Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الإربعاء 12 يناير 2011

في وداع رجل العمران والثقافة

 محمد بشير الفرجاني

د. أحمد ابراهيم الفقيه


صورة حديثة للاستاذ محمد الفرجاني

الاستاذ الفرجاني امام مقر اتحاد العمال الليبيين
الذي ساهم في انشائه في اربعينيات القرن الماضي بطرابلس

الاستاذ محمد الفرجاني في صورة تجمعه مع الزعيم عبد الناصر
وفي الصورة الشيخ محمود صبحي اثناء مصافحة الزعيم

(انتقل  الى جوار ربه ،صباح اليوم الاحد  التاسع من يناير 2011 ، الاستاذ الناشر محمد بشير الفرجاني بعد مرض لم يمهله طويلا ، بمستشفي لندن كلينك في لندن ، عن عمر يناهز 88 عاما ، وسينقل جثمانه الى طرابلس يوم الثلاثاء 11 يناير ليضم ثرى الوطن عظام الرجل الذي افنى عمره في خدمته وتاسيس بنية تحتية لعوالم الثقافة والعمران والصناعة  فوق ارضه، وهذه كلمة وداع بمناسبة رحيله يكتبها في حقه صديقه الكاتب الذي اسهم الراحل في نشرمجموعة من كتبه).

هذا رجل من بلادنا ، تجسدت فيه اصالة هذا الشعب وروح اسلافه الميامين من بناة هذا الوطن ، المدافعين في اربطة العزة والكرامة عن ترابه ، ضد الغزاة ، اقول في وداعه كلمة من اجل اعادة الثقة في المعدن الاصيل النبيل لابناء هذا الوطن ، وما غرسته هذه البيئة الصحراوية القاسية في نفوسهم من روح المثابرة والاصرار والبذل والعطاء ، تحديا لمعطياتها واصرارا على الحياة والبقاء والتقاط لقمة العيش من بين براثن وانياب قحطها وجفافها ورياح القبلي التي تضرب اركانها ، لانه رجل عاش عمره يمثل ارقى هذه الخصائص والمزايا والمكونات التي صاغت الشخصية الليبية ، لكي نرى في حياته التي شهدت ختامها صباح يوم الاحد ،  المثل والقدوة والصورة الحقيقية للمواطن الليبي ، خاصة في ازمنة تتراجع فيها القيم ، وتغلب فيها عوامل الوهن والضعف على عوامل القوة والمنعة في النفوس ، وتنتشر على السطح ابخرة الانحراف والفساد والبلطجة والكسل العقلي والنفسي والبدني ، تلبد الصفاء والنقاء في اجواء البلاد ، مما يقتضي استحضارا لهذه النماذج التي اشعت كالنجوم الوهاجة في سماء حياتنا ، وانتزعت لنفسها مكانا في اقسى واصعب الظروف التي مرت بها بلادنا ، وحققت حضورا كريما جليلا عزيزا بالكد والكفاح والصدق والمثابرة والاجتهاد وروح الاقتحام والشجاعة وقوة الايمان والعصامية ، وليس بضربات الحظ الحكومية ، او المحاباة العشائرية والقبلية ، او الدعاية الزائفة الكاذبة الباطلة التي يعتمدها بعض الناس اداة لنجاح الغش والتزوير ، لا نجاح الحق والجدارة والعمل الصادق النزيه ، واقدمه هنا كتميمة لاستعادة الثقة في انفسنا ، والمعدن الاصيل لابناء شعبنا ، بمناسبة رحيله عن عمر ناهز الثامنة و الثمانين عاما  قضاها في خدمة الوطن باعتباره رجل الثقافة والعمران والبناء  ورائد النشر وصناعة الكتاب ، صاحب دار نشر دارف ، ودار الفرجاني ، وصاحب عشر مكتبات متوزعة بين طرابلس والقاهرة وتونس وبريطانيا ، وصاحب مئات العناوين التي اصدرها لرواد الحركة الادبية في ليبيا مثل الاساتذة المصراتي والتليسي ومحمد فريد سيالة وفؤاد الكعبازي والسيدة زعيمة الباروني والسيدة خديجة عبد القادرة وغيرهم وغيرهن ،واشرف انني كنت ضمن هؤلاء الكتاب الذين نشر لهم في مرحلة متاخرة بدءا بكتابي الذي صدر منذ عشرين عاما عن داره ودار نشر تونسية شريكة له هو العودة الدائمة الى خانة الصفر ، ثم في العام قبل الماضي وفي نشر مشترك بين الناشر اللبناني ومكتبة الفرجاني 2،  الاثنى عشرية الروائية خرائط الروح ،  وهي مسيرة بداها منذ عقد الاربعينيات من القرن الماضي مدرسا في مدرسة الظهرة ، ومساهما في تأسيس اتحاد العمال الليبيين ، ثم صاحب اول مكتبة ودار نشر عربية هي مكتبة الفرجاني في شارع الوادي في مطلع الخمسينات  ، وان كان قد بدا هذا النشاط مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية وارتفاع كابوس الاستعمار الايطالي عن هامة البلاد ، ليكون له شرف فتح النافذة التي يدخل منها الاشعاع الثقافي العربي الى البلاد ، ممثلا لدار النشر الكبيرة الشهيرة في مصر دار المعارف بما تصدره من مجلات للاطفال مثل سندباد وكتب اولادنا للصغار وسلسلة اقرأالتي بدأت باعمال طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ، ومستجلبا لاصدارات دار الهلال ، ودار روز اليوسف وصحف الاهرام والاخبار والمصري وغيرها مستشيرا في امور النشر والادب صديقيه الاثيرين ، كما قال هو ذات يوم ، الاستاذين على مصطفي المصراتي وخليفة محمد التليسي.

