باشر جهوده في تاسيس حركة ادبية في البلاد مازالت تحت هيمنة الاحتلال الاجنبي ، رحل رائد الحداثة الادبية ومؤسسها فوق هذه الارض عندما كان الحادي والمنادي والمنافح عن الشعر الجديد والقصة الجديدة وهو يكتب المقدمات لرواد هذه الحداثة من امثال على الرقيعي وكامل المقهور ، رحل الرجل الذي وضع اللبنات الاولى في النقد الادبي ذي الذائقة الجميلة ويصدر اول كتب عرفتها المكتبة الادبية في النقد الادبي الحديث عندما كتب في مطلع الخمسينيات كتابه الرائد الشابي وجبران واصدره في نفس العقد وبالضبط عام 1957 عن دار النشر التي انشأها صديقه وزميله في التدريس بمدرسة الظهرة الابتدائية الاستاذ محمد بشير الفرجاني ،  رحل استاذنا وعميدنا ووحامل راية الحداثة الادبية في بلادنا،  رحل الرجل الذي كان سنديانة ظليلة عملاقة نشرت ظلها على مدى ستة عقود تاوي اليها طيور االابداع الادبي وتقف على اغصانها وتستظل بظلها وتحتمي به من هجير الصحراء،  بدأت منذ خمسين عاما احاول على خجل وحياء  ان اقترب من عتبات هذا المجال الادبي فاذا به يستقبلني كما فعل مع شبان مبتدئين مثلي باحضان مفتوحه وعلى شفتيه ابتسامة عريضة ترافقها كلمات التشجيع والترحيب لنجد الدعم الروحي والمعنوي ، ونجد التوجيه الذي ياتي دون عنث ولا افتعال ، ونجد العواطف الابوية التي تملأ قلوبنا ثقة فنمضي في مسيرتنا ونحن على ثقة من ان هناك قلبا كبيرا يرعى مسيرتنا ويغفر اخطاءنا ويصححها في اريحية وسخاء وبحب وعطف وحنان.

