Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الأربعاء 13 مايو 2009

ليبي في نيويورك

د. أحمد ابراهيم الفقيه

مازلت اعتقد ان رجل السياسة عندما يكون مسلحا بثقافة عالية يكون بالضرورة افضل اداء واكثر قدرة على القيام بدوره ورسالته وحماية نفسه من مغريات السلطة والقوة ، التي تقود دائما الى الغرور والاستعلاء على الناس ، مما يصنع مسافة تعزل السياسي عن مصادره الشعبية وتبعده عن نبض الشارع وتجعله غريبا عن معاناة الناس وهمومهم ، كما تشكل الثقافة العالية لهذا السياسي ذرعا حقيقيا يحميه من سهام الفساد ومزالقه التي تعرض له اثناء امتطائه لصهوة جواد السلطة ، حيث جهات كثيرة من داخل الوطن وخارجه تسعى باستماتة لان تضمه الى ضحاياها ليسهل بعد ذلك ان يسير في طوعها وان يمتثل لتعليماتها وان يكون مسخرا لخدمتها لا خدمة الوطن في تحرير العقود واجراء الصفقات وتوقيع القرارات التي تحابي هذه الاطراف وتتيح لها فرصة التربح ونهب خزينة الشعب واستطيع ان اضرب مثلا على مثل هذا السياسي برجل قيادي من ابناء بلدي اجتمعت لديه مع المناصب العالية ثقافة اكثر منها علوا، جعلته يدخل هذه المناصب الكثيرة ذات المقام العالي ويخرج منها نقيا عامرا بالتواضع الانساني والحكمة العميقة التي اتاحتها لها التجارب والخبرات التي عاشها هو السيد جاد الله عزوز الطلحي ، الذي التقيته عند ذهابي الى امريكا ، حيث كان يؤدي عمله مندوبا لبلاده في الهيئة الاممية ويتولى القيام بدوره ايضا كممثل لبلاده في مجلس الامن ورئيسا لهذا المجلس في احدى دوراته ، وهو رجل تقلد قبل هذا المنصب كل المناصب الكبيرة منذ قيام الثورة فادار مؤسسات مالية واقتصادية وتولى وزارة التخطيط كما تقلد حقيبة الخارجية وتقلد ايضا حقيبة اكثر منها خطورة هي حقيبة الاتصال التي تتولى ادارة قلم القيادة والتنسيق بين السلطة الشعبية والقيادة التاريخية وتولى لعدة سنوات مسئولية النهر الصناعي العظيم الذي حددت له ميزانية تقارب الثلاثين مليار دولار وبكافاءة وامانة ونزاهة واقتدار ادار امانة اللجنة الشعبية العامة اي رئاسة مجلس الوزراء لعدة سنوات قبل ان يذهب لمنصبه في الهيئة الاممية ، وهكذا تصادف وجوده في نيويورك اثناء رحلتي اليها لحضور المهرجان المسرحي الذي تضمن عرض مسرحية من مسرحياتي ، فاستضافني في بيت البعثة بعد انتهاء المهرجان ، لاقيم معه في ذات البناية لمدة شهر كامل ، وباعتباره كاتبا له عدد من المؤلفات فقد كنت اهرع لتبادل الحديث والافكار معه كلما حانت الفرصة ، وينتمي عدد من هذه الكتب التي اصدرها الى التاريخ الليبي قام بتعريبها وتحقيقها وكتابة مقدمات لبعضها غير كتاب قام بتاليفه يتصل بموضوع استراتيجي هو موضوع الموارد المائية مستفيدا من تجربته في ادارة مشروع النهر الصناعي علاوة على مشاركته في عدد من المنتديات الوطنية الدولية في مجالات سياسية واقتصادية باوراق بحثية تميزت دائما بالعمق والجدية ، وبين هذه الكتب مجلد يصل عدد صفحاته الى ما يقرب من الف صفحة عن تاريخ الصحراء الليبية في العصور الوسطي وكتاب اخر كبير الحجم عن اصول السكان في ليبيا بعنوان البربر الذاكرة والهوية ثم كتاب رابع عن طرابلس ملتقى اوروبا وبلدان وسط افريقيا ، وقد انتج وترجم وقام بانتقاء هذه الكتب اثناء فترات يقتصها بين منصب ومنصب لانه اثناء عمله في هذه المناصب كان مشهورا بالمثابرة والاجتهاد والانهماك في العمل خلال ساعات الصباح والمساء، وهذا ما رايته شخصيا اثناء زيارتي له في نيويورك ، ومع ذلك