لا ادري منذ متى تعرفت على الاستاذ محمد الفرجاني  فهو امر غاب الان في سديم السنين، ولكنني قطعا تعرفت على مكتبته منذ ان وطأت قدماي مدينة طرابلس قادما من الريف عام 1957وكان هو بمكتبته ودار نشر الفرجاني التي كانت تعطى ازهى ثمارها متألقا متوهجا حيث اصدر في ذلك العام اول كتابين عرفتهما البلاد في مجال القصة وهما نفوس حائرة لعبد القادر ابو هروس ومن القصص القومي لزعيمة الباروني ، ولم تكن هناك مكتبة غير مكتبة الفرجاني في البلاد نقصدها لنشتري منها مجلات المصور واخر ساعة وروز اليوسف والكواكب ، وكنت التقي بوجه باسم للشاب الصغيرالذي يعمل في المكتبة الاستاذ محمد اللموشي الذي امتدت صداقتي به حتى هذا اليوم وهو يدير مكتبة خاصة به في حي الاندلس ، وكان الفرجاني وحده وقبل وجود حكومة تعتني بالكتاب ونشره ، من يتولى نشر الكتب التي بدأها بكتاب نحو غد مشرق للاستاذ محمد فريد سيالة ، والشابي وجبران للاستاذ التليسي وجحا في ليبيا للاستاذ المصراتي كتاب التذكار تحقيق الشيخ الطاهر الزاوي وديواني الحنين الظامي لعلي الرقيعي واحلام وثورة لعلي صدقي عبد القادروكتب تراثية مثل المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب لابن غلبون ، وترجمة كتاب مس توللي عشر سنوات في بلاط طرابلس ، مع مسرحية عبد الله القويري عن عمر المختار ومجموعة قصص حياتهم وكتاب مسرحيات لعبد الحميد المجراب بلادك ياصالح ، واذكر انه وجدني في مطلع الستينيات مسافرا الى بيروت فاعطاني مخطوط هذا الكتاب ثم ارسل لي برقية في بيروت يذكر لي اعتراض الرقابة على  عنوانه الذي كان "عندما يموت احدهم " خوفا من ان يكون مثل هذا العنوان اشارة الى الملك الذي ظهرت اشاعات عن مرضه ، فاخترت له هذا العنوان الجديد الذي ظهر به .