نعم ، لم ار فيه في يوم من الايام ولم اعرف فيه الا صورة الاب ، ارى الاخرين زملاء كبار واعرفهم قادة في مجالات الفكر والادب والابداع احمل لهم الرهبة احيانا والاحترام في احيانا اخرى اختلف معهم واخاصمهم واتخذ احيانا موقفا مناقضا لهم الا هو فلم اعرف اطلاقا في علاقتي  به توترا او حدة ، ولا اختلافا ورهبة ولا حتى مجرد احساس بالزمالة والمعاصرة تبيح الجدال والخصومة والتباين في الاراء والافكار ، لانني رايته دائما ابا  اقدم له توقير الاب واحترامه واقترب منه اقتراب الاب من ابيه ينشد نصحا ومشورة او دعما ادبيا وعاطفيا فاجد عنده هذا النصح وهذه المشورة واجد عنده هذا الدعم الادبي والعاطفي خاصة في لحظات يعرفها الادباء تلك التي نشعر فيها بالاحباط وتملأ قلوبنا بذور الياس ولا جدوى الكتابة في بيئة مقفرة قاحلة يهددها التصحر وتضربها رياح القبلي في كل حين، فاجده حتى وانا اصل الى مراحل العمر المتقدمة يعاملني معاملة الاب لابنه المجهد المتعب الذي يحتاج لان يسكب في روحه شيئا من ترياق الامل والحكمة ، يشد  من ازرى ويمنحني شحنة تعينني على اجتياز أي ازمة نفسية او روحية امر بها ، هكذا كانت علاقتي به ، وكنت  منذ بواكير حياتي الادبية اعتبره مقياسا ومعيارا لمدى صحة او خطأ الاتجاه الذي امضي فيه فان وجدت كلمات ثناء واطراء على ما اكتبه واصلت الكتابة بهدي ما قاله له , وان وجدت نقدا او  تعليقا سلبيا راجعت طريقى وعدلت عما افعله ،  وظل هذا ديدنه معي منذ ان عرفته في مطلع حياتي الادبية وتشاء الظروف ان يتولى في منتصف ستينيات القرن الماضي مسئولية الثقافة والاعلام ويختارني وهو ينشيء مجلة الرواد الادبية لاكون امينا لتحريرها مع زميلى الراحل نجم الدين الكيب تحت اشرافه المباشر كرئيس تحرير لا يضع اسمه فوق العدد ، وفي نفس العام وهو عام 1966 يستجيب لنداءاتي ونداءات زملاء اخرين عن ضرورة انشاء فرقة مسرحية حكومية  بنصف تفرغ وكان سعيدا ان رآني استطيع وعن طريق مشاركتي في امتحان القبول ان اكون ضمن العناصر العشرة  الذين افرزتهم المسابقة لتكوين اعضاء تلك الفرقة ورايته يثني على مقال يومي كنت احرره لصحيفة طرابلس الغرب فواصلت كتابة الباب بدعمه وتشجيعه رغم وجود من كان يرى انه كثير على كاتب صغير في السن مثلى ان يتولى تحرير عمود للراي لا يكتبه في البلدان الاخرى الا قدماء الكتاب ، كما رايت منه تشجيعا ودعما وهو يراني انشر في صحيفة الميدان حوارات مع الادباء العرب بعنوان رحلة في راس فلان فواصلت هذه الرحلات التي يمكن لو جمعتها لكانت كتابا يلقى الضوء على تاريخ الحركة الادبية في مرحلة الستينيات وكنت فعلا اتسقط اراءه وافكاره وامشي في طريقى بوحي منها ، واذكر انني احسست بفراغ شديد لغيابه عن البلاد في منصب رسمي هو سفير ليبيا في المغرب عام 1968 فقطعت تذكرة سفروذهبت الى زيارته في الرباط فاحاطني برعايته الشخصية اثناء تلك الزيارة كما تولى زميله في السفارة الكاتب والاديب محمد السباعي وهو موجود ومقيم اقامة دائمة في مصراته منحه الله الصحة وطول العمر تعريفي بعدد من اهل الادب والفن وتمكيني من انشاء صداقات استمرت معي حتى هذا اليوم مثل صداقتي للكاتب عبد الجبار السحيمي شفاه الله ، الذي كان قد اصدر كتابا قصصيا هو الممكن والمستحيل ومبارك ربيع  الروائي والكاتب الشهير متعه الله بالصحة ، وجاءت فترة بعد قيام الثورة اعتكف في بيته متفرغا لتآليفه التارخية الكبيرة مثل معجم معارك الجهاد عازفا عن المشاركة في الحياة الادبية فذهبت اليه عشية تاسيس الاسبوع الثقافي في مطلع السبعينيات اسأله ان يمنحنا مباركته ومشاركته في الصحيفة فتعذر بانه لا يريد احراجي