Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الإربعاء 10 نوفمبر 2010

حديقة الشيخ أبي الخير*

 

د. أحمد ابراهيم الفقيه

سافرت إلي واحة غدامس بعد أن أمضني الشوق الي رؤيتها‏:‏ واشتد ظمئي الي الارتواء من ينابيع مائها‏,‏ واشتاق بصري إلي التكحل بمناطق الضوء والظل تحت غابات نخيلها‏,‏ ولا أدري لماذا تأخرت رحلتي كل هذا الوقت‏,‏ فلم تطأها قدماي الا بعد أن تخطيت العقد السادس من عمري‏,‏ ربما لان مثل هذا المكان المضمخ بعطر وانفاس الاسلاف عبر اربعة آلاف عام‏,‏ شأنه شأن الاماكن المقدسة التي تقصدها مواكب الحجيج‏,‏ لا يتأتي السفر اليه الا بحساب وأوان‏,‏ اذ لا يذهب اليه الا المأذون له بالذهاب‏,‏ ولا يصل اليه الا المأذون له بالوصال‏.‏

وفي الوقت والميعاد الذي يحدده ملائكة مكلفون برعاية ذياك المكان‏,‏ فحصل ما تمنيت عندما حان الاوان دون مشقة ولا رهق‏,‏ وذهبت وعدت سالما غانما‏,‏ وكان من بين غنائمي عدا مشاعر الغبطة والفرح‏,‏ نفحات من علوم ومعارف اشياخ تلك الواحة‏,‏ العارفين بالله من اهل الطريق‏,‏ السالكين في معارج الحقيقة وطلابها‏,‏ وسأقف هذه المرة وقفة قصيرة مع امام الخارجين وشيخ القاعدين وسيد اهل الغناء كما يسمي نفسه ومولي مجالس العشاق سيدي ومولاي الشيخ ابو الخير عبدالرحمن بن الحبيب الغدامسي‏,‏ المعروف بالخليفة‏,‏ المولود في عام‏0581‏ والمتوفي في غدامس ودفينها عن مائة وخمسة اعوام اي في عام‏5591,‏ والوقفة مع كتاب في التصوف من تأليفه‏,‏ اسماه كتاب الحديقة‏,‏ انتهي من تحقيقه صديق كريم من سالكي الطريقة‏,‏ هو الدكتور موسي علي ابراهيم‏,‏ ومازال الكتاب ينتظر ناشرا بعد ان اعده ووضعه في شكله الجاهز للطباعة‏,‏ في مائتين وستين صفحة‏,‏ وهو يمثل كنزا من كنوز الكتب العرفانية‏,‏ وخبيئة مازالت تنتظر من يكشف اسرارها ويمنح فضلها وخيرها لجمهور القارئين‏,‏ ويحتوي الكتاب علي مقدمة المحقق بعنوان عتبة الحديقة يشرح فيها التجربة الروحية الصوفية التي اوصلته للعثور علي الكتاب‏,‏ ثم مقدمة الشيخ المؤلف بعنوان زمن الغيبة‏,‏ ثم نلتقي باربعة وعشرين فصلا يسميها المؤلف المواسم تبدأ بموسم القعود مرورا بموسم الهجرة وموسم الدعاء وموسم الماء وموسم الضوء وموسم العشق وموسم البكاء وصولا الي موسم الخمر وموسم الغناء وموسم الصوم وموسم المعرفة وموسم الخروج انتهاء ببعض القصائد الصوفية من أشعار الشيخ ابي الخير‏,‏ والكتاب فيما اري واحد من ارقي واجمل ما قرأت من كتب الصوفيين التي يرصدون فيها اشراقاتهم وفصوص حكمتهم ولا يقل في مكانته عن مواقف النفري او طواسين الحلاج او فصوص حكمة امام العارفين سيدنا محيي الدين بن عربي‏,‏ ولن استطيع في هذا الحيز الصغير إلا تقديم قطوف من هذه الحديقة الغناء العامرة باشهي الثمار‏,‏ باعتبارها مجرد عينة لما تحتويه حديقة هذا الشيخ الجليل من اشياخ ومتصوفي مدينة غدامس العريقة ‏:‏
ومما جاء في مقام الغيبة هذه الشذرات‏:‏

وقال لي‏:‏ وجهك من عرشي‏,‏ لفحته ريح الضني‏,‏ وصهدته شمس الندم‏,‏ وأذهب نضارته الكد‏,‏ وأنضب ماءه القحط‏,‏ فتقدس في عين الكون‏,‏ وجاوزني في الفضاء‏.‏
وقال لي‏:‏ ها انذا اسوي شعرك من شعث‏,‏ واغسل قلبك من وهن‏,‏ وامسح رجليك من يباس‏.‏
وقال لي‏:‏ انا واحة المتعبين‏,‏ وظل الرامضين‏,‏ وشمس المقرورين‏,‏ كتبت علي نفسي ان احبك واحب من يحبك‏,‏ والزمت رحمتي ألا تهجرك‏,‏ وربوبيتي ان ترعاك‏,‏ فانت الحبيب المحب‏,‏ والطالب الذي لا يرد‏,‏ والزائر الذي يرتجي طلته‏,‏ النديم الذي تخشي غيبته‏,‏ السيد المسود‏,‏ والواحد المعدود‏,‏ والرب المكدود‏.‏ وجاء في مقام النية‏:‏
وقال
لي‏:‏ النوايا مطايا العمل‏,‏ فانظر من اي شيء تكون مطيتك‏.‏
وقال لي‏:‏ النية التي تقطع بها الطريق تصير الطريق‏.‏
وقال لي‏:‏ النية التي تعقدها تعقدك
وقال لي‏:‏ النية التي تدخل بها علينا تخرج بها منا‏.‏
وقال لي‏:‏ النية التي تتكيء علي محبة الخلق‏,‏ تتكيء علي‏.‏
وقال لي‏:‏ النية خبز الخلافة‏.‏
وجاء في مقام الهجرة‏:‏
وقال لي‏:‏ السائحون ماء الارض‏.‏
وقال لي‏:‏ السائحون واقفون بباب النبوة يكادون يدفعونه فيصيرون بأرضها سائرين‏.‏
وقال لي‏:‏ السائحون هجرتهم من الخلق الي الخلق‏.‏
وقال لي‏:‏ الهجرة التي تبدؤها تدشنك
وقال لي‏:‏ الهجرة التي تقتلعك من مكان تغرسك في كل الامكنة‏.‏
وجاء في مقام الضوء‏:‏
وقال لي‏:‏ ما أبهاك في رداء الليل‏,‏ وما أفتن رداء الليل عليك‏,‏ خطوك في الليل قدسي‏,‏ ونفسك علوي‏,‏ والتفاتك سني‏,‏ انت روح الليل المجهدة‏,‏ وضمير النهار الذي وعاني‏,‏ كنت قبلا غفلا من ربوبية الخيرة‏,‏ فانشأت نورك من ظلي‏,‏ وجعلت بهاءه من سمائي‏,‏ واسلمت لك ان ترضي وتسخط‏,‏ وقبلت منك ان تأبي وتقبل‏.‏


هذا
غيض من فيض هذا العالم الجليل واكوانه النورانية آمل ا
ن تجد ناشرا ينشرها بين الناس‏,‏ نفعنا الله بأنوراه وبركاته‏.‏

 fagih@hotmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سبق لي نشر هذه المقالة بصحيفة "الأهرام" ، الإربعاء 10 نوفمبر 2010 .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home