Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الأحد 11 اكتوبر 2009

قصة قصيرة

في هجاء البشر ومديح البعوض

د. أحمد ابراهيم الفقيه

لا أدري‮ ‬كيف ولا متى ولا من أين تسللت هذه البعوضة إلى ‮ ‬غرفة نومي‮ ‬،‮ ‬وكيف بقيت صامتة‮ ‬،‮ ‬جامدة‮ ‬،‮ ‬لم تتحرك إلا في‮ ‬هذه اللحظات التي‮ ‬بدأت أتغلب فيها على ساعات طويلة من الأرق وأستسلم للنعاس‮ ‬،‮ ‬بعد أن استخدمت مختلف التقنيات التي‮ ‬عرفتها البشرية لمحاربة الأرق‮ ‬،‮ ‬بدءاً‮ ‬بعد الأرقام من الواحد إلى الألف مرة ومرتين وثلاث وأربع مرات‮ ‬،‮ ‬وعندما فشلت هذه التقنية انتقلت إلى تقنية ثانية هي‮ ‬تلاوة السور القصار من القرآن الكريم‮ ‬،‮ ‬ثم إلى تلاوة ما أحفظه من السور الطوال‮ ‬،‮ ‬كل ذلك لأنزع من رأسي‮ ‬المشكلة التي‮ ‬تؤرقني‮ ‬،‮ ‬مشكلة تلك المرأة التي‮ ‬تورطت في‮ ‬الزواج بها‮ ‬لضمان حق العمل والإقامة في‮ ‬هذا البلد الأجنبي‮ ‬،‮ ‬لأجد نفسي‮ ‬بعد أسبوع أطلقها،‮ ‬مع علمي‮ ‬بأن الطلاق هو‮ ‬غايتها‮ ‬،‮ ‬بل هي‮ ‬لم تجرني‮ ‬إلى هذا الزواج إلا بهدف الحصول على طلاق سريع‮ ‬يؤمن لها مقاسمتي‮ ‬ثروتي‮ ‬،‮ ‬بحسب ما‮ ‬يقول به قانون هذه البلاد‮ ‬،‮ ‬والاستيلاء على نصف ما أملك من نفائس التحف الشرقية التي‮ ‬تدخل في‮ ‬صناعتها أنواع من الأحجار الكريمة الثمينة‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬جئت لعرضها وبيعها في‮ ‬هذه البلاد‮.

‬وخلال هذا الأسبوع من الزواج الذي‮ ‬أقامته معي‮ ‬،‮ ‬وما سبقه من أيام الخطوبة‮ ‬،‮ ‬جمعت من الوثائق وسرقت من الملفات ما‮ ‬يؤكد حجم الثروة التي‮ ‬تطالب باستلام نصفها‮ ‬،‮ ‬واستخدمت كل فنون الخداع والتمويه والغنج والإغراء حتى جعلتني‮ ‬أصدق أنها حقا تحبني‮ ‬،‮ ‬لأمنحها ثقتي‮ ‬وأبوح‮ ‬لها بأسراري‮ ‬المالية والتجارية،‮ ‬وأطلعها على أوراقي‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬كانت تصنع نسخا منها‮ ‬،‮ ‬من خلف ظهري‮ ‬،‮ ‬واستخدمت هذه الأوراق والمعلومات والبيانات التي‮ ‬يرسلها لي‮ ‬البنك‮ ‬،‮ ‬لإثبات حقيقة الثروة التي‮ ‬تطالب بنصفها‮ ‬،‮ ‬بحيث‮ ‬يصبح الآن‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬ضوء ما تقوله هذه الأوراق‮ ‬،‮ ‬أمراً‮ ‬مستحيلاً‮ ‬أن أتصرف في‮ ‬هذه الثروة بالبيع الصوري‮ ‬أو بالشراكة مع أحد أفراد عائلتي‮ ‬في‮ ‬وطني‮ ‬الأصلي‮ ‬ووضع تاريخ رجعي‮ ‬لذلك‮ ‬،‮ ‬بعد أن صارت حقيقة موقفي‮ ‬المالي‮ ‬ثابتة وواضحة داخل ملف مع محاميها‮ ‬،‮ ‬جاهز لكي‮ ‬يدفع به إلى المحكمة التي‮ ‬ستقول كلمة الفصل في‮ ‬الموضوع‮ . ‬