باعتباره وزيرا سابقا قد لا تجد مشاركته الترحيب المطلوب ، وافهمته انه قيمة ومأثرة ادبية تلقى التقدير من كل الاجيال وفي مقدمتهم اهل الثورة ، وفعلا بدأ بنشر قصص مترجمة عن مورافيا وبيراندللو ثم عرف انه موضع ترحيب فصار يكتب افكارا من تاليفه في باب دوري اسمه كراسات ادبية  جمع مقالاته في كتاب بعد ذلك بنفس العنوان، واستمر حضوره يتعاظم في الحياة الثقافية في عهد الثورة ملاقيا التقدير والاحترام فكان اول امين لاتحاد الكتاب والادباء ومؤسسا ومديرا للدار العربية للكتاب ورئيسا لاتحاد الناشرين وكان اول الرواد الذين قلدهم الاخ قائد الثورة وسام الفاتح العظيم في العيد العشرين للثورة اعترافا بما اسهم به في بناء الصروح الادبية والثقافية في بلاده منذ ان بدأ مسيرة الابداع والكتابة  في اواخر الاربعينيات من هذا القرن. وكانت ليبيا في ذلك الوقت قاعا صفصفا كما يقول التعبير الشهير ، تركها المستعمرون الايطاليون بعد ان دمروا كل بادرة ثقافية ، واقفلوا كل نافذة ياتي منها النور ، وانتهي هذا الاستعمار اللعين بعد اندحار الايطاليين في الحرب في هذه المنطقة من العالم عام 1943 ولم تضع الحرب العالمية اوزارها بعد ، الا ان جيش المحتلين الحلفاء بقيادة الجنرال مونتجومري كانت قد دخلت طرابلس وبدات في تاسيس سلطتها وفرض ارادتها مستخدمة عناصر ايطالية في الادارة كما بدات بما تتيحه موارد الاحتلال الشحيحة في تلك الفترة من اواخر اعوام الحرب تصرف على تاسيس بنية تعلمية كانت هي التي اكمل بها خليفة التليسي المولود في العام 1930 تعليمه الذي بدأه مع المدارس الايطالية ، وانتهت المراحل التي تتيحها المدارس الحكومية في ليبيا عندما وصل الى سن الثامنة عشرة من عمره ، فلم يكن هناك تعليما ابعد من التعليم المتوسط ، ومن اراد تعليما جامعيا فعليه ان يشد رحاله على حسابه الى خارج البلاد وهو ما لم تكن تتيحه موارد والد كان يعمل في صيد السمك ويقيم في باب البحر بالمدينة القديمة بطرابلس ، فكان ان انخرط الفتى منذ ذلك الوقت في العمل مدرسا بالمدارس الابتدائية وبدأ يعتمد على التحصيل الذاتي في التقاط ثقافته مستعينا بلغة ايطالية تعلمها في طفولته ولغة انجليزية بادر لاكتسابها مع الادارة الجديدة وثقافة عربية تؤهلها له هويته الليبية العربية الاسلامية وهوايته في المطالعة والدراسة والنوادي الثقافية التي كان يؤمها شيوخ الادب في ذلك الوقت ممن كان قريبا منهم مثل الاستاذ احمد قنابه وعلى واحمد الفقي حسن وغير هؤلاء من شيوخ  المعلمين والادباء وتعرف طبعا على  غيرهما من شيوخ الشعراء من امثال احمد الشارف واحمد رفيق المهدوي  الذي كان شعره موضوع كتاب من كتبه النقدية الرائدة بل هو ثاني كتاب اصدره في مسيرته الحافلة بالكتب وهو رفيق شاعر الوطن ، وبدا اقتحامه للحياة الادبية منذ عام1948حيث القى في تلك السن المبكرة اولى محاضرته الادبية في طرابلس التي وضعته على تماس مع الراي العام الادبي ووضعت نقطة الانطلاق التي بدأت بها الدائرة التي قفلت بالامس الاربعاء 13يناير 2010 عندما انتقلت روحه الى خالقها وهو وان مات فقد ترك تراثا ادبيا حافلا موزعا بين ما يقرب من خمسين سفرا تحتل كلها موقعا كريما وعزيزا في المكتبة العربية الادبية التي بدأ تاسيسها بكتابه  الشابي وجبران وهو الكتاب الذي كان واحدا من كتب قليلة لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة بدأت بها المكتبة الادبية الادبية لان قبل ذلك لم تكن هناك مكتبة ولا كتب عدا ديواني شعري قبل قرن من الزمان هما ديواني مصطفى بن زكري وسليمان الباروني ، هما كل ما تعرفه ليبيا من ثمار المطابع منذ انشاء المطبعة .