استطعت ان افوز منه بلحظات بعضها اثناء تناول الطعام اعرف خلالها اليات العمل في الهيئة الاممية ، خاصة في مجلس الامن الذي يمثل القلب في هذا الجسد الاممي حيث قال لي بان للولايات المتحدة الامريكية تقليدا وهواستضافة كل دولة عضو جديد بالمجلس على مائدة نقاش تشرح فيها وجهة نظرها في مختلف القضايا والملفات المعروضة على مجلس الامن ، وهو امر اختياري ، بطبيعة الحال ، على رئيس البعثة لتلك الدولة ان يقبل به او يرفضه ، وقال المندوب الليبي انه كان شديد الترحيب بهذا الاقتراح راغبا في فهم المواقف الثابتة للادارة الامريكية في كل هذه القضايا مستعدا ايضا لشرح الموقف الليبي منها ووجهة النظر العربية ازاءها ، ولذلك قام مع خبراء الوفد الليبي باحضار كل الملفات المعروضةعلى مجلس الامن والنقاش حولها وتدارس ما سبق ان اتخذته الخارجية الليبية من قرارات بشانها وموقف الدول العربية الاخرى ازاء هذه القضايا وما اتخذته من مواقف مشتركة في الجامعة العربية ، ثم تحدد يوم المناقشة مع الوفد الامريكي في اجتماع تقابلي بين الوفدين .
واستغرق النقاش كما يقول السيد جاد الله يوما كاملا تمت خلاله مناقشة كل الملفات التي يهتم بها مجلس الامن وتبادل الاراء حولها وفهم وجهة النظر الامريكية ازاءها ونقل وجهة النظر الليبية والعربية بشأنها ، ويقول السيد جاد الله تعليقا على تعامله مع الطرف الامريكي ، انه وجد الامريكيين واضحين تمام الوضوح في شرح مواقفهم وتحديد سياسة دولتهم دون لبس وابهام لا يظهرون غير ما يضمرون ، ربما بعكس الدول الاوروبية وبعكس دول اخرى غير اوروبية موجودة في مجلس الامن دائمة ومؤقته ، حيث السياسة تقوم على اظهار اوراق واخفاء اخرى وتحتل المناورة والمداورة واللعب بالبيضة والحجر مكانا اساسيا في اسلوب تعامها ولهذا فانت مع هذه الدول لا تستطيع ان تحدد موقفا ولا تستطيع ان تعرف على وجه اليقين اين وكيف تكون اماكن الاختلاف واماكن الالتقاء ، بينما يسهل تماما تحديد المواقف مع امريكا كما يسهل بالتالي تحديد اماكن اللقاء ومواقع الاختلاف ، وتحقيق الفهم المشترك حول مجموعة القضايا المطروحة في الهيئة الاممية وفي مجلس الامن ، وهذا كما يضيف السيد جاد الله ، ليس حكم قيمة على هذه المواقف الامريكية ، ولا تقييما لها من حيث الظلم والانصاف ، او الاقتراب من العدل او البعد عنه ، او جودة اوسوء هذه المواقف ، ولكن المواقف كما راها كانت في الاغلب معروفة واضحة ، تستطيع ان تبني عليها موقفك وترسم بخصوصها سياستك اتفاقا او اختلافا عارفا ان ما سمعته هو ماسيقوله المندوب لغيرك ، وان ماقاله في وجهك سيقوله في غيابك ، فهو ليس لديه هنا موقف علني واخر سري ، ولا مجال للنظر والتكهن حول ما بين السطور او ما يختفي خلفها او ماينقصها من نقاط او تشكيل كما هو الحال مع سياسات تقليدية للدول الكبرى في اوروبا مثلا .
هناك في جعبتي اراء اخرى سمعتها من هذا السياسي القيادي الذي تقلد اعلى المناصب في بلاده واكثرها خطورة وحساسية واستطاع وهو يترك هذه المناصب ان يخرج منها دون ان تنال شيئا من تواضعه الانساني وبساطة سلوكه واسلوبه في الحياة وان يحتفظ بثوبه نقيا ناصع البياض لا اثر فيه لذرة من السواد ولعلي اعود لاستعراض هذه الاراء التي تشمل رؤيته للناس والحياة في في فرصة قادمة ان شاء الله.

fagih@hotmail.com
____________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة الأهرام ـ 13 مايو 2009م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home