كان في‮ ‬تصوري‮ ‬أنني‮ ‬الطرف الكاسب في‮ ‬صفقة الزواج التي‮ ‬تضمن لي‮ ‬حقوقا في‮ ‬هذه البلاد‮ ‬،‮ ‬فور وصولي‮ ‬إليها‮ ‬،‮ ‬يعجز أناس أمضوا عمراً‮ ‬فيها من الحصول عليها‮ ‬،‮ ‬وكنت‮ ‬غافلاًُ‮ ‬تماماً‮ ‬عن شغل النصب والابتزاز الذي‮ ‬تقوم به بعض النساء في‮ ‬هذه البلاد‮ ‬،‮ ‬مع المهاجرين أمثالي‮ ‬،‮ ‬الطامعين في‮ ‬الحصول على هذه الحقوق عن طريق وسيلة سهلة‮ ‬،‮ ‬ميسورة‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬الزواج من إحدى مواطنات هذه البلاد‮ ‬،‮ ‬وتصورت وهماً‮ ‬أنني‮ ‬رجل محظوظ لأنني‮ ‬عثرت على هذه السيدة المطلقة الجميلة‮ "‬جوليا‮"‬،‮ ‬أثناء مشاركتي‮ ‬في‮ ‬معرض عالمي‮ ‬للتحف الشرقية‮ ‬،‮ ‬بما أملكه من تحف وجواهر‮ ‬،‮ ‬استخرجتها من بلدي‮ ‬عن طريق المصرف الوطني‮ ‬،‮ ‬عندما جاءت تبدي‮ ‬إعجابها بالمعروضات ثم‮ ‬ينتقل التعبير عن الإعجاب إلى شخصي‮ ‬،‮ ‬قائلة لي‮ ‬فيما تلا ذلك من أيام‮ ‬،‮ ‬أنها وجدت أخيراً‮ ‬فارس الأحلام الذي‮ ‬انتظرته طويلا‮ ‬،‮ ‬وأنني‮ ‬أعدت لها الثقة في‮ ‬جنس الرجال التي‮ ‬فقدتها بسبب زيجتها الأولى الفاشلة‮ ‬،‮ ‬ولم أجد داعياً‮ ‬للشك في‮ ‬عواطفها‮ ‬،‮ ‬وكانت تملك من مؤهلات الجمال والأناقة والثقافة العامة ما جعلني‮ ‬أتعلق بها‮ ‬،‮ ‬وأقع بيسر وسهولة في‮ ‬المصيدة التي‮ ‬أعدتها لي‮ ‬،‮ ‬وبعد أن تحقق لها ما أرادت‮ ‬بزواجها مني‮ ‬،‮ ‬أظهرت الوجه الآخر‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يهدف هذه المرة إلى إنجاز المرحلة الثانية من خطة‮ ‬الاستيلاء على نصف ثروتي‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬الطلاق‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون وجها مناقضا للوجه الأول‮ ‬،‮ ‬وجه المحبة الولهانة‮ ‬،‮ ‬هو وجه الحقد والكراهية والنفور،‮ ‬مستخدمة أية وسيلة ترغمني‮ ‬على طلاقها‮ ‬،‮ ‬ومن بينها تلك‮ ‬المسألة التي‮ ‬تعرف أنها تستفز كل مشاعر الغضب والنفور لدى رجل شرقي‮ ‬مثلي‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬مصارحتي‮ ‬بوجود عشيق في‮ ‬حياتها،‮ ‬وعلي‮ ‬أن أختار بين أن أطلقها‮ ‬،‮ ‬وبين أن أقبل بوجود هذا العشيق‮ ‬يشاركها الفراش مثلي‮. ‬