وعلاوة على التكريم الذي قدمته له الدولة في بلاده فقد كان موضع تكريم من ايطاليا التي منحته جائزة البحر الابيض المتوسط ومن مصر عندما اختير كتابه القاموس العربي الايطالي من قبل معرض الكتاب كواحد من اهم انجازات ذلك العام ونال تكريما مع المكرمين الذي تولى الرئيس المصري حسني مبارك تكريمهم في تلك الدورة منذ بضعة اعوام ، كما بادر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بتكريمه بان يكون شخصية العام المغربية التي حصلت على هذا التكريم الذي ناله قبله الرائد التونسي محمود المسعدي وقد شرفني الرئيس التونسي بان اصدر في حقي قرارا بان اكون ضمن اللجنة التي ترأسها وزير الثقافة في ذلك الوقت الدكتور الهرماسي ، والتي اختارت الاستاذ خليفة التليسي بين عدد من الشخصيات المغربية ليكون هو من يقع عليه الاختيار لتكريم يسبغه الرئيس التونسي على المبدعين .                                                                      

آخر لقاء به كان قبل وفاته بايام قليلة في غرفته في العيادة القريبة من بيته برأس حسن حيث زرته صحبة ثلاثة اصدقاء هم نوري الحميدي وعلى خشيم ومحمد الشويهدي وادخلنا اليه ابنه الدكتور نزار وكان الاستاذ خليفة في حالة اجهاد واعياء اشفقنا عليه من الكلام الا انني عندما انحنيت عليه اقبل جبينه واستمع لكلماته وجدته ينقل الى بصوته الواهن الخافت الضعيف انبل مشاعر الحب بمناسبة ما تناهي الى سمعه من تكريم اقامته لنا المؤسسة العامة للثقافة مسفرا عن جميل مشاعره ونبيل عواطفه فافرحتني كلماته لانني ظننته غائبا عن الدنيا بسبب المرض فاذا به على وعي كامل بما يحدث قادر على التعبير باشراق وجمال عما يريد ان يقوله فلم يكن وهو في هذه الحالة المتقدمة من المرض تعوزه الكلمات التي نقل لي بها فيض عواطفه الجميلة قائلا لي ما اخجل من ان اعيده اليوم ، وهو ما جعلني رغم الوهن الظاهر عليه ، اخرج بامل انه سيتجاوز المحنة وسيعود الينا ليمارس دورالعميد الذي تحتاجه الحركة الادبية والسنديانة العملاقة التي نستظل بظلها في صحراء القيظ ، والنبع الذي نجد عنده الراحة والارتواء بعد المشي المتعب في بيداء العطش وحر الهجير ولكن سهم القضاء نفذ وارادة الله قضت بان تصل الرحلة الى خواتيمها ، فلا راد لقضاء الله ولا نملك الا ان نقول لرائد مسيرتنا الادبية وحادي قافلة الثقافة واستاذ الجيل الدكتور خليفة محمد التليسي نم في سلام رعتك ملائكة السماء التي ستزفك الى عالم البقاء وتضعك في مكانك  الكريم بين الخالدين من نوابغ الفكر والادب الذين يبعثون من هناك مثل النجوم البعيد ة ضوءا ينير للبشرية الطريق ويطرد من امامها الظلام ، ولمنفعة القاريء الذي قد يجهل بعض مسيرة الاستاذ الراحل ا نشرهنا ولاول مرة مقالا ساهمت به في حفل التكريم الذي اقامه له المجلس العام للثقافة بجامعة قار يونس في بنغازي عام 2006.      

خليفة التليسي

والأدب الليبي الحديث

((كانت هذه هي شهادة الكاتب في ادب خليفة التليسي التي اسهم بها في الحفل التكريمي الذي   اقامه المجلس العام للثقافة في جامعة قار يونس بمدينة بنغازي خلال عام  2006 وقد القيت امامه وفي حضوره من قبل من اناب عن الكاتب في القائها وهي اول مرة تنشر فيها هذه الكلمة في وسيلة نشر عامة  ))

يكاد اسم الأستاذ الدكتور خليفة محمد التليسى أن يكون معادلا رمزيا وموضوعيا للأدب العربى الحديث فى ليبيا ، فهو بالتأكيد أحد أهم رواده ومؤسسيه ، بل نستطيع أن نجمل تاريخ هذا الأدب ونحدد مساراته ومراحل تطوره من خلال سيرة هذا الأديب ورحلته الشاقة المرهقة عبر درب الكلمات ، التى تواصلت على مد ى خمسة عقود ، ومازالت تبشر بمواسم خصيبة قادمة باذن الله تعالى .

فى هذه العقود الخمسة ، تبلورت أهم المدارس الأدبية ، والتيارات الفكرية والاشكال الفنية الابداعية التى عرفتها ليبيا عشية انحسار المرحلة الكولونياليه ، التى كان خليفة التليسى مؤسسا ورائدا وراعيا لها .