وواصلت الدار فيما بعد سنوات البداية اصدار مزيد من العناوين التي تميزت بالريادة في مجالات الادب والتاريخ الليبي ومعارك الجهاد والتراث الوطني والقومي فاصدربعد ذلك اول رواية ليبية للاستاذ محمد فريد سيالة هي اعترافات انسان واصدر كتاب المجاهد والعالم الديني الجليل الشيخ الطاهر الزاوي عن عمر المختار الذي كان ممنوعا تداوله في ليبيا في اعوام سابقة ، واصدر كتاب العدوان للمؤرخ محمد بازامه واصدركتبا جديدة للاستاذ المصراتي ونشر كتبا مترجمة مثل لوحات تسيلي وكتاب روسي الذي ترجمه الاستاذ التليسي ورحلة في الصحراء للسويدي كنود هلمبولويس وكتاب نحو فزان ومن الفرنسية نشر الكتب التي ترجمها الدكتور المؤرخ عبد الكريم الوافي   وساهم هو نفسه في ترجمة كتاب تاريخي عن الايطالية لينشره باللغة العربية واسهم في ترجمة كتاب سياحي الى اللغة الانجليزية ، وهو يقول عن دراسته وتربيته التي اوصلته لحب الكتاب والاهتمام به انه بدأ طالبا في الكتاب كمثل ابناء جيله في العشرينيات ، وكان يرى طلابا يذهبون الى المدرسة الايطالية يحملون كتبا جميلة زاهية الاولوان فطلب من ابيه وبقية افراد اسرته ان يسمحوا له بالتسجيل في المدرسة الايطالية وبسبب اصراره تحقق له ذلك ليصبح هو ايضا قادرا على اقتناء تلك الكتب وبدا منذ ذلك الوقت عشقه للكتب واقتنائها ومطالعتها ، كما كان يقول بادئا بالسحر الذي وجده عن طريق قراءة الف ليلة وليلة وفي منتصف الثلاثينيات انضم للمدرسة الاسلامية العليا التي كانت تمثل مراحل التعليم المتطور حتى تعطلت في بدء الحرب العالمية الثانية ، التي انضم مع نهايتها في ليبيا الى سلك التعليم مدرسا في مدارس طرابلس واستقر به المقام في مدرسة الظهرة .ليبدا مسيرته مع بيع الصحف ، وفي الخمسينيات انشأ مكتبة شارع الوادي التي كانت نقطة الانطلاق الجديدة في مسيرته المظفرة الناجحة .   

وكانت صورة المدرس و الناشر وصاحب المكتبة هي الصورة الظاهرة لنا للاستاذ محمد الفرجاني ، وهي صورة اكملها لي زملاء ادباء مثل بشير الهاشمي ويوسف الشريف واصدقاء من خارج المجال الادبي ، كانوا تلاميذا في مدرسة الظهرة الابتدائية يتعلمون علي يديه، واتاح لهم فرصة كسب مصروف اضافي عن طريق مساعدته في بيع الصحف وتوزيعها وجاءوا يحملون انطباعا جميلا عن الرجل ويتحدثون عن امانته ونزاهته وعصاميته، وكيف كان يجمع بين التدريس وبين رعاية المكتبة ، وكيف كان يعير التلاميذ كتبا من مكتبته ليعودهم على المطالعة الحرة ، وكيف كان يذهب بنفسه الى المطار ، في دراجة "تشيركولي" ذات العجلات الثلاث والصندوق الذي تدفعه العجلة ، ليحمل في هذا الصندوق الصحف والكتب والمجلات من المطار الى مقر المكتبة في وسط المدينة ،  وسرعان ما بدأنا نعرف ان للاستاذ الفرجاني ، باعتباره من طلائع المتعلمين في البلاد ،جوانب اخرى ، تكمل صورته السابقة ، وواحد من هذه الجوانب ، مساعدته لاخوته العمال في انشاء اول اتحاد لنقابات العمال الليبيين، وهو التنظيم الذي انخرط في النضال الوطني من اجل الاستقلال وتوحيد البلاد ، وعندما نجحت اعماله في مجال النشر ، ترك التدريس وتفرغ لمواصلة انشطته في العمل الحر ، والانطلاق في مجالات اخرى غير النشر والمكتبات، وبالذات مجال التعمير والبناء وعالم العقارات ،بسبب حاجة المواطنين الى السكن اللائق الصحي، وهي حاجة ملحة وضرورية ومرحلة كان لابد ان يدخلها مجتمع العاصمة الليبية طرابلس بعد انتهاء مراحل العوز والاستعمار والحرب ، وحقق في هذا المجال نجاحا فائقا ، لانه لم يدخل اليه كما يقول مضاربا، يبحث فقط عن فرصة سريعة لتحقيق الربح ، وانما دخله كرجل معني بتحقيق اسهام في بناء الوطن وتاسيس بنية تحتية لاعمال البناء ، فلم يكتف بجلب بعض المواد من الخارج وانما قام بانشاء مصنع للمادة الاساسية هي الاجر ، مستخدما في اعمال البناء العناصر الوطنية والخامات المحلية ، ويشيد الاحياء السكنية ، كما يشيد الابنية الادارية، دون ان يكون هذا التوسع العمراني على حساب حبه الاول والاساسي وهو الكتاب نشرا وصناعة وتوزيعا وتاليفا وتسويقا، فاضاف الى المكتبة ودار النشر ، المطبعة التي اشتراها مع شريك له من صاحبها الايطالي وهي مطبعة ماجي ، في مركز المدينة ، وادخل عليها تطويرا وتحديثا ، وجلب اليها الات طباعة جديدة، لتكون قادرة على استيعاب المرحلة الجديدة التي دخلتها شركة الفرجاني للنشر ، وهي مرحلة نشر الكتاب المدرسي وطباعته لصالح المؤسسات التعليمية الليبية ، وهي صناعة كانت احتكارا للاجانب والسوق الاجنبي ، لعدم وجود من يتصدى لها من العناصر المحلية ، كما اضاف الى مكتبته في شارع الوادي ، مكتبة جديدة في شارع 24ديسمبر سابقا الاول من سبتمبر حاليا، وكانت مكتبة كبيرة حديثه لعلها الاولى من نوعها في المنطقة العربية لانها لم تكن تكتفي بتسويق الكتاب العربي وانما تجلب وتسوق احدث ما صدر في العالم من كتب باللغات الانجليزية والفرنسية والايطالية ، لسد حاجة السوق الليبي المتنامي لمثل هذه الكتب ، وكانت هذه المكتبة رائدة في تقديم خدمة جديدة هي تلبية طلبات الزبائن للكتب التي يريدون جلبها من الخارج ، فتتلقي طلباتهم وتجلب لهم هذه الكتب في وقت قياسي ، كذلك قام بفتح مكتبة جديدة في بنغازي لتقديم خدمتها لقراء البلاد في الجزء الشرقي من البلاد ، في حين كانت شركاته في المجالات الاخرى ، تنتشر وتكبر وتحقق طموح صاحبها في الانجاز والتعمير والبناء ، وكان قد بدأ في وضع الدراسات الاستشراية لانشاء قرى سياحية على الشاطيء ، وانشاء مستشفى خاص بحسب المواصفات التي ارادها صهره جراح القلب الشهير الدكتور خليل برشان ، ومع محلات ادوات البناء ومصنع الاجر ، انشأ محلات للاثاث ، تلبي حاجة سوق ينمو ويكبر ويتوسع في مجال السكن الصحي الذي دخلته الدولة بقوة في مطلع الستينيات برصد 400مليون دينار ليبي لانشاء المشروع الاسكاني الذي اسمته الحكومة باسم مشروع ادريس للاسكان ، مستفيدة من عوائد النفط التي بدأت تفعل فعلها في تحديث وتطوير مستوى المعيشة لدى المواطن الليبي .  

قفزة اخرى حققتها شركات الاستاذ محمد الفرجاني، خلال عام 1967،عام الحرب الخاطفة مع اسرائيل التي نتجت عنها النكسة العربية ، فقد حدث فراغ في اسواق الاقتصاد والتجارة ، نتيجة الفزع الذي اصاب الشركات الاجنبية واصحابها من التجار الايطاليين واليهود ، الذين صاروا يقفلون محلاتهم وشركاتهم ويسحبون اموالهم ويهددون البلاد بانهيار في مجال المال والاعمال ، كرد فعل لحالات الثورة والتمرد الوطنية الشعبية المعادية للعناصر الاجنبية المتهمة بتعاطفها مع الدوائر الصهيونية ، ولكن هذا الانهيار لم يحدث بسبب بعض الشركات الوطنية التي يقودها الوعي والفهم السياسي والاستيعاب لابعاد الموقف المحلي والدولي ، واذكر انني كنت في ذلك الوقت اكتب في صحيفة الحرية ، واعمل في فرقة المسرح الوطني ، ونستعد لتقديم مسرحية شكسبيرية شهيرة هي مسرحية عطيل ، وكان مسرح الحمراء ، هو المسرح المرشح لتقديم الاعمال الكبيرة مثل هذه المسرحية ، وذهبت شخصيا لاتكد من الاشاعة التي تقول بان سينما الحمراء سيتم قفلها لان الشركة التي تملكها قد قررت تصفية اعمالها، وربما تتحول الى مخازن،  ومتاجر ، لان الشركة التي تملك خبرة الادارة وتقنيات التشغيل قد انتهت ، واعرف حقيقة الموقف قبل ان اكتب مقالة عن الموضوع للصحيفة ، واستقبلني عند باب دار العرض الصديق الاسمر الذي قضى عمره في هذه السينما حتى التصق اسمها باسمه وصار الناس يعرفونه باسم محمد سينما ، ولم يستطع ان يجيبني على اسئلتي ، قادني الى المالك الجديد ، في مكتبه بالدور الثاني ، وفوجئت وانا ادخل المكتب بصاحبه يستقبلني بالباب وياخذني بالاحضان لاعرف ان هذا المالك ليس الا الاستاذ محمد الفرجاني ، الذي افهمني ان دار عرض سينما ومسرح الحمراء ، ستستمر في العمل ، وسيفتح المجال للاعمال المسرحية الليبية ، كما سيجلب لها الافلام العربية بعد ان كانت اغلبية افلامها تاتي من روما ، وانه تعاون مع بعض رجال الاعمال الوطنيين لانقاذ الموقف ، وتكوين شركة للاستثمار في هذا المجال واستلام مهمة تشغيل وادارة دور العرض، وهناك غير الحمراء ، سينما الاوديون ، وسينما ميتروبول وسينما النصر وسينما بلازا وسينما الارينا جاردينو وسينما ريكس ، ومشاركة في سينما لوكس ، ودور عرض خارج طرابلس بينها اكثر من دار عرض في بنغازي. وفعلا صارت شركة فاربن هي التي تتولى تسيير دور العرض كما بدات التوسع في اعمالها الفنية انشأت فرعا لتسجيل وتصنيع الاسطوانات ، بدات باصدار اسطوانات الموسيقى الشعبية وبعض المطربين الشعبيين المشهورين في تلك المرحلة مثل مطرب اسمه على بده ، وتوسعت شركاته التجارية الاخرى فدخلت في اعمال النسيج والحلج ، وانجاز مصنع للالبسة ومجال صناعة الغذاء بانشاء مصنع لتفريخ الدواجن ، ومجال الادوية وانشاء شركة الفارابي لتصنيع وتوزيع الدواء ، واكتسبت كل هذه الشركات دفعة جديدة ، مع مجيء العهد الثوري وتشجيعه للعناصر الوطنية ضد الشركات الاجنبية وبالذات التي كانت مملوكة للجالية الايطالية التي عملت الثورة على اجلائها في اول عهدها ، فشهدت شركاته مزيدا من التطور والنشاط والنجاح والاتساع لتغطية اي فراغ ينشأ عن خروج هؤلاء الاجانب ،وكان الحرص كما يقول الاستاذ محمد،هو على تعويض الكوادر الفنية بعناصر وطنية  بسبب ما تحتاجه هذه العقارات والابنية  ودور العرض والمصانع من فنيين للتشغيل والصناعة كان الجزء الكبير منهم ينتمون للجالية الايطالية فكان لابد من خطة طواريء لتعبئة الفراغ بسرعة وكفاءة وهو ماحدث .

وكان الاستاذ الفرجاني في هذه المرحلة وما قبلها وما بعدها ، واقفا بنفسه ، مسخرا وقته كله وجهده كله لضمان نجاح كل هذه المنجزات التي يفخر بانه هو من زرع بذورها وعهد غرسها بالعناية والرعاية والتسميد والسقاية حتى استوت دوحة ظليلة تقدم للوطن ثمارها ، يدفعه طموح لا حدود له ، وحب للعمل لا ينضب ، وكان يقول لي هو نفسه انه تعود ان يستيقظ مع الفجر يؤدي صلاته ويخرج قبل شروق الشمس ليباشر شراء ومعاينة المواد التي تحتاجها شركاته ومصانعه من اسواق الجملة ، ليجد العمال ما يحتاجونه من مواد العمل وادواته جاهزة قبل وصولهم اليه .

وفي عام 1977شهدت البلاد مرحلة جديدة من ارتفاع وثيرة العمل الثوري والدخول في عملية تاميم القطاع الخاص ، ضد نصيحة بعض الخبراء وبينهم خبيرمصري جاء حسب  ما اذكر عن طريق الامم المتحدة اسمه الدكتور على فؤاد ، الذي حضرته يقول في اجتماعات عامه انه لا يجد ضرورة لمثل هذا الاجراء كما حدث في مصر ، لان لليبيا ظروفا  تختلف عن ظروف بلاده ، واهمها ان ليبيا دولة ريعية تتلقى حكومتها عوائد النفط التي تصب مباشرة في خزينة الدولة ، وباعتبار ان النفط هو مصدر الدخل الاساسي والاكبر للبلاد ، فان الحاجة تنتفي لمثل هذا التاميم ، لان هدف التاميم هو ان تضع الدولة في يدها مصادر الثروة لكي لا تبقى حكرا على طبقة الاغنياء في المجتمع ، اما وان مصدر الثروة في يدها تستطيع ان تنشر به العدالة وتنفق به على الفقراء وتبني به المدارس والمستشفيات فلا حاجة للتاميم ، وانما يمكن الاستعاضة عنه بالضريبة التصاعدية التي تطبق في بعض دول الشمال الاوروبي ، الا ان الاسماع في ذلك الوقت لم تكن جاهزة للانصات لمثل هذا الصوت ، وكنا جميعا ممن التحقوا بالوظائف العامة نحاول ان ننسجم مع ايقاعات اوركسترا عالمية في الشرق والغرب تتكلم عن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وتعتبر التاميم جزءا من هذه الصيرورة ، فكان ان تم التطبيق دون مراعاة للظرف الليبي الخاص ، وعهدت السلطة الثورية الى اتحاد المنتجين تنفيذ عملية الاستيلاء على المنشآت الخاصة ، ولم تكن شركات ومكتبات ومكاتب ودور عرض ومصانع الاستاذ محمد الفرجاني استثناء من اجراءات التأميم والمصادرة  بحيث لم تترك له الجهات القائمة بالتميم سوي بيته الذي يقيم فيه، وعلمت ان قيمة ما تم تأميمه والاستلاء عليه من ممتلكات الرجل وعقاراته يزيد في مجمله عن 130 مليون دينار بقيمة العملة منذ اربعة وثلاثين عاما مضت ، وكنت التقي به في تلك الفترة فاراه صابرا ، مستسلما لقضاء الله ، يستقبل ما حدث بروح رجل عميق الايمان ، مؤمنا بقوله تعالى"قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا" فلله ما اعطى ولله ما اخذ، دون كلمة واحدة تعني التذمر او الشكوى او البكاء ومن طرائف ما يذكره الناس عنه ان عمارة تم تاميمها وكانت في مرحلة التشطيبات النهائية وجاء المشرف على العمل يامر العمال بالتوقف عن العمل وسمع به الاستاذ محمد فساله لماذا امر بايقاف العمل ولم تزل الا بضعة ايام على تشطيب