‮ ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬ينقصني‮ ‬بعد أن تغلبت على هواجسي‮ ‬،‮ ‬وحررت ذهني‮ ‬من شبح هذه البعوضة البشرية لكي‮ ‬أستطيع أن أنام‮ ‬،‮ ‬إلا بعوضة حقيقية من عالم الحشرات‮ ‬،‮ ‬تتسلل إلى مخدعي‮ ‬،‮ ‬وتختار أحلى أوقات النوم‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬لحظة أن بدأ الخدر اللذيذ‮ ‬يتسلل إلى أجفاني‮ ‬،‮ ‬لتصدر أزيزها اللعين تخترق به أذني‮ ‬،‮ ‬ولا تكتفي‮ ‬بالأزيز‮ ‬،‮ ‬بل تأتي‮ ‬وتلسعني‮ ‬بذلك الخرطوم الذي‮ ‬يشبه رأس الإبرة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬وجهي‮ ‬،‮ ‬فاصفع نفسي‮ ‬صفعة قوية مؤلمة بأمل القضاء عليها‮ ‬،‮ ‬فلا أقضي‮ ‬على أحد إلا على راحتي‮ ‬،‮ ‬لأنها طارت فوق رأسي‮ ‬،‮ ‬تصدر ذلك الأزيز الذي‮ ‬يخترق طبلة الأذن‮ ‬،‮ ‬دون أن أعرف‮ ‬كيف ومتى وأين ستعاود الهبوط وتلسعني‮ ‬بإبرتها في‮ ‬المرة القادمة‮ ‬،‮ ‬ولم أكن أريد التفريط‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬هذا النعاس‮ ‬،‮ ‬أو أتركه بسهولة‮ ‬يهرب مني‮ ‬،‮ ‬بعد أن قضيت جزءاً‮ ‬من الليل‮ ‬أتقلب في‮ ‬سريري‮ ‬،‮ ‬مستخدماً‮ ‬كل الوسائل والتقنيات‮ ‬التي‮ ‬تصلح في‮ ‬محاربة الأرق والحصول على حصتي‮ ‬من النوم‮ ‬،‮ ‬ولذلك لم أستجب لاستفزازات البعوضة بأن أتحرك من فراشي‮ ‬،‮ ‬أو أفتح النور‮ ‬لأبحث عنها‮ ‬،‮ ‬واصلت بإصرار الاستسلام للنعاس‮ ‬،‮ ‬مغمض العينين‮ ‬،‮ ‬ولكي‮ ‬أتقي‮ ‬لسعاتها الحارقة‮ ‬،‮ ‬أحكمت الغطاء حول رأسي‮ ‬ووجهي‮ ‬،‮ ‬وحرصت على إدخال اليدين والقدمين تحت الغطاء‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يبقى أي‮ ‬جزء من جسمي‮ ‬مكشوفا أمامها‮ ‬،‮ ‬تنشب فيه إبرتها‮ ‬،‮ ‬إلا أن ذلك لم‮ ‬يدم فترة طويلة‮ ‬،‮ ‬لأن كتمة الحر‮ ‬في‮ ‬غرفة النوم‮ ‬جعلتني‮ ‬لا أطيق البقاء تحت الغطاء،‮ ‬فرفعته عن وجهي‮ ‬بعد أن وجدت العرق‮ ‬يتفصد من جبيني‮ ‬وعنقي‮ ‬،‮ ‬ولم تكن البعوضة اللعينة‮ ‬غافلة‮ ‬عما‮ ‬يحدث‮ ‬،‮ ‬لأنها ما إن رأت وجهي‮ ‬مكشوفا أمامها‮ ‬،‮ ‬حتى بدأت هجومها‮ ‬،‮ ‬المدعوم بخبرة أجيال من أسلافها‮ ‬،‮ ‬تحملها في‮ ‬جيناتها الوراثية‮ ‬،‮ ‬تجعل هذا الهجوم دقيقاً،‮ ‬ناجحاً،‮ ‬ويجعلها بارعة في‮ ‬اختيار أهدافها‮ ‬،‮ ‬و النزول على أكثر المناطق حساسية‮ ‬،‮ ‬مثل طرف الأنف‮ ‬،‮ ‬لتضرب وتهرب‮ ‬،‮ ‬وأبدأ من جديد بإنزال الضربات والصفعات على وجهي‮ ‬،‮ ‬دون أن‮ ‬تنال البعوضة نصيباً‮ ‬صغيراً‮ ‬أو كبيراً‮ ‬من هذه الصفعات‮ ‬،‮ ‬ووجدت هذه المرة أن النعاس‮ ‬،‮ ‬صار‮ ‬يغادرني‮ ‬ويتبخر‮ ‬شيئاً‮ ‬فشيئاً‮ ‬من حدقتي‮ ‬عيني،‮ ‬ولم تبق هناك فائدة في‮ ‬محاولة الإمساك به‮ ‬،‮ ‬فأضأت النور أبحث عنها‮ ‬،‮ ‬مدركا صعوبة العثور على حشرة في‮ ‬حجم ذرة الغبار‮ ‬،‮ ‬ولا سبيل لرؤيتها إلا بعد تدقيق وتركيز‮ ‬،‮ ‬وعندما تراها وتحرك‮ ‬يدك لضربها تكون قد طارت واختفت‮ ‬،‮ ‬ثم لا تشعر بها إلا وقد اختارت منطقة مكشوفة في‮ ‬الجسم اخترقتها بإبرتها‮ ‬،‮ ‬وقبل أن تستطيع الوصول إليها خلال هبوطها الخاطف السريع تكون قد اختفت مرة أخرى‮ ‬،‮ ‬وقد أفلحت في‮ ‬استخدام تقنيات لا قدرة لك على مجاراتها فيها،‮ ‬كأنها قضت دهرا تتعلم حرب العصابات‮ ‬،‮ ‬ولأنني‮ ‬لم أتعود على دخول مثل هذه الحشرات إلى بيتي‮ ‬،‮ ‬فقد ساعدت براءتي‮ ‬وقلة خبرتي‮ ‬في‮ ‬مضاعفة فشلي‮ ‬وأحاسيس الإحباط والهزيمة التي‮ ‬أشعر بها‮ ‬،‮ ‬وأكثر‮ ‬من ذلك فإنني‮ ‬لم أكن واثقاً‮ ‬من وجود أية مبيدات حشرية في‮ ‬البيت تنفع لمقاومتها‮ ‬،‮ ‬ومع ذلك فقد تركت سريري‮ ‬،‮ ‬وغادرت‮ ‬غرفة نومي‮ ‬،‮ ‬أبحث في‮ ‬دواليب المطبخ والحمام عن علبة أكون قد‮ ‬غفلت عن وجودها‮ ‬،‮ ‬تساعدني‮ ‬في‮ ‬التخلص من هذه الحشرة المزعجة الكريهة‮ ‬،‮ ‬وعندما لم أجد شيئا‮ ‬،‮ ‬أسلمت أمري‮ ‬إلى الله و عدت إلى‮ ‬فراشي‮ ‬بعد أن أقفلت باب‮ ‬غرفة النوم بإحكام‮ ‬،‮ ‬آملا أن تكون البعوضة قد‮ ‬غادرت الغرفة مثلي‮ ‬،‮ ‬ولم تعد بعد عودتي‮ ‬إليها‮ ‬،‮ ‬إلا أن الأزيز رجع من جديد‮ ‬يؤكد خيبة أملى في‮ ‬الحصول على حصة من النوم في‮ ‬هذا الهزيع الأخير من الليل‮ ‬،‮ ‬إلا أنه بالإضافة‮ ‬إلى أزيز البعوضة‮ ‬،‮ ‬تناهى إلى مسامعي‮ ‬أزيز آخر أكثر حدة وارتفاعا‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يصدر عن‮ ‬غرفة النوم وإنما من مكان آخر داخل البيت‮ ‬،‮ ‬كأن جيشا من البعوض‮ ‬احتل الشقة واتخذها مكاناً‮ ‬لإقامة هذه المناحة،‮ ‬ورغم خطورة أن‮ ‬يهاجمني‮ ‬هذا الجيش من مصاصي‮ ‬الدماء،‮ ‬فقد استبد‮ ‬بي‮ ‬الفضول وأرغمني‮ ‬على مغادرة السرير وتفقد هذا الصوت المزعج،‮ ‬الذي‮ ‬ازداد قوة بمجرد أن وضعت قدمي‮ ‬خارج‮ ‬غرفة النوم‮ ‬،‮ ‬وعندما لم أجد بعوضاً‮ ‬يهاجمني،‮ ‬تقدمت وسط الرواق مصوبا رادار الأذنين إلى المصدر الذي‮ ‬يأتي‮ ‬منه الصوت‮ ‬،‮ ‬لتحديد مكانه بالضبط،‮ ‬حتى اكتشفت أنه‮ ‬يأتي‮ ‬من المطبخ‮ ‬،‮ ‬فاتجهت إليه‮ ‬،‮ ‬ليظهر الأزيز واضحاً‮ ‬قوياً،‮ ‬وما‮ ‬إن فتحت النور‮ ‬،‮ ‬حتى رأيت وجه إنسان أسمر اللون خلف زجاج النافذة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬يده آلة‮ ‬لقص الزجاج‮ ‬،‮ ‬تصدر هذا الأزيز،‮ ‬استغربت لوجوده هناك‮ ‬،‮ ‬بهذا الشكل‮ ‬،‮ ‬خلف النافذة المطلة على فراغ‮ ‬المنور،‮ ‬والتي‮ ‬تبعد عن الأرض مسافة خمسة أدوار‮ ‬،‮ ‬لم أتركه‮ ‬يكمل إفساد الزجاج‮ ‬،‮ ‬ومددت‮ ‬يدي‮ ‬أفتح الباب الزجاجي‮ ‬للشباك‮. ‬كان‮ ‬بإمكاني‮ ‬أن أدفع الرجل ليسقط من هذا العلو الشاهق ويلاقي‮ ‬حتفه فوق بلاط المنور‮ ‬،‮ ‬وقد بدا واضحاً‮ ‬أنه تسلق المواسير‮ ‬،‮ ‬وارتكز على إحداها وهو‮ ‬يحاول أن‮ ‬يقتحم الشقة من هذه النافذة‮ .‬ ‮