لم يكن هناك فى ليبيا وحتى أواخر اربعينيات القرن الماضى ، عندما بدأ خليفة التليسى  يظهر على المسرح الأدبى ، تراث أدبى إبداعى يذكر خارج مجال الشعر بشكله التقليدى . وعدا إرهاصات محدودة فى كتابة المسرحية الشعبية ، وجهد مدرسي تعليمى فى كتابة الدراسة الأدبية  ذات المنحى اللغوى ، فإن الشعر وحده كان هو الشكل الأدبى الإبداعى الذى يحتل المساحة الأكبر والأهم على خارطة الاهتمامات الأدبية للطلائع المستنيرة من أبناء البلاد ، وكان نجوم هذا اللون الأدبى هم نجوم الحركة الأدبية واقطابها الكبار من أمثال أحمد رفيق المهدوى ، وأحمد الشارف ، وأحمد قنابة ، وأحمد الفقى حسن ، وغيرهم من شعراء اقل شهرة يمثلون المجتمع الادبى فى ليبيا الاربعينيات، وكان طبيعيا لكاتب ناشئ فى العشرين من عمره ، ينشد الانخراط فى الميدان الادبى كدارس وباحث، أن ينظر فى الخريطة  الشعرية  لبلاده ليعرف نصيبها من التقدم فى هذا المضمار فأذهله أن يجد أن نصيب هذا الشعر الذى يكتب الليبيون ، من روح الشعر وجوهره ، ضئيل جدا ، فاطلق صرخته المدوية التى تشكك فى وجود شعراء فى ليبيا رغم القصائد الكثيرة والأسماء الكبيرة ، وهى قصائد وأسماء حفرت طريقها إلى الوجدان الشعبى ، لأنها اتكأت على المضمون واهملت الاعتناء بالجوانب الفنية والجمالية فى الشعر، فخاطبت الناس بلغة مباشرة وكلمات صريحة واضحة تدعو للجهاد وتحفز الهمم, حتى وان خلت من العمق والرمز والتكثيف والتصوير الجميل للمشاعر والأحاسيس ، فانبرى الناقد الناشئ ، بحث فى الشعر العربى عن تلك النماذج الشعرية التى توفر لها من الجماليات والعمق والاداء الراقى ، معنى واسلوبا ، ما يرضى ذوقه ويبرهن على صدق دعواه ، من أن الشعر فى ليبيا مازال بعيدا عن تلك المشارف والرؤى التى يطمع هذا الناقد أن يصل اليها الشعر والشعراء فى بلاده ،واختار من شعراء المهجرشاعرا واديبا مجددا هو جبران خليل جبران  واختار من أرض الوطن العربى شاعرا تتشابه بيئته وظروف مجتمعه مع بيئة الشعراء الليبيين وظروف معيشتهم هو الشاعر التونسى ، المولود فى واحات توزر ونفطه ، أبو القاسم الشابى ، وأنجز دراسته الرائدة عن هذين الشاعرين ، التى نشرها فصولا فى الصحف قبل أن يتمكن من جمعها فى كتاب صدر فى خمسينيات القرن الماضى ، مبرزا عناصر القوة والتجديد الواجب توفرها فى شاعر ينتمى إلى القرن العشرين .

هذا على صعيد النقد والتنظير ، اما على صعيد الممارسة فقد وجد فى شاعر ناشى فى مقتبل العمر ، ما يمثل املا للشعر الليبى الحديث ، هو الشاعر الراحل على الرقيعى ، فهرع للترحيب به واحتفى باول ديوان يصدره الشاعر وهو (الحنين الظامئ) وساهم فى تقديمه للاوساط الادبية باعتباره صوتا جديدا يمتلك ادوات الشاعر الحقيقى ، وزاد على ذلك بان صار هو نفسه يستجيب لنداء الشاعر فى نفسه ويكتب قصائد تلتزم بالقوافى وعلم العروض ، دون ان تبقى رهينة للقوالب القديمة ، لان الشاعر اغنى محتواها بالرؤى الشعرية الحديثة واللغة المشهدية التى تعتمد على التعبير بالصورة دون حاجة لان تعلن القطعية مع مقومات القصيدة الخليلية ، وعلى مدى المسيرة الطويلة العامرة بالعطاء فى هذا المجال ، عزز حضوره الفاعل فى ميدان التجديد الشعرى ، بما اصدره من مختارات شعرية من ديوان الشعر العربى والعالمى .

