Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ahmed Ibrahim al-Fagih
الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه


د. أحمد ابراهيم الفقيه

الأربعاء 8 يوليو 2009

الأم البديلة‮*

د. أحمد ابراهيم الفقيه

لا ادري ان كان القراء العرب الذين طالعوا في الصحف الخبر القادم من هوليوود‏,‏ عن ميلاد توأم للممثلة سارة جيسيكا باركر وزوجها برودريك من أم بديلة‏,‏ قد فهموا معني الخبر‏,‏ او انهم مروا عليه دون فهم لما يحتوي عليه من مفارقة قد لاتكون واضحة بنفس الصورة التي يعرفونها في أمريكا وتزداد كل يوم وضوحا وسطوعا في مدن الحلم والاضواء مثل هوليوود‏,‏ ولا ادري إن كانوا قد وقفوا امام كلمة الام البديلة كما وقفت في مرة سابقة عندما التقت عيناي لاول مرة بهذه الكلمة الجديدة في استخدامها الحديث الذي يحمل المعني الحرفي للكلمة لا المعني الرمزي الذي يجعل امرأة ليست امنا اما بديلة لنا‏,‏ مثلما يحدث مع زوجات الاب اللاتي يمكن ان يصبحن اما بديلة تقدم لابناء زوجها الحنان الذي يحتاجونه‏,‏ ويكون قريبا في صدقه من حنان الام الغائبة‏,‏ المهم انني تحريت عن هذا المعني‏,‏ وعرفت طرفا من الموضوع وتيقنت مما عرفت اثناء المعايشة والمخالطة لحالات استخدمت هذا الابتكار الجديد من نساء المجتمعات الغربية‏,‏ وكان مدهشا ان اعرف ان الام البديلة صارت الآن مهنة تقوم بها بعض النساء‏,‏ وينتفع بخدماتها عدد كبير من نساء المجتمع الراقي‏,‏ رقي الثراء والشهرة طبعا الذي قد يخالطه فقر في ثراء الروح والمعنويات‏,‏ المهم ان هذه الام البديلة امرأة تؤجر رحمها وجسمها للقيام بمهمات الام من حمل ووضع لحساب امرأة تريد ابناء دون ان تعاني من آلام الحمل والوضع‏,‏ او تعرض جسمها لما يترتب عن الوضع من مضاعفات يمكن ان تفقدها رشاقتها او جزءا من جمالها أو نضارة وجمال وجهها ولو لفترة قصيرة‏,‏ وهي المؤهلات التي تحتاجها في عملها في السينما او التليفزيون أو المسرح أو الباليه أو الاوبرا أوغيرها من وسائل العرض‏,‏ فالام البديلة تكون قد وضعت نفسها وقامت بتأجير جسمها خلال تسعة أشهر الحمل لصاحبة الابن الحقيقي التي لاتملك داخل ذلك الجسم الا البويضة المخصبة اذا جاز التعبير في رحم تلك المرأة‏.‏