‬انتصرت إرادة الخير في‮ ‬نفسي‮ ‬على إرادة الشر‮ ‬،‮ ‬وبدلاً‮ ‬من أن أمد‮ ‬يدي‮ ‬وأدفع به إلى السقوط‮ ‬،‮ ‬مددتها أعينه على القفز داخل المطبخ‮ ‬،‮ ‬قائلا له وأنا أضبط أعصابي‮ ‬،‮ ‬وأكتم‮ ‬غيظي‮ ‬وقلقي‮ ‬،‮ ‬وأبحث ببصري‮ ‬عن أحد سكاكين المطبخ لأكون جاهزاً‮ ‬للدفاع عن‮ ‬نفسي‮ ‬فيما إذا أخرج سكينا‮ ‬يهددني‮ ‬به أو أي‮ ‬سلاح آخر‮.‬ بدا الرجل مرتبكا‮ ‬،‮ ‬خجولا،‮ ‬قد‮ ‬غادرته صفاقة وجسارة اللصوص،‮ ‬وهو‮ ‬يتمتم معتذرا لأنه لم‮ ‬يكن‮ ‬يقصد إزعاجي‮ ‬وإقلاق نومي‮ ‬،‮ ‬فطمأنته إلى‮ ‬أنه لا ذنب له في‮ ‬إقلاق نومي‮ ‬،‮ ‬لأنني‮ ‬كنت صاحياً‮ ‬بسبب البعوضة التي‮ ‬طردت من جفوني‮ ‬النوم‮ ‬،‮ ‬وجعلتني‮ ‬بالتالي‮ ‬أنتبه لوجوده‮ ‬،‮ ‬وأسمع أزيز آلته‮ ‬،‮ ‬فأنتقل من فراشي‮ ‬إلى المطبخ‮ ‬،‮ ‬حال مباشرته كسر الشباك‮ ‬،‮ ‬قائلا له إن البعوضة لا تزال تنتظرني‮ ‬على قلق في‮ ‬غرفة النوم‮ ‬،‮ ‬فليقل بسرعة ما‮ ‬يريد‮ ‬،‮ ‬لكي‮ ‬أعود إليها وأشبع حاجاتي‮ ‬من قطرة أخيرة من دمي‮. ‬وبدلاً‮ ‬من أن‮ ‬يرد على سؤالي‮ ‬وجدته‮ ‬يقول‮ :‬