الميدان الثالث ، غير الشعر والنقد ، الذى اعتنى به هذا الكاتب المجدد، منذ مطلع خمسينيات القرن الماضى ، هو ميدان القصة ، الذى يعرف القارئ أن له فيه تجارب رائدة نشرها فى صحافة ذلك الزمان وجمعها فيما بعد فى كتابه الذى يحمل عنوان ( زخارف قديمة ) ولم تكن هذه المساهمة المبكرة فى كتابه قصة ليبية قصيرة هى وحدها تحسب له فى رصيد الريادة القصصية ، ولكن ما يحسب له بشكل اكثر فعالية هو ترجماته لقصص اساطين هذا الفن ، واساتذته الكبار ، خاصة ذلك الكاتب الايطالى ذو القامة السامقة الذى لم يكن العالم العربى انتبه الى ابداعه ، او ادرك قوة الروابط التى تربطه بالبيئة العربية والتراث العربى ، هو لويدجى بيرانديللو ، الذى كان لمولده ونشأته فى صقلية ، اكبر الاثر فى ادبه وابداعه القصصى ، وترجم عدا بيرانديللو، لادباء ايطاليين آخرين من اهمهم البيرتومورافيا ، ليصنع أمام الكاتب والقارئ فى ليبيا ، نماذج لأفضل ما وصلت إليه القصة القصيرة فى العالم من نضج وتطور .

بعد هذه المجالات الأربعة ، النقد والشعر والقصة والترجمة الادبية ، التى استهل بها حياته الأدبية ، ولج الأستاذ التليسى إلى ذلك الميدان الذى نسميه مجازا ، الصناعة الثقيلة فى المجال الثقافى، بدءا بكتابه التاريخى الموسوعى ( معجم معارك الجماد ) وصولا إلى معجمه العربى الذى صدر منذ عام ونيف تحت اسم (النفيس) مرورا بعملية المسح الشامل للشعر العربى ، وإصداره للدواوين التى احتوت مختارات من مختلف المراحل والأجيال ، إلى كتاباته المرجعية عن سكان ليبيا وتاريخها وهى اسهامات نذكرها هنا فى سطر او سطرين ، الا انها اقتضت جهدا وعرقا ووقتا استغرق من حياه الاستاذ التلييسى عشرات الأعوام لبناء هذا الصرح الشامخ من الانتاج المعرفى والابداعى الذى يشكل دعامة من دعائم الامن الثقافى العربى ، ويضيف إلى المكتبة  العربية والانسانية فكرا وابداعا سيبقى غذاء للعقول والقلوب على مدى التاريخ .

وكغيره من أدباء جيله والجيل الذى يليه ، ممن صنعوا تراثا ادبيا واسهموا فى تأسيس فكر وادب حديث لبلادهم، لم يكن الأستاذ التليسى متفرغا لانتاجه الادبى ، وإنما يؤدى عملة الوظيفى الذى يكسب منه رزقه منذ أن كان معلما بمدارس طرابلس ألى أن تولى اداره الدار العربية للكتاب ، ومعنى ذلك أنه أنجز كل ما أنجزه فى مجالا الفكر الثقافة والإبداع ، على حساب وقت الراحة والفسحة والاسترخاء وبعد أن يؤدى للعمل الوظيفى ساعاته وحقوقه ، وهو عمل لم يتخلف عن الذهاب إليه كل صباح على مدى خمسه وخمسين عاما من عمره المديد بإذن الله .

فتصوروا معى حجم التضحية وحجم العطاء وقوة المثابرة والكدح ، والأثر من ذلك أنه بقى على مدى هذه العقود قوة محركة للحركة الادبية والثقافية ، لا على مستوى الابداع والثقافة فقط ، ولكن على مستوى العمل الميدانى خارج البلاد ، وداخلها فى الأندية والمنتديات  والمدارس ، فى الصحافة والإذاعة والمؤتمرات المحليه العربية والعالمية ، فى حلقات الدرس والجامعات ومراكز البحث فى ليبيا وفى العالم ، يؤدى دوره الريادي، ورسالة الوعى وتربية الذوق وتأسيس بيئة ثقافية لوطنه ومجتمعه .

وإن حق لى أنا تكلم من منطلق ذاتى واضعا العلاقة الشخصية التى ربطتنى به ، فأقول إن عمرها أكثر من أربعين عاما ، صداقه عميقة بين صاحبين ، لم تخالطها لحظه كدر واحدة ، ... كما كنت بتشجيع مستمر منه أسهم فى كتابه زاوية يومية فى صحيفة طرابلس الغرب ، وأسهم فى أكثر من برنامج ثقافى فى الإذاعة ، وساقنى غرور الشباب ذات يوم من عام 1966 إلى القيام بعمل من أعمال التحدى لأساطين الدولة فى ذلك الوقت ، وكتبت هجائية فى الحكم نشرتها لى صحيفة الحقيقة ، أثارت غضب واستياء كبار رجال الدولة الذين لم يحل بينهم وبين البطش بى غير وجود هذا الأديب الكبير على رأس الوزارة التى أعمل بها ، فمنع سلطات الأمن من الاقتراب منى باعتبارى أعمل تحت إمرته ، وأقام لى محكمة إدارة صورية داخل الوزارة اكتفت بتوجيه إنذار لى ، وعدت لأكتب وأمارس عملى دون أية عراقيل .

وعندما ترك الوزارة ، إلى العمل سفيرا لدى المملكة المغربية ، حرصت على زيارته هناك عام 1968، لأنعم برؤية بهاء وجمال الطبيعة ، وتراث الأندلس الذى يتبدى فى أبنيه وحدائق تلك المدينة صحبة هذا الفنان ، الشاعر والمبدع الكبير ، وقد جمعتنا مناسبات كثير فوق أرض المغرب ، وفى بلاد أخرى ، سافرنا إليها فى مهمات ثقافية ، فكان حضوره المتألق المشع يضيف مزيدا من البهجة على هذا الأسفار والرحلات .

ورغم ضرورات العمل التى تبقينى أحيانا خارج البلاد ، فإننى أحرص كلما كنت فى طرابلس على زيارة الأستاذ التليسى  فى مكتبه لأهتدى بفكره وآرائه وتجاربه وأتزود بزاد معنوى وروحى من تلك اللحظات التى أقضيها معه ، وكثيرا ما فاض علي من كرمه ، فأسمعنى آخر ما جادت به قريحته من شعره البديع الجميل الذى لا يقوله إلا تحت سيطرة وإلحاح جنيات وادى عبقر.

وعندما ننظر اليوم إلى حصاد هذا الرحلة سوف نندهش ، وقد نعجز عن تصديق أن كل هذا جاء نتيجة جهد رجل واحد ، أنجز ما أنجزه خارج ساعات الدوام الرسمى ، لأن مثل هذا العمل لا تقدر عليه إلا مؤسسات تزخر بالباحثين والمترجمين والمبدعين ، خاصة أنه يعيش وسط بيئة لم تكن تملك من الوعى ما يجعلها تحتفى بالعلماء والأدباء والمفكرين أو تقدر جهدهم كذلك التقدير الذى تحمله المجتمعات المتقدمة لعلمائها ومفكريها ، ولعل هذا الحفل يكون خطوة فى الاتجاه المعاكس ، بل لعله يكون أكثر جدوى وفعالية فيفلح فى إقناع الجهات المعينة بتسمية ميدان أو جامعة باسمه ، أو تخصيص جائزة تحمل اسم هذا الأديب الكبير .

خليفة التليسى يملك طاقه من الإخلاص للوطن والبيئة والولاء لشعبه وأمته ، والإحساس العميق برسالة الكتب فى الحياة ، تجاه الإنسانية جمعاء ، مما أعانه على إنجاز مشروعه الثقافى الفكرى الإبداعى ، دون أن ينتظر مقابلا غير حب الناس وراحه الضمير .

إن ذلك العطاء السمح الجميل الذى يشبه عطاء الدوحة الوارفة الظليلة ، أو الحقل المثمر الخصيب ، أو ينبوع الماء الثر الدافق النقى ، الذى لا يملك إلا أن يمنح ويعطى بسخاء وأريحة مهما كثر حوله نقيق الضفادع .

ويا أستاذنا الكبير ، أبقاك الله ذخرا وملاذا للإبداع والمبدعين ، وأعاننا وأعانك على أداء رسالة الفكر والإبداع إلى آخر قطرة فى كأس الحياة.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home