وما ان تنتهي هذه المرأة من اخراج الجنين حتي تتركه لاهله الذين استأجروها يتولونه برعايتهم وتنتهي علاقتها به‏,‏ وتأخذ ما تبقي من اجرها وتنصرف لاستقبال بويضة وحيوان منوي من عائلة أخري لتقوم بنفس الدور مقابل اجر تسعة أشهر اخري‏,‏ هذه هي التقليعة الجديدة الآن في عالم أهل الشهرة من نجوم ونساء أعمال وعارضات ازياء‏,‏ اللاتي لايردن حرمان انفسهن من الخلف ولكن ليس عن طريق الإنجاب وانما عن طريق تأجير الارحام‏,‏ ورأيت كيف صارت المسألة مهنة تتفرغ بعض النساء للقيام بها‏,‏ والتقيت عندما كنت في نيويورك اخالط هذا الوسط في اثناء التحضير لمسرحية من تأليفي عرضت هناك‏,‏ من قالت انها تنتظر حدثا سعيدا‏,‏ وعندما ابديت دهشتي لخصرها الذي كان دقيقا يمكن ان يطبق عليه الانسان بين اصابع يده‏,‏ قالت ان هناك امرأة تقوم بالحمل نيابة عنها فيما يسمونه الآن الام البديلة‏,‏ ولم استطع برغم علمي بوجود هذه الظاهرة وانتشارها‏,‏ اخفاء دهشتي وحيرتي لموقف هذه الام البديلة بعد ذلك‏,‏ متسائلا بيني وبين نفسي وبيني وبين الاخرين احيانا‏,‏ الا يرافق هذا الحبل والحمل والوضع والمعاناة‏,‏ مشاعر وانفعالات تجعل للأم البديلة حقوقا في التواصل مع الطفل الذي انجبته؟ وهل حقا انعدمت هذه المشاعر إلي حد الصفر بسبب ان البويضة لم تكن بويضتها؟ اسئلة كان لابد ان ترافق هذه الظاهرة التي اثارت في نفسي مشاعر الدهشة والخوف والحيرة‏,‏ وجعلتني اشعر بأن هناك عصرا جديدا‏,‏ له ملامح غير تلك التي نشأنا عليها‏,‏ فكلنا نعرف المرضع‏,‏ التي تعايشنا معها ورأيناها في مجتمعاتنا‏,‏ وانتفعت شخصيا وانا مازالت في سن الرضاعة بهذه الخدمات من نساء كن يقدمنها تطوعا في قريتنا‏,‏ وظلت هذه هي المهنة التي تقادم عليها الزمن‏,‏ إلي ان جاء الآن عصر جديد بمهنة جديدة هي هذه الام البديلة التي ستأخذ بالتأكيد مكان المرضع‏,‏ وهاهي السيدة سارة جيسيكا باركر نجمة السينما والتليفزيون وبطلة مسلسل الجنس والمدينة يكرمها الله منذ اسبوع مضي بتوأم يأتيها حلالا بلالا بلا تعب ولا ألم غير تلك القروش التي اعطتها مقابل تأجير رحم الام البديلة لتلد لها طفلا‏,‏ فولدت لها اثنين بأجر بطن واحدة‏,‏ بنتين هما لوريان وثابيتا وهيأت لهما الام الغنية غرفة في البيت الهوليوودي لاستقبالهما فيها صرفت علي تأسيسها وتجهيزها ثروة طائلة‏,‏ واصدرت مع زوجها بيانا للصحافة بالحدث السعيد وانهالت عليهما التهاني‏,‏ واقام لهما ابطال المسلسل الذي يعملان فيه احتفالا بالمناسبة‏.

‏ وامتنعت الام البديلة عن الظهور أو تقديم نفسها للصحافة أو الاعلان عن اسمها‏,‏ واختارت ان تبقي امرأة مجهولة‏,‏ لان هناك مهمة اخري تريد ان تتفرغ لها ولاتنشغل بشيء غيرها‏,‏ وهي لن تحتاج لغير زبون واحد كل تسعة أشهر فلاحاجة للإشهار والإعلان وربما كانت هناك قائمة انتظار لامهات اخريات يردن تأجيرها للقيام بهذه المهمة غير السيدة سارة جيسيكا باركر‏,‏ النجمة التي ستتمتع بأمومة التوأم في هذه السن المتقدمة التي قد تكون في بعض الاحيان سن يأس من الانجاب وهي الرابعة والاربعين‏,‏ إلا ان هذا اليأس ينتفي مع وجود هذه المراة الولود‏,‏ أو هذه الام البديلة ذات السن اليافعة والجسم السليم العفي التي تضع مؤهلات الامومة التي تملكها للبيع‏.‏

ابتكار جديد قد يتم تعميمه في مجالات اخري اقتصادية وسياسية وعسكرية‏,‏ وقد نري هذه الأم البديلة‏,‏ دولة بدل امراة‏,‏ تتحمل بدل اعباء الحمل اعباء حرب أو مرض أو ازمة اقتصادية أو آفة اجتماعية نيابة عن دولة اخري هي صاحبة البويضة ومصدرها الاساسي‏.‏ نعم ابتكار جديد‏,‏ وعصر جديد سيحمل لنا كل يوم مزيدا من الابتكارات والتجديد والإبداع‏,‏ فهل نقول هنيئا لنا جميعا‏,‏ ام نقول هنيئا فقط لاهله الاغنياء من دول وامهات‏.‏

fagih@hotmail.com
____________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "الأهرام" ، الأربعاء 8 يوليو 2009م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home