ـ أنا ويندسور‮.‬ ـ أنعم وأكر م‮ .‬ ‮ ‬رآني‮ ‬أكتفي‮ ‬بهذا الرد وأنظر‮ ‬إليه حائرا لا أعرف ما‮ ‬يقصده بذكر هذا الإسم الذي‮ ‬يثير السخرية‮ ‬،‮ ‬لأنه لا وجود لاية علاقة بين هيئته المزرية والمهمة القذرة التي‮ ‬جاء للقيام بها‮ ‬،‮ ‬وبين الإيحاءات الملكية التي‮ ‬يوحي‮ ‬بها هذا‮ ‬الاسم‮. ‬أضاف شارحا‮:‬ ـ‮ ‬ويندسور صبي‮ ‬الجاراج‮ ‬،‮ ‬كنت أغسل السيارات في‮ ‬جاراج العمارة‮ .‬ ‮ ‬تذكرت الآن فقط‮ ‬ملامح الصبي‮ ‬الأفريقي‮ ‬الذي‮ ‬طالما وجدته‮ ‬يقوم بغسل سيارتي‮ ‬،‮ ‬دون أن أطلب منه ذلك‮ ‬،‮ ‬راضيا بأي‮ ‬مبلغ‮ ‬أعطيه له مهما كان زهيدا‮ ‬،‮ ‬فهو‮ ‬يخدم في‮ ‬هذه البلاد الغريبة دون رخصة عمل‮ ‬،‮ ‬وعرفت عندما‮ ‬غاب أنه دخل السجن بسبب تعاطيه المخدرات وارتكاب بعض السرقات ليصرف منها على إدمانه‮ .‬

