Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الإربعاء 13 اكتوبر 2010

رحلة إلى ايطاليا *

د. أحمد ابراهيم الفقيه

إيطاليا‏,‏ إيطاليا‏,‏ إيطاليا

وتبقي لإيطاليا في المذاق نكهة وحرقة‏,‏ رغم الفصول السوداء بين إيطاليا وبلادي‏,‏ فإنه بعد طي هذه الصفحات تبقي لإيطاليا تلك المكانة الخاصة في الفنون والآداب والسينما‏.‏

فلقد تعلمنا ان عصر النهضة بدأ بنوابغ فنانيها امثال مايجل انجلو وليوناردو دافنشي‏,‏ وصولا إلي ما لهذا الفن من تجليات معاصرة في الموضة وتصميم الملابس والمباني‏,‏ ورأينا المكانة السامقة التي وصلها في العصر الحديث نوابغ مخرجيها مثل فيلليني وبازوليني ودي سيكا وأفلام سارق الدراجة والحياة الحلوة والاوركسترا وغيرها وغيرها‏,‏ وتعشقنا في صبانا فاتنات السينما الإيطاليات صوفيا لورين وجينا لولو بريجيديا وكلوديا كاردينالي‏,‏ وهن الثلاثه يستمتعن بشيخوخة مريحة الآن‏.‏ دون وجود احد علي الساحة يعوض غيابهن وغياب اولئك المخرجين العظام الذين صنعوا العصر الذهبي للسينما الإيطالية‏,‏ وقرأنا قصصا وروايات ومسرحيات لويدجي بيرانديللو ومورافيا واشعار اونجريتي‏,‏ وقبل هؤلاء تعلمنا في المدارس ان اعظم اثر ادبي شعري عرفه الأدب في العصور المتأخرة هو الكوميديا الالهية القادمة من إيطاليا علي يد شاعرها الأكبر دانتي اليجيري ولم تكن مدنها وسهولها وانهارها وشواطئها بعيدة عن الخيال الأدبي الذي يغذي الوجدان فقد اقتبس شكسبير اعظم قصة حب في العالم من عشاق فيرونا استلهاما لرائعته روميو وجولييت كما كتب قصة حب عطيل قائد جيوش البندقية لابنة احد اعيانها ديدمونة‏,‏ وكانت فينيسيا حافزا لمغامرات العاشق الازلي كازانوفا‏,‏ وكانت روما هي التي استقبلت موكب كليوباترا الذي صورته السنيما باقصي ماتستطيع من مظاهر المجد والعظمة‏.‏

وقدم لنا أدباء مثل ارنست هيمنجواي صورا من الحياة في إيطاليا كما فعل توماس مان في الموت في فينيسيا وجورج ساند والفونس دوديه وغيرهم وغيرهم‏,‏ اذ يضيق المجال عن سرد كل الأعمال الأدبية والفنية التي استلهمها الفنون والشعراء من تلك الأرض‏.‏ ولهذا فإن الرحيل إلي إيطاليا كان لابد ان يثير في الذهن كل هذه الاخيلة والذكريات والمعاني‏,‏ ورغم انني ذهبت في مهمة محددة‏.‏ ضيفا علي مهرجان مسرحي فإن الزيارة لم تقتصر علي تلك المدينة التجارية في الشمال وإنما تواصلت لأقضي اياما في عاصمة البلاد روما‏,‏ ورغم الطبيعة المحددة للزيارة فإنه لم يكن هناك سبيل للنجاة من تأثير الاجواء الإيطالية‏,‏ فهذه الاجواء اعيشها في الشوارع التي اتجول فيها‏,‏ والمواصلات التي استخدمها‏,‏ والفنادق التي تنقلت بينها‏,‏ وواجهات المحلات التي تحمل اللمسة الجمالية الإيطالية في المعرض والتصميم‏,‏ والميادين التي تكتظ بالبشر إيطاليين وسواحا‏,‏ كما تكتظ بالتماثيل والنصب التذكارية‏,‏ ثم التلفاز بقنواته المتعددة التي تمثل بضجيجها وبرامجها وما يغمرها من صخب ومرح شيئا من روح الحياة في إيطاليا بنكهاتها المتميزة‏.‏ وليس غريبا بعد ذلك ان نري كل مدينة إيطالية تتحول إلي معرض مفتوح للفن والابداع الهندسي وجمال العرض وترتيب الملابس أو الزهور واناقة المباني والشرفات ونوافذ العرض في المتاجر والمطاعم والمقاهي والملاهي‏,‏ غير العاصمة التي تتميز عن بقية المدن بانها معرض مفتوح للتاريخ وللصروح المتبقية من الأمبراطورية الرومانية التي اعيد ترميمها وتشييدها فتبدو مع تاريخيتها وعراقتها كانها ابنية حديثة‏,‏ تزاحم بعضها بعضا فوق ارض هذه العاصمة الجميلة من عواصم العالم‏.‏

المشهد الذي وجدته اكثر اثارة هو المشهد السياسي‏,‏ ومن اهم مفارقات هذا المشهد هو الحكومة التي يرأسها بيرلسكوني الذي يمثل حالة متفردة في السياسة كما نعرفها في دول الغرب‏,‏ فهذا الرجل هو المالك لأغلب قنوات التلفاز‏,‏ وهو المالك لأغلب الصحف‏,‏ وهو المالك لمؤسسات مالية ومصرفية‏,‏ وبدل ان يكون صاحب هذه الاحتكارات‏,‏ متسيدا عليها في قطاع خاص يخضع لاشراف ورقابة الحكومة‏,‏ يصبح هو الحكومة ليتسيد علي القطاع الخاص والعام ايضا‏,‏ هو الحكومة والأهالي‏,‏ وهو العسكر والحرامية وتنشأ من حوله الفضائح‏.‏ وتتطاير اتهامات بتزييف الانتخابات لبعض اعضاء حزبه وفضائح مالية لشركائه‏,‏ واتهامات بعلاقات بالمافيا والجريمة المنظمة‏,‏ ومع ذلك فهو ينعم بطول سلامة وبقاء في الحكم وبارادة الناخبين‏,‏ وبمثل مارأيت من يكرهونه بقوة فقد رأيت من يحبونه بقوة ويدافعون عنه بشراسة‏.‏ وهذا التجاذب في السياسة بين الحب الكراهية‏.‏موجود مثل التجاذب بين شمال إيطاليا الغني‏,‏ وجنوبها الذي يراوح بين الفقر والتطلع الي الغني‏,‏ وبين عمق الإيمان الديني في مركز العقيدة الكاثوليكية وبين التيارات الالحادية‏,‏ مع تجاذب جديد هو الدعاوي اليمينية المعادية للأجانب التي تحارب الهجرة إلي إيطاليا شرعية وغير شرعية‏,‏ بشراسة وعنف وبين الاحتفاء ببعض هؤلاء الاجانب‏,‏ وما يقدمونه من اضافات للبلاد والحرص علي تشجيع كتاب وفنانين قادمين من المهاجر مثل كاتب عربي جزائري اسمه عمارة الاخوص‏,‏ صار يحقق حضورا متميزا كواحد من كتاب الرواية الإيطالية المتميزين.

fagih@hotmail.com
_________________________

(*) سبق لي نشرها في صحيفة الاهرام ، الإربعاء 13 ـ10ـ-2010

 

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home