العمارة فقال له فعلت ذلك باعتبارها اصبحت ملكا لاصحاب التاميم ، فقال له دعهم يواصلون العمل ويقدمونها كاملة لمن يريد استلامها فانا لا اريد ان ياتي من يشير لها بانها خرابة الفرجاني وانما عمارة الفرجاني . وقلت تعليقا على هذه القصة ان الاستاذ محمد كانما كان ينفذ حديث الرسول الكريم الذي يقول من كانت بيده فسلة يهم بغرسها وقامت القيامة اثناء ذلك فليكمل غرس الفسلة باعتبار ان التاميم كان لمثل هذا الرجل هو نهاية عالمه في مجال المال والاعمال في بلاده اي هو يوم القيامة لشركاته ومشاريعه ومكتباته وما حرص العمر على بنائه، ولعل غيره استفاذ من ظروف محلية ودولية وضربات حظ رافقت الحروب والطفرات النفطية صنعت له ثروته دون عناء فلم يكن تاميمها بعد ذلك يعني ظلما له ، ولكن من يعرفون الاستاذ محمد الفرجاني يشهدون على ان كل قرش كسبه كان عبر طرق شريفة نزيهة ، لانه كان دائما يدعو الله الا يختلط برزقه الذي يطعم منه اولاده قرش واحد ياتي عن طريق الحرام ، وقد التقيته بعد التاميم وهو يتاسف لعدد من الاولاد العاطلين المتبطلين وهم يقفون على نواصي الشوارع يتعرضون لكل امراة تمر من الشارع فنهر بعضهم بروح ابوية والتفت نحوي يعبر عن اسفه لمثل هؤلاء الشباب الذين لا يجدون برنامج عمل او ترفيه او نشاط شبابي يستوعبهم ويوجههم الى عمل اكثر فائدة من تفريغ طاقتهم في البطالة والعطالة ومضايقة الناس وربما الانحراف والادمان ، فقلت استغرب انشغاله بمثل هؤلاء الاولاد وهو الذي خرج من محنة مصادرة كل ما افني شبابه في تشييده وانشائه و دون تعويضه في ذلك الوقت بمليم واحد ، فقال مقسما بالله انه ليس نادما على عمل قام به في حياته ، وما يتمناه هو ان يجد من يملك قلبا يشرف به على استمرار هذه الاعمال وتنميتها وابقائها مصدر خير للناس بالنسبة له ، فقد قال انه تفقد نفسه بعد التأميم فوجد ان بصره بخير وسمعه بخير واطرافه لم ينقص منها شيئا وهو يستطيع ان يمشي في الشارع وان يستمتع باستنشاق هواء الله ويستخدم دون مرض حواسه الخمسة وان ابنائه واهل بيته جميعهم اصحاء معافين فصلي لله صلاة الشكر على هذه العافية وقدم له الحمد باعتباره  الخالق الذي لا يحمد على مكروه سواه اشارة لم حدث لاملاكه من تاميم ، بل وكنت اراه في تلك الفترة سعيدا لان لديه بيتا ورثه عن اسرته في غريان من تلك البيوت المحفورة في الارض على طريقة الكهوف البدائية ، ولكنه صنع منه تحفة حديثه اذ ترك الكهوف كما هي وقام بتلبيسها بخشب الارابيسك وجعل المكان اشبه بقطعة فنون اثرية ، اتاح له التفرغ الذي جاء بعد التاميم فرصة قضاء اوقات كثيرة في تلك التحفة ودعوة الاصحاب والاصدقاء  لمشاركته الطعام والحديث وجلسات الونس هناك وكأن التاميم لم يحدث ، او كانه فصل مؤلم طرحه من حياته وعمل بقوة وارادة وسماحة على نسيانه ماضيا مع حياته ، وكان في تلك الفترة يردد حكمة سمعتها منه طوال حياته لا يسام من قولها وتكرارها ويبدو انه اقتبسها من مرحلة البدايات عندما بدأ كفاحه على الدراجة ، انه يقول دائما بالتعبير الدارج. 

ـــ الوي واشبح القدام .

بما يعني لا تنشغل بالنظر خلفك ولا حولك وانما واصل تحريك دواليب الدراجة وانظر الى الامام وهو بالضبط ما عمله بعد التأميم ، اذ كان مؤمنا بانه يستطيع دائما ، مهما كان حجم الكبوة التي يلقاها في الحياة ، قادرا على النهوض واستئناف مسيرة العمل والانتاج ، ولم يجد بعد ان قفلت امامه ابواب العمل في البلاد بسبب التاميم و اغلاق القطاع الخاص الا ان يذهب لبعض المتعاملين معه في مصر للاستعانة بهم في اعادة تسجيل دار الفرجاني في القاهرة حيث بدأ في اعادة طبع بعض الكتب ،  وبالنسبة للنشر والتوزيع الاجنبي ذهب الى مالطا وانشأ دار نشر هناك لنشر بعض الكتب التعليمية والتجارية مثل كتب تعليم اللغة العربية للاجانب واللغات الاجنبية للعرب ، كما استانف مع بعض من يعرفهم من اهل العقار نشاطه في مجال العقارات ، وهو يقول عن هذه الفترة ان ما ضايقه ليس فقط ذهاب الثروة ولكن البطالة فقد صار العمل اغلب ساعات النهار اسلوب حياة بالنسبة اليه ولهذا استانف العمل بهمة ونشاط كما لو انه في مرحلة الصبا مع انه صار الان على مشارف الستين من عمره ، وفعلا ومع وصوله لهذه السن انشأ في لندن مؤسسة دارف  للنشر وافتتح اولى مكتباته في الخارج ليستانف العمل والوجود في مكان تحيط به الكتب ويحيط به زبائن الكتاب كما تعود ان يفعل دائما لانه يقول انه بجواركل ما قام به من انشاءات ومصانع وعقارات كان حبه لعالم الكتاب ولاهل الكتاب لانه مع المكتبات والنشر يتعامل مع ارقى شرائح البشر سواء في بلاده ليبيا او في خارجها ولم يكن غريبا ان تستضيف مكتبته في لندن كبار كتاب العالم في قراءات وحفلات توقيع وبينهم الفائزة بجائزة نوبل والتي كانت تسكن قريبا من مكتبته الاولى في شمال لندن السيدة دوريس ليسينج وقد دعتني مكتبته مرة لحضور حفلة اقامتها لها بمناسبة صدور احدى رواياتها . 

المكتبة الاولى في لندن ودار النشر التي انشاها اصبحت مكتبة ثانية ومكتبة ثالثة وربما رابعة في الطريق ، واستفادة من اجواء الانفتاح في ليبيا انشا لابنائه الاربعة اربع مكتبات واحدة يديرها هشام والاخرى غسان والثالثة اسامة والرابعة سمير ، كما تواصل المكتبات الاربع العمل في مجال النشر والتوزيع وانشأ الان مكتبة في مصر الجديدة وله مشاركات مع مكتبات اخرى  في مصر وتونس ، كما استانف نشاطه في العقار ولا تزال الشركة التي  انشأ لها فرعا في القاهرة وفرعا في لندن تعمل بنشاط ونجاح ، وهو يقول دائما انه لم يكن يعمل حرصا على الرزق لانه تعلم من حدث

 صغير ان الانسان لا يجب ان يخاف على رزقه ، ولكنه يعمل لانه يريد ان يكون لنفسه هدفا في الحياة ويريد ان يترك بصمة قبل ان يغادر هذا العالم وان يقدم مثلا لابنائه والحدث الصغير الذي علمه الا يخشى اويخاف على رزقه جاء بسبب حبه للسباحة كواحد من ابناء المدينة ، واثناء احدى مرات غوصه في البحر وصل الى جزء عميق من القاع واصر على ان ينتزع قطعة من احجاره خرج بها الى الشاطي ، وعندما تكسرت الحجرة اثناء اللعب بها وجد بداخلها كائنا حيا يتحرك، وهو عبارة عن دودة تخرج قافزة فوق رمال الشاطيء فقال في نفسه اذا كان الله قادرا ان يمنح الحياة والرزق لهذه الدودة في قلب صخرة في قاع البحر فكيف يخاف على رزقه انسان يعيش في ارض الله ويملك ما اعطاه من مهارات وقدرات ومواهب.

ــ الوي واشبح القدام

مضى الاستاذ محمد الفرجاني يطبق شعاره في الحياة ، غير آبه الا  بالنظر الى الامام ولا يشغله النظر الى الوراء ابدا ، ولم يسأل عن هذه الملايين التي اخذتها حكومة غنية قادرة ان ترد له امواله وبسعرها في هذا اليوم فهي الان ربما تصل الى عدد من المليارات لكنه لم يسأل عن هذا التعويض الذي لم يات اليه رغم مرور اربعة وثلاثين عاما ، ويقول ابنه اسامه ان جملة ما عاد لهم من كل ثروة ابيهم ثلاثة او اربعة دكاكين  لا تساوي واحدا من المليون مما  اخذته الدولة من الممتلكات والانشاءات التي يملكها والدهم ،هذا الرجل الذي كان قبل رحيله يمتد فوق سريره بمستشفى  لندن كلينك ، عندما ذهبت لزيارته ووقفت حول سريره مع افراد اسرته   وقد استعاد وعيه نحاول ان نتواصل معه ووجوهنا تطل عليه تحييه وترجو له الشفاء ، وجوه اولاده الاربعة وامهم وهي ابنة استاذه الصحفي والمترجم وسكرتير مجلس النواب الراحل الاستاذ منير برشان ، واثنين من العاملين معه وهما عادل بن طالب ومحمد المصراتي وانا ، فاذا به وهو  مسجى على السرير صامتا عاجزا عن الكلام يدير فينا عينيه ، وتشرق رغم الوهن واعياء المرض ، ابتسامة خافتة على شفتيه عرفنا منها انه تلقى رسالتنا وابتسم يرد على تحيتنا ، وكانت تلك هي اخر لحظات التواصل معه ، لانه بعد ذلك بيوم اسلم الروح مع الفجر ، وكان الفجر دائما هو موعد انطلاقه لعالم العمل والانتاج ، واليوم ينطلق مع الفجر الى عالم اكثر بهاء وجمالا وسماحة وعدلا ،عالم البقاء والنعيم الابدي باذن الله ، فاللهم اغفر ذنوبه ، واجزل له العطاء بقدر ما اعطى واقدم لابناء وطنه وشركائه في الانسانية انك سميع مجيب ، رحل رجل الثقافة والعمران والبناء والصناعة وترك اولاده الاربعة يواصلون الطريق ويعبرون بمكتبات الفرجاني وشركات النشر افاقا جديدة ، كما ترك تراثا اصيلا في العمل والكدح وروح المثابرة والصبر على الشدائد ، وترك في بيته مجموعة كبيرة من تماثيل الحمار ، فقد كان شديد الاعجاب بهذا الحيوان الذي يعتبره مثلا للجلد وبذل الجهد والقدرة على العمل دون كلل ، مع طبيعة جميلة لا  تؤذي احدا ولا يصدر عنها ضررا للاخرين ، هكذا كان الرجل الذي رحل مع الفجر، شهما ونبيلا ووديعا وانسانيا ، ورائعا في تعامله مع البشر والكائنات الاخرى، عليه رضوان الله .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home