ـ ألم‮ ‬يكن السجن درسا كافيا‮ ‬يعلمك أن الجريمة لا تفيد ؟ ـ لم أكن أريد ارتكاب جريمة لا‮ ‬سمح الله‮ .‬ ـ‮ ‬وماذا جئت تعمل هنا ؟ هل هي‮ ‬مجرد زيارة أخوية اخترت أن تقوم بها في‮ ‬هذا الوقت وبهذه الطريقة‮ .

‬ ـ لم أكن أريد‮ ‬غير أن أطعم نفسي‮ .‬ ـ وهل‮ ‬يستحق البحث عن طعام أن تعرض نفسك للمخاطر التي‮ ‬تنطوي‮ ‬عليها هذه العملية‮ ‬،‮ ‬مثل السقوط من هذا المرتفع الشاهق‮ ‬،‮ ‬أو القبض عليك من طرف الشرطة وإيداعك السجن‮ ‬،‮ ‬وربما قتلك‮ .‬ ـ وماذا أفعل وأنا لا أجد طعاما ؟
ـ اطرق البيوت من أبوابها واطلب صدقه،‮ ‬أما مخاطرة كهذه‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يجب القيام بها إلا من أجل شيء ثمين‮ ‬،‮ ‬نفيس‮ ‬،‮ ‬يضمن لك حياة رغدة بقية عمرك‮.‬
ـ مثل ماذا ؟ ‮ ‬كانت الفكرة قد بدأت تأخذ ملامح واضحة في‮ ‬ذهني‮ ‬،‮ ‬ورأيت أن أعرضها عليه دون تأخير‮ . ‬سألته أن‮ ‬يدخل إلى الصالون‮ ‬،‮ ‬وأخذت معي‮ ‬زجاجة شراب‮ ‬،‮ ‬وأعددت له كأسا ولنفسي‮ ‬كأسا آخر‮ ‬،‮ ‬وقدمت له عرضي‮.‬

ـ عملية مأمونة ومضمونة‮ ‬،‮ ‬ولا تتطلب منك أكثر مما فعلته هذه الليل‮ . ‬تتسلق المواسير إلى شقة في‮ ‬الدور الثالث‮ ‬،‮ ‬وتقوم بتشغيل آلة قص الزجاج أوالخشب‮ ‬،‮ ‬أو الاثنين معا،‮ ‬المهم الدخول من شباك المطبخ إلى الشقة التي‮ ‬لا وجود لأحد بها ليلا‮ ‬،‮ ‬لأنها مكتب للمحاماة‮ ‬،‮ ‬وسأرسم لك خارطة بالغرفة التي‮ ‬ستدخلها‮ ‬،‮ ‬والدولاب الذي‮ ‬ستفتحه،‮ ‬والملف الذي‮ ‬ستأخذه وتحضره لي‮.‬ ولن تكون نتيجة هذه العملية‮ ‬،‮ ‬مجرد وجبة‮ ‬غداء أو عشاء‮ ‬،‮ ‬وإنما مكافأة تكفيك متاعب البحث عن‮ ‬غداء وعشاء لمدة عشرة أعوام‮ ‬،‮ ‬فإذا قلت أن تكلفة مثل هذا الطعام عشرة جنيهات‮ ‬يوميا‮ ‬،‮ ‬فحاصل ضرب عشرة في‮ ‬عشرة أعوام سيكون ثلاثين ألف جنيه تقريبا‮ ‬،‮ ‬سأعطيها لك وفوقها عشرة‮ ‬آلاف أخرى‮ ‬لتغطية نفقات وجبات ومصاريف أخرى‮ ‬،‮ ‬ما رأيك؟ ـ هل هذا‮ ‬يعني‮ ‬أنك لن تقبض علي‮ ‬الآن‮ ‬،‮ ‬ولن تقوم بتسليمي‮ ‬للشرطة؟ ـ هذا ما سأفعله إذا رفضت العرض الذي‮ ‬أخبرتك به‮.

‬ ـ وهل من المعقول أن أرفض عرضا كهذا أشبه بالحلم ؟ ـ‮ ‬يمكن أن نلتقي‮ ‬بعد إتمام المهمة‮ ‬،‮ ‬خارج البيت‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬المكان الذي‮ ‬تختاره‮ ‬،‮ ‬ولا تسلمني‮ ‬الملف إلا‮ ‬بعد أن تستلم النقود‮ ‬،‮ ‬هل اتفقنا؟ ـ اتفقنا‮.‬ ‮ ‬مددت له كفي‮ ‬مصافحا،‮ ‬تأكيدا على اكتمال الاتفاق‮ ‬،‮ ‬وتواعدنا على لقاء ظهر الغد،‮ ‬ليجد‮ ‬الخريطة التي‮ ‬وعدته بها في‮ ‬انتظاره‮ ‬،‮ ‬وأعطيت نفسي‮ ‬مهلة الصباح‮ ‬،‮ ‬أقوم بزيارة لمكتب المحامي‮ ‬مدعيا أنني‮ ‬أعرض الصلح بدلا من المثول أمام المحاكم‮ ‬،‮ ‬لأعرف على وجه اليقين موقع الملف،‮ ‬وشكله‮ ‬،‮ ‬وعندما تأكدت من كل التفاصيل رجعت لأرسم الخريطة وأقدمها لويندسور‮.‬

‮ ‬لم تأخذ العملية أكثر من‮ ‬يوم واحد للقيام بفحص العمارة التي‮ ‬تضم شقة المحامي،‮ ‬ووسيلة الوصول‮ ‬إلى مطبخها‮ ‬،‮ ‬ومعرفة شبكة مواسيرها‮ ‬،‮ ‬ومداخل العمارة ومخارجها،‮ ‬وفي‮ ‬اليوم الثالث كان ويندسور قد أكمل العملية‮ ‬،‮ ‬وواعدني‮ ‬على اللقاء في‮ ‬قطار الأنفاق‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬محطة مهجورة‮ ‬،‮ ‬يغادرها القطار دون وجود ما‮ ‬يكفي‮ ‬من الركاب‮ ‬يشغلون كل عرباته‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬إحدى هذه العربات التي‮ ‬لم‮ ‬يشغلها أحد‮ ‬غيرنا‮ ‬،‮ ‬أراني‮ ‬الملف‮ ‬،‮ ‬وتصفحته ورقة ورقة‮ ‬،‮ ‬لأجد أن كل ما سرقته تلك العاهرة من أوراق،‮ ‬موجود ة فيه‮ ‬،‮ ‬وأريته الظرف السمين‮ ‬الذي‮ ‬احتوى رزم الجنيهات‮ ‬التي‮ ‬وعدته بها‮ ‬،‮ ‬وقبل وصول القطار إلى محطته التالية‮ ‬،‮ ‬كنت قد أعطيته النقود‮ ‬،‮ ‬وأخذت الملف بوثائقه التي‮ ‬ستوفر لي‮ ‬أكثر من أربعين مليونا من الجنيهات‮ ‬،‮ ‬شاكرا بيني‮ ‬وبين نفسي‮ ‬تلك البعوضة التي‮ ‬أرسلتها ملائكة الرحمن لإبقائي‮ ‬مستيقظا عند مجيء ويندسور‮ ‬لسرقة شقتي‮ ‬،‮ ‬لأستطيع بالتالي‮ ‬أن أرسم خطة نجاتي‮ ‬من حبائل تلك البعوضة البشرية‮ ‬،‮ ‬فاللعنة كل اللعنة على هذا النوع من البعوض البشري‮ ‬،‮ ‬والثناء كل الثناء للبعوض الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬يكتفي‮ ‬بقطرة دم تشبع جوعه ولا‮ ‬يقتدي‮ ‬بخصال‮ ‬البعوض الذي‮ ‬يرتدي‮ ‬ملامح البشر ويسعى‮ ‬لامتصاص كل الدماء الموجودة في‮ ‬أجساد البشر الآخرين‮ .‬ ‮